درب التسامي الفصل 108 — التوجه نحو الشق

اقرأ درب التسامي الفصل 108 — التوجه نحو الشق باللغة العربية على مانجا تايم.

أقبل صباح اليوم التالي محمَّلاً بحماس كبير لجوليوس. كان مفترضاً أن يلتقي بديكلان عند أطراف المدينة مباشرة حيث تقع إحدى الفجوات. اختار ديكلان هذه الفجوة خصيصاً لأجل جوليوس. كانت من المستوى الثاني فحسب، وهو ما أثار خيبة أمل طفيفة في نفس جوليوس، فقد حاول جدال ديكلان في أنه قادر على تحمُّل ما هو أكثر. لكنَّ ديكلان لم يلين وأصرَّ على أن يتمهل جوليوس في البداية وأنه ليس هناك أيُّ استعجال.

وافق جوليوس في النهاية، وكان عليه أن يذكّر نفسه بأن ديكلان أعلم منه، وأن عليه تذكُّر أنه متى ما أثبت قدرته على حماية نفسه، سيُمنح مساحة أكبر من الحرية. كانت الفجوة بحد ذاتها بسيطة للغاية. كانت فجوة عفاريت تقليدية يتعين على المرء فيها النجو بحياته من حشود صغيرة منها إلى جانب زعيمها. كانت شبيهة جداً بتلك التي خاضها مع المتصيدين، سوى أنها لم تكن بالخطورة نفسها، ولم تكن العفاريت تمتلك أيَّ مهارات تجدد سخيفة.

تمثَّلت القيمة الرئيسية لهذه الفجوة تحديداً في كونها فجوة مباشرة نسبياً وتضمُّ العديد من الوحوش ذات النوى. لم تكن العفاريت تملك أيَّ قدرات استثنائية أو ذكاء، مما جعلها عادةً ذات تصنيف جيم أو ما دون ذلك من حيث الصعوبة. استُخدمت الفجوة بوصفها مكاناً يرسل إليه اللورد لاغوس والآخرون ممّن يملكون حقوقاً فيها مقاتليهم الأقل خبرة. لقد كانت تمريناً جيداً، وهناك ما يكفي من وحوش المستوى الثاني داخل الفجوة لجعل الجهد مجدياً.

وفي حين لم تكن نوى المستوى الثاني ذات قيمة كبيرة بمفردها، فإن جمع المئات منها قد يكون مربحاً للغاية، لا سيما بالنسبة للخيميائيين أو مهن الحياكة والصنعة الأخرى. وكان من المهم أيضاً ملاحظة أن العديد من نوى العفاريت لم تكن تمتلك أيَّ تقارب، مما جعلها رائعة لكل الاستخدامات العامة تقريبا. لحسن الحظ، لم تكن الشوارع مزدحمة اليوم. بل كانت خالية تماماً، حتى مقارنة بالمقاييس العادية.

لو لم يرَ الحشود الهائلة من الناس في اليوم السابق، لما صدق قطُّ أن هناك آلاف الأشخاص ينتظرون خارج بوابة الأكاديمية. غير أن أكثر ما أثار إعجابه كان نظافة الشوارع. لقد رأى حالات الأماكن بعد المهرجانات في عالمه القديم. كان هناك دائماً قمامة وأشياء عشوائية أخرى تُترك خلفها بعد أن ترحل موجة البشر. بيد أن الأمر لم يكن كذلك في هيستون. أذهل جوليوس نقاء الحجارة المتبطنة للمكان.

حتى الأزقة كانت نظيفة ببريق لافت. وإن كان صادقاً، فقد بدا الشارع بعد الاستعراض أنظف مما كان عليه قبله. ظن أنه لو لعق الشارع بلسانه لظل أنظف من طاولة في مطعم عشوائي. كانت الطرق متألقة حرفياً وهو يشق طريقه في الشارع. تقع الفجوة على الجانب الآخر من المدينة مقارنة بالنقطة التي دخل منها جوليوس للمرة الأولى. بل وكانت أقرب من بيت الحراس إلى غولدنكريست. عَنى هذا أن جوليوس وصل هناك ولساعته متسع من الوقت.

حين غادر بوابات المدينة رمقُه الحراس المناوبون بنظرة غريبة. لعلهم تساءلوا عن سبب مغادرة صبي مثله للم المدينة في وقت مبكر جداً هكذا من الصباح. لم يكن يرتدي زيه الرسمي. لقد استبدل به زوجاً عادياً من السراويل السوداء وقميصاً أسود. وكان يضع أيضاً وشاحاً يغطي وجهه. لم يبدو الأمر شاذاً تماماً أيضاً؛ فقد يفترض البعض أن تغطية الوجه أمر مريب، لكن الحال لم تكن كذلك في هيستون.

عنى الهواء الصباحي المحاذي للمحيط أنه كان بارداً دائماً في الساعات الأولى من اليوم. اختار الكثير من الناس ارتداء نوع من أغطية الوجه حين يخرجون في هذا الوقت، لذا لم يكن رؤية شخص يرتدي وشاحاً مثله يستدعي أيَّ انتباه إضافي. والأرجح أنهم كانوا أكثر فضولاً بشأن الوجه الذي يقصده. يكمن السبب في إخفائه ملامحه في أنه لمريد أن يعرف أحد بكونه طالباً، وكان يفضل أن يبقى وجهه محجوباً في الغالب.

لم يكن يعريها إن كان اتخاذ مثل هذه الاحتياطات يهم حقاً. لكنه ظن أنه لن يضره إن فعل. تذكر أن ديكلان أخبره بأن اللورد لاغوس وعد بأنه وأتباعه سيحفظون أسرار غدوه ومراحه، لكن جوليوس لم يكن يعرف الرجل على الإطلاق. وعلى حد علمِهِ، كان الرجل كاذباً. خطر ببال جوليوس حقاً أن اللورد لاغوس كان يكذب بشأن الأمر برمته وكان يحاول التخلص من جوليوس بهدوء. ومع ذلك، أكد له ديكلان أن الرجل وقّع عقداً مقيداً للغاية.

فضلاً عن ذلك، استخدم ديكلان مهارات هالة الخاصَّة به شخصياً على اللورد لاغوس ووعد جوليوس بأن الأمر آمن. كان هذا هو السبب الوحيد الذي جعل جوليوس يشعر بالارتياح الكافي يأتي إلى كل هذا المدى بمفرده. أراد ديكلان أن ينتظر جوليوس حتى يصل لكي ينطلق الاثنين معاً، لكن جوليوس قرر خلاف ذلك. من الواضح أن ديكلان لم يعجبه ذلك، لكن جوليوس أراد تفقد المنطقة بمفرده سلفاً. لم يعتقد أن شيئاً سيحدث له، لكنه حرص مع ذلك على تفعيل [الإدراك المكاني]

ليحيط بمحيطه. تجدر الإشارة إلى أنه حاول استخدام [تمكين الإرادة] على [الإدراك المكاني] في الماضي. كان يأمل أن تشهد المهارة زيارة في الفعالية لو أنه قام بتمكينها، ولكن لسوء الحظ، لم ينجح الأمر. لم يكن يعرف ما الذي جعلها مختلفة عن مهاراته الأخرى التي استطاع استخدام [تمكين الإرادة] معها، لكنه أراد اكتشاف ذلك. في الوقت الراهن، عجز عن تجاوز مهارته المعتادة. وهي التي فاقت حاجة جوليوس لتشعره بأمان أكبر.

كانت المسافة التي يمكنه بلوغها واسعة بالفعل أكثر من اللازم، ولم يتبين حتى كيف ستؤثر [تمكين الإرادة] على مهارة الإدراك أبعد من المدى الذي يمكنه استشعاره ومدى دقته. لعلَّ هذا كان سبباً في عدم عمل مهارة هالتِهِ على [الإدراك المكاني]؛ فقد يحتاج إلى العصف الذهني لاحقاً واختبار بعضها. دوَّن ملاحظة ذهنية لاختبار أفكار مختلفة بعد أن ينتهي من أمر الفجوة. لقد كاد يصل إلى الموقع الذي وصفته الخريطة.

وكان لا يزال على مسافة قريبة سيراً على الأقدام من هيستون، وعلى عكس الطريق الذي سلكه لدخول المدينة للمرة الأولى قبل شهر، كان هناك العديد من المباني والبنية التحتية حوله. وفي حين لم يكن داخل المدينة تقريباً، استطاع جوليوس رؤية عدد كبير من المنشآت على طول الطريق المُعتنى به جيداً. لقد كانت بلدة صغيرة قائمة بذاتها. تواجدت الكثير من الأماكن للمسافرين على الطريق الرئيسي.

لمح متجراً يمكنك فيه شراء الإمدادات والسلع العامة للسفر. كان متجراً صغيراً ومحبباً مع عدد من الناس يتسوقون فيه رغم وقته المبكر. كان هناك أيضاً مكان يمكنك فيه شراء وسيلة نقل تقلك إما إلى داخل المدينة أو إلى مكان خارجها. وكلما دقق النظر لاحظ أن هذا المكان بدا مألوفاً وأكثر دفئاً مقارنة بهيستون. فوجئ جوليوس بعدد الأشخاص الذين استطاع استشعار عيشهم في منازل بعيدة في الأفق.

لم تكن الطرق بالنزاهة أو البريق نفسيهما، لكنها بدت أكثر حقيقية بطريقة ما، إن كان لهذا أيُّ معنى. تنبأ بأن العديد من الأشخاص الذين اختاروا العيش هنا لم يكونوا قادرين على تحمل تكاليف السكن داخل المدينة، أو أنهم فضلوا امتلاك مكان خارجها بثمن أرخص. لقد كان الأمر مضحكاً. حين وصل إلى هيستون للمرة الأولى، ظن بسذاجة أن المدينة كانت تمثيلاً جيداً لبقية العالم. ولم يحدث ذلك إلا بعد أن قضى بعض الوقت هناك وتعرف على تجارب الآخرين ومن أين أتوا حتى أعاد التفكير في افتراضاته الأولية.

إن كان عليه مقارنة هيستون بمكان من عالمه القديم، لقارنها بمدينة مثل جنيف. كان معظم مواطنيها أثرياء وفي حال أفضل مقارنة بعامة الشعب. وكان المشهد السياسي المحايد ظاهرياً تشابهاً آخر. بالتأكيد لم يكن أمراً جيداً مقارنة بققية العالم به. تساءل عن مدى سوء بعض المدن الأخرى ومدى حظه لوجدان واحدة مثل هيستون. إن كانت بقية العالم تشبه مدناً فوضوية مثل شيكاغو أو باريس، لاستطاع فهم سبب قرار الإمبراطور إرسال ابنته إلى هيستون.

كانت المدينة تتشكل لتكون منطقة ثنائية الحزب بطريقة ما، ولعلَّه ظن أن ذلك سيمنع معظم الأطراف الأخرى من التحرك إن هي التحقت بالدراسة في غولدنكريست. أمل جوليوس أن يكون ذلك صحيحاً، فكان يفضل ألا يضطر للتعامل مع محاولات الاغتيال الملكية طوال العام. ستكون تلك طريقة بائسة لقضاء عامه. قادته الخريطة إلى حقل صغير خارج البلدة الصغيرة مباشرة. ذكره بمقبرة وهناك عمودان كبيران يقفان أمام بوابة معدنية.

لقد كاد يخطئها، ولم يدر كيف فعل، لكن تطلب الأمر منه المشي ذهاباً وإاياباً ثلاث مرات ليرها. لم يستطع رصد أي شيء، لكنه تكهن بوجود نوع من التعاويذ التي جعلت العثور عليه أكثر صعوبة. ولو لم تكن معه الخريطة وكان يبحث عنه بنشاط، لكان على الأرجح قد مر بجانبه مباشرة دون أن يدري. أمام البوابة كان رجلان جالسين على مقعدين. كان أحدهما رجلاً طاعناً في السن يقرأ كتاباً بينما يحتسي شراباً ساخناً من قدح، بينما كان الآخر أصغر سناً ينحت قطعة خشب بسكين جميل المظهر للغاية.

لم يقترب منهما بعد، بل سينتظر وصول ديكلان أولاً. أما الآن، فأراد استكشاف بعض الأجزاء الأخرى من البلدة بعد أن عثر على المكان الذي يُفترض به الذهاب إليه. بقي بالقرب من الطريق الرئيسي الذي سلكه، لكنه توجه أيضاً إلى بعض المتاجر بينما كان ينتظر ديكلان.

وانتهى به الأمر بالحصول على «بضعة»

غيارات إضافية من الملابس والأحذية تحسُّباً لأي طارئ. لقد امتلك المال الآن، وأكثر من كافٍ لدفع ثمن أي شيء يريده حقاً. تذكر الأيام التي علق فيها في فجوة المتصيدين وليس معه سوى سراويل مقززة وملطخة وبلا قميص. لم يرغب أبداً في الاضطرار للتعامل مع شيء كهذا مرة أخرى. كان ذلك نوعاً مختلفاً تماماً من الألم. لكنتُ استبدلتُ بسعادة طرفاً بقطعة ملابس نظيفة بينما كنتُ هناك. ولم يكن يمزح أيضاً.

بالنسبة له، لم يعد فقدان يد أمراً هاماً بعد الآن. بل أصبح الحصول على ملابس نظيفة أولوية أعلى. قد يعتقد الآخرون أنه مجنون لتفكيره بهذه الطريقة، لكنهم لم يخضعوا أيضاً لشيء فظيع كهذا. لقد اشترى أكثر بكثير مما يحتاج وكان واثقاً من أن السيدة التي تملك المتجر ظنته مجنوناً لشراء هذا القدر من نفس الملابس. كما رمى في الحسبان غطاء وجه أسود عادي المظهر كان معروضاً على رف عشوائي أيضاً.

كان قماشاً ناعماً ومخملياً يشبه المنديل يغطي ثلثي وجهه، ولا يترك سوى العينين مكشوفتين. لم يظن أنه سيكون أمراً سيئاً إخفاء وجهه حين يقترب من الحراس عند الفجوة. لا علاقة للأمر بحقيقة ظنه أنه بدا رائعاً أو أنه كان أكثر شيء مريح وضعه على وجهه على الإطلاق. حسناً، لعل الأمر كذلك قليلاً، اعترف جوليوس لنفسه. استطاع استشعار بعض التعاويذ الموضوعة على القطعة ذاتها. لم يكن يعرف ما تفعله، لكنه شعر وكأن أحدهم يضع بصفة دائمة منشفة ساخنة على وجهه بعد الاستحمام.

كان مترفاً وكاد يكلف بقدر ما كلفته كل الملابس تقريباً. كما حصل على بضعة أغراض أخرى من متاجر مختلفة. حصل على غرض رائع حقاً يتوسع ليتحول إلى مرشاش مصغر. لم يكن هناك حوض استرخاء أو ما شابه وكان مجرد عود طويل يطلق الماء، لكنه كان تماماً ما يبحث عنه جوليوس. إن علق يوماً بمفرده في البرية، فسيكون امتلاك مرشاش تحت اليد منقذاً للحياة. كما حصل على عدة طبخ متكاملة مع موقد أدخله داخل خاتم التخزين الخاص به.

كان واثقاً من أنه دفع مالاً أكثر من اللازم لكل ذلك، ولكن مجدداً. لقد كان ثرياً. هاها! متعة الثراء. أبدأ في إدراك سبب تباهي النبلاء بأموالهم طوال الوقت، إنه أمر مُدمن. كما أن شعور القدرة على شراء أي شيء يبدو محرراً بشكل غريب. فكر جوليوس لنفسه. ارتسمت ابتسامة متألقة على وجهه بينما كان يستكشف البلدة الصغيرة ويتجول في رحلة تسوق.