اقترب جون من باب المكتب وبسمة تعلو وجهه. بدا له جلياً أن هذا سيكون يوماً جميلاً. دخل ليجد أندريسا وميا تتبادلان أطراف الحديث إلى جوار مكتبها. ارتدت أندريسا قميصاً بسيطاً باللون الأزرق الداكن وتنورة سوداء ضيقة، بينما ارتدت ميا قميصاً أسود مزركشاً عند الصدر بأكمام منفوخة، وسراويل سوداء طويلة تتسع تدريجياً نحو الأسفل، يتوسطها حزام من السلاسل الفضية. استقر صندوق مفتوح من كعك الدونات على الطاولة وكتاهما تستمتعان به، وبدت بقع دقيقة من السكر المطحون واضحة بجلاء على ملابسهما الداكنة.
قال وهو يقترب من المكتب: "صباح الخير أيتها السيدات".
قالت ميا وهي تمد كيساً منفصلاً: "أحضرت لك الفطائر".
أخذ جون الكيس وشعر بحرارة الفطائر في قاعه، فقال: "شكراً لك يا ميا".
نهضت أندريسا ومنحته قُبلة سريعة قبل أن يتوجه إلى مكتبه. احمرّ وجهه قليلاً، إذ لم يكن مرتاحاً تماماً لهذا التبرج العلني أمام ميا، غير أن ذلك كان غاية الأمر برمته. وما إن ابتعدت عنه حتى تنهد وأزال برفق بقايا من السكر المطحون عن طرف شفتيها بإبهامه.
قالت وهي تعود للجلوس إلى مكتبها: "غنوست هو المراجع الأول اليوم".
أجاب: "أعلم".
لهذا السبب كانت البسمة تعلو وجهه.
سألت بابتسامة: "أظن أنه ليست لديك أي فكرة عن الشخص الذي يليه صح؟".
"على الإطلاق".
قالت: "توقعت ذلك".
حول انتباهه إلى ميا التي كانت تحاول مسح السكر المطحون عن سراويلها السوداء لكنها زادت الطين بلّة.
"أنهيت ملاحظات ماسلو؟".
"نجل، واطلعت على بعض ملاحظات الاستشارة أيضاً".
"عمل ممتاز. تقدمك سريع حقاً".
"لدي سؤال. أعلم أنه لم يكن في عالمك سوى بشر، فهل يعني هذا أنه يجب علي استخدام ما أتعلمه في هذه الكتب لعلاج البشر فقط؟ ألا توجد موارد أخرى لأجناس مختلفة؟ أخمّن أن هذا لا ينطبق على الجميع".
"هذا سؤال جيد. العلاجات الواردة في تلك الكتب ليست مكتملة لدرجة تغطي جميع أنواع البشر".
"وجعلتني أدرس عشراً منها الآن".
"بالتأكيد".
عبست في وجهه قائلة: "كل ما أستطيع منحه إياك هو أساس تنطلق منه. آمل أن يساعدك مرافقتي خلال العديد من جلسات الاستشارة مع مجموعة متنوعة من الحالات أيضاً. الأدوات التي نمتلكها والأبحاث، كلها أمور غير مثالية، لكن هذا لا يعني أنها عديمة الفائدة. جوهر عملنا يكمن في مساعدة الناس، ونحن نبذل قصارى جهدنا بما تيسر لنا".
مضغت ميا كعكة الدونات بضع لحظات كأنها تتدبر كلماته.
"حسناً، لن أضطر لقراءة أفكار فرويد الخاصة بالأقزام، أو نظريات ماسلو الخاصة بالجن على الأقل".
أجاب جون وهو يدخل مكتبه تاركاً الباب مصراعين والبسمة لا تفارق محياه: "هذه هي الروح المطلوبة".
فتح نافذته ليسمح لنسيم عليل بالدخول وأخذ وقته في الاستمتاع بفطوره، بينما تناهت إلى مسامعه أحياناً شظايا من حديث ميا وأندريسا في الغرفة المجاورة، بل وحتى ومضات من ضحكاتهم. بعد نحو نصف ساعة، سمع الباب الرئيسي للمكتب ينفتح.
قالت أندريسا من مكتبها: "أهلاً بك يا غنوست".
قال القزم الشقق وهو يدخل: "صباح الخير أندريسا، مرحباً ميا".
ذهب جون إلى باب مكتبه وابتسم وهو يستعيد ذكرى وصول غنوست لأول مرة. كان جون قد وجده مختبئاً تحت طاولة القهوة في غرفة الانتظار وبذل جهداً ليستدرجه للخروج. أما الآن فها هو يدخل بهدوء رافعاً رأسه عالياً وقادراً حتى على النظر من النافذة بلا أدنى مشقة. عاد جون إلى مكتبه وسخن بعض شاي الفطر ليعده له، ثم خرج مجدداً.
قال مشيراً نحو المكتب: "تفضل بالداخل يا غنوست".
قال وهو يومئ للسيدتين في طريقه: "مرحباً يا جون".
كان لا يزال يمشى منحني الظهر قلسي، لكن ذلك كان سمة طبيعية لكونه قزماً أكثر من كونه خوفاً من السقوط نحو السماء. أغلق جون الباب خلفه مفعلاً تعويذة عزل الصوت وهو يلتقط قهوته وشاي غنوست، فوضع أحدهما على الطاولة وأمسك بالآخر. لن يحتاج إلى دفتر ملاحظاته هذه المرة.
سأل جون: "إذن، كيف حالك؟".
أنهى غنوست رشفة من الشاي مستساغاً إياها قبل أن يجيب: "أنا بخير. واجهت بعض الصعوبة الطفيفة عندما كنت أنقل شحنة إلى الريف، لكني تدبرت أمري ولم أشعر بأنني أجهدت نفسي أكثر من اللازم".
"هذا جيد. إنه مكان مفتوح لذا فمن المرجح أن يشكل بعض التحدي. كيف هي الأمور في المتجر؟ كيف حال عمك ستون؟".
"المتجر بحال جيدة. لقد أدرته بنفسي لعدة أيام بينما ذهب عمي في رحلة إلى الجبال لزيارة جدتي".
"سارت الأمور على ما يرام أظن؟".
"نجل. كانت المبيعات مستقرة ونجحت في إبقاء الأمور تسير بسلاسة".
أومأ جون برأسه: "عمل ممتاز".
"شكراً لك".
جلسا في صمت يحتسيان الشراب من كؤوسهما بينما كان النسيم اللطيف يهب عليهما من النافذة.
"أخبرتني أندريسا أنك طلبت أن تكون هذه جلستك الأخيرة".
"هذا صحيح. لا أشعر أنني بحاجة إليها بعد الآن. بات بإمكاني المشي في الشوارع دون عناء يذكر، وأنا أشعر... بحال جيدة. لا أظن أنني سأركب تنيناً في القريب العاجل، لكن هذا ليس شيئاً أحتاج فعلاً لفعله على أي حال".
ضحك جون بخفة وقال وهو يضع كوبه: "لا أعتقد أن الكثيرين يفعلون. حسناً، لن أطيل عليك، ولن استعرض كل تفصيلة صغيرة تخص علاجك وما يجب عليك فعله في المستقبل. دعني أقول فحسب أنني فخور بك، وكذلك أندريسا. إن شعرت يوماً أنك بحاجة إلى مزيد من المساعدة، سواء مع خوفك أو أي شيء آخر، فسأكون على بعد رسالة واحدة وسأكون سعيداً برؤيتك مجدداً".
أجاب غنوست بابتسامة: "شكراً لك".
بادله جون الابتسامة وأشار بذراعه نحو باب المكتب: "ليس هناك سبب يجعلنا نجلس في هذه الغرفة بمفردنا. لنقضِ بقية الجلسة رفقة السيدات، ألا توافقني الرأي؟".
"يبدو ذلك رائعاً".
"إن كنا محقين حقاً فقد احتفظن ببعض الدونات لأجلنا".
سأل غنوست بشيء من عدم التصديق: "أترى أنهن فعلن؟".
"كلا، لكني أؤمن بحظ السعيد اليوم".
…
كان جون وأندريسا يشقان طريقَهما وسط شوارع أفالون المزدحمة وهما يتصافحان في طريق العودة إلى شقته. كان اليوم جميلاً، وكان الجميع في الخارج يقضون حوائجهم، أو يلتقون بغيرهم، أو يستمتعون بنزهة فحسب. رأى جون هاربي تطير في الجو وهي تحمل عشيقاً من الهالفلنغ يُرجح أنها ظفرت به خلال موسم التزاوج الأخير، ورجل ضفدع يفتح فمه ليسمح لجميع الشراغيف التي لديه بالاستطلاع حولها وهو يمشي، وموكباً من الجنّ قد انطلق غناءً بلا مبرر.
كانوا النمط الأقصر من الجنّ أولئك الذين لا تستغرق أغانيهم أكثر من ثلاث إلى أربع ساعات.
قالت أندريسا وهي تضغط على يده قليلاً أثناء حديثها: "أنت تشرق تماماً اليوم".
فضغط على يدها بالمقابل.
"إنه يوم لطيف".
"أظن أنني بالكاد استطعت الاقتيات عليك طوال اليوم أيضاً".
"هل أنت جائعة؟ أتريدين المرور بجانب إدارة المركبات لتمتلئي بالقلق المحيط هناك؟"
"لا، أنا بخير. لقد أطعمتني ميا أكثر من كفيلي عندما زار أبواها المكتب. لا أظن أنني تناولت كل هذا القدر من الإحراج منذ زمن طويل".
"جيد".
"أأنت في هذا المزاج الجيد بسبب غنوست؟"
"بالضبط. أكون دائماً في مزاج جيد عندما يحقق أحد مرضاي نجاحاً يماثل ما حققه. أعني أنني سأسانده لو استمر في مكابدة الصعاب، ولا أتوقع من الجميع أن يتقدموا بالسرعة ذاتها، لكنني ما زلت مسروراً بما آلت إليه الأمور".
"إذن من المثالي أن يتخلى عنك كل مريض من مرضى العيادة؟"
"لأنهم تحسنوا، نعم".
"ستصاب بملل شديد".
"مللي ثمن زهيد في مقابل الصحة النفسية للجميع".
ضحكت وهزت رأسها قليلاً بينما استمرا في المشي. كانا على وشك الوصول إلى شقته عندما عادت للكلام.
"أتعلم كيف أخبرتك أنني سأزور موطني مرة أخرى في غضون أسبوع. أليس كذلك؟"
"نجل، العودة إلى جحيمك. للاطمئنان على عائلتك لبضعة أسابيع".
سألت: "أتحب المجيء معي؟"
توقف جون عن المشي ونظر إليها. كانت ترتدي عادة ابتسامة ذات أسنان حادة، أو بسمة ماكرة، لكنها بدت هذه المرة قلقة بعض الشيء حقاً.
سأل: "أتريدين مني أن آتي معك؟"
"أكنت لأسألك إن لم أرد؟"
"ربما".
أقرت وهي تهتز كتفيها قليلاً: "معك حق. أريد منك أن تلتقي بعائلتي، وأصدقائي الآخرين، وترى المكان الذي أتيت منه".
فكر جون في الأمر.
"سيتعين علينا ترتيب المواعيد مع مرضاي. ربما تستطيع سارة تغطية مجموعة الدعم؛ فقد عرضت ذلك من قبل بالفعل. أوه، هل يمكنني النجاة في الجحيم؟"
"نعم".
أكد قائلاً: "إذن نعم"، مندهشاً من سهولة النطق بكلماته.
"سأذهب إلى الجحيم".
"أنا لست أول من يطلب منك فعل ذلك لأجلهم، أليس كذلك؟"
"لا، لكنك الأولى التي تطلب بطريقة لطيفة".