أراد أول ما أراد تجربة مهارته الجديدة. أنهى طعامه على عجالة قبل التوجه نحو مرافق التدريب الخاصة بالسنة الأولى. لمح وجوهاً مألوفة في طريقه عبر المبنى. كان بعضهم يتبادل اللهو وبعضهم ينشغل بأمور تخصه جانبياً. وجد نفسه في قاعة واسعة واستقر في مكانه. ما إن اطمأن حتى بدأ ببطء. شرع أولاً بمهارة [التشكيل الخفي] منشئاً كرة مستديرة من طاقة النار. ثم أدخل عليها مهارة [الضغط الخالص]
ضاغطاً الطاقة على نفسها. تأمل جوليوس بشرود مدى التغيير الذي طرأ على مهاراته. باتت هاتان المهاراتان طبيعيتين كالتنفس تماماً. تطلب استخدام الاثنين معاً جهداً ضئيلاً للغاية. خلال ثانية واحدة كان يمسك بكرة دائرية تماماً من الطاقة الحمراء. كانت القوة المحتواة داخل كرة الطاقة مهيبة بالفعل، لكن لم يكن هذا كل ما يملكه، بل استطاع فعل ما هو أكثر بكثير. ثم أدمج مهارة [القطْع الطاقيّ]
في التشكيل. توهجت الكرة بطاقة زرقاء حول سطحها حادة كالشفرة. كان استخدام [القطْع الطاقيّ] على جسم كروي أصعب بكثير من استخدامه على رمح أو سيف، لكن كل جهده في تطويع المهارة بطرق مختلفة بدأ يؤتي ثماره. وجب عليه استخدام [الرقصة الضارية] و[تعزيز الإرادة] لإبقاء كل شيء متماسكاً، لكنه ظل متماسكاً. أخيراً، شرع في استخدام مهارته الجديدة [الطاقة المركبة]. كالعادة، حُفرت المهارة غريزياً في عقله وروحه، مما سمح له بمعرفة كيفية استخدامها دون بذل جهد يذكر.
في البداية، شعر جوليوس بالقلق من ألا تعمل المهارة بكفاءة [طبقات الطاقة]. مع ذلك، لم يشعر قط بمثل هذا الامتنان لأن يثبت خطؤه بهذه السرعة. لم يقتصر الأمر على قدرة جوليوس على استخدام خصائص طبقات الطاقة في تشكيلاته فحسب، بل صار الأمر أفضل من ذي قبل بكثير. كان يحاول دمج طبقات الطاقة وربطها بسلاسة منذ فترة. استخدم بنية تشبه قشور الحيوان، بحيث تتراكب الواحدة فوق الأخرى وتتغذى إحداهما على الأخرى.
مع ذلك، لم يعد بحاجة لبذل هذا القدر من الجهد لإنجاز الأمر ذاته. امتلكت [الطاقة المركبة] أثراً عبقرياً في دمج طبقات الطاقة معاً كأنها طبقة واحدة فريدة. هكذا، وعوضاً عن امتلاك عدة طبقات من الطاقة، عمدت المهارة أساساً إلى تسخين تلك الطبقات وصهرها لتصبح طبقة واحدة بالغة القوة والتعقيد. ترتب على ذلك عدة تداعيات. أولاً، صار إنشاء التشكيل أسرع بكثير من السابق. استغرق بناء طبقات الطاقة وقتاً، وفي القتال، كان الوقت يعني الكثير.
قد تكون ثانية واحدة هي الفاصل بين الموت والحياة. لذا، وبما أنه صار مجبراً على الاهتمام بطبقة واحدة فقط، وإن كانت أشد تعقيداً بطبيعة الحال، فقد بات بإمكانه إنشاء تشكيل بسرعة أكبر. ثانياً، فاقت الطبقة نفسها مجموع أجزائها. امتلكت الطبقة الآن أفضل ما في جميع الطبقات، متحررة من نقاط الضعف. إن قارن جوليوس الأمر بشيء، لشبهه بصنع درع من مواد واهية. لو استخدم المرء مئات الطبقات من رقائق الألومنيوم والورق المقوى والورق، لصنع في النهاية درعاً سميكاً ومفيداً إلى حد ما.
وحدها الكمية الهائلة من الطبقات كفيلة بجعل الأمر ينجح. بيد أن [الطاقة المركبة] غيرت تشكيلات جوليوس بالكامل. فبدل الحاجة إلى طبقات عديدة لضمان السلامة الهيكلية، صار بحاجة إلى طبقة واحدة فقط. تحولت رقائق الألومنيوم والورق المقوى والورق جميعها إلى مادة جديدة جمعت قوة المواد القديمة من دون أي من نقاط ضعفها. تميزت بالمتانة والمرونة وموصلية طاقة تفوق بكثير أي مادة فائقة.
إن كان درعه القديم جداراً مركباً بعشوائية، فإن درعه الجديد صُنع من طبقة سمكها قدم من سبائك التنجستن الخالص. لم تكن هذه نهاية فوائد المهارة فحسب. بل نجحت أيضاً في دعم الطاقة الحادة الناتجة عن [القطْع الطاقيّ] بطريقة أفضل مما استطاع جوليوس فعله بمفرده. لم تعد المهمة الشاقة السابقة المتمثلة في الحفاظ على طاقة القطع غير المنسوبة حول الكرة مرهقة كما كانت. بدا الأمر كأن جوليوس يستخدم إحدى سماته الأخرى على التشكيل.
لم يحتاج حتى إلى استخدام [رقصة ضارية] معززة لإبقاء المهارة مفعلة. ضحك بصوت عالٍ إدراكاً منه لمدى روعة هذه المهارة. ورغم أنها لم تكن مهارة نادرة فائقة، إلا أنها كانت ملائمة تماماً لمجموعة مهاراته الحالية. يعني هذا أيضاً أنها شكلت مطابقة مثالية لهدفه المتمثل في دمج مهاراته لتصبح مهارة من رتبة ملحمية. بدد كرته الطاقة بسرعة وشرع في إنشاء تشكيل آخر، لكنه اتخذ هذه المرة شكل الرمح، وهو خياره الهجومي المفضل.
علاوة على ذلك، استعمل [الطاقة المركبة] منذ البداية هذه المرة. أخذ نفساً عميقاً، فركز جوليوس واستخدم [التشكيل الخفي] و[الضغط الخالص] لصنع رمح من طاقة النار والحركة. أمسكت [الطاقة المركبة] بأنواع الطاقة المختلفة ومزجتها معاً، حاشية طاقة النار والحركة داخل الرمح بقوة مذهلة. في السابق، كان على جوليوس إضافة لبنة منفصلة من طاقة الحركة داخل الرمح لتنفجر عندما يختار هو ذلك أو عند اصطدامها بهدفه.
وكان عليه أيضاً استخدام طاقة الحركة لزيادة سرعة التشكيل فضلاً عن إضافة قوة طرد مركزية إليه. تطلب الأمر جهداً ذهنياً هائلاً لاستخدام نوعين مختلفين من الطاقة بهذه الطريقة. أحياناً، كان يختار عدم خوض غمار كل هذا الجهد، لعدم امتلاكه الوقت أو التركيز الكافي للقيام بذلك. أما الآن، فلم يعد يظن أنه سيواجه هذه المشكلة. راح يطفو فوق كتفه مثقاب قاتل من طاقة الحركة المركزة وطاقة النار، يدور كمثقاب مسخّن إلى درجة فائقة ويصدر صفيراً حاداً وهو يشق الهواء.
استطاع جوليوس رؤية رأس الرمح وهو يشعل الهواء حرفياً. لم يشعر حتى بأنه بحاجة إلى إضافة [القطْع الطاقيّ] إليه الآن. وحدها القوة الكامنة التي بالكاد تحتويها التشكيلة كانت كفيلة بإخافة جوليوس قليلاً. دون إبطاء، أطلق رمح الطاقة منطلقاً بصرير نحو أقرب هدف على الجدار. اصطدم الرمح بالهدف مخلفاً انفجاراً مدوياً، وكادت الموجة الصدمية تطوح بجوليوس عن قدميه. استغرقت طنين أذنيه لحظة لتزول وكان عليه هز رأسه ليتعافى من الانفجار.
يا للهول، تراجع بضع خطوات مذهولاً أكثر من أي شخص آخر. لم يكن ذلك حتى أقصى ما يمكنني إلقاؤه نحوه. ابتسم جوليوس وهو يفكر في إمكانية صنع شيء أكبر وأكثر قابلية للانفجار. لذا وبدون تفكير آخر، صنع رمحاً آخر فوق كتفه. استغرق وقتاً أقل من ذي قبل. ودون الحاجة إلى بناء طبقات معقدة من الطاقة بعناء، تضاعفت تقريباً سرعة إنشاء الرمح مقارنة بالسابق. بدا الأمر محرراً بشكل غريب، إذ بات بإمكان طاقته التدفق بينما تتكفل مهارته ببقية البقاع.
سجل ملاحظة ذهنية في ألا يعتمد كثيراً على المهارة رغم ذلك. استمرار معرفة كيفية استخدام المهارة يدوياً في إثبات ميزة واضحة بجلاء كلما تقدم، وهو أمر سيتعين عليه مراقبته بينما يتابع طريقه. ما إن استقر رمح الموت الخطير الدوار فوق كتفه حتى ركز وأضاف برفق [القطْع الطاقيّ] إلى تشكيله. إن كان يعتقد سابقاً أن الرمح يشعل الهواء بالاحتكاك الذي يولده عند رأسه، فهذه المرة كان يخترق الفضاء فعلياً.
تلاشت الطاقة الحادة المدمجة في التشكيل وصوت الصفير الذي أحدثه وهو يخترق الهواء. من التفاصيل المثيرة للاهتمام الأخرى أنه لم يعد بإمكانه سماع الأنين الحاد المزعج للتشكيل. بات يدور صامتاً في مكانه. وجد أن ذلك أشد إثارة للرعب من سماع الصفير. ظل يطفو هناك بشكل ينذر بالسوء، كيد الموت. هذه المرة، وبوجود قدر أكبر بكثير من الطاقة والقوة، اضطر جوليوس إلى استخدام [رقصة ضارية]
معززة بـ[تعزيز الإرادة] للحفاظ على تماسك التشكيل. تأمله لحظة، الرمح الدوار بالأحمر والأزرق. كان شتّان ما بينه وبين ما اعتبره يوماً رمحاً مميتاً في صدع التماثيل. لو ألقى هذا على زعيم التماثيل لتوقع أن يتبخر الأخير تماماً. من يدري، لربما كان قوياً لدرجة أنه سيمر عبر التمثل مباشرة دون أن ينفجار. دون مزيد من الانتظار، أطلق الرمح نحو هدف آخر. هذه المرة، لم ينجُ الهدف. اخترق الرمح كتلة المعدن الكبيرة كأنه يخترق زبدة لينة وانفجر، متطايرة شظايا المعدن في أرجاء القاعة.
حاول جوليوس إقامة دفاع بدرع طاقة صلب أمامه، لكنه لم يكن كافياً. انغرست شظايا المعدن في ساقيه وصدري كأنه وسادة دبابيس. فوراً، تفعيل [تجدد طائر الفينيق الوهمي] وبدأ بمعالجته. غطى اللهب الأحمر جسده بالكامل، دافعاً بالشظايا المعدنية الصغيرة والكبيرة خارج جسده، لتسقط على الأرض بصوت رنين حاد.
[الطاقة المركبة المستوى 1 -> المستوى 2]
على الأقل خرج بمستوى من جراء عناءه. عاد جوليوس إلى قفوفه في الوقت المناسب لرؤية تعاويذ القاعة تعمل بكامل طاقتها لاحتواء الضرر. استطاع رؤية الروناس وهي تومض بكثافة في أنحاء القاعة وشرارات الطاقة الصغيرة تتطاير من الجدران. عفوًا، انكمش جوليوس متأوهاً بعد معاينته للأضرار.
منظور غابرييل كان غابرييل في منتصف تأمله حين سمع طارقاً يطرق باب غرفة تدريبه الخاصة. ضغط زرّاً صغيراً متصلاً بجهاز خارج الغرفة.
قال لسوران: "ادخل".
فتح الباب بسرعة ودخل مساعده الشخصي سوران بخطى واسعة. أخذ غابرييل وقته في تأمّل الشاب. كان قد تخرج قبل عُدّة أعوام وعُرض عليه منصْب إداري في غولدنكريست. لفت سوران انتباه غابرييل في العام الماضي واتخذه مساعداً شخصياً له. كان الشاب موهوباً كسائر خريجي غولدنكريست، لكن أكثر ما برع فيه هو تعليم الآخرين والمهام الإدارية. وهي أشياء كان غابرييل يمقتها أشد المقت. وهكذا، انتهى به المطاف إلى إلقاء الكثير من أعبائه على عاتق الشاب الواقف أمامه.
لم يكن سوران يفعل ذلك مرغماً. كان يؤدي الكثير من الأعمال الشاقة برضا. فهو في النهاية يتلقى دروساً شخصية من غابرييل بينما يشق طريقه نحو المرتبة الرابعة. أيّ شخص سيقايض بسعادة بعض الأوراق بمثل هذه الفرصة. تكلم سوران حين شعَرَ بأن غابرييل ينصت إليه.
"سيدي، فعلت ما أَمَرْتني به وراقبْتُ نشاطات بطاقة تدريب جوليوس. لقد استعمل بطاقته للتو لدخول غرفة تدريب السنة الأولى، لكن..."
توقف مفاجئاً وبدا أكثر حيرة من أي شيء آخر.
حَضَّ غابرييل الشاب قائلاً: "لكن ماذا؟"
قال سوران أخيراً: "لكن الغرفة نفسها تلقت للتو تقريراً يفيد بأن النقوش السحرية تضررت وهي بحاجة إلى صيانة. لم ألاحظ ذلك إلا لأنك أمرتني بترقب أي أمر غريب وأردت إعلامك".
ابتسم غابرييل وهزّ رأسه ضجراً.
"امحِ أي سجل لدخول جوليوس إلى الغرفة ثم رتّب لقدوم مجموعة من النقاشين إلى هناك غدّ بعد الظهر، حسناً؟"
توقف سوران برهة، مرجحاً أنه يفكر في الاستفسار عن السبب، لكن الشاب اكتفى في النهاية بإيماءة برأسه، وخرج ليقوم بذلك فوراً. كان هذا سبباً آخر جعل غابرييل يحب الاحتفاظ بسوران قريباً منه. بالتأكيد كان موهوباً ونافعاً، والأهم من ذلك أنه كان جديراً بالثقة ويعرف متى يتجنب طرح الأسئلة. وهو أمر قدره غابرييل حق القدر. بعد مغادرة سوران، استند غابرييل بظهره إلى بساط التأمل وابتسم باتساع.
لم يكد يبلغ منتصف الفصل الدراسي حتى أثار هذا القدر من المشكلات. إن أراد إبقاء رأسه مطأطأً، فعليه أن يجادل بشكل أفضل، هكذا ضحك في سرّه.