سرّ يوليوس لأنّ ما تبقى من حصصه الإلزاميّة مضى بلا عقبات. لم يُحرجه أستاذ واحد بسؤاله عن غيابه. لم يلحظ أحدٌ من الطلاب سواه ومن جوشوا حضوره أو غيابه. انزلق إلى مقعده وأعطى سمعَه للدروس بسلام. لكنّ أمراً خطيراً فاته. الواجبات. لم يُكلف بأيّ عمل في أسبوعه الأوّل وظن واهماً أن غولدنكريست بلا واجبات كالمعابد العادية. تبدّد ظنّه فوراً حين طالب الأساتذة ستيوارت ويوما وروو بتسليم الفروض مع دخول القاعات.
جلسَ متبلداً بلا حيلة. اعتاد الأساتذة تكليف الطلاب بمهامّ عطلات نهاية الأسبوع بلا درس. كان يوما الوحيد الذي التفت إلى عودة يوليوس. لم ينظر إليه أو يكلمه لكنّ يوليوس شعره يهيم حول هالاته بفضول بينما كان يحادث البقية. تحيّة صامتة. درب هالاته باجتهاد في الخفاء بينما طوّر مهاراته الأخرى. أحكم سيطرته على هالات المستوى الثاني وبات جاهزاً لتقنيات أعقد. تفرّس يوما هالاته كأنه يتصفح مكتبة عامة ثم مسح برفق على رأسه بهالاته.
استشاط يوليوس غضباً من فضول الأستاذ وحاول تمزيق هالاته انتصاراً لنفسه. هبّ الرجل فنفض محاولته كأنها هباء. مدرّس كفء بحقّ. تمتم في سرّه. أعرض عن أحداث اليوم وتابع الدقائق الأخيرة من محاضرة الأستاذ روو.
"خطورة فيضانات الوحوش الكاسحة تهدد أصحاب المهارات بلا مساحات تدمير واسعة أو أهداف متعدّدة. واجه المبارزون والمقاتلون من عشّاق القتال الفردي أخطاراً مميتة بل وطغى عليهم طوفان الوحوش. يختلف تكوين المقاتلين في تلك الفيضانات عن المعتاد. التوافق والمواءمة أساس اختيار الخصم".
رفع شاب يده مقاطعاً الصفّ.
"ماذا لو تخصص المرء بالقتال الفردي ولم يجد مناصاً من مواجهة كاسحة؟"
أومأ روو برأسه بحكمة.
"سؤال وجيه يا بني أبلتون. لن تملك خيار المعارك دوماً. هي مسألة وقت لا غير. يجد المقاتل ظهره للحائط يوماً ولا يملك سوى القتال. دورنا تأهيلكم لتلك اللحظات".
جال بنظره في وجوه الطلاب بحزم.
"لذا تختبرون طوال العام في شتى فنون القتال لاختبار بأسكم وجوانب الضعف تحديداً".
ساد صمت الصف بينما استوعب الطلاب شرح روو. إلى أن انبرت فتاة بسؤال.
"هل نعني بهذا اختبارنا وسط فجوة تعادينا خصيصاً؟"
سألت فتاة يافعة بشعر أبيض ناصع وعينين بلون قوس قزح تبرق بجميع الألوان. خفت صوت حفيف الأوراق والهمس وحلّ صمت مطبق. كانت الأميرة رينيرا. محطّ أنظار الأكاديمية جمعاء. أمضى يوليوس يومه يسمع أحاديث لا تنتهي عن الوافدة الجديدة. سُرّ لوجودها في حصة القتال التطبيقي وحدها. أدرك يوليوس سر جنون الناس بها. كانت فاتنة تخطف الأنفاس. يلفّها ضوء خافت يمنحها إشراقة كأنها ملاك يهبط من السماوات.
ظنّ السر في سلالتها الدمويّة. وبدا مظهرها رهيباً حقّاً. رغم شهرة السلالة الإمبراطورية جهل الكثيرون كنهها. جلّ ما عُرف امتلاك أصحابها طاقة النور لتعزيز قواهم لمراتب شاهقة. لم يشأ يوليوس سوى ترقب ردّها رغم ضيقه من صاخب الفوضى خلال الأيام الماضية. رمق الأستاذ روو بانتظار الجواب. أومأ روو نحوها.
"صدقتِ يا أميرة. لن يحدث قريباً لكنّكم ستخوضون فجوات تلائمكم أو تعاكسكم".
علّق الطلاب في أحاديث متحمسة بعد سماع الإجابة. أرادوا استخدام مهاراتهم لقتال الوحوش كأيّ يافع. تراجع يوليوس للخلف مفكّراً بنقاط ضعفه. تساءل عن الفجوة الكفيلة بمعاكسته تماماً. وأي صنف من الوحوش يمثّل العقبة الأشقّ؟ استغرق في أفكاره حتى بعد أن أنهى روو المحاضرة مكلّفاً إياهم ببحث حول أمثلة لفيضانات الوحوش الكاسحة في القرن المنصرم. غادر القاعة سريعاً. تدافع الطلاب نحو الأميرة مع نهاية الحصة الثانية.
ظنّها الفرصة المثلى للانصراف. هرع جوشوا وصديقه جيمس خلفه أثناء خروجه.
"أترغب في مشاركتنا الغداء اليوم؟"
سأل جوشوا بعد أن أدركه. آه، كدت أنسى الأمر. قلّب يوليوس الأمر فلم يجد ضيراً في الانضمام. لا ضير في التجربة. أومأ برأسه.
"بالتأكيد، لنعجل قبل تجمهر البقية حول المطعم".
أشار بيده نحو الحشد المحيط بالأميرة البائسة. التفت جوشوا مبتسماً.
"حقّاً لا أغبطها على هذا الاهتمام".
جلس الثلاثة إلى طاولة واحدة. طرح جوشوا الأسئلة المعتاد طرحها. كموطن يوليوس ونوع طاقاته. حافظ يوليوس على غموض إجاباته. لم يفصح عن تفاصيل وحين ألحّ جوشوا فاجأه جيمس بتوبيخه.
"كفّ عن الفضول. لا يرتاح الجميع لكشف حياتهم لمن التقوهم للتوّ".
أدرك جوشوا فظاظته فوراً واعتذر بمبادرة لطيفة. حتى إنه عرض قطعته الأخيرة من الخبز هدية اعتذار. بينما تحاشى يوليوس الإفصاح عن هويته عرّف جوشوا بنفسه. هو ابن الكونت رولينز وجيمس ابن لورد تابع للكونت. تربّعا معاً لسنوات ونشأا في المحيط ذاته. علم يوليوس أن الفتاتين اللتين رافقتاهما مساء أمس تدعيان كيلا وأشلي. اختلف جدولهما فتغديتا باكراً لكنهما ترافقانهم عادة على العشاء والتقوا بهما قبل الالتحاق بغولدنكريست.
انقطع حديث الثلاثة على وقع ضجيج عند المدخل. خمن الفاعل فوراً. ولم يفاجأ حين عبرت الأميرة المطعم يعقبها رتل من الطلاب كفراخ البط. أفسح الطلبة طريقهم سريعاً. ابتسم الجميع ملقين التحية على رفيقتهم الملكية. رغم ابتسامتها اللطيفة لمس يوليوس تضجرها من الزحام. أشفق عليها قليلاً. لا ليغيثها بل ليتعاطف معها. بينما انفرج الطريق أمامها تقدم فتى في السنة الأولى نحو الأميرة باختيال مبالغ فيه.
بدا نبيلاً هو الآخر. ازدان لباسه بذهب وفير حتى تساءل يوليوس عما إذا كان يرزح تحت ثقل المعدن. راقب يوليوس انحناءة الفتى المزخرفة وتعريفه لنفسه. لم يستبن حديثه لكن ملامح الأميرة دلت على تفاهته. رافقت الفتى حاشية أيضاً. التفت الجميع للمشهد. حافظت الأميرة على أدبها لكن بضاعة الفتى لم تعجبها. أطلقت حاشيتها شهقات استنكار نيابة عنها. فجأة نشب عراك بين عضوين من الحاشيتين. لم يفطن يوليوس لسبب الشجار.
تبادل اثنان اللكمات واندلعت الفوضى الشاملة. ساد الهدوء ومحاه الصخب المفاجئ. تطاير الطعام عن الصواني وانقلبت الطاولات واصطدم البشر. حاولت الأميرة تهدئة جماعتها بلا جدوى بعد انطلاق اللكمة الأولى. طوفان لا يُردّ. أقرّ يوليوس بمتعة المشهد. جلسا في الخلف بعيداً عن المعمعة رغم تطاير شظايا الطعام. امتدت الفوضى لتطول طاولتهم. بادر يوليوس الذكيّ بحمل صينيته متراجعاً لنهاية المطعم وتبعه جوشوا وجيمس بحكمة.
اعتلى يوليوس طاولةً قاضماً قطعة خبز أهداها له جوشوا مستمتاً بالعرض. عليّ إتيان هذا المكان مراراً بمللي. أفضل من أيّ عرض سينمائي. فكر بسعادة. وجّه بقايا عظم دجاجة طار نحوه مستخدماً طاقة حركيّة. أمر مذهل حقّاً. قذفها أحدهم من الطرف الأقصى للقاعة بلا شك. تدخل طاقم العمل فجأة حاسماً الفوضى. عادة ما يتركون الطلاب لفضّ نزاعاتهم لكن الأمر تجاوز الحدود. استخدموا هالاتهم لتهجئة الحشد بأساليب عنيفة مع المنفلتين.
تطلب الأمر استدعاء معالجين لإصابات بعض الطلاب. فوضى عارمة تحتاج لتنظيف. عالج المعالجون كسور العظام ووجوهها المحطمة. لولا استخدام التقنيات الخطرة واقتصار الأمر على اللكمات لكان أسوأ. لا يعرف قواعد الشجار بالمطاعم لكن تجنب التقنيات المدمرة أولها بلا ريب. درس نافع حال صادفه شجار مشابه.