⟦1」 "عدت مبكراً؟"
سألتْ جوليوس.
"ما ظننتُ أنك بحاجة إلى شيء آخر بعدما حصلت على الكثير."
رفعتْ يداه وضحك بروح طيّبة.
"لا لا، لا شيء لي هذه المرة. لكن صديقي رأى بعض الأشياء التي اقتنيتها وأبدى رغبة في إلقاء نظرة على متجرك."
"أه؟"
استدارت لتنظر إلى ديلان الذي كان يبتسم لها ابتسامة ساحرة على غير عادة، بمظهر يختلف كلياً عن ذلك الرجل الصارم عادة.
"ماذا يمكنني أن أفعل لك؟"
سألتْه بابتسامة مشرقة. التفت ديلان إلى جوليوس وأشار إليه. عرف جوليوس ما يطلبه منه ديلان فأخرج قناع الوجه الأسود من خاتمه. كان قد نزعه قبل عودتهما إلى البلدة وأخفاه في مستودع تخزينه. لكنه أخرجه الآن وقدمه لصاحبة المتجر.
أشار ديلان إلى قطعة القماش السوداء في يدي جوليوس وقال: "كنت أتسااءل بشأن هذه القطعة من الملابس التي اشتراها منك جوليوس. أردت معرفة إن كانت هناك أيّ فرصة لاتّصال بصانع هذه التحفة الفنية البارعة".
بدت المرأة وكأنها عرفت فوراً ما يسأل عنه ديلان وأومأت برأسها فهماً.
"أرى أنك تفهم في هذه الأمور. وددت لو أقول إنني صنعتها بنفسي، لكنني للأسف لم أعلُها".
إن شعر ديلان بخيبة أمل بسبب هذا الاعتراف فلم يُظهر ذلك.
"أتعرفين صانعها أو تذكّرين أين حصلت عليها؟"
"أعرف، لكنني لا أدري إن كان ملائماً أن أشارك التفاصيل."
رسمتْ تعبير اعتذار.
"لا تفهمني خطأ، لكنني لا أُعرفكما والشخص الذي صنع هذه قطعة شخص كتوم. لا يصنع الأشياء بهدف الربح منها".
نظر ديلان إلى المرأة بعينين صادقتين.
"أعدك أن نواياي خالصة تماماً للقاء هذا الشخص".
بدت المرأة مصدّقة لصدقه لكنها هزّت رأسها في النهاية.
"أنا آسفة. أودّ تصديقك لكنني مرة أخرى لا أعرفكما بما يكفي".
راقب جوليوس ديلان وهو يبدو محبطاً لكنه بدا أيضاً متفهّماً لموقفها ولا يبدو أنه يلومها على خيارها. اختار ألا يمضي في الأمر أكثر.
حنى ديلان رأسه بأدب وقال لها: "أنا متفهم، لكن شكراً لكِ على أي حال. أقدر وقتك وأتمنى لك يوماً رائعاً".
بدا ديلان مستاءً لكنه استدار مع ذلك ليغادر متجر المرأة. همّ جوليوس بلحاقه وكان على وشك المغادرة دون كلمة أخرى حين استدار بغتة.
"أحقاً ليس هناك طريق تساعديننا فيه؟"
ارتدى أكبر تعبير حزين ومكتئب لديه. بل إنه كان يرتجف بشفته السفلى محاولاً استمالة المرأة. حرص على أن يبدو صادقاً ويائساً قدر الإمكان. ورأى أنه ينجح أيضاً، فعندما نظرت إلى وجهه استشفّ من تعبيراتها أن مقاومتها تتهاعى. لذا، وجّه الضربة القاضية.
"أرجوكِ! لن يقولها بنفسه لكن هذا يعنيه بالكثير. لا أفهم الأمر بنفسي، لكنه نادراً ما يتحمّس لشيء هكذا. أعدك أنه شخص جدير بالثقة. أرجوكِ ساعديه فقط."
توسّل جوليوس. مع ذلك، لم تنكسر المرأة. شعر أنها كانت قريبة جداً، لكنها هزت رأسها مع ذلك.
"أنا آسفة بجدية، أتمنى لو أستطيع مساعدتك أنت ووالدك، لكنني لا أستطيع".
وجاء دور جوليوس ليهز رأسه.
"هو ليس والدي".
وضعت يدها على صدرها.
"أه، أنا آسفة افترضت فقط..."
لوح بيديه نافياً الأمر.
"لا، أفهم كيف يمكن إساءة فهمه".
استدار من عند السيدة ليواجه الباب.
"هو في الواقع أول شخص قابلته حين وصلت إلى هيستون."
تنهد بحزن.
"عندما جئت إلى هنا لم أملك شيئاً، ولا حتى قميصاً على جسدي. بلا آباء أو عائلة. كنت في مكان جديد تماماً ومخيف. كنت مغطى بالقاذورات ورائحتي كريهة لدرجة أن أحداً لم يرغب في الاقتراب مني. حتى إنني أبكيت الأطفال بسبب نتانتي. الشخص الوحيد الذي مدّ يده كان ديلان. أخذني إلى حارس البوابة حيث اغتسلت، وأطعمني، وأكساني".
التفت ليطالع المرأة التي فتحت عينيها على وسعهما دهشة.
"إنه الوحيد في مدينة بلا عدد من البشر الذي منحني فرصة، والذي منحني بصيصاً من أمل".
ابتسم بجهامة.
"إن وُجد شخص واحد يمكنك وضع ثقتك فيه، فسيكون هو".
لم يبقَ جوليوس ليسمع ردها وخطا سريعاً باتجاه الباب حيث كان ديلان واقفاً، وقد بدا على وجهه تعبير يصعب فك طلاسمه. غادر اثنان منهما المتجر إلى الشارع الذي يعج بالبشر. مع ذلك، لم يقطعا مسافة طويلة حتى استشعر جوليوس المرأة بمهارة [الإدراك المكاني]، وهي تشق طريقها سريعاً نحو باب المتجر. ابتسم لنفسه. قبضتُ عليكِ.
"حسناً!"
صاحت من المدخل.
"ربما يمكنني مساعدتكم".
ألقى ديلان عليه نظرة جانبية حملت مزيجاً متساوياً من الإعجاب والضيق. أخذتهما إلى الخلف وأجلستهما على مقاعد حول طاولة. ثم أحضرت بعض الشاي والمقرمشات. وجد جوليوس الشاي وقطع البسكويت الصغيرة لذيذة بشكل مدهش. كان الشاي مزيجاً مثالياً من الزهرية والمرارة والفاكهية. وكانت البسكويتات هشة وغنية بالزبدة، رفيقاً صالحاً للشاي. وجد نفسه منغمساً تماماً في الطعام. كانت ابتسامة عريضة تعلو محياه وهو يلتهم الشاي والمقرمشات.
ناسياً تقريباً سبب وجودهما هناك في المقام الأول. بدا أن صاحبة المتجر لا تمانع بل بدت سعيدة لاستمتاعه به إلى هذا الحد. أطلقت ابتسامة أيرة نحو جوليوس قبل أن تتكلم.
"حسناً، أولاً وقبل كل شيء اسمي ليز. لا أظن أنني قدمت نفسي بعد. الشخص الذي تبحثون عنه صديق قديم للعائلة. اسمه دانتي ويعيش خارج البلدة مباشرة. لا يحب الزوار حقاً، ولهذا ترددت في مساعدتكم، لكنني سأخاطر وأثق بكما".
حرص ديلان على إبداء امتنانه.
"شكراً لإعادة التفكير. أعدك أنني أريد فقط التحدث إلى صانع هذه القطعة الرائعة".
ضحكت وقالت: "لا تشكرني، اشكر صديقك الشاف. هو من أقنعني".
رفع جوليوس بصره عن الأكل ونظر إليهما ببراءة والفتات يحيط بفمه.
"يجب أن أحذركما مع ذلك. دانتي شخص قوي، عاش سنين طويلة. اعتاد أن يكون صديقاً مقرباً لجدي. يعتقد أبي وأمي أنه يقع حول المستوى الرابع. فابذلا جهدكما لعدم إغضابه"، نصحتْهما.
كان تحذيراً مسبقاً لطيفاً. فهي نفسها لم تكن سوى في المستوى الثاني لذا لم تتبين أن ديلان كان في المستوى الرابع بنفسه، لكن النية هي ما تهم. إغضاب شخص في المستوى الرابع قد يكون خطيراً للغاية على العاديين. قلة قليلة فقط بلغت ذلك المستوى وعادة من حاربوا الوحوش فقط. هذا دانتي إن كان في المستوى الرابع فمرجح أنه مغامر سابق قوي وخبير للغاية، كان يعيش أيامه بسلام وحسب.
"إنه صانع يصنع الملابس؟"
سأل جوليوس من خلال لقمة صغيرة من البسكويت.
"لا، لا يصنع قطع الملابس عادة. قناع الوجه الأسود كان مجرد شيء صنعه عشوائياً ذات يوم. هكذا أخبرني على الأقل حين منحنيه لي. قال إنه بإمكاني الاحتفاظ به أو بيعه في المتجر. لم أرَ حاجة إليه وقررت بيعه"، أوضحت.
ثم مضت ليز في الحديث لتدلهما على مكان سكن دانتي. وطلبت منهما أيضاً إخبار دانتي بأنها أرسلتهما، فهذا سيجعله أكثر تقبلاً لأي شيء يريدان قوله. غادر الاثنان بعد أن أكلا الشاي والبسكويت. وح