درب التسامي الفصل 11 — المرتبة الأولى

اقرأ درب التسامي الفصل 11 — المرتبة الأولى باللغة العربية على مانجا تايم.

حين جاء اليوم الموعود. قضى جوليوس ساعات لا تحصى وهو يحشر في جوفه أكبر قدر ممكن من الطاقة. كان ذلك الجزء الملل الوحيد من تدريبه بصراحة. لم تكن هناك خيارات كثيرة لتنويع ما يفعله بها. بوسعه تجربة طرق مختلفة لجمع الطاقة، لكن معظمها أقل كفاءة من تقنيته المعتادة. لا منطق في إبدال تقنيات مستمرة إن استغرقت أضعاف الوقت المخصص لامتصاص الكمية ذاتها. حاول جوليوس اكتشاف سبل إضافية لضغط طاقته قبل الشروع في بناء جوهره.

لم يفلح في الوصول لشيء، رغم أشهر من الاختبار والتجارب المكثفة. آمن بأن السائل هو الحالة الوحيدة التي سيبلغها، ما لم يرغب في إهدار أعوام أو عقود إضافية لاختبار مدى إمكانية تجاوزها. بلغت الطاقة السائلة مداها لتملأ الفراغ بأسره. اعتقد بقدرته على إنجاز ذلك البارحة، لكنه أراد التحقق من إمكانية حشر المزيد أولاً، ثم اقتحام الأمر بذهن صاف. كان إدوين قد أفضى إليه بالخطوات الواجب اتباعها لتشكيل الجوهر.

القصد هو الأهم. احتاج جوليوس لتخيل امتزاج الطاقة بكيانه وروحه تماماً. كانت كتلة من الطاقة مخزنة بمعزل عن سواه في تلك اللحظة. ما ابتغاه هو غرس الطاقة في أعماقه، ليصبح قادراً على توليد طاقته الذاتية. اعتاد جوليوس ضغط الطاقة القابعة بداخله مسبقاً. الفارق الوحيد الآن يتمثل في حاجته لتكرار الفعل ذاته مع الغلاف المحيط بتلك الطاقة. وجب تصغير الحاجز الحافظ للطاقة. انصب همُّ جوليوس الأساسي على استحالة ضغط الطاقة أكثر مما فعل، لذا جهل ما سيؤول إليه الأمر.

يقضي المنطق بأنه طالما يضغط الوعاء الحاوي للطاقة، فسيضغط الطاقة الكامنة في جوفه تبعاً لذلك. رغم ذلك، راود جوليوس شعور بأن الآلية تختلف. لم تكن الطاقة بداخله محصورة داخل حاجز مادي في الواقع؛ بل مثلت الطريقة الأيسر لاستيعابها فحسب. من يدري، قد تظهر نتيجة مذهلة فور فراغه من خلق جوهره. على أي حال، جلس جوليوس وباشر العملية. تخيل حاجز طاقته يتقلص. أراد له التحول إلى كرة.

فهي الشكل الطبيعي للأجرام السماوية كالكواكب والأقمار والنجوم. كما أنها أيسر تخيلاً في الذهن. ركز جوليوس على ضغطها في شكل أصغر طوال ما بدا دهراً. لم يحرز أي تقدم، مهما اشتد سعيه. لعله ما كان عليه ضغط الطاقة ذاتها مسبقاً، حدث نفسه. فات الأوان، وما وقع قد وقع. انعدم لديه الوقت والتركيز للاكتراث بما كان ينبغي فعله. تطلَّب الأمر تركيزاً تاماً على المهمة الماثلة. عجز عن توليد قوة كافية لضغطها معاً، حتى مع تحسن مهارته في التحكم بالطاقة.

أدرك إهدار طاقته هباءً، فتراجع خطوة وتفكّر فيما يستطيع فعله بطريقة مغايرة. مكث جوليوس جالساً لفترة طويلة، يقلب خياراته. ثم تذكر قول إدوين إن القصد هو الركن الأشد أهمية، فلعل قصده، أو بالأحرى، صورته الذهنية للعملية كانت خاطئة. توجب عليه تغيير أمر ما. انعدمت القوة الخارجية الكافية لضغطها. تلك كانت المشكلة العظمى. انتظر، الخارج. تغيب القوة الخارجية الكافية، وماذا عن الداخل؟

تساءل جوليوس عن احتمالية استخدام طريقة الدوامة ذاتها. لقد استعان بدوامة لجلب الطاقة إلى جوفه، لكن تكرارها سيترك الطاقة بلا مأوى. لم يرد سحب الطاقة؛ بل بغى ضغطها فحسب. سقطت تلك الفكرة إذن. لكنه ربما أمسك بطرف الخيط. احتاج إلى قوة داخلية تجذب الحاجز نحو جوفه في آنٍ وتسحقه من الخارج لزيادة كثافته. طرأ على ذهنه أولاً كيف تجذب الجاذبية مختلف الغازات والجسيمات نحو النجم.

حسناً، سيستغل صورة الجاذبية لتفعل فعلها من الداخل بينما يضغطها من الخارج. استقر في مكانة وشرع بالعمل بعد استقرار رأيه على الكيفية. تطابق الأمر مع ما سلف، مجرد صراع لتكثيفها بلا طائل. بيد أنه عجز عن الاستمرار واضطر لأخذ استراحة بعد انقضاء بعض الوقت. تراجع خطوة وتأمل طاقته. بدت مزيجاً أخاذاً من كافة الألوان، تتلألأ كفانوس قزحي في جوف الليل. كانت– انتظر هنيئة. لقد صغرت.

اصعقوني إن لم تكن أصغر حقاً. أمضى ساعات عدة كل يوم في التأمل، مراقباً إياها. لذا امتلك تصوراً دقيقاً لشكلها المعتاد. لكنه جزم برؤيتها أصغر شعرة من المعتاد في تلك اللحظة. لم يحفل جوليوس باحتمال خيانات بصره. تلك أفضل سانحة تلوح في الأفق. وثب للداخل فوراً وواصل طريقه. لن يتوقف هذه المرة حتى يصنع جوهره. عانت روحه برمتها. أشبه بدفع صخرة بحجم منزل فوق تل. لكنه أمرها بالتكثيف بإرادة طاغية.

انتفى الخيار أمامه. لن يتوقف حتى ينجز تشكيل جوهره. لن يُرفض طلب جوليوس. شعر جوليوس بوهن خفيف يباغته فجأة. مجرد حركة بالغة الدقة. تضاعف جهده فور لمحه لتقلصها البطيء. عصر كل قطرة قوة من إرادته لأقصى حد ممكن. كل ما عناه تشكيل جوهره؛ وانعدمت أي مشتتات سواه. تسارعت وتيرتها باطّراد. فارقت البطء وراحت تكتسب سرعة مضطردة. تلاشت مشقة دفع الصخرة صعوداً. كأنه تجاوز القمة، لتكتسب عزمها في طريق الانحدار.

بعث الأمر على الرهبة. أدرك جوليوس القوة الكامنة خلفه. انتشرت في أرجاء جسده، وغمرت لحمه بقوة عارمة. بات جزءاً من الطاقة، وجهل قدرة جسده على احتمال هذا الكم من الطاقة. شعر جوليوس وكأن عظامه تُطحن رماداً، وجلده يُمزق شظايا، ودماغه يُغمر بوقود مشتعل. ثم توقف الألم، زال في ومضة. بلغت القوة ذروتها وانحسر تزايدها. تشبع جسده بها الآن، واستقرت براحة في كافة أرجائه. شعر جوليوس بأنه شخص جديد، يطن بطاقة جامحة، لا تقارن بما سلف.

واستقرت كرة تشع قوة في قلب جسده تماماً. أطلق جوليوس شهيقاً مهتزاً. لقد فعلها. شكك للحظة في إمكانية نجاحه من عدمه. لكن جوليوس بات في المرتبة الأولى رسمياً وخطا الخطوة الأولى. استغرق هنيئة لتفقد جوهره حديث الولادة. كرة بيضاء نقية تحيط بها هالة متوهجة من ضوء أبيض ناعم. بعث منظره على السحر والسكينة. أشبه ببطانية دافئة ومشروب شوكولاتة ساخن في صباح شتوي بارد. انعدم وقت إضافي لدى جوليوس لاستكشاف جوهره، إذ انفتح بابه بعنف.

وقف إدوين ووكاس عند المدخل، بابتسامتين عريضتين.

هتف وكاس رافعاً يديه: "تهانينا!"

التزم إدوين الصمت، لكن ابتسامته فاقت الوصف في التعبير عن مدى فخره. ضحك جوليوس. نادراً ما يخلع الثثنان قناعيهما الجامد وينسترخان. لكن إحساسهما كان طيباً حين يفعالان. بدآ وكأنهما يعبآن لأمره بصدق دوماً.

شاكس جوليوس: "شكراً! احذروا أنتم يا عجائز، بهذا المعدل سأخلفكم ورائي."

ضحك وكاس بطيبة وأجاب: "لعلك تفعل بعد قرون عدة، لا تصبح مغروراً. أترغب في التشبه بفتيان النبلاء الآخرين يا هذا؟"

عبس جوليوس بمبالغة: "إن صرت كذلك يوماً، فاغرس سيفاً في بطني. ستكون نهاية أرأف."

ضحقا معاً. منتشيين بتقدم جوليوس الحديث. مع ذلك، قرر إدوين التدخل.

"أظننا مطالبين باختبار قوتك الجديدة طالما تشعر بكل هذه الثقة، أليس كذلك؟"

أجاب بابتسامة وقحة: "هلمّ بها."

* * *

رقد جوليوس على وجهه في التراب بعد نصف ساعة. حدث نفسه بندم: ما كان لي أن أنطق بحرف. تباً للسان الذي أوقعني، لقد تماديت في ثقتي. تضخمت قوته الإجمالية بشكل ملحوظ. بدت عناصره كافة من سرعة، وقوة، ومعالجة ذهنية، وسرعة بديهة في مستوى آخر كلياً. انتهى به المطاف بنزال الاثنين معاً، وهو أمر مستغرب لفرع انشغال وكاس الدائم بأعمال الأسرة وغياب وقته للتدريب رفقته. لاحظ تباطؤ العالم أجمع مقارنة بالسابق فور بلوغه المرتبة الأولى.

انتاب جوليوس القديم إحساس دائم بالاستعجال، وبأنه يتخلف عن خصمه بثانية دائماً. انقض على إدوين منذ البداية حين بدآ، محاولاً خلق ثغرة عبر عدوانية محض. بيد أنه لاحظ امتلاكه سيطرة أكبر على أفعاله الآن. بدا سابقاً كمهووس، يبذل أقصى جهده لتسديد ضربة لإدوين. لكنه استطاع تخطيط ضرباته بفعالية أكبر إثر تشكيل جوهره. عثر جوليوس على توازن بين العدوانية والتوقع. أدرك في تلك اللحظة عمق الأثر الذي تركته التغيرات في عقله تحديداً.

استخدم جوليوس [الإدراك المكاني] طوال القتال أخيراً. غاب عنه أن المهارة تمنحه إحساساً استثنائياً لتقدير المسافات ضمن الضربات. صار يتفادى اللكمات والركلات بفارق سنتيمترات، مما أتاح له بلوغ موقع أفضل للمباغتة. درى تماماً مكان تمركزه لمعاقبة تمركزهم. بدا النزال مع خاله ممتعاً أكثر من إدوين. أمضى وكاس وقتاً ليسمح لجوليوس بالتعرف على قدراته الجديدة مكتفياً بالدفاع العادي مع إطلاق بعض الهجمات الاستكشافية.

ترك له المجال لاستكشاف قوته الجديدة فحسب. على النقيض منه، تصرف إدوين كعادته. أتاح لجوليوس دقائق للتعود على قوته. ما إن شعر بإدراكه الجيد للأمر، حتى رفع حدة قوته الخاصة. كال إدوين الضربات لجوليوس حتى أثاره كدمات سوداء وزرقاء. حرص على حرمانه فرصة أخذ المبادرة، جارفاً إياه بقوة. بل عمد إدوين لشحن طاقته داخل لكماته لتصعق أو تنفجر بقوة عند الارتطام. حاول جوليوس محاكاته بالطبع.

حاول تشكيل الطاقة حول قبضته بينما كان يتفادى الموت بأعجوبة. تحول كتفه وتلقى لكمة لاغتنام سانحة. لكن ذلك منحه هنيئة لإطلاق قبضته المغطاة بالطاقة، والمتوهجة بهالة بيضاء. أفلح في إصابة بطن إدوين مباشرة. لم تفعل شيئاً، لمفاجأتهما معاً. لم تكن ضربته سوى قبضه ضوئية ساطعة وهدراً للطاقة على ما يبدو. توقفا معاً. وبقاء قبضة جوليوس في بطنه، اكتفى إدوين بالنظر إليه من أعلى باستهجان شديد وعينين ناقدتين.

تنهد إدوين، هز رأسه وارتد قليلاً إلى الوراء. ثم أقدم الرجل الطاعن على ركل جوليوس المحرج بركلة إسبرطية أطاحت به عشرين قدماً عبر الفناء.