"حين اتفقنا على العمل معاً، اتفقتَ على إخباري بقراراتك"، بدأ تشيستر حديثه.
"لذا أظنّ من الإنصاف أن أردَّ لك الجميل".
"هممم؟"
قال كالوم، ومحياه على كتف لوسي وهي تسترخي إلى جنبه. كان لا يزال يشعر بقليل من الدوار وهو ممدد على الأريكة في قبو تشيستر. وحدها الساعة أخبرته بالوقت الذي فقده بين نفاذ طاقته والارتجاج الخفيف في رأسه نتيجة تلقيه لكمة على وجهه، لأنه لم يكن يحصي الوقت بنفسه قط. كان تشيستر مضيفاً ممتازاً حتى الآن ولم يكن لدى كالوم أي شكاوى، لكنه استعد للمغادرة واصطحاب لوسي إلى البيت.
"بعد زوال رافيب، أنا الكائن الخارق الوحيد الذي يمتلك قوة حقيقية في الغرب الأوسط"، قال تشيستر.
أزاح هذا بعض الغموض عن رأس كالوم، فرمق تشيستر بنظرة حادة. عاد إلى هيئته البشرية وبدا كأنه فايكنغ، لكنه هزّ رأسه تعقيباً على تعابير وجه كالوم.
"ليس لدي أي نية لغزو أي شيء، لكن هذا يعني أنه لا يوجد من يمارس الضغط حين أنفصل عن وكالة الرقابة. وهو ما سأفعله اليوم".
"آه"، قال كالوم.
"تهانينا. لعله القرار الأفضل، نظراً لكل المشكلات مع الوكالة".
"تماماً"، وافق تشيستر.
"لكن بالطبع، حتى أنا لست قادراً تماماً على الوقوف وحدي. سأجتمع ببعض الناس لعقد اتفاقات وطلب المشورة بشأن التحالفات. لا لتأسيس شيء شبيه بالوكالة، بل مجرد نظراء يصطفون في الاتجاه نفسه".
"يبدو هذا واعداً"، قال كالوم بحذر.
كل ما سيحلّ محلّ الوكالة سيعاني من المشكلات ذاتها، لكنّ تحالفاً بين كيانات أصغر قد يطرح مشكلات أقل. وقد يمثل مشكلة أكبر، بحسب من يشكلونه؛ فلا وجود لحلّ مثاليّ.
"أتخيل أنك لن ترغب في البقاء طوال الاجتماع، إذ سيُفهم من ذلك أنك تبارك هذا التحالف".
رفع تشيستر حاجبيه، فأومأ كالوم موافقاً. لم يكن الأمر أن كالوم بلا اهتمام بما يبنيه تشيستر، فهذا سيؤثر براغماتياً على السياسة الخارقة في أغلب الولايات المتحدة، لكنه لم يستطع أن يكون جزءاً منه فعلياً. الدور الوحيد الذي كان بمقدوره لعبه هو دور المنفذ، ما لم يتخذ موقفاً سياسياً مباشراً، وكلٌّ من الخيارين سيقوّض أهدافه الحقيقية ونهجه. لم يستطع حقاً اختيار العزلة إن كان مسؤولاً عن أي شيء.
"من جهة أخرى، لا أريد أن أجد نفسي في وضع تسعى فيه ورائي كما فعلت مع رافيب"، قال تشيستر.
"أنا أيضاً لا أفضّل هذا الوضع"، قال كالوم.
لم تكن لديه أي مشكلات مع تشيستر حتى الآن، ويرجع ذلك أساساً إلى عدم وجود مشكلات لتشيستر مع البشر العاديين. أظهر كل ما سمع هيبة الألفا وانضباطه، وبدا أن الكثير من المتحولين يعملون في أعمال التنظيف والبناء، وهو ما ساعد على الأرجح. يصعب أن يحافظ المرء على غروره أثناء مسح الأرضيات أو حفر الخنادق.
"حسناً، إذن، ما الذي يجب أن أضعه في الحسبان لأضمن عدم حدوث ذلك؟"
سأل تشيستر وهو يبسط يديه.
"لا أطلب وصايا عشر ولا بياناً سياسياً، بل مجرد أفكارك العابرة. لا تبدو لي رجلاً غير معقول".
"أحاول ألا أكون كذلك"، وافق كالوم.
أطلقت لوسي ضحكة مكتومة.
"أنت غير معقول تماماً يا رجل يا ضخم"، خالفته الرأي.
"لكن ليس في أمور كهذه، فامضِ قدماً".
"الأمر بسيط للغاية، أظن؟"
قال كالوم، متحدثاً ببطء وهو يفكر في الأمر.
"أنت لا تفترس البشر. لا يمكنني قول أي شيء عن سياسات الجنيات أو المتحولين الداخلية؛ فلن أرغب في التدخل. لكن حين يتعلق الأمر بالعاديين، فأنت ببساطة لا تفعل".
"أنت تدرك أن هذا يستبعد مصاصي الدماء تماماً، أليس كذلك؟"
أشار تشيستر.
"على الأقل أولئك الذين على الأرض. لا يمكنهم الاقتيات على ماء القمر هنا. عليهم أكل طاقة البشر".
"إذن تلك مشكلتهم"، قال كالوم بحزم.
"حتى لو لم يكن لديهم مكان آخر يذهبون إليه، لا أبه. أنت لا تفترس البشر. أي شخص يسمح بهذا يمكن أن يكون الأول في الطوابير ليوفر على البقية عناء الأمر".
"هاه! حسنٌ، يمكنني القول إنه لا يوجد أي ودّ حقيقي بيننا وبين مصاصي الدماء على أي حال".
"أو بين أي شخص ومصاصي الدماء حقاً"، أدخلت لوسي كلامها.
"أعرف أن هناك بعض عائلات السحرة الذين يحبونهم، وهم ممتازون للمناوبات الليلية، لكن من يريد العمل معهم؟"
"حقاً"، وافق تشيستر.
"هذا سهل بما يكفي. كنت أفعل ذلك بالفعل، لكني أظن أن الناس الذين أتحدث إليهم لن ينزعجوا كثيراً من هذا القيد. إنه فكرة سيدة على أي حال، فلماذا تضع نفسك في مواجهة مع من يسيطرون على الكوكب بأكمله؟"
رفع يداً.
"وهو ما أعرف أنه أمر نفعيّ بعض الشيء، لكن لا يمكن إقناع الجميع بحجج الأخلاق".
"بلى"، قال كالوم، الذي لم يكن ينوي المجادلة على أي حال.
"أنت من تمارس السياسة، لست أنا. متأكد من أنني سأضجر منها".
"كنت سأقلق من اضطرارك للعب دور الشريف طوال الوقت لو كنت جزءاً منها"، قالت لوسي، وهي تأخذ بيده.
"أنت تفعل ذلك بما يكفي على أي حال".
"أظن أن هناك الكثير ممن لن يرغبوا في الانضمام إلى تحالف أنت فيه منفذ"، لاحظ تشيستر.
"إذن هي ثلاثة أصوات ضادة، والاقتراح يمرّ"، قال كالوم.
"سأتركك لتعلن استقلالك، إذن. أتخيل أنك جاهز الآن للصعوبات التي سيسببها ذلك".
"ما دامت الوكالة غير قادرة على إرسال فاني أو هارغريف ضدي، أظن أنني سأواجه مشاكل قليلة"، وافق تشيستر.
لقد تلقى إشعاراً مسبقاً طفيفاً من عائلة هارغريف مباشرة، وسيستمتع بما سيحدث حين تصبح تلك الأنباء علنية.
"إذن أعتقد أنه لم يبقَ سوى أن أشكرك على مساعدتك وضيافتك"، قال كالوم، واقفا مادّاً يده.
أخذها تشيستر، ثم منح لوسي ابتسامة.
"اعتنِ به"، قال، فأومأت لوسي بجدية مصطنعة.
عيّر كالوم عينيه وفتح بوابة تؤدي إلى المقطورة في تكساس.
"سنبقى على تواصل"، وعدت لوسي، وشبكت ذراعها بذراع كالوم وهما يعبران.
وما إن عادا إلى المنطقة المألوفة وأُغلقت البوابة، حتى تمطت وهزت نفسها قليلاً.
"لقد فعلتها يا رجل يا ضخم! لقد كان الأمر مخيفاً بعض الشيء مع ذلك".
"نجل"، قال.
"كان إشراك المتحولين هو القرار الصحيح".
أخذ كالوم نفساً عميقاً وأخرجه.
"بالإضافة إلى ذلك، بدا رافيب بغيضاً جداً اللعين".
"نعل"، قالت لوسي، وهي تميل صوبه مجدداً.
"إذن ما الذي سنفعله الآن بعد أن زال الجني الشرير الكبير؟"
"حسناً"، قال كالوم، ناظراً إلى ابتسامتها الماكرة الصغيرة.
ابتسم بدوره، وهو يعلم أنها لا تقصد العمل لكن كان عليه مشاكساتها على أي حال.
"هناك دائماً الانتقال..."
"لا"، قالت لوسي، وهي تخطف يده وتجره نحو غرفة النوم.
"سنحتفل".
* * *
"لا يمكنك فعل هذا"، هدّد السحر حين مزقت مخالب تشيستر طاقة درع الرجل.
تراجع السحر إلى الوراء فقبض تشيستر على ذراعه. لم يكن أيٌّ من المراقبين اللذين أرسلتهما الوكالة سحرة أقوياء بشكل خاص، لذا كان سحرهم عاجزاً أساساً حين استمد قوته من روابط قطيعه.
"قد ترغب في البدء باستخدام عقلك"، قال تشيستر وهو يدفع الرجل قسراً خارج الغرفة حسنة التجهيز التي عاش فيها أسابيع.
على نفقة تشيستر، فضلاً عن ذلك، مما جعل وجوده أكثر إزعاجاً وطرده أكثر إمتاعاً.
"إن حدث شيء، فجديراً بك أن تشكرني لمجرد رميك خارج أرضي".
كان ينوي بالأصل دفع السحرة عبر ناقل الوكالة، لكن مع تعطل تلك الأجهزة قرر الاكتفاء برمي السحرة في أراضٍ عشبية فارغة. وهو أمر جيد بالقدر نفسه. فليطيروا عائدين بقدراتهم الخاصة. حاول السحر قول شيء آخر لكن تشيستر أسكته بهدير عميق. كان من المبهج القدرة على التصرف بفظاظة قدر ما يريد مع ممثلي الوكالة، رغم أنه لم يكن لينزل إلى حد إيذائهم. إلا إن جلبوا ذلك بأنفسهم حقاً، بالطبع.
كان جون يمسك بالمراقب الآخر بروقة حين لقيه تشيستر خارج المبنى، مستمراً في إبعاد محاولات السحر لتشكيل شيء من مرتكزه. اهتزت عروة عبر روابط القطيع فمنحه تشيستر الإذن، فشدّد جون قبضته وهدر محذراً في أذن السحر. تسابق المتحولان نحو حافة أرض المجمع، جارين السحرة معهما. لم يكن نقل البشر بهذه السرعة ممتعاً أبداً، لكن تشيستر لم يبه لذلك حقاً. توقف اثناهما عند حافة الملكية، عند البوابة الخاصة الكبيرة، وكشخص واحد قذف السحرة فوق البوابة وإلى العشب خلفها.
لم يكن أي منهما موهوباً بالقدر الكافي لتخفيف سقوطه، لكن تشيستر لم يشعر بالسوء تجاه أي كدمات أو التواءات أصيبا بها جراء المعاملة الخشنة.
"تذكروا"، رنّ صوت تشيستر.
"أخبروا أسيادكم أنهم ليسوا أسيادنا بعد الآن".
راقب الثنائي من السحرة وهما ينطلقان في الهواء. لم يمتلك المتحولون تقنياً أي قوة جوية حقيقية، لكن لهذا السبب استحوذ بهدوء على القليل من العتاد العسكري. لن تفعل الأسلحة المضادة للطيران شيئاً لسحر عظيم، لكنها ستفي بالغرض بالنسبة للخدم، وحين يقرر أي شخص في الوكالة التحرك ضده سيكون قد نال المزيد من الدعم على أمل. اختفى السحر خلف أوهام بصرية، رغم أن تشيستر ما زال قادراً على تتبعهم بالطريقة التي أزاحوا بها الهواء وهم يطيرون مبتعدين عن المجمع.
وحين تأكد من رحيلهما، انضم إلى بقية قطيعه المباشر. كان لديهم الكثير من العمل لإنجازه في تنظيف الفناء الداخلي وإعداد الأمور للقمة. كان ويلز لطيفاً بالفعل لدرجة تنظيف أسوأ بقايا رافيب البغيضة ببساطة عبر إرسال القطط إلى بلاط الجنيات. لم يعلم أحد بعد ما ستكون تداعيات وفاة ملك الجنيات، وآخر مرة مات فيها ملك جنيات كانت في أوروبا لذا لم يكن تشيستر مألوفاً للعملية. كانت المشكلة الوحيدة حتى الآن هي الأتربة المنتنة التي ساساعد في جرفها إلى شاحنة تفريغ، لكن سيكون هناك المزيد.
ولهذا كان يتعجل الاجتماع قليلاً. لحسن الحظ لم يكن بحاجة حقاً لإبهار أي شخص بالمحيط لأجل القمة. كان جلّ العمل جعل المنطقة أقل إززعاجاً للحواس، وكان سيفعل ذلك على أي حال. احتاجت غرفة الاجتماعات الرئيسية في منزل القطيع الكبير إلى بعض اللمسات، وكان لديه بالفعل شخص يشتري المشروبات والوجبات الخفيفة بينما كانت ليزا تخبز البسكويت. رغم أنه لم يكن لديه الكثير للتحضير، إلا أنه أوشك على التأخير إذ كان يخرج لتوه من الحمام حين وصل الضيف الأول.
بشكل مفاجئ، جاء شاهي بسيارة، سيارة سيدان قديمة مهترئة بدت كأنها لا ينبغي لها أن تكون على الطريق أصلاً. لكنها كانت تفوح برائحة السحر وتطرب كهرّة، وحسب حواس المتحول لتشيستر لم تكن تحوي محرك احتراق داخلي أساساً. أسرار دموية التنانين، بدا الأمر كذلك.
"الألفا تشيستر"، قال شاهي، مصافحاً تشيستر.
إما أنه استغنى عن الوهم البصري أو اقتنى واحداً جديداً، لأن الرجل ذا الحراشف بدا عجوزاً بطريقة ما، بزعانف وحراشف توحي بطريقة ما بشيخ ملتحٍ في بدلة بالية لكنها نظيفة بشكل لا يصدق. رغم أن تشيستر تخيل أن الملابس كانت مضللة بالقدر ذاته كالسيارة.
"أتوقع أن يثبت هذا كونه مثيراً للاهتمام، حتى لو كنت هنا لتقديم المشورة فقط".
"آمل أن يكون مثيراً للاهتمام وحسب. هناك دائماً خطر في جمع الناس معا".
رافق تشيستر شاهي إلى غرفة الاجتماعات، دعه يختار إحدى المقاعد المبطنة بوفرة.
"سيكون من الوقاحة حقاً أن يبدأ الناس بالقتال أمامي"، أجاب شاهي بهدوء، فأومأ تشيستر.
كانت تلك ضمانة ما لسلوك حسن من الجميع. كان وتزي هو التالي، والسحر العظيم متجهاً بخطواته نحو بوابات مجمع تشيستر من لا مكان محدد، مرتدياً بنطال جينز ومعطف غبار. مثل ويلز، لم يمتلك وتزي أي أثر لرائحة السحر عالقة به، لكن أيضاً مثل ويلز، جعلت طريقة مشيه وحدها من الواضح أنه ليس عادياً ولا دنيوياً. لم يكن تشيستر متأكداً من مجيئه، إذ لم يكن إيصال رسالة للرجل أمراً سهلاً، لكن كان من الجيد وجود سحر متورط.
"لا أظن أن الفتى ويلز سيكون هنا، أليس كذلك؟"
سأل وتزي، بصوته الأجش.
"لا، رأينا أن ذلك غير لائق سياسياً"، قال تشيستر.
بدا وتزي خائباً، لكنه أومأ على أي حال ونزع قبعته حين دخل. تسلل الآخرون خلال الساعتين التاليتين — فيروشار، الذي بدا كجني بقروني تنين، والألفا سميث وكارلسون، اللذان ترأسا القطيعين في الجنوب والشرق على التوالي، والعديد من الجنيات غير المنتمين لكن الأقوياء الذين عاشوا في منطقة تشيستر. لم يكن هناك مصاصو دماء. لم يدعُ تشيستر أياً منهم ابتداءً ومع وضع كالوم لم يكن ليقبل بالطبع أي متسللين.
وهناك من تسللوا، بغباء جنونيّ كما كان. وصلت المعلومات عبر روابط القطيع وهو يتجاذب أطراف الحديث مع ضيوفه. حاول أحدهم التسلل فتم طرده. أحدهما كان جنياً، والاآخر مصاص دماء. وبعد نصف ساعة، سعّت المضادة للطيران التي تهريبها تشيستر خلسة، مسقطة سحراً من السماء. كانت هذه كلها حوادث طفيفة مع ذلك، ولم تتطلب من أي شخص في الداخل إجهاد نفسه.
"لككي يصبح الأمر رسمياً تماماً"، قال تشيستر، ما إن وصل الجميع.
"أعلنت الاستقلال عن الوكالة اعتباراً من اليوم. لم يعد قطيعه الغرب الأوسط يعترف بسلطتها على أفعالنا".
"وكذلك فعل جيب ميامي"، قال فيروشار فوراً بعد ذلك، وهو ما لم يسمع به تشيستر.
في الواقع، لم يفاجأ لو قرر فيروشار ذلك في تلك اللحظة بالذات.
"ليس للوكالة أي سيطرة علينا".
أومأ تشيستر لفيروشار بتقدير على أي حال.
"ولا رغبة لي في صنع نسختي الخاصة من الوكالة. لا أريد إخبار الجنيات بما يفعلن، ولا ذوي دماء التنين، ولا حتى السحرة. ولا أريد أن يُقال لي ما أفعله. أرغب فحسب في تحالف بين أفراد متفقين في التفكير".
"بما في ذلك ذوو دماء التنين؟"
سأل أحد الجنيات المستقلين.
"السيد شاهي والسحر العظيم وتزي هما مستشاران"، قال تشيستر.
"لكونهما الأقدم بين الكائنات الخارقة في أمريكا بفارق كبير".
ضحك وتزي على ذلك، لكنه لم يعارضه.
"ما هي الشروط التي وضعتها في ذهنك للتحالف؟"
سأل فيروشار.
"لا شيء مهماً. لست متأكداً حتى من أن الدفاع المشترك هو الفكرة الأفضل؛ فهذا أمر يُدار بشكل أفضل بين الأفراد. لكن عدم الاعتداء بين الأطراف، والالتزام بمنع أي سلوكيات قد تجلب انتباه العاديين".
هز تشيستر كتفيه. لم يعتقد حقاً أن أحداً هناك سيهتم كثيراً بأي تحالف عسكري بحد ذاته، رغم أنه سيكون مسروراً إن كان مخطئاً.
"رغم أن هناك تفويضاً واحداً معيناً"، تابع.
"مقدم من قِبل الشبح".
لفت ذلك انتباه الجميع، رغم أن شاهي وتزي لم يبدوا متفاجئين بشكل خاص.
"إنه ليس جزءاً من هذا التحالف، ولا يوافق عليه أو يرفضه. لكنه أبلغني أن ما يهمه هو عدم افتراس البشر. النزاعات الداخلية للجنيات أو المتحولين ليست مشكلته، لكنه حازم جداً في أن نعيش وسط العاديين لا عليهم، إن صح القول".
"لن يعجب ذلك الجميع"، قال فيروشار بعبوس.
"بعض من..."
"دمّر الشبح رافيب"، قاطعه تشيستر.
"لما سمح به لشعبه. قد ترغبون في اغتنام هذه الفرصة لتتفقدوا رعاياكم وتقرروا ما إذا كان السير في ذلك الطريق يستحق العناء حقاً".
"آه"، قال فيروشار، مبدياً ملامح المستنير.
ربما لاحظ أن رافيب ميت، لكن بدا الجميع بدرجات مختلفة من الدهشة أو الذهول باستثناء شاهي. وكيف لا يكونون كذلك. حتى السحر العظيم وتزي رفع حاجبيه. لم يسبق لتشيستر أن رأى ويلز في أتون العمل، وقد أذهله كم كان هناك القليل لرؤيته. جلس الرجل هناك مركزاً — على الأقل حتى التقت لعنة جنيات عليه وسحبت أحد حراس رافيب من حيث كان الجنيات. ثم كان هناك شيء ما. صوت زئير موجز ثم تأثير كنيزك، بالحكم على التناثر.
راودت تشيستر شكوك بأنه قد ينجو من شيء كهذا بنفسه — وكان يعلم جيداً أن ويلز يستطيع غرس مراسيه في أماكنها دون أن يدري أحد.
"لا أهتم كثيراً بالجنيات، وصيد العاديين غباء"، قال الألفا كارلسون.
"لكني لا أُعجب بفكرة أن بإمكانك إرسال الشبح نحوي".
"يمكنني طمأنتك بشأن تلك النقطة. لا يمكنني إخبار الشبح بما يفعله على الإطلاق".
هز تشيستر رأسه.
"لقد رفض فرصة العمل معي أكثر من مرة، وإن اكتشف أنني أجبره بأي شكل أظن أنه سيأخذ الأمر بشكل شخصي. رغم ذلك، إن أراد أي شخص التواصل معه فسأكون أكثر من مستعد لتمرير رسالة".
تحدث عدة أشخاص في وقت واحد فرفع تشيستر يداً.
"بعد أن ننتهي"، قال.
"والآن، لنناقش الحياة من دون الوكالة".
* * *
"لدينا تقرير، أخيراً".
رفع السحر الأعظم لورينزو روسي رأسه عن ناسخ النماذج الأولية ورفع إصبعاً بينما أغلق معداته. كان مختبر السحر براقاً ومععدناً ومصنوعاً من السيراميك من الجدار إلى الجدار، مع عشرات أدوات التحليل والإنتاج في مناطقهم المعزولة. ربما كان هناك سحر عملي أكثر داخل المختبر مما في معظم البيوت.
"تقرير عن ماذا، مينوت؟"
قال روسي ببعض الاستياء.
"ويلز"، قال مينوت، داخلاً المختبر.
كان مألوفاً بما يكفي لبروتوكولات المختبر لاستخدام المسار المحدد على الأرض، حذراً من الضال إلى أي من مناطق العمل. حتى حين لم تكن نشطة، كانت بعض الآلات قوية بما يكفي أو حساسة بما يكفي لتكون حدودها محظورة. حين وصل مينوت إلى الناسخ الذي كان روسي يستخدمه، سلّم جهاز لوحيّ ليدرسه السحر الأعظم.
"هف"، تذمر روسي، ممرراً التقرير بصره.
كان من الوكالة العادية التي استخدموها، مأخوذاً من تحليل لكل ما عرفوه عن مكان وجود ويلز. المكالمات الهاتفية التي تتبعوها، والمتاجر التي استخدموها، والعناوين المزيفة والهويات. كان هناك أقل مما كان يتمنى لكن أكثر مما اعتقد، ورغم أن روسي لم يرَ أي أنماط، فقد رآها العاديون بوضوح. لم يستطِع التقرير إعطاءهم موقعاً محدداً، لكنه تمكن من تحديد منطقة. كان هناك ثقب ملحوظ في منتصف مخطط التشتت للملاحظات، في مكان ما في منتصف تكساس.
لم يكن ثقباً صغيراً، بل كافياً ليبدو مرجحاً أن لدى ويلز مخبأ واحداً على الأقل في المنطقة، وهذا ما كان يدور حوله الثقب. عدة مئات من الأميال المربعة كان بحثاً كثيراً، خاصة لشيء كان مجرد إمكانية، لكنه كان أفضل من العالم الواسع بأسره.
"رائع"، قال.
"انظر من يمكننا تكليفه بهذا. أريد التحدث إلى ويلز. وتأكد من أن الوكالة لا تعلم بالأمر؛ فسيفسدون الأمور فحسب".
"حاضر، سيدي"، قال مينوت.
* * *
"ألعن أبو الكفر".
حدق راي دانففورث في شاشة حاسوبه. أغلق البريد الإلكتروني ثم فتحه مجدداً، فقط ليتأكد من أنه قرأه بشكل صحيح. لمست يد فيليسيا الباردة جداً ذراعه وهي تطل من فوق كتفه.
"أوه"، قالت بصوت عالٍ، واهتز مكتب راي من صرتها غير المكبوت.
لم يكن اتصالاً رسمياً. لم يكن موجهاً لعينيهما حتى، لكن لراي زميل في دائرة شؤون البيوت كان مستعداً لتمرير الأخبار إليهما. أعلنت عائلة هارغريف وعائلة إلرو وكل بيوتهما التابعة انفصالها رسمياً عن نقابة التنظيم السحري. وإذا لم يكن ذلك كافياً، فقد وصل إعلان عن بيت جديد أنشأه السحر الأعظم تايسن مع الرسول ذاته. بينما قصر الخبر عن إعلان حرب فعلي، إلا أنه كان قصيراً بفارق ضئيل.
مع الأزمة وموت فاني كانت حسابات الأمر كله تفوق استيعابه، لكنه عرف بداية هجوم حين يراها. ربما أراد هارغريف الاستقلال فحسب، لكن الوكالة بالكاد تستطيع السماح بذلك من منظور براغماتي. بيت صغير سيتلاشى بمفرده قريباً بما يكفي شيء، لكن عدة مئات من السحرة وثلاثة سحرة عظام شيء آخر.
"حسنٌ، أعتقد أنه وقت الغداء"، قال، مغلقاً غطاء الحاسوب المحمول.
"هذا ليس شيئاً يُتعامل معه على معدة فارغة".
أومأت فيليسيا برأسها، مستديرة لإحضار سترتيهما من الخطاف بجانب باب المكتب. أدى الإزالة المفاجئة لشبكة الانتقال الآني إلى تغيير روتين الغداء العادي، وبشكل غريب جعل أسهل طريقة لتناول وجبة هي الذهاب إلى باريس. لا تزال الروابط بين مكاتب الوكالة موجودة، وبينما كانت مكاتب الوكالة الأمريكية بعيدة لوحدها، كانت وكالة باريس في المدينة. كان عليهما ركوب شراعي راي لتناول الطعام في أي مكان قريب في الولايات المتحدة، وهو ما لم يكن مشكلة لكنهما أرادا أحياناً النزول في الشارع والحصول على شيء سريع.
بالطبع، ساعد وجود مطاعم يديرها خارقون في باريس أكثر حتى من نيويورك، لذا كان العثور على مكان لا يضطران فيه للانتظار أسهل. انتهى بهما المطاف في مقهى زاوي مع كشك مفصول بعناية بحواجز وسحر بصري، لجنيات مثل فيليسيا حيث يمكن لطبيعتهن ذاتها إزعاج رواد آخرين.
"إذن هذه فوضى عارمة"، قالت فيليسيا أخيراً، متكئة إلى الوراء ضد خشب الكشك القديم الخلفي.
"نعم"، قال راي، معدلاً أدوات مائدته على سطح الطاولة المطلية بالورنيش بينما كان يفكر.
"الشيء هو، بدون فاني وبدون النقل الآني، سيكون معقداً فعل أي شيء. من سيُرسلونه وراء هارغريف؟ ناهيك عن تايسن، لا أظن أننا رأينا سحراً عظيماً ثلاثي الجوانب من قبل".
"يبدو أن الوكالة لن تقوى على فعل أي شيء إذن".
"حسنٌ"، قال راي بحذر، متكئاً للخاف بينما جلب النادل النبيذ والمقبلات.
"هناك الكثير من البيوت الأخرى التي ليست على وفاق رائع مع آل هارغريف. ريني وتوللر وربما هناك بعض البيوت الصينية الآن بعد أن أصبح فاني بلا رأس نوعاً ما. لكن نعم. ستواجه الوكالة مشكلة".
"أين يتركنا ذلك؟"
سألت فيليسيا، آخذة رشحاً من نبيذها. كان أحمراً، كالعادة، واستمتعت بالطعم لحظة قبل خفض كأسها.
"أنا لا أريد بالتأكيد أن أكون في المنتصف من ذلك".
"لحسن الحظ، لن نكون"، قال راي.
"أوه، سيكون ألماً بالنسبة لنا، بالتأكيد، لكن مع خروج هارغريف ليس شأن دائرة التحقيقات. لدينا ما يكفي وأكثر للتعامل مع التحقيق في كل الأشياء الناشئة الآن بعد أن أصبحت الوكالة ناقصة العدد".
توقف ليفكر في الاحتمال.
"سأرغب على الأرجح في مغادرة مقرات بيتي مع ذلك. لا ناقة لبيت روث في هذه المعركة ولا جمل وقد يغلق على نفسه".
"سأجهز غرفة الضيوف"، قالت فيليسيا، فرمقها راي بنظرة حادة.
لم يكن متأكداً مما إذا كانت تشاكسه أم لا، خاصة أنها تستطيع ضبط صوتها ليكون غامضاً تماماً. نظرت إليه بالنظرة المبهمة تماماً التي لا يمكن للجنيات الحقيقيين إلا إدارتها، شيئاً أبدياً يتجاوز الفهم البشري. لذا كان متأكداً تماماً أنها كانت تغازله. كاد الاثنان أن ينتهيا من وجبتهما حين رنّ هاتفاهما بتوافق، فأخرج راي هاتفه. عبس عند اسم وعنوان البريد على شاشة المعاينة. لا شيء يتطلب منهما الإبلاغ للمشرف لاين كان خبراً جيداً.
"حسنٌ، لقد ذهبت الظهيرة"، تنهد راي، وأشار للنادل.
بعد نصف ساعة طرقت فيليسيا باب المشرف لاين بينما دقق راي في بدلتهما. كان التعرض للتوبيخ بسبب ملابس مهملة أمراً تافههاً، لكنه مع ذلك لم يكن شيئاً أراد راي التعامل معه مجدداً.
"ادخلوا"، قال لاين، ودخل الاثنان ليقفا أمام مكتب لاين.
حتى في الوقت القصير الذي قعض فيه رئيساً للدائرة، جعل الرجل مكتب المشرف خاصاً به. كانت هناك صور على الجدار وتماثيل صغيرة على الرفوف، رغم أن شيئاً لم يظهر لماذا ظن أي شخص أن لاين صالح ليكون مشرف دائرة التحقيقات.
"سيدي؟"
قال راي. لم يعرض عليهما لاين مقاعد.
"لدي تقرير يفيد بأن بيت هارغريف رفض مذكرة لدائرة التحقيقات، صادرة بناءً على شكوى من بيت فاني"، قال لاين.
كاد راي أن يسأل عما إذا كان ذلك قد حدث قبل انفصالهما عن الوكالة أم بعدها، لكنه كبح لسانه. لم يكن يعلم ذلك رسمياً بعد.
"أي نوع من المذكرات، سيدي؟"
سأل راي.
"يجب تسليم غايل هارغريف إلى عهدة الهيئة أو بيت فاني، بسبب استخدامها للسحر المقيد"، قال لاين.
كما لو أن فيليسيا وراي لم يكونا في قلب تلك الفوضى برمتها.
"أعتقد أن السحر الأعظم هارغريف أوضح موقفه من ذلك"، قال راي بحذر.
"لا يدير السحر الأعظم هارغريف الوكالة"، قال لاين ببرود، وهو ما اعتبره راي تقليلاً إلى حد ما من تأثير هارغريف على المنظومة.
"ولا يدير دائرة التحقيقات السحرية أيضاً. ستذهبان أنتما الاثنين إلى بيت هارغريف بمذكرة جديدة لذلك ولأفراد فاني الذين لقوا حتفهم، وتتأكدوا من تنفيذها".
"حاضر سيدي"، تمكن راي من عصر الكلمات عصراً، رغم أنه كان ينظر بذهول إلى الرجل في داخله.
عرف راي بعض الحيل المخصصة لتعليمه إياها حتى يتسنى له العمل مع فيليسيا، لكنه لم يكن قريباً بما يكفي من القوة أو الأهمية للتعامل مع سحر عظم. ناهيك عن واحد انفصل للتو عن الوكالة. دفع لاين مجلداً عبر مكتبه، فالتقطه راي.
"انصرفا"، قال لاين، وتبادل راي نظرة مع فيليسيا قبل الخروج إلى الممر.
"مستحيل"، كتبت فيليسيا على جهازها اللوي.
"المكتب، ثم الشراعي"، وافق راي.
عائم بشراعيه خارج مبنى الوكالة الفعلي، والذي ما زال شعوراً غريباً بالنظر إلى المدة التي قضاها في استخدام نظام النقل. ما إن انفتح وساعد فيليسيا في صعود جانب الركاب، صعد وأرسل طاقته عبر المرشز، باعثاً بهما إلى الهواء. لم يعلق أحد على الصناديق التي حملا الشراعي بها، الممتلئة بأغراض شخصية قليلة احتفظا بها في مكتبهما المشترك.
"هل يحاول قتلنا؟"
سألت فيليسيا، حين صعدا بأمان في الهواء.
"أظن أنه قد يكون كذلك"، قال راي بعد لحظة.
"لم يخبرنا حتى أن هارغريف لم يعد جزءاً من الوكالة بعد الآن. إن دخلنا وكأننا نملك سلطة فعلية خلفنا، فقد تسوء الأمور. حتى لو كانت لدينا سلطة فعلية لتسوأ الأمور".
"لا يعجبني الإيقاع بي في فخ"، قالت فيليسيا ببرود.
تجمد الجليد على النافذة في جانبها من الشراعي.
"لا"، وافق راي.
لم يتحدث أثناهما بصوت عالٍ عن أفعالهما، لذا قرر قولها بصراحة.
"سيتعين علينا مغادرة دائرة التحقيقات. والوكالة، لأنهما سيحبسّاننا ربما لو قدمنا استقالاتنا فحسب".
كان ذلك جانباً عن السحابة التي تحتهما بعد فشلهما في التعامل مع ويلز.
"يجب أن نبلغ بيت هارغريف أولاً"، قالت فيليسيا.
"أشك في أننا سنكون الوحيدين اللذين يرسلونهما".
"نعم"، وافق راي، موجهاً الشراعي شمالاً.
"ماذا عنك؟ أعرف أن هذا لا يمكن أن يكون سهلاً".
لم يكن لتغيير مهني مفاجئ أن يكون سهلاً لأي منهما، لكن بالنسبة للجنيات قد يقتلهن شيء كهذا حرفياً إن لم يتصالحن معه.
"المنظومة التي عملنا لصالحها ليست كما ظنناها"، قالت فيليسيا.
"الآن، نجد منصة ذات نزاهة أكبر ونحقق في الأصل الحقيقي لمشكلاتنا".
كان ذلك أقرب ما تكون إليه إلى التصريح علانية بالقصة التي تحاول سردها، وهو أمر اعتبر غريباً نوعاً ما عادة. إما أن يكون واضحاً أو لا. أدرك راي بطريقة أو بأخرى أنها المحقيق الشجاعة، وكونها متورطة في أحداث أعظم مما توقعت إطلاقاً كان امتداداً سهلاً لنوع الأشياء تلك.
"آمل أن يستمر جاهن في الرد على جهاز التخاطر الخاص به"، قال راي رداً على ذلك، باحثاً عن المرشز المعني في جيبه.
نشطه وانتظر في صمت، امتد لدقائق صالحة حتى اتصل.
"الوكيل دانففورث"، قال جاهن، بادياً مشتتاً بعض الشيء.
"الوكيل جاهن"، أقرّ راي.
"لقد واجهنا بعض المشكلات في الوكالة لذا أظن أنه قد يكون من الأفضل أن نأخذ أنا وفيليسيا عرضك".
"أرى ذلك".
كانت هناك فترة صمت أخرى.
"أتعلم أين تقع نقطة الانطلاق لهيئة أمن الحدود، في جنوب ألمانيا؟"
"أظن ذلك"، قال راي.
لقد مرّ بعض الوقت منذ أن كان هناك، سنوات في الواقع، لكنه كان متأكداً تماماً أنه يستطيع إيجادها من الجو.
"التقِ بي هناك غداً في الساعة السادسة عشرة بالتوقيت المحلي"، قال جاهن.
قام راي ببعض الحسابات السريعة.
"سنحتاج إلى يوم إضافي"، أجاب.
"ليس الأمر وكأننا نستطيع استخدام ناقلات الوكالة".
"حسناً إذن. بعد غدٍ، إذن".
كان جاهن كله عملاً، لكنه لم يكن فظاً أو عدائياً. أخذ دانففورث انطباعاً بأنه كان مشغولاً فحسب.
"سنكون هناك"، قال راي، وانقطع الاتصال.
"ليست بالاستقبال الأكثر دفئاً"، علّق لفيليسيا.
"إنه ذلك أو طلب المساعدة من بلاد الجنيات"، قالت فيليسيا.
"وأنت تعرف ما أعتقده عن بلاد الجنيات".
"نعم"، قال راي.
لم يستغرق الأمر وقتاً أطول للوصول إلى مجمع بيت هارغريف، ورحلة ملأها في الغالب صمت تأملي. ما إن أصبحت حواجز البيت مرئية، أنحرف راي بالشراعي إلى الأسفل وأحضره ليحوم خارج المدخل الأمامي للبيت. منطقة بدت كأنها نُظفت حديثاً، مع رقعة شاسعة من التراب المفتوح. دعا شراعي يهتز بلطف البوصات الأخيرة ونزل، مانحاً فيليسيا رفعة صغيرة للأرض. اقترب اثناهما من منزل الحراسة، حيث راقبهما رجل بحذر لكنه لم يتحداهما علانية.
تحت الظروف، كان حتى هذا القدر من التسامح مفاجئاً.
"أعمال؟"
تمتم حارس البوابة حين تقدما نحو منزل الحراسة، مستداراً ليبصق التبغ في مبصقة في الزاوية.
"أنا راي دانففورث وهذه فيليسيا بلاك، سابقاً من دائرة التحقيقات"، قال راي.
"سابقاً، هاه؟"
قال الرجل، مانحاً إياهما نظرة أشد حدة.
"بالتأكيد. أردت فقط إعطاء بيت هارغريف الرسالة التي أُرسلنا بها ومعها أوراق حول الحادث مع بيت فاني".
رفع المجلد.
"ليس لدي أي خطط لتنفيذه حقاً، لكني ظننت أنكم قد ترغبون في معرفة أنهم يحاولون إثارة المشاكل. لم نُخبر بانفصالكم".
"أرى ذلك"، أجاب الحارس بعد توقف.
"أتمنى لو استطعت القول إنني مفاجأ، لكني لست كذلك. أظن أن السحر الأعظم سيود التحدث إليكم".
"نحن نفضل ألا نفعل"، قال راي.
"لدينا الكثير لنفعله بما أننا، آه، استقلنا من الدائرة دون إخبار أحد".
أطلق الحارس ضحكة نابحة.
"نعم، حسناً"، قال، مادّاً يده للمجلد.
مرره راي إليه.
"راي دانففورث وفيليسيا بلاك. سأتأكد من علم السحر الأعظم. إن كان كل هذا قانونياً، فنحن مدينون لكم".
"أنا أقدر ذلك"، قال راي.
لم يكن معروفا من بيت سحري أمراً هائناً. عاد الاثنان إلى الشراعي، ورفع راي الشراعي إلى الهواء مجدداً ووجهه نحو شقة فيليسيا. الآن بعد أن أصبحت مذكرات دائرة التحقيقات الخطيرة والاتهامات بعيدة عن أيديهما، كان لديهما الكثير من التعبئة للقيام بها. لم يكن لدى راي أدنى فكرة عما كان يفعله جاهن وتايسن بالضبط، لكن إن كان عليه الرهان، فلن يكون هو وفيليسيا الوحيدين الفارين من الوكالة.
نهاية الكتاب الثالث