درب التسامي الفصل 113 — تاجر النعم

اقرأ درب التسامي الفصل 113 — تاجر النعم باللغة العربية على مانجا تايم.

⟦1╗ لم يستطع جوليوس تفسير الأمر، لكنّ أحشاءه كانت تصرخ بأنّ هذا الرجل ليس من الرتبة الرابعة كما أخبرتهم ليز. لم تكن هناك أيّ علامات لهالة تتسرب أو أيّ دليل آخر يدعم ادعاءه، لكنّ جوليوس عرف في أعماق قلبه أنّ هذا الرجل هو أحد أقوى الأشخاص الذين قاب قطّ. كاد جوليوس يعجز عن التنفس. لم يلمس أيّ تأثير خارجي يعبث به، لكنّ صدره كان مقبوضاً بشدة لسبب ما. التفت نحو ديكلان، أراد أن يرى إن كان قد استشعر ما استشعره جوليوس.

مع ذلك، لم يبدو ديكلان متوتراً أو قلقاً. كان يتصرف كالمعتاد ممّا جعله يشكّ في حدسه لثانية واحدة. توقف لثانية وأخذ نفساً عميقاً ليهدئ روعه. ربما كان يتسرع في الاستنتاج. ظلّ الاحتمال قائماً بأنّ الرجل أمامه يمتلك مهارة أخرى تحجبه عن [الإدراك المكاني] الخاص بجوليوس. راقب جوليوس دانتي وهو يتفحصه وديكلان بعينين جامدتين. ارتسمت على وجه ديكلان ابتسامة عريضة مجدداً فانحنى للرجل تحيةً.

"أهلاً بك يا سيد دانتي. اسمي ديكلان وهذا جوليوس هنا. كانت ليز كريمة معنا لتدلنا على مكان إقامتك، آمل ألا نكون ضيفين ثقيلين."

لم ينطق الرجل بشيء فورا. واصل رمي نظراته الحادة نحوهما وهو واقف عند عتبة الكوخ.

تكلّم أخيراً: "أعرف. لقد أعلمتني بقدومكما."

كان صوتاً عميقاً جهورياً يشبه نبرة من يعتاد إصدار الأوامر. ذكّره في الواقع بصوت قائد عسكري. إن كان موقف الرجل غير الودّي قد ثبط ديكلان، فلم يُظهر ذلك.

"أهو كذلك؟ هذا ممتاز. وهل ذكرت صدفةً سبب رغبتنا في لقائك؟"

"لقد فعلت والجواب هو الكلا"

رفضه دانتي بصراحة قبل أن يكمل ديكلان طلبه حتى.

"أه"

قال ديكلان منهار المعنويات.

"ألن تفكر في الأمر حتى؟ أرجوك، عملك هو أحد أروع الأعمال التي صادفتها. حتى لو كانت قطعاً قليلة، يسرني أن أشتري أي شيء متوفر لديك."

"لمَ ترغب في اقتناء أغراضي بهذه الشدة؟"

سأل الرجل ديكلان بفظاظة. أومأ ديكلان برأسه.

"إنها تحف فنية متقنة."

"دعني أوضح. لمن تريدها؟ أتريدها لنفسك أم لتجهيز حراسك؟"

سأل الرجل الطاعن في السن. عاد جوليوس إلى حالة التأهب فوراً. لم يذكر أيّ منهما لليز قطّ أنّ ديكلان نائب قائد، وبالتأكيد لم يذكرا ذلك لهذا الرجل. ومع ذلك، بدا أنّ دانتي يعلم بالأمر. لولا ذلك لما أدلى بهذا التعليق. لاحظ جوليوس أنّ ديكلان بدا واعياً أيضاً بتبعات كلمات الرجل، لكنه حافظ رغم ذلك على ملامحه الودودة.

"أعترف، يسعدني حقاً أن أجهز وحدتي بالكامل بأدوات من صنعتك. لكني أدرك مدى عدم منطقية ذلك. على كلّ حال، لدي ابن يمارس حرفة الصنعة وسيتعلم الكثير لمجرد رؤية عملك."

رقب جوليوس دانتي وهو يتأمل ديكلان بهدوء لحظةً قبل أن يطلق تنهيدة ودون كلمة عاد إلى الداخل. تبادل ديكلان وجوليوس النظرات متسائلين عن وجهته. بعد لحظات قليلة عاد الرجل حاملاً شيئين بيديه. كان أحدهما مكعّباً معدنياً بحجم قبضَة مغلقة ونقوش تكسو سطحه بأكمله. وكان الآخر تمثالاً خشبيّاً يشبه صبياً صغيراً بأجنحة تشبه أجنحة الملائكة ممتدة من ظهره. بدا كلا الشيئين متقن الصنع بوضوح.

كانت تفاصيل كلّ منهما دقيقة ومرهفة. وكان التمثال مذهلاً بشكل خاص. فريش الأجنحة كان بالغ التعقيد والجمال. استشعار جوليوس أخبره أيضاً أنّ كلّ غرض يحمل طبقات عديدة من التعاويذ. ولن يفاجأ إن علم أنّ كلا الغرضين يمتلكان وظائف تتجاوز مجرد الشكل الجميل.

ناول الرجل الغرضين إلى ديكلان مردفاً: "أعطِ هذين لابنك. أخبره أن يتمرن على إعادة صنعهما. المكعّب أحجية ستساعده على تعلم كيفية طبقات التعاويذ بكفاءة أكبر. أما الصبي الخشبي فسيعينه على ابتكار تعاويذ أبدع وأعقد."

أمسك ديكلان الغرضين باحترام بالغ وشكر الرجل بإسهاب.

"ما الذي يمكنني منحه لك لقاء هذين؟"

سأل الحرفي العجوز. هزّ دانتي رأسه نفيّاً.

"لا حاجة لي بالمال."

هزّ ديكلان رأسه بإصرار هو الآخر.

"لا يمكنني أخذ هذين مجاناً. أخبرني بما يمكنني فعله بالمقابل،"

أصرّ. عَبَس الرجل العجوز من عناد ديكلان.

"أخبرتك، لا حاجة لي بالمال. السبب الوحيد لإعطائي إياكما كان طلب ليز بأن أساعدكما."

"لا بدّ من شيء أستطيع فعله."

أومأ الرجل برأسه.

"لديّ ما أود الحصول عليه..."

"سَمِّهِ،"

ابتسم له ديكلان.

"مجرد إجابة عن سؤال،"

قال الرجل بغموض.

"يمكنني سماع السؤال، لكني لا أعدك بقدرتي على منحك إجابة ترضيك،"

قال ديكلان بحذر.

"لا بأس. لأنّ السؤال ليس موجهاً لك."

التفت دانتي لينظر مباشرة إلى جوليوس الذي ظلّ يقف في الخلفية طوال الدقائق القليلة الماضية.

"إنه له."

"له؟"

"أنا؟"

أشار جوليوس إلى نفسه. سألا الاثنان بدهشة. ضغط وجه الرجل العجوز البارد كالحجر على جسد جوليوس. بدأ جوليوس يشعر بذلك الشعور ذاته الذي داهمه عند رؤيته للرجل لأول مرة. كان شعوراً متسللاً بالرهبة.

تدخل ديكلان قائلاً: "ماذا تريد أن تسأله؟"

سأل بارتباك. أخيراً، ارتفعت شفة الرجل بمقدار شعرة. مع ذلك، لم يطمئن ذلك جوليوس البتة. كلا، بل جعله يشعر وكأنه قد أُقحِم في قفص مع دب قطبي جائع وهو وجبته التالية.

"لا شيء يذكر، أردت فقط سؤاله كيف عرف."

بقي ديكلان مرتبكاً.

"عرف؟ عرف ماذا؟"

في هذه اللحظة، لم يدرِ جوليوس كيف لم يلتقط ديكلان ذلك الشعور الغريب الذي شعر به. تجاهل الرجل ديكلان ولم يكن يرى سوى جوليوس. كانت نظرة الرجل حادّة. كأنه يتحدى جوليوس ليجرؤ على النظر إليه.

"أخبرني، كيف عرفت؟"

قمع جوليوس الخوف المتصاعد وأعاد نظره إلى الرجل، محدقاً في عينيه مباشرة. ليُظهر أنه لن يرضخ.

"لا أدرِي ما تعنيه."

بدأ الرجل يبتسم فعلياً الآن وخطا ببطء من العتبة نازلاً درجات شرفة الكوخ، مقترباً من جوليوس بتركيز حاد. شعر جوليوس بالضغط يتفاقم أكثر فأكثر كلما اقترب الرجل منه. اهتزت الأرض مع كل خطوة، كأنّ الرجل يزن جبلاً. أخيراً، بدا أنّ ديكلان استشعار شيئاً غير مألوف فحاول الإمساك بكتف الرجل قبل أن يصل إلى جوليوس. مع ذلك، بالكاد استطاع ديكلان قطع قدم واحدة قبل أن يوقفه شيء في مكانه.

كان الأمر أشبه بأنّ شخصاً ما جمّد الهواء حوله وعجز تماماً عن تحريك جسده. تحول وجه ديكلان إلى لون رمادي حين أدرك ما يحدث. ورغم صدمته، لم يمنعه ذلك من محاولة التحرر. رقب جوليوس ديكلان وهو يطلق سلطته بدفعة هائلة، لكنه ظلّ عاجزاً عن تخليص نفسه. صارع بكلّ ما أوتي من قوة، لكن عبثاً، لم يكن لكل ما فعله أيّ تأثير. سرعان ما تهاوت كل المقاومة وتجمّد كتمثال. اتسعت عيناه جوليوس كالفناجين بينما اقترب الرجل منه بتمهل.

لم تكن أحشائي مخطئة. وبّخ جوليوس نفسه. كان عليه أن يعرف أفضل من تجاهل حدسه. توقف الرجل أخيراً أمام جوليوس مباشرة. كان جزء من جوليوس يود لو يلوذ بالفرار، لكنه عرف في قرارة قلبه أنه لا مفر من هذا الوحش. أيقن أنّ هذا الرجل ليس في الرتبة الرابعة، والأرجح أنه في الخامسة أو أقوى إن استطاع التعامل مع ديكلان بهذه السهولة. انحنى الرجل قليلًا ليصبح وجهه قبالة وجه جوليوس.

"إذن... أستخبرني؟"

ابتلع جوليوس اللعاب المتراكم في حلقه بتوتر.

"أعلم أنك لاحظت شيئاً حين رأيتني. لقد سمعت نبض قلبك وشعرت بهالتك. كلاهما صرخا مبالغةً اللحظة التي رأيتني فيها. ما كان ينبغي لأي سبب أن تجعلك تتفاعل هكذا. كان يفترض بك التفاعل مع هالتي تماماً كما فعل رفيقك."

أدرك جوليوس وقوعه في الشرك. صرّ على أسنانه وأحدق في العجوز. مع أنّه للحق، منح الرجل تلك الأغراض لديكلان وكلّ ما أراده بالمقابل هو إجابة عن سؤاله. لم يكن طلباً غير منطقي، لذا أعطاه جوليوس إجابته.

"مهارة،"

قال ببرود. لم يسهب في الشرح أو يزد حرفاً.

"مهارة؟ أيّ مهارة هذه؟"

سأل الرجل بإلحاح. تصلّب جوليوس وهزّ رأسه. لن يخضع لابتزاز هذا الرجل، مهيما بلغ مقدار قوته.

"طلبت مني الإجابة عن سؤالك وقد فعلت. لست بحاجة لإخبارك بمهاراتي الشخصية."

عرف جوليوس أن استفزاز شخص بقوة هذا الرجل ليس بالأمر الحكيم. لكنّ سلوكه استند إلى بضعة أسباب. أولاً، كان الرجل فظّاً صراحةً ولم يعجب جوليوس أن يعامله أحد بهذه الطريقة. ثانياً، لم يشعر جوليوس بأن الرجل يكنّ له عداءً. صحيح أنه تعرض لضغط حضور الرجل المطلق ورتبته لكن لم يكن في أفعاله ما ينذر بالخطر المباشر. نفس الشعور في أحشائه الذي أنذره بخطورته، أخبر جوليوس بأن الرجل لا يحمل له نوايا خبيثة.

اعتقد جوليوس أن وجه الرجل وحضوره مرعبان حقاً لا أكثر. حدّق الرجل في جوليوس بالمثل. للحظة ظنّ جوليوس أنه كان مخطئاً وأنّ الرجل سيبخره من الوجود حيث يقف. لذا تنفس الصعداء عندما تراجع الرجل خطوة وأطلق ضحكة قصيرة، لتلمع الندوب على وجهه في الضوء.

"آه، يا له من وقاحة في وجه الموت. أنت تعلم كم أنا أقوى منك، ومع ذلك ما زلت تتحلى بالشجاعة الكافية للتصرف هكذا."

"لست متأكداً إن كان يمكن تسمية هذا شجاعة،"

تمتم جوليوس بهدوء وأطلق ضحكة عصبية خاصة به. لقد سرّه أنه لم يُمحَ من على وجه البسيطة.

"أه؟ إن لم تكن شجاعة فما تسمّيها إذن؟"

سأل العجوز المرعب بنبرة ساخرة. تأوه جوليوس ظاهرياً. رفع بصره إلى الرجل الذي بدا كأنه ينتظر إجابته ففكر في الأمر لثانية.

وبعد لحظة قال أخيراً: "غطرسة؟ حماقة ربما؟"

لم يعقّب الرجل على ذلك بشيء، لكنّ جوليوس رآه يومئ برأسه.

ثم نظر إليه دانتي قائلاً بعفوية: "على الأقل أنت واعٍ بذلك. لا يمكنني الجزم بأنّ الجميع يتحلى بذات الوعي الذاتي. فقط كن حذراً، قد يأخذ شخص ما موقفاً حاداً من موقفك في المرة القادمة."

أومأ جوليوس بارتباك، فلم يدرِ حقاً ما كان يمكنه قوله رداً على ذلك.

"حسناً يا جوليوس. ماذا تريد بالمقابل لتخبرني بتلك المهارة؟"

سألهم دانتي بابتسامة حاول أن تبدو مريحة. لم تكن كذلك. فالندوب على وجه الرجل جعلته يبدو مهدداً ومخيفاً أكثر من أي شيء آخر.

"عذراً؟"

تشتت انتباه جوليوس بوجه الرجل المرعب لدرجة أنه لم يلتقط سؤاله كاملاً.

"ماذا تريد مقابلاً لإخباري بمهارتك؟"

كرر الرجل بصبر بينما ظلّ مرتدياً تلك الابتسامة المخيفة. استوعب جوليوس كلماته فباغته الأمر قليلاً. تفاجأ بعض الشيء لكون الرجل لا ينتزع الإجابة انتزاعاً، فذلك لربما كان أسهل من تبادل الأشياء.

"آه... لا أعرف،"

قال أخيراً. لم يكن يدري حقاً ما يطلبه وباغته عرض دانتي تماماً.

"ألا تريد شيئاً؟"

سأل دانتي بارتباك وشبه خيبة أمل من جوليوس.

"لا يمكنني ابتكار شيء هكذا على الفور،"

دفاع جوليوس عن نفسه.

"حسناً، فكر في شيء وحسب. لا يهم ما يكون،"

أخبره الرجل الطاعن في السن. أخذ جوليوس لحظة أخرى وفكر بعمق. انتهى به المطاف إلى طلب عبقري.

"أتستطيع قتل شخص ما من أجلي؟"

سأل جوليوس بأمل.

"قتل شخص من أجلك؟"

تراجع دانتي خطوة وأمعن النظر في جوليوس كأنه يشك في وجود خطب جسيم به.

"لم تبدُ لي كطفل متعطش للدماء على وجه الخصوص."

"ثق بي، إنه يستحق ذلك،"

أكد له جوليوس.

"كلا. إن أردت قتل شخص، فافعلها بنفسك. لا يهلني إن كان هو وبقية عائلته يستحقونها،"

رفضه دانتي قطعيّاً.

"ظننتك قلت إنّ الأمر لا يمهل مهما يكن،"

أشار جوليوس. في مرحلة ما، توقف عن الشعور بذلك الضغط الذي أخافه سابقاً ولهذا كان يتصرف بأريحية أكبر مع العجوز ذي الندوب. استشعر أيضاً اهتمام الرجل البالغ بمعرفة مهارة جوليوس. وهو ما يعني أنه في موقع قوة ضمن هذه المفاوضات. أغمض الرجل عينيه وعلا وجهه مظهر محبط. التفت نحو السماء ودعا كأنّ ملكاً ما سيهبط لمساعدته.

"قصدت شيئاً معقولاً، لا القتل. ثم إني أسأل عن مهارة فقط. في أيّ عالم يُعدّ ذلك تبادلاً عادلاً؟"

هزّ جوليوس كتفيه.

"حسناً، لا اتفاق."

فرك الرجل جذر أنفه.

"لجلجة الجحيم. حسناً، سأدين لك بمعروف أو طلب شريطة أن يكون في حدود المعقول. هكذا يمكنك أخذ وقك للتفكير في واحد. أهذا يناسبك؟"

كان صوته العميق مححملاً بالإحباط. تظاهر جوليوس بالتفكير وأمدّ يده في النهاية. تنهد دانتي مجدداً وتقبّل الأمر على مكره، مصافحاً إياه بحزم وكأنه يكاد يسحق أصابع جوليوس بين قبضته. عقدا الصفقة. ابتسم جوليوس في باطنه، عالماً أنه انتزع لتوه معروفاً آخر من شخص أقوى نظير لا شيء تقريباً.