درب التسامي الفصل 105 — دون كبح

اقرأ درب التسامي الفصل 105 — دون كبح باللغة العربية على مانجا تايم.

لم يدرِ جوليوس بما يردّ. لم يكن بارعاً في مواساة الآخرين. وفي هذه اللحظة، لم يشأ أن يقول الكلمة الخطأ فيززيد الطين بلّة. لكنّه فهم من أين تأتي أوبري. كيف لا يفعل؟ القوة الشخصية تفرض نفوذاً هائلاً في هذا العالم. القدرة هي كل شيء. كان جوليوس يشعر بالضيق والإحباط كلّما خسر أمام شخص آخر. لم يكن مهمّاً إن كان خصمه يعلوه بمرتبة أو حتى مرتبتين. لم يكن يطيق الخسارة. لذا، فعندما تتعرض شخص مثل أوبري، التي تُمطَر بمدائح العبقريّة، لخسارة أمام شخص أصغر منها بسنين طويلة، فلا بدّ أن يحرقها ذلك.

لقد أدرك ذلك. أدرك ذلك منذ اللحظة الأولى التي خاضا فيها نزالهما الأول. ومع ذلك، لم يدرِ قطّ كم كان الأمر يؤلمها حقاً حتى هذه اللحظة. عمّ صمت مطبق بعد كلمات أوبري. لم يستطع جوليوس سماع سوى الطنين الخفيف للحاجز المحيط بالغرفة والذي كان لا يزال يعمل. أخيراً كانت ليلي هي من كسر الصمت.

قالت برفق: "أنت تعلمين أن هذا ليس عادلاً يا أوبري".

أطلقت أوبري ضحكة صغيرة ساخرة من نفسها.

وقالت: "أعلم جيدا أنه ليس عادلاً".

والتفتت لتنظر إلى جوليوس مجدداً.

"لم أكن أقول إنني لا أحبك. أنا أحبك، ويمكنني التحدث نيابة عن الجميع حين أقول إننا جميعا نستمتع بصحبتك وسعداء بأنك صديقنا".

سأل جوليوس بهدوء: "لكن...؟"

فأتمت: "لكن، أنت تجعلني أشعر بالدونية وكأن ما أفعله لا يكفي".

اعتذر جوليوس: "أنا آسف".

لم يدرِ ما عساه يقول غير ذلك. لم يكن يقصد قطّ أن يجعلها تشعر على هذا النحو. هزّت رأسها نحوه.

"إياك أن تقول ذلك. ليس عليك أيّ ذنب لتعتذر عنه. أنا أشعر هكذا بسبب مخاوف نفسيّة وحاجة لإيجاد سريعة أتجاوز بها الأمر بنفسي. ليست غلطتك ويجب ألا تعتذر قطّ لأنك أفضل من شخص آخر. لقد عملت بجد لتنال قوتك".

ولوّحت بيدها نحو إدغار وليلي.

"نحن نعلم جميعاً ذلك".

قال جوليوس: "أنتِ تعملين بجدّ أيضاً".

ضحكت أوبري، ضحكة حقيقية هذه المرة.

"لا، لا أفعل".

ذكّرها جوليوس: "بل تفعلين. وإلا، لما استطعتِ تحسين مهاراتك بهذا القدر في فترة زمنية قصيرة جداً".

أطلقت ضحكة قصيرة مجدداً.

"أظنك لا تدرك ما تفعل كل ليلة؟"

"ماذا تقنين؟"

تظاهر بالجهل. رغم أن جوليوس كان يساوره شكّ في أنه يعرف تماماً إلى أين تمضي.

وقالت وهي ترمقه بنظرة مباشرة في عينيه: "لا تظن أنني لا أعلم ما تفعله كل ليلة. أنا أكثر من ينازلك من بيننا جميعاً، لذا لديّ فكرة واضحة عمّا أنت قادر عليه. وما من طريقة يصنع المرء بها هذا الكمّ من التحسينات بين عشية وضحاها في نومه. في كل يوم حين نواصل من حيث انتهينا، تكون قد سبقت بخطوتين مقارنة باليوم السابق. هذا لا يحدث ما لم تتدرب في هذه الأثناء".

أشار جوليوس: "أنتِ تتدربين لاحقاً أيضاً، أعلم أنك تفعلين ذلك".

هتفت أوبري: "بالطبع أفعل! ما من طريثة أخرى لأواكبك. لكن مهما طال بي السهر والتدريب في منتصف الليل، بالكاد أستطيع إبقاءك في نطاق نظري. يمكنني تمييز متى تكون ممسكاً لزمام نفسك حين نتقاتل".

توقّفت وتنهّدت بيأس.

"أعلم كم تتدرب بجدّ. الحقّ كم أفعل، لكن كيف لي أن أواكب شخصاً بالكاد ينام ويقضي كل وقته في غرفة التدريب"، شبه ضاحكة.

كان جوليوس على وشك معارضة ذلك حين قاطعته.

"لا تحاول حتى الإنكار. لقد ذهبت للبحث عن رفيق سكنك في الأسبوع الماضي وتحدثت إليه. قال إنه لم يرك قطّ تنام في سريرك ليلاً".

"لماذا ذهبت وتحدثت معه؟"

صُدم جوليوس لسماعه أن أوبري بذلت جهداً للبحث عن هنري. لم يكن جوليوس قد تحدث إلى ذلك الفتى سوى في اليوم الأول لقائهما. لقد كان يبذل قصارى جهده لتجنب ذلك الوغد النبيل منذ ذلك الحين.

فأوضحت: "كنت قلقة، كنا جميعاً كذلك، وتذكرت أنك قلت إن اسم رفيق سكنك هو هنري. لم يكن من الصعب العثور عليه بعد ذلك. فما أكثر أولئك الطلاب في السنة الأولى الذين يدعون هنري في نهاية المطاف".

وأضافت: "أخبرني أنني على خطأ. أعلم أن إدغار يراوده الشك ذاته، فقد كان أول من ذكر لي كمّ التدريب الذي لا بدّ أنك تؤديه ليلاً".

لم ينطق جوليوس بشيء رداً على ذلك للحظة. التفت لينظر إلى إدغار الذي كان يبادله النظرة بتعبير حرج ويهز كتفيه لجوليوس. تأوه في قرارة نفسه. لم يُخبر أحداً منهم بروتينه الليليّ لأنه ظنّ أن ذلك سيقلقهم بلا داعٍ ولم يره أمراً جللاً. بيدَ أنه بدا مخطئاً لأن أوبري كانت تجعل الأمر يبدو كذلك.

سألته أوبري مباشرة: "إلى أين تذهب في الليل؟"

اعترف: "إلى مرافق التدريب".

أومأت برأسها وكأنها توقعت تلك الإجابة.

"وماذا عن النوم؟ أترقد على الأرض وحسب؟"

اكتفى جوليوس بهز كتفيه، "أنتِ تعلمين أن لدي مهارة تساعد على دفع الإرهاق".

"الإرهاق يختلف عن الحاجة إلى النوم يا جوليوس. عليك العناية بنفسك بشكل أفضل. وإلا، فقد تنهار من الضغط الذي تلقيه على كاهلك".

وهذه المرة قاطعته ليلي بنبرة يشوبها شيء من الحكم على أفعاله. التفت إليها.

"لا أعرف ماذا تريدين مني أن أقول. لدي مهارة تساعدني على التدرب لفترة أطول وأنا أستغلها. أهذا خطأ إلى هذه الهدرجة؟"

بدأ يشعر بقليل من الضيق. كان يعلم أنهما قلقان عليه فحسب، لكنه لم يكن بحاجة إلى خمسة آباء آخرين يخبرونه بما يفعله وما لا يفعله. ومع ذلك، كان يعلم أيضاً أنه من منظورهم كان أصغر منهم بعدة سنوات.

فحاججت: "نجل، إنه كذلك، سيما إن كانت صحتك تسوء بسبب ذلك".

رمقها جوليوس في عينيها مباشرة.

"أعدك"، وأكد بنبرة قاطعة، "لا أشعر بأي آثار جانبية من ذلك، ومنذ أن بلغت المرتبة الثانية، صار الأمر أسهل بكثير".

شعر بسحر ليلي العقلي يُستخدم عليه ولم يبدِ أي مقاومة. أرادها أن تعلم أنه كان يصدق القول. بعد لحظات، نظرت إليه لتتبين إن كان يصدقها قبل أن تومئ برأسها موافقة. تنهّد جوليوس بقوة.

"انظرا. أنا أقدر القلق، لكنني أعتني بنفسي منذ سنين. قد لا أتخذ أفضل القرارات طوال الوقت، لكن ليس لدي أي خطط لتدمير مستقبلي أو صحتي بلا سبب. أحتاج منكم أن تثقوا بي بأنني سأعتწي بنفسي، أليس كذلك؟"

نظر في أعينهم جميعا، أراد أن يُعلمهم مدى الجديّة التي يبديها في هذا الطلب. كان ماضياً في أمره، يزداد قوة ويدفع نفسه ولن يضيع وقتاً في النوم إن لم يكن محتاجاً لذلك. كان هناك الكثير مما يجب عليه فعله. ولحسن الحظ، بدا أن الثلاثة فهموا مدى جديته وقبلوا الأمر. لم يدرِ كيف تطور الأمور لتصل إلى هذا الحد. لقد كان الأمر في الأصل يدور حول شعور أوبري بعدم الأمان حيال قدراتها.

لم يفهم كيف انقلب ليصير موجهاً إلى جوليوس بهذه السرعة. والجانب المضيء في الأمر أنه على الأقل جعل حدوده واضحة. لقد أخبرهم وبات الأمر الآن بيدهم ليحترموه. لم يشعر برغبة في البقاء أكثر. كان الجو حرجاً بعض الشيء الآن وظن أن أفضل ما يمكنهم فعله هو النوم وهضم الأمر ثم الحديث عنه مجدداً لاحقاً. كان يعتقد أن الأمور ستسير على ما يرام. إن كانوا أصدقاء فسيتجاوزون هذا الوضع بأسره وسيعود كل شيء طبيعياً في اليوم التالي.

ما من علاقة سليمة بُنيت على أشعة الشمس وقوس قزح. لا بد من أوقات تصبح فيها الأمور مزعجة قليلاً. كان هناك ما اعتاد جده أن يوله إياه.

"الصديق الحقيقي لا يتواجد حين يكون الأمر ملائماً فحسب، بل يبقى الصديق الحقيقي حتى حين لا يكون كذلك".

لم يفهم ذلك حقاً لفترة طويلة. لكي نكون منصفين، كان ذلك شيئاً أخبره به جده حين كان في الثانية عشرة من عمره ولم يفهم ما قصده إلا بعد سنوات عديدة.

لقد كان "صديقاً"

للعديد من الأشخاص، أشخاص ظن جوليوس أنهم أصدقاء حقيقيون.

لكن كلما واجهت صداقتهم مطبّاً، قفز الكثير ممّن يُدعون "أصدقاء"

من السفينة وبقي القليل فقط. ومع ذلك، فإن أولئك الذين تمسكوا به هم من تذكرهم جوليوس بحنو واعتقد حقاً أنهم أصدقاء. وأثناء مغادرته، شعر بشيء يُقذف عبر الهواء نحوه. استدار واستخدم طاقته الحركية ليثبت الغرض في مكانه قبل أن يصيبه. كانا زوجاً من الأساور الفضية. حقاً؟ الآن؟ سأل نفسه بعدم تصديق. مع ذلك، بدا وجه أوبري مصمماً. كانت عيناها تتبعانه مباشرة، والتحدي فيهما كان واضحاً.

كانت تريده. لا، ربما كانت تحتاجه. حين فكر جوليوس في الأمر، لم تكن الفكرة سيئة. لذا فقد نقرهما حول معصميه ومشى مباشرة إلى وسط الغرفة، شاعراً بالاستياء أكثر من أي شيء آخر. من يدري، قد يفرز هذا بعض التوتر بينهما. لم تكن تجمعه بها أو بالآخرين أي ضغائن، بل مجرد ضيق طفيف، لكنه سيتبدد في غضون بضع ساعات. ومع ذلك، قد يكون هذا أمراً جيداً لها. تبعته أوبري مفعّلة أساورها الخاصة.

اتخذا وضعيتيهما وفعل إدغار بقية التعاويذ.

وذمّرت: "بلا تحفظات أيضاً".

هزّ جوليوس رأسه لأعلى ونظر إليها مباشرة، مشكوكاً في أمره قليلاً. بلا تحفظات أيتها الفتاة؟ أطلق ضحكة قصيرة لنفسه عند ذلك. ربما كانت على حق. ربما ما كان عليّ التحفظ. خلع أساوره بلا مبالاة وألقى بهما على الأرض بصوت مكتوم مخيف.

وقال لها: "حسناً، بلا تحفظات".

رفعت يديها بقلق طفيف: "انتظر، لم أكن أعني أن علينا خلع أجهزتنا. لا أريد فقط أن تتساهل معي هذه المرة. رابحاً كنت أم خاسراً، أريد الأمر حقيقياً".

لوح جوليوس بيديه مؤكداً لها.

"يمكنك الإبقاء على خاصتك".

لم يقصد أن تفسر أفعاله على أنه يتخداها لتتبادلها معه. بل إن الأساور كانت تقيده فحسب. لقد امتلك [تجدد الفينيق الزائف] بخلافها وكان بإمکانها المخاطرة بتلقي الإصابات. ومع ذلك، بما أنها أرادت منه أن يأخذها على محمل الجد، فسيلبي طلبها. وهذا يعني أنه سيتوجب عليه خلع الأساور لأنه لا يستطيع الشفاء وهي عليه، أو بالأحرى لأن الأساور لم تكن تدعه يصاب أصلاً لكي تفعل مهارته فعلها في الشفاء.

أخبرها جوليوس: "لكن إن كنتِ تريدين مني أن أقاتلك بلا تحفظات، فلا يمكنني ارتداؤها".

أومأت برأسها له في النهاية وبدأت تجهز نفسها. أخذ نفساً هادئاً وثبت عزيمته. لن يتحفظ، ليس الآن. ستحصل على كل ما عمل عليه. بدا أنها شعرت بالإهانة لكونه تساهل معها أكثر من أي شيء آخر، لذا لن يفعل ذلك هذه المرة. لقد حظيت بانتباهه الكامل وإذا ندمت على ذلك، فتلك مسؤوليتها وحدها. ألقى نظرة طويلة عليها، ومضى يکثّف [الرقصة الهمجية]. في عينيه، بدت أوبري قلقة قليلاً، لكنها عادت إلى وضعيتها وانتظرت إشارة إدغار للبدء.