اكتست عظام بيته الخرساني لحماً مع اقتراب عيد الميلاد. أمضى كالوم بعض الوقت في التجوال داخل موقع العمل مستخدماً حواسه للتأكد من عدم وجود أي شيء مريب. اضطر إلى الإشارة إلى بضعة مواضع احتاج العمال فيها إلى إعادة إنجاز بعض الأعمال، لكن ذلك كان أمراً شائعاً إلى حدّ ما. تضمنت بعض المشاريع التي عمل عليها سابقاً قدراً هائلاً من الاختلاس والرشوة حتى إنها استهلكت ضعف الميزانية المحددة ولا تزال تقدم منتجاً دون المستوى.
لحسن الحظ، عثر رئيس القرية الذي تولى المسؤولية على شركة لم تكن عرضة لمثل تلك الممارسات، أو على الأقل ليس فيما يتعلق بمنزله. كان هناك سبب يرجح كفة التعامل مع الشركات الأصغر والأكثر محلية بالنسبة لكالوم. الشيء الوحيد الذي أقلقه هو أولئك الأقوياء الذين حاموا هنا وهناك، شخصيات مريبة تبدو مسلحة. أكد له ميغيل أن الأمر يقتصر على الأمن، لكن كالوم لم يكن متأكداً من تصديق ذلك تماماً.
السبب الوحيد لعدم ضغطه أكثر هو أن أياً منهم لم يبد اهتماماً به شخصياً على ما يبدو، وربما كان موقع البناء بحاجة ماسة لبعض الأمن حقاً. بمجرد الانتهاء منه، كان ينوي تغطيته بسحر خفي، لكنه لم يكن سرياً بأي حال في الوقت الراين. بما أن المنزل كان لا يزال قيد الإنشاء، فقد أُجبرا هو ولوسي على إنجاز كل أعمالهما داخل المنزل المتنقل الصغير وباحته الخلفية. أنهى منصات النقل الآني الخاصة بـألفا تشيستر، وفي حين كان معرفة أنه لن يحصل على نقد حقيقي مقابلها أمراً محبطاً بعض الشيء، إلا أن تقاضي الأجر بمواد السحر كان يستحق العناء تماماً.
ربما كان قلقه بشأن المال مبكراً بعض الشيء على أي حال، نظراً لانتهاء الغالبية العظمى من استثمارات مخبئه، ولم تكن هناك نفقات جارية كثيرة. على الأقل، في الوقت الراين. كانت أيام تناول الطعام الرخيص والعيش في كوخ تقترب من نهايتها بسرعة كبيرة، وكان يعلم جيداً مدى سرعة تراكم التكاليف عندما يعيش شخصان معاً. عند التأمل، ربما كان عليه التفكير في الدخل عاجلاً لا آجلاً. أرادت لوسي محاولة الوصول إلى حساباتها من مدينة عشوائية ما في مكان ما، وقد أثناها كالوم عن ذلك على مضض شديد.
كان يعلم تماماً سبب رغبتها في ذلك، لأنها لم ترغب في الاعتماد عليه، أو الخضوع لنزواته، لكن لم تكن هناك طريقة لبقاء تلك الأموال هناك. إن لم تكن قد جُمّدت ببساطة، فستكون جميع الحسابات قد رُصِدت لتطلق إنذاراً ولا يمكن معرفة حجم المتاعب التي سيسببها ذلك. لم تعجب لوسي الفكرة، لكنها رأت وجهة نظره. وهو ما لمن يعنِ أنها استسلمت للاعتماد عليه مادياً. كانت تنوي كسب مالها بنفسها تماماً، ولكي يحدث ذلك كانت بحاجة إلى هوية جديدة تماماً.
وهو أمر استغرق وقتاً بالنظر إلى أنها اضطرت للبدء من الصفر. لم يفهم كالوم تفاصيل ما كانت تفعله، لأنه اكتفى بشراء هوياته من متجر مظلم في السوق السوداء، لكن ذلك كان يعني أنه في مرحلة ما بالمستقبل يمكنهما استخدام الحسابات البنكية فعلياً. ربما. خلا تسليم منصات النقل الآني من أي دراما تُذكر. فكرة لوسي في استخدام طائرة مسيرة جعلت الأمور أسهل بكثير، حتى وإن كانت النسخة الحالية تقتصر أساساً على لصق مرساة بوابة بلصاق على لعبة أطفال حصلا عليها من المتجر الضخم المحلي.
أما تصميم وبناء مرساة بوابة مخصصة ومدمجة بطائرة مسيرة فسيستغرق وقتاً ومزيداً من التجريب. القدرة على استخدام تقنية السحب المكاني الجنونية خاصته عن بُعد حررته لاستخدامها بحرية أكبر، ومع قلق أقل من إطلاق نفسه عرضة إلى الفضاء. أثبت التجريب باستخدام مرساة البوابة شيئاً كان يقلقه، وأحد الأسباب التي جعلته لا يحب حقاً استخدام التقنية لفترات زمنية طويلة: الزاوية مهمة. إن مالها للأمام أو للخلف، أو دار بها يمين أو يسار، فإن مسار حركته يتبعها.
ففي النهاية، الفضاء نسبي وليس مطلقاً. إن حاول ببساطة رفع مرساة بمفردها، فحتى مع أفضل النوايا ستنتهي إلى التخبط والدوران، مما أدى إلى حركة غير متوقعة بالمرة. السبب الوحيد لعدم قيام كرسيه الطائر بذلك هو أنه لم يكن طافياً حقاً. كان الأمر أشبه بوجوده في سلة منطاد هواء ساخن، لذا كانت مستقرة نوعاً ما. ليس تماماً، ولكنها جيدة بما يكفي للمسافات القصيرة التي كان يقطعها. لهذا السبب كانت الطائرة المسيرة مهمة للغاية.
كان الشيء مستقراً للغاية، وإن انتهى به الأمر برفعها بضع آلاف من الأقدام في الهواء، فلا بأس في ذلك. كان المانا أنحف بكثير هناك، لكن غالبية المانا التي حافظت على مرساة البوابة مفتوحة كانت تأتي من جانب مخبأ الكهف على أي حال. القضية المحتملة الوحيدة كانت فقدان إشارة التحكم الفعلية، إن اضطر إلى إغلاق البوابة مثلاً، لكن لوسي ضبطتها لتحوم عندما لا تكون متصلة. في معظم الظروف كانت تقودها عبر بواعث عالية القوة موضوعة بجوار مرساة البوابة مباشرة.
لم يكن ليظن أن الإشارة ستخترق المعدن، لكنه لم يكن سميكاً وكان غير حديدي لذا يبدو أنه نجح. كاد رجال ألفا تشيستر يسقطونها من السماء عندما اقتربت من مجمع القطيع، لكن ذلك كان عادلاً بما يكفي. لكانت تلك ردة فعله أيضاً. على الأقل كانت لديه سرعة البديهة للاقتراب من خارج العقار بدلاً من غزو المجال الجوي للقطيع، وإلا لكنه ولوسي قد خسرا الطائرة المسيرة قطعاً وربما مرساة البوابة في الصفقة.
ما جعل التسليم قصيراً هو حقيقة بسيطة تتمثل في عدم وجود ألفا تشيستر هناك. أربكه ذلك لسبب ما، لكنه بدا منطقياً فحسب. كان تشيستر مسؤولاً عن عدد هائل من البشر لدرجة تجعله عاجزاً عن البقاء محبوساً في مجمعه طوال الوقت. اكتفى كالوم بإيداع منصات النقل الآني لدى حراس البوابة واستدعى طائرة البوابة المسيرة. سُرّت لوسي بشكل خاص بمدى نجاح عمل الطائرة المسيرة، وهاجمت مشاريعها الخاصة بحيوية متجددة.
كان عليه بشكل أو بآخر أن يثق في أنها تحافظ على إخفاء هويتها بشكل كافٍ بينما تعود لتجرب حظها في أشياء أمن الإنترنت، وهو أمر صعب. أرادت غريزته الاعتراض على ذلك، لكن لوسي لم تستطيع التواري أكثر مما فعل وهي تعرف كيف تحمي موقعها.
قالت بعد يوم واحد أو ما يقارب ذلك: "تمكنت أخيراً من تفقد عائلة كونور".
"أهراً؟"
لم يكن كالوم قد نساهم تماماً، لكن الزوجين كانا بعيدين عن ذهنه في ظل الظروف الراهنة. خاصة أنه لم تكن لديه طريقة للتواصل معهما فعلياً، لا سيما دون قدرة لوسي على تمويه المكالمات الهاتفية وما شابه.
"نعم، كانا يواجهان مشكلات... ليس أمراً يتعين عليك التعامل معه أيها الرجل الضخم!"
أضافت بعد أن رفعت حاجبيه.
"المשكلة أن خارقي الطبيعة يديرون جميع البنوك حيث يتواجدان وليس مفترضاً بهما الاتصال بخارقي الطبيعة. لذا، مشكلات مالية".
قال كالوم بينما شعر بفكيه ينقبضان بالنيابة عن عائلة كونور: "تلك أسوأ أنواع المشكلات".
"بالتأكيد، لكنه نوع المشكلات التي يمكنني إصلاحها".
بدت لوسي مسرورة للغاية بنفسها.
"ستتفاجأ بمدى رضوخ البنوك للنوع الصحيح من الخداع. أخرجتهما من مكانهما القديم وزودتهما باتصالات جديدة. وهو ما يعني أيضاً أن لدي بعض الأشخاص الحقيقيين لتقديم مراجع لهويتي الجديدة! بالإضافة إلى أن دانيكا ممتعة في الحديث معها".
قال وهو يعنيها تماماً: "رائع".
لم يصدق للحظة واحدة أن الصعاب التي تواجه عائلة كونور كانت عرضاً جانبياً غير مقصود للصفقة، لأن الجنيات كنّ جنيات. على الأقل، إن كانت القصص صحيحة ولو بنصفها وجعلت بعض شكاوى لوسي الأمر يبدو كذلك، لكان عليه توقع شيء من هذا القبيل.
"أتعلم أيها الرجل الضخم، يمكنك ربما الذهاب لزيارتهما بسبب ركبتك".
نكزت لوسي عصاه بإصرار، وفرك كالوم الركبة المعنية. لم تكن سيئة للغاية، لكنها لم تكن قريبة من المعتاد بعد. كان يعس بحقيقة أنه كان بإمكانه طلب إصلاحها من غايل أيضاً، لكنه لم يستطع حقاً الوثوق بها إلى هذا الحد.
قال بشك: "لا أعرف".
"مهلا، أعلم أننا متكتمون بشأن الأمور، لكن فكر في الأمر!"
رفعت لوسي بضعة أصابع.
"إنهما مستبعدان بالفعل من رادار هيئة الرقابة، ويعرفان أمرك بالفعل، ويهينانك بمعروف، ولديهما مجموعة المهارات المناسبة للمساعدة في إصلاحها".
تجهم كالوم. لم يستطيع دحض أي من تلك النقاط فعلياً. لم يعنِ ذلك أنه كان مستعداً تماماً للاعتراف بوجوب قيامهما بالزيارة، لكنه صحيح أنه لم يكن لديه ما يتقي شره من عائلة كونور أساساً. لم يكن الأمر ليجعله يعترض حتى على المسافة لأنه مع طائرة البوابة المسيرة لن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً على الإطلاق لإيصال مرساة إلى ميامي. أو أينما استقرا.
أقرّ قائلاً: "ربما".
قالت لوسي وهي تميل للأمام على الطاولة: "هيا أيها الرجل الضخم. لا يمكنك تجنب البشر إلى الأبد. أعلم أنك فعلت حتى الآن"، مضيفة وهي ترفع يداً.
"أعلم سبب رغبتك في تجنب التعامل مع الآخرين. لكن إن أردت بدء اتخاذ إجراءات فعليك تكوين بعض العلاقات. على أقل تقدير عليك مقابلة ألفا تشيستر إن كنت ستستمر في العمل معه".
"أعلم أنه يريد ذلك، لكن المتحولين يتفوقون عليّ لدرجة غير مضحكة".
لقد رأى كيف يتحركون، وكان متأكداً تماماً من أن ردود أفعاله لم تكن بمستوى المهمة لتنقله آنياً حتى.
"شخصياً، على أي حال. لكنت عاجزاً".
"نعم، وأنا أيضاً، لكني لم أقلق بشأن ذلك أبداً!"
هزت لوسي رأسها.
"ليس وكأنني سأكون أفضل حالاً ضدك أيضاً، أيها السيد الساحر".
انتفض كالوم، لكنه أومأ ببطء.
وتابعت لوسي: "سأكفله أيها الرجل الضخم. انظر للأمر بهذه الطريقة. الطريقة الوحيدة التي قد يفكر فيها بالتحرك ضدك هي إن كنت تشكل تهديداً للقطيع. الآن، هل تعتقد أن ذلك أكثر ترجيحاً إذا عرفك وذهبت لحفلات الشواء الخاصة به، أم إذا استمررت بكونك مارقاً غامضاً؟"
أشار إليها وقال: "أنت... تجعلين المجادلة ضد نقاطك بالغة الصعوبة".
قالت وعيناها الداكنتان تتلألأن وشفتاه تنحنيان في ابتسامة مغرورة: "إنه جزء من سحري. بالإضافة إلى أن حفلات شواء القطيع مذهلة".
وعدها قائلاً: "سأفكر في الأمر بجدية".
قالت لوسي بسعادة: "عظيم! يسعدني اللحاق بـليسا مجدداً"، وهو ما حسم الأمر جوهرياً.
كان عليه مضغ الخيارات وتحديد الأعمال التحضيرية التي يمكنه القيام بها، لكن بدا مرجحاً للغاية أن يضطر في النهاية إلى التنازل عن القليل من الغموض على الأقل. كانت حجج لوسي وجيهة، لكن مخاوفه بشأن كيف يمكن لأي اتصال بالآخرين أن يجلبه إلى انتباه السلطات كانت وجيهة كذلك. عندما كان بمفرده ولا يحاول فعل أكثر من مواجهة الأزمات عند وقوعها، كان البقاء على الهامش خياره الأفضل.
والآن بعد أن انتقل إلى عمل أكثر تعمداً، ربما لم يكن لديه خيار سوى تكوين بعض العلاقات. علاقات حذرة للغاية، للغاية. مع اقتراب عيد الميلاد بسرعة، لم يكن لديه الكثير من الوقت لتمحيص الأمور. ناهيك عن وجود الكثير من العمل. كانت لوسي تتولى بحسن طالع قدماً كبيراً من العبء بتصميمات السحر المختلفة، ليتسنى له التركيز على صقل سحره فعلياً. كان لديه السحر الوهمي لحصد البوابات، والتمرن على صنع الأنابيب بدلاً من الخيوط لكي يتمكن من صناعة أشكال تعاويذ أكثر صلابة ودقة، ومحاولة دفع حواسه وقدرته السحرية للتحمل نحو آفاق أوسع عموماً.
اصطحب لوسي في عدد قليل آخر من المواعيد الغرامية، لكن الأمر كان يدور حول قضاء الوقت معاً أكثر من محاولة تجاوز الاحتضان. كانت لا تزال تتعامل مع مشكلاتها الخاصة، وحتى تستعيد توازنها لم تكن هناك احتمالية لتقدم علاقتهما أكثر من ذلك. لم يكن ليُبني على أساسات مهتزة. قرر كالوم دمج فكرتين عبر إرسال الطائرة المسيرة عودة إلى أرض ألفا تشيستر بينما كانت لوسي منشغلة بأشياء أخرى.
لحسن الحظ، كان المتحول في المنزل تلك المرة، لذا لم يمض وقت طويل قبل أن يُدفع محور البوابة إلى قبو تشيستر. كان جلياً من وضعية كتفي تشيستر أنه كان يتوقع شيئاً درامياً للغاية، لكن ما امتلكه كالوم كان غير ضار نسبياً. على الأقل بالنسبة لـتشيستر.
قال عبر بوابة هاتفه: "أردت الاستفسار عن إمكانية إحضار لوسي في عيد الميلاد. ذكرت أنها احتفلت معكم من قبل".
ظاهرياً، لم يكن عيد الميلاد محتفى به حقيقة في عالم السحرة. رغم أنه حتى لو كان كذلك، لكان جفاء لوسي عن بيتها قد جعلها عطلة وحيدة لها. تحرك وجه تشيستر للحظة، متنقلاً عبر تعابير الوجه قبل أن يستقر على الاستمتاع.
قال: "هذا ليس سؤالاً موجهاً لي. بل هو سؤال لرفيقتي".
لم يفعل تشيستر شيئاً ملحوظاً ولكن بعد لحظات قليلة نزلت ليسا على السلالم، لتجلس بجوار تشيستر.
"أراد السيد ويلز الاستفسار عن حضور عيد الميلاد رفقة لوسي".
"أه!"
ابتسمت ليسا، ولاحظ كالوم أن أسنانها كانت مدببة قليلاً حتى في شكلها البشري.
"لدى لوسي دعوة قائمة للحضور بالفعل، ولا أرى سبباً يمنعها من جلب صديقها".
قال عاجزاً عن إنكار التهمة: "آه. لا أعرف مدى قدرتنا على البقاء، نظراً لأنه سيكون سيئاً أن يتسرب خبر تواجدنا هناك".
أجابت ليسا: "دعينا نتولى ذلك".
أجاب كالوم بتوجس عميق، عميق: "حسن جداً".
فكر في مفاجأة لوسي بها كمفاجأة، لكنه قرر عدم فعل ذلك في النهاية. سيكون الأمر غير منصف، خاصة أنها ربما رغبت في جلب هدايا لأصدقائها في القطيع ومع قيود الدخل الحالية تطلب ذلك بعض الحنكة. في الواقع، سيتعين عليه فعل ذلك أيضاً، إذ سيكون من غير اللائق تماماً الظهور دون شيء للمضيف. بالطبع، لم تستطع لوسي إلا إغاظته.
"لقد غيرت رأيك بسرعة كبيرة أيها الرجل الضخم. لم اضطر حتى لإخبارك عن بسكويت ليسا بالزنجبيل! إنها تصنع تلك المخبوزات لعيد الميلاد والتي تكون، ياله من أمر".
شرود عيناه وهي تنظر في الفراغ بينما تضيع في الذاكرة.
احتج قائلاً: "لقد قلت إنني سأفكر في الأمر بجدية".
"حسن إذن، شكراً لك".
قطعت لوسي بضعة خطوات أقرب لتمنحه عناقاً، وهي تدندن بموسيقى عيد الميلاد بصوت خافت.
* * *
كان إنشاريهيل منزعجاً. بالأحرى، كان التجسد المعروف باسم شاهي منزعجاً؛ إذ كانت توصيلات دماغ إنشاريهيل نفسه مختلفة تماماً عن البشرانيين الذين صُمم التجسد على غرارهم ولم تترجم عواطفه بالشكل المناسب تماماً. ومع ذلك، كان الانزعاج قريباً بما يكفي. كان صراع الفين أكثر من مجرد منغص؛ فقد كان السبب في طلبه نقل جانب الأرض من بوابة أراضي التنانين إلى مكان يصعب الوصول إليه. رغم أن الثورة التكنولوجية في ذلك الجزء من الكوكب كانت جذباً هائلاً في ذلك الوقت على أي حال.
لم يستطيع استخدام سحر الأنواع الأخرى، لكن اكتشافاتهم في المواد والأجهزة كانت رائعة للغاية. رائعة لدرجة أنه لم يرغب في أن يتشتت بالصدامات المستمرة بين تجسداته وعشيرة الفين. تطلب الأمر عدد اً كبيراً للغاية من التجسدات المشحونة بقدر كبير جداً من الطاقة بما يتجاوز اللياقة للتعامل بشكل دائم مع هذا النوع من المشكلات. كما أن اتخاذ مثل هذه الخطوة ينطوي على مخاطرة إغلاق البشر للبوابة، مما سيبطل الغاية برمتها، لذا كان عليه توخي الحذر الشديد.
كان تجسد شاهي الذي تفكك مع هجوم الفين السابق في الطرف الأدنى من الطاقة المستثمرة، في محاولة لمنع التأثير المفرط على المحيط. كانت تجربة مثيرة للاهتمام، لكنه قرر أن امتلاك تجسد قادر على الدفاع السليم ضد خارقي الطبيعة الآخرين كان أهم. لا فائدة من أي شيء إن خسر البلدة. قرار أظهر حكمته عندما انقض أتباع فين على تانر بكامل قوتهم. وللمرة الأولى، لم يظهروا من أجله. كان الأتباع منتشرين في كل مكان بتانر، وكانوا مزعجين بشكل عام وموضحين تماماً رغبتهم في التواصل مع كالوم ويلز.
وإلا. ربما استطاع شاهي التعامل مع الأمر بنفسه لكنه لم يكن ليحل المشكلة الجذرية. لم يتنهد شاهي، لأنه كان مشغولاً بمراقبة أحد زبائنه الدائمين. فعل إنشاريهيل ذلك بدلاً عنه، فرئتاه بحجم بلدة صغيرة تستنشقان الهواء وتطردانه. ثم بدأ التنين في نسج تجسدات جديدة إلى الوجود. كان ويلز رجلاً صعب المنال، لكن عُرف على الأقل من هم شركاؤه. كان ويلز نتيجة غير متوقعة لبلدة شاهي الصغيرة، لكنه كان نتيجة مثيرة للاهتمام.
بالنظر إلى ما فعله بالفعل، قد يكون قادراً حتى على حل مشكلة إنشاريهيل مع عشيرة الفين. لم يكن تدخلاً إن كان جل ما يفعله هو تمرير رسالة حاول شخص ما إرسالها بالفعل. وفيما يتعلق بالاحتمالات الأخرى، حسناً. لم تكن كل التجسدات هي التجسد الصغير المزاح شاهي. صُمم بعضها للقتال؛ كبيرة، ضخمة، حادة الأسنان والأنياب؛ قشور مصنوعة من طبقات البوليمر، والسيراميك، والصلب. لم تكن الأسلحة المقذوفة خارج قدرات التنين، لكن السحرة أضعف بكثير أمام الكتلة والاشتباك.
علاوة على ذلك، أراد إبقاء أي قتال هادئاً، وليس تدمير المباني. كانت تانر بلدته. ومن الأفضل الحفاظ على سلامتها.
* * *
كاد كالوم يثني نفسه عن الحضور ثلاث أو أربع مرات قبل حلول عيد الميلاد فعلياً، لكنه كان قد أعطى كلمته. ومما ساعد في الأمر أنهما كانا يحضران غداء عيد الميلاد فعلياً، والذي اقتصر على عائلة تشيستر المباشرة بدلاً من كامل القطيع. قد يكون المتحولون واثقين من قدرتهم على إبقاء الأمور سراً، لكنه استحيل الاعتماد على عشرات الأشخاص لإبقاء وجوده ووجود لوسي طي الكتمان. كانت لوسي ترتدي إحدى هداياها، معطفاً حقيقياً من الفرو عثرت عليه في متجر مستعمل، وبدت مرة أخرى وكأنها تنتمي للستينيات أكثر من العصر الحديث.
حقيقة أن حسها المفضل في الأزياء فاجأه قليلاً، بالنظر إلى حسساسيتها الحديثة بخلاف ذلك، لكنه لن يتذمر بالكاد. بالإضافة إلى ذلك، كان تباين هذا النمط مع استخدامها المهني لبرمجيات التصميم بمساعدة الحاسوب وغيرها من البرمجيات المتطورة أمراً ممتعاً. حلقا مجدداً بالطائرة المسيرة إلى مجمع تشيستر، وتأكد كالوم من عدم وجود أي مراقبين خفيين بينما أحضّر شخص ما المرساة إلى منزل تشيستر.
كان هناك، في الواقع، بضعة فقاعات سحرية في بعض المباني النائية، لكنه حُذر بشأنها. كان لدى هيئة الرقابة ارتباط ومراقبون إضافيون وما شابه حول المكان، نظراً للتحقيق الجاري مع تشيستر، لكن لم يُسمح لهم بدخول المباني الأساسية. كان ذلك أحد الأمور التي جعلته يكاد يلغي اللقاء. لم يفعل، لكنه كان على وشك الضغط على زناد الإخلاء لأتفه سبب. غير أن السحرة كانوا على مسافة نصف ميل تقريباً، وسيكون كالوم داخل مبنى وخلف تعاويذ حماية.
لقد كان أقرب إلى السحرة في العديد من المدن التي قاد سيارته عبرها، لذا كان عليه كبح مخاوفه والأمل في ألا يحدث شيء أثناء الاستعداد للبدء بالخيار البديل. على الأقل بمجرد أن أصبحت المرساة في منزل تشيستر الفعلي كان السحرة بعيدين بالقدر الذي يمنعهم من التلوح على أطراف حواسه.
قالت لوسي وهي تربت على ذراعه: "لست بحاجة لكي تكون بهذا التوتر. إن قال تشيستر إن الأمر آمن ومأمون بالكامل، فهو كذلك".
أجاب كالوم، مستعداً لفتح بوابة تربط الجزء الداخلي من الشاحنة المدرعة بقبو تشيستر: "لا يمكنني منع نفسي. أعلم أنهما على مسافة مبانٍ كاملة لكن بإمكاني استشعار السحرة الآخرين لذا بدا الأمر وكأنهم هناك مباشرة. أعلم أنك لا تستطيعين ذلك، لكن من الصعب التصرف بعفوية بشأن هذه النزهة".
فتحت لوسي فمها لترد، ثم أغلقته، وهي تكشر للحظة.
"أقول لك ما يلي أيها الرجل الضخم. إن كنت تعتقد حقاً أن هناك خطراً من مداهمة هيئة الرقابة لرؤوسنا، فلن نذهب".
أخبرها بنصف تسلية رغم احتجاجاته: "هذا غير منصف".
كان يعلم أن الاحتمالات ضئيلة، أو شبه منعدمة، وعلم أنه من الأفضل مقابلة ألفا تشيستر عاجلاً لا آجلاً، لكن لو كان الأمر بيده لما خاطر أبداً. وما إذا كان السماح لوسي بإقناعه فكرة سدية أم لا كان أمراً يترقب رؤيته.
قال: "لنذهب إذن"، وفتح البوابة.
كان ألفا تشيستر وليسا على الجانب الآخر، إلى جانب عائلة لانغلي؛ آرثر وزوجته، جيسيكا وزوجها جيري، وعائلة كلارا. ولم يكن الحراس من فئة لاعبي بناء الاجسام موجودين، للمرة الأولى. وبينما كون كالوم فهماً لألفا تشيستر بحسه المكاني، لم يكن الأمر كبرؤيته شخصياً. رغم أنه لم يكن ضخماً لدرجة لاعبي كرة القدم الأمريكية الذين يبقيهم حوله، إلا أن تشيستر ظل رجلاً ضخماً، متجاوزاً قدمه السادسة مع تلك العضلات الناجمة عن العمل الشاق.
بدا كفايكنج أو، بالنظر إلى الموسم، كبابا نويل شاب وليق: لحية شقراء وابتسامات بيضاء الأسنان. مد تشيستر يده بمجرد أن عبرا البوابة.
قال: "أهلاً بك يا سيد ويلز".
أخذ كالوم اليد وسُرّ بكون تشيستر ليس محطماً للأيادي. مع قوة المتحولين، قد يمثل ذلك مشكلة.
"من الجيد رؤيتك لحماً ودمأً أخيراً. ومن الجيد رؤيتك مجدداً أيضاً يا لوسي".
قالت لوسي: "لا يرجع الفضل إلا للرجل الضخم. وإلا لكنت ما زلت عالقة في تلك الثقب الأسود الخاص بـبي إس إي".
أجاب تشيستر متخليا عن يد كالوم: "نعم، حقاً".
وتابع: "الكثير منا هنا لديه ما يشكر السيد ويلز عليه على الأقل"، وعلم كالوم أن مثل هذه العبارة بدت شريرة في عقله فحسب.
ابتسمت كلارا وقالت: "أهلاً بك مجدداً. كنا نسمع كل شيء عنك".
انتقلت عيناها بسرعة إلى العصا التي يتكئ عليها بشيء من الارتباك، لكنها لم تقل شيئاً عن ذلك وهي تقدم يدها بدورها.
قال كالوم بارتباك إلى حد ما: "آمل أن تكون أموراً جيدة فقط".
كانت المرة الأولى منذ سنوات التي يتواجد فيها وسط حشد من الناس الذين يعرفهم بدلاً من العابرين الغرباء. كانت مهاراته الاجتماعية المهجورة منذ فترة طويلة صدئة تماماً، لكنها عادت للعمل ببطء بينما اتجهت المجموعة إلى الطابق العلوي لتناول الغداء. ومما ساعد في الأمر عدم وجود سحرة وقرابة حفنة قليلة من المتحولين ضمن نطاق إدراكه باستثناء الأشخاص في الغرفة. بالنظر إلى هويته، كان الحصول على هذا المستوى من الخصوصية إنجازاً كبيراً ربعان.
وهو ما قدره كالوم حقاً. لمفاجأة كالوم، لم يكن هناك أي حديث عن العمل. كان الجو مسترخياً للغاية، مع تبادل الأشخاص لحكايات صغيرة من حياتهم وبعض النقاشات الحادة حول الفرق الرياضية والبرامج التلفزيونية. سألت كلارا عن ركبته، وأقنعته لوسي بإعادة سرد هروبه من فرقة هيئة الرقابة بعد مغادرته للأراضي الليلية، رغم أنه ظل منقحاً بعض الشيء. لم يكن عائلة لانغلي بحاجة لمعرفة كافة التفاصيل حول إدراكه وحركته الجاذبية.
كان عليه الاعتراف، على مضض شديد، بأنه كان لطيفاً. كانت لوسي تستمتع بوقتها بوضوح، معملة ليسا كأم بالتبني ومشاكسة ألفا تشيستر بتلعثم فظيع. بصراحة، اعتقد كالوم أن لوسي قد قللت من تقدير مدى انسجامها مع قطيع المتحولين، لكن ربما كانت هناك خطوط لم يكن كالوم يراها. لم تكن وجبة غداء واحدة كافية بأي حال من الأحوال للغوص في تلك الدقائق الدقيقة. لم تكن المساحة كافية في المطبخ ليساعد الجميع في غسيل الأطباق، ووجد كالوم نفسه منقولاً إلى غرفة المعيشة مع تشيستر وارتور.
لمفاجأة كالوم، عرض عليه آرثر سيجاراً، فرفضه بأدب، وصب تشيستر الويسكي لهما.
قال تشيستر بينما كانا يحتسيان مشروبيهما: "لدي بعض الأخبار لك".
سأل كالوم متحولاً فجأة إلى الحذر مجدداً: "أه؟".
"جاء شخص من دماء التنانين متطلعاً لتمرير رسالة لك. قال إن اسمه شاهي".
رفع تشيستر حاجبيه الأشعثين في وجه كالوم.
أقر كالوم بارتباك نوعاً ما: "حسناً، أنا أعرف شاهي بالفعل".
لم يكن لنسيانه بالتأكيد الحوار الذي أجراه مع سليل التنانين، لكنه لم يتوقع سماع أخبار عن شاهي في أي وقت قريب.
"ما هي الرسالة؟"
"أن تتوقف في تانر قريباً. يريد بعض السحرة لفت انتباهك هناك واعتقد أنك قد تعترض على ذلك".
"نعم، أنا أعترض على ذلك حقاً".
تجهم كالوم. لقد توقع أن يتولى شاهي أمر أي شخص يتعدى على تانر، لذا إما أن الأمر تجاوز قدرة شاهي أو هناك جانب إضافي للموضوع. بعد رؤية ما يمكن لشاهي الحقيقي فعله في أراضي التنانين لم يكن مقتنعاً بالاحتمال الأول.
"شكراً لإخباري".
قال تشيستر: "لا أحتاج لقول احرص على أن تكون حذراً. لكن لكل ما يعنيه الأمر، كانت جميع تعاملاتي مع دماء التنانين مباشرة. على عكس الجنيات، فهم يعنون حقاً ما يقولونه. وإن كان أحدهم منزعجاً منك، فسيخبرك بذلك".
قال كالوم، رغم أن هذا كان تقييمه لشاهي على أي حال: "هذا يساعد حقاً. شكراً لإخباري".
كان سعيداً بشكل خاص لعدم مفاجأة تشيستر له بـشاهي أو أي شيء درامي مماثل. كان التعامل مع عائلة طبيعية وسعيدة ومحلية أمراً مرهقاً بما يكفي.
قال تشيستر: "أكره طردك، لكن لدينا أشخاص قادمون للبدء في تحضير العشاء".
قال كالوم: "لا باس. أعتقد أنني فرغت من التفاعلات الاجتماعية لهذا اليوم على أي حال. رغم أنه كان لطيفاً. لقد مر وقت طويل منذ أن فعلت أي شيء بمناسبة العطلات".
استغرق جمع لوسي وقتاً أطول قليلاً، إذ ظهرت وبحوزتها وعاء من بسكويت الزنجبيل، وفتح بوابة للعودة إلى الشاحنة. جعل امتلاك مجموعة ثانية من المراسي الأمر أسهل بكثير لإبقاء الأمور غير مباشرة، رغم أنه شك بشدة في قدرة أي شخص من جانب تشيستر على تتبع البوابات. كانت عادة فحسب. أخذا منصة النقل الآني عودة إلى المنزل وألقت لوسي بنفسها مباشرة على الأريكة.
"أوف. كان ذلك ممتعاً، لكنه استنفد طاقتي مع ذلك".
ضيقت عينيها نحوه.
"ماذا أخبرك تشيستر؟ أنا أعرف تلك النظرة".
سأل كالوم: "إذن فأنت مهتمة بنظراتي، أه؟"، وأجابت لوسي بإخراج لسانها.
وتابع: "يريد السيد شاهي التحدث معي"، رغم أنه تساءل بدقة عن النظرة التي قصدتها لوسي.
"يبدو أن شيئاً ما يحدث في بلدتي القديمة".
تذمرت لوسي وهي تعتدل في الجلوس: "ألا يمكننا الحصول على قسط من الراحة؟ لا يمكنهم ترك الأمور تهدأ حتى لشهر واحد، أليس كذلك؟"
قال كالوم: "لا. مثلما قلت، لن يتركانا وشأننا أبداً. إن كان هناك ما يفاجئني فهو استغراقهم كل هذا الوقت لمحاولة الوصول إلي بهذه الطريقة".
"نعم لكني لا أعتقد أن هيئة الرقابة ستعبث بأغراض سليل تنانين؟ متأكدة أن السياسة الرسمية هي ببساطة عدم فعل ذلك".
قال كالوم: "المشكلة هي أننا تجاوزنا الأوقات العادية بكثير. السياسة العادية لا تنطبق حقاً، وإن لم تكن هيئة الرقابة فهذا أسوأ بكثير".
سألته لوسي وهي تتخلص من معطفها وتطويه بعناية: "إذن ما الذي ستفعله حيال ذلك؟"
قال ملوحاً بكتفيه: "نعم، سيتعين علينا إرسال مرساة الطائرة المسيرة إلى هناك. أما عما سأفعل حيال ذلك، فيتعين علي رؤية ما يجري أولاً. لم يبد وكأنه حالة طوارئ، نظراً لأن شاهي ترك رسالة فحسب".
لم يكن متفائلاً جداً بالأمر كما بدا صوته، لكنه كان عيد الميلاد. بالتأكيد كان يستحق ذلك القدر من الراحة على الأقل. في اليوم التالي، طارا بلوسي والطائرة المسيرة إلى تانر. لقد مضى وقت طويل منذ أن رآى جبال الأبالاش بعينيه، وأثار المنظر حنينه للوطن. لم تكن خلابة في الشتاء مثل أي وقت آخر من العام، لكنه لا يزال يفتقد وجود أفق غير مسطح. بإدراكه السحر استطاع معرفة أن تانر لم تكن مجرد بلدة عادية.
كان هناك المزيد من المانا الخلفية، رغم أنه بدلاً من مصدر بوابة مثل الذي تستخدمه هيئة الرقابة بدا الأمر وكأنه دوامة في التدفق الخلفي البطيء. التقاء طبيعي، ربما، أو ربما كانت تقنيات التنانين دقيقة. مثل المناطق الأخرى من نشاط خارقي الطبيعة، كانت تلك المانا مضطربة، وهو ما يفسر، بالإضافة إلى الخلفية الأعلى، سبب شعور أولئك القادرين على استشعار المانا بمزيد من الألفة هناك.
جعل الطائرة المسيرة تتجه مباشرة إلى صالة ألعاب شاهي، لكنه لاحظ حتى في طريقه هناك بعض الفقاعات السحرية المحيطة. وبينما استطاع كالوم تصديق وجود ساحر أو اثنين في البلدة، إلا أنه كان متأقداً تماماً من أن السحرة الذين استشعرهم كانوا جزءاً من المشكلة التي ذكرها شاهي. ومع ذلك، لم يكن شيئاً يحترق ولم يكن هناك ما يذكر في الأخبار المحلية، لذا تجاوز الأمر في الوقت الراهن.
أسقطت لوسي الطائرة المسيرة فوق سقف صالة الألعاب، حيث استطاع كالوم بسهولة استشعار شاهي بالداخل. لم يبدُ العكس صحيحاً، إذ لم يتفاعل شاهي بأي شكل، حتى عندما تجول عائدًا إلى المنضدة. وبمجرد توفر قدر ضئيل من الخصوصية، فتح كالوم بوابة كلامية.
"أكنت تريد التحدث معي؟"
قد لا يكون شاهي قد لاحظ الطائرة المسيرة، لكنه أيضاً لم ينكمش لصوت كالوم المنبعث من خلفه. نظر سليل التنانين مباشرة إلى البوابة وأومأ. تمدد بعض النور المحيط به، لا شيء يبدو كتعاويذ الجنيات أو السحرة، لكنه كان يعلم بالفعل أن سحر دماء التنانين مختلف.
قال شاهي: "نعم. أرى أنك تعلمت بضعة حيل منذ تحدثنا آخر مرة".
أقر كالوم: "لقد فعلت. يجعل ذلك أموراً كهذه أسهل".
أجاب شاهي: "أستطيع تخيل ذلك. سأصل إلى صلب الموضوع إذن. يريد الأرشيماج فين التحدث معك. لسوء الحظ، قرر توضيح هذه النقطة بالقدوم برفقة رجال وأموال. لدينا بلطجية يحومون في البلدة، وتتعرض الشركات لضغوط، ولا يشعر أحد بالأمان".
بدا منزعجاً، لكنه لم يكن غاضباً حقاً.
حاول كالوم إبعاد الاتهام عن نبرته: "أفترض أن هناك سبباً لعدم توليك الأمر؟"
لم يعجبه التلاعب به من قبل أشخاص اكتشفوا الأزرار التي يتعين عليهم الضغط عليها.
تنهد شاهي: "يمكنني التعامل مع الرجال، لكن الأموال والضغوط السياسية أكثر صعوبة. كنت على خلاف مع فين لأكثر من مائة عام، لذا هناك درجة معينة من الضغينة الشخصية هنا. لكني أعتقد أنه سيكون من الأفضل لو عالجت السبب الجذري".
"تريد مني قتل فين".
لم يبد كالوم معجباً كثيراً باقتراح شاهي. بطبيعة الحال، كانت الفكرة قد راودته بالفعل لكنه أراد أن يكون أكثر تروياً في أفعاله. كان العنف ملجأ أولاً سهلاً، ورغم أنه حل بعض المشكلات إلا أنه طريق زلق. إن قفز إليه دائماً فوراً فسيسبب ذلك المزيد من المشكلات، ومثلما أخبر لوسي، كان من المهم تحديد الجهات الفاعلة الرئيسية. أولئك الذين تقع المسؤولية عليهم حقاً.
قال شاهي: "لن أمانع في ذلك. رغم أنني لست متأكداً من أنني أنصح به أيضاً. إن مسّت قوة فين قوتك حتى، فبإمكانه قتلك. هذا ما يعني أن تكون أرشيماج شفاء. أعلم ذلك من واقع التجربة".
قال كالوم برعشة: "هذا مرعب".
مع هذا النوع من القدرة، لم يستطع حتى استخدام بواباته عن بُعد.
"الأكثر من ذلك، الأرشيماج فين هو أحد أقوى الأرشيماج. ليس مناسباً لي البتة محاولة إزاحته. لذا أنا أقدم لك النصيحة فحسب. وحدها معالجتك له ستتيح لك حل هذا الموقف حقاً".
أومأ كالوم على كلمات شاهي، رغم أن الشخص الوحيد القادر على رؤيته كان لوسي. لم تكن نصيحة سيئة، وربما كانت ستكون أكثر قوة قبل بضعة أشهر أو حتى أسابيع. حتى مع ذلك، كان تأكيد أفكاره الخاصة أمراً جيداً.
"ألديهم شخص يريدون مني التحدث إليه؟"
ليس وكأن كالوم كان ميالاً للاستماع إلى أي شيء يقوله هؤلاء الأشخاص، لكنه بحاجة إلى مزيد من المعلومات.
قال شاهي في الواقع: "لديهم حقاً. أحد أبناء أخي فين، على ما أعتقد، اسمه سين".
"أنت تمزح. الرجل الذي كان مفترضاً أن يكون مراقبي؟"
"هو بالذات".
لم يسأل كالوم كيف عرف شاهي هوية سين، لأنه لم يعد متفاجئاً بما يعرفه شاهي في هذه المرحلة. ربما كان ظهور سين مجدداً أقل سخافة مما بدا عليه: لقد كان أحد القلائل من هيئة الرقابة الذين قابلوا كالوم واستطاعوا كفالة هوية كالوم. حقيقة أن الأرشيماج فين تمكن من الحصول عليه لما بدا وكأنه عملية خارج السجلات أظهرت بوضوح ما قاله شاهي بالفعل. كان فين لاعباً كبيراً.
"أين يقيم؟"
اضطر كالوم لانتظار الإجابة لأن شخصاً ما اقترب من المنضدة، وتغير المجال السحر لـشاهي قليلاً للسماح له بالتحدث إلى الزبون. مثلما توقع، كان لدى شاهي نوع من السحر الخفي أو مجال للخصوصية. يرجح أنه كان يمنع الصوت من الانتشار حيث لا ينبغي.
أخبره شاهي بمجرد أن غادر الزبون: "لقد فرضوا سيطرتهم بشراء مكان مورشيسون القديم".
"شكراً. وبما أنها بلدتك، أترغب في الذهاب معي؟ أم هناك ما ينبغي علي وضعه في الاعتبار؟"
تجعد وجه شاهي في ابتسامة مع السؤال.
قال: "إنها بلدتك أيضاً. عشت هنا لكم من عام؟ أنا متأكد من أنك ستستخدم أفضل تقديراتك لما يجب فعله".
قال: "صحيح".
"وتفضل بالزيارة عندما تنتهي! لا يزال الناس هنا يقلقون عليك".
قال كالوم، لكنه لم يعد بشيء: "سأرى ما يمكنني فعله. سسأخبرك كيف سارت الأمور".
قال شاهي: "حظاً سعيداً"، وأغلق كالوم البوابة.