قضى جون وأندريسا اليوم التالي بأكمله في النوم والراحة، ثم استيقظا مبكراً في اليوم الذي تلاه وبدآ في تجهيز أغراض رحلتهما. كانت عائلة أندريسا تعيش في جحيم تتغلب عليه الحرارة لا البرودة، لذا اقتصرت ملابسه على الكتان والقطن ونسيج القمرا. لم تحزم أندريسا الكثير من الأمتعة إذ ما زالت خزانة ملابسها في الوطن تعج بالثياب، لكنها حملت حقيبة ملأى بالقطع الصغيرة التي يصعب إيجادها بالسهولة ذاتها في الجحيم؛
زجاجة رياح شمالية، ورزمة من الروايات التي تنتهي نهايات سعيدة بعيدة عن الألم، ولعبة محشوة لابنة أخيها صُنعت من جلد لم يُستمد بطرق مشبوهة. بعد أن انتهيا من حزم أمتعتهما، توجها مشياً إلى مخبز هيلدا حيث وجدا هيلدا نفسها وميا تعملان في الواجهة، وهو منظر نادر. وبينما كانا ينتظران في الطابور، لم يستطع جون كبح ضحكته أمام التباين الواضح بينهما. كانت هيلدا امرأة عريضَة المنكبين ذات شعر بلون التوت البري، وترتدي فستاناً عملياً ومريلة، بينما كانت ابنتها ميا نحيلة القوام، ذات شعر بلون غامض وإن بدا فاقع الخضرة في تلك اللحظة، وتتأنق في بدلة رجالية سوداء فوق بلوزة حمراء مع طرحة سوداء تُغطي وجهها.
سألتاه ما إن خطا نحو المنضدة وعجز عن محو ابتسامته في الوقت المناسب: "ما المضحك إلى هذا الحد؟"
فأجاب بسلاسة: "ليس هناك ما يُضحك، أبتسم فقط لأني سعيد برؤيتكُما".
فقالت الأم وابنتها في توافق مشكك: "حقاً".
قالت أندريسا وهي تتكئ على المنضدة: "أتفاجأ برؤيتكُما تعملان معاً اليوم".
فأجابت ميا: "الأبي وعكة صحية، وطلب مني المساعدة".
"وعكة قلق من أن تتلمذ ابنته على يد غاوي طراد يفر بامرأة من شياطين الجحيم".
ردت أندريسا بابتسامة: "لا أسمي ذلك فراراً، بل أشبه باختطافه".
ضحكن جميعاً، ولم يملك جون حيال ذلك إلا أن يطلق تنهيدة عميقة.
سألت هيلدا: "ماذا أُحضر لكُما؟"
فسأل جون: "ما هو طبق اليوم المميز؟"
"كرواسون... مهفهف كجنيّ ملتزم بجدول مواعيد".
التفت إلى أندريسا فأومأت برأسها قائلة: "سنأخذ ثلاثة".
أومأت هيلدا وذهبت لإحضار فطائر طازجة للتو من الفرن.
"علم يا جون أن أمي سعيدة للغاية لأني أتلمذ على يدك، فهي كانت تخشى التحاقي بكلية المنشدين أو ما شابه".
"كنتِ لتكوني منشدة ممتازة أيضاً على الأرجح".
ابتسمت وقالت: "لدي مذكرات لأراجعها في الأسبوعين القادمين، لكن لم تتوفر لي فرصة الحديث مع سارة بشأن حضور بعض جلسات مجموعة الدعم كمراقبة. أمتأكد أنت من عدم وجود مانع؟ أعلم أن الأمر مخصص للقادمين من عوالم أخرى فحسب".
"سيكون الأمر على ما يرام، وإن ساد بعض الارتباح فسيكون ذلك خبرة جيدة لك أيضاً. ستضطرين كثيراً لمحاولة مساعدة أشخاص لا يظنون أن بمقدورك تفهم تجاربهم أو التعاطف معها، وعليك تعلم كيفية تخطي ذلك".
أومأت برأسها.
"سأحدث سارة بشأنه. أنا ذاهب للقائها بعد هذا مباشرة على أي حال".
عادت هيلدا ومعها كيس الككرواسون، فدفعا بعض القطع النقدية عبر المنضدة إليها.
قالت هيلدا وهي ترمقهما بنظرة جانبية: "لا أقول هذا الكلام باستخفاف لكُما، بل... اذهبا إلى الجحيم!".
أخفت ميا وجهها خجلاً من مزحة والدتها، بينما ضحك جون وأندريسا وغادرا المخبز، عائدين إلى الشقة لتناول الطعام. وما إن فرغا حتى تبادلا قبلة سريعة وافترق كل منهما في طريقه. كان على جون التأكد من جهوزية أمور مجموعة الدعم، بينما كان على أندريسا جلب بعض الأغراض من شقتها الواقعة في الاتجاه المعاكس، في ذلك اليوم على الأقل. سلك جون الطريق السياحي الطويل. مشى عبر درْب غابي ملتوٍ ظهر فجأة في أحد الأزقة ويرعاه جني حكيم.
ثم اخترق السوق الصغير الذي كان ضخماً في الواقع، لكنه أُدير حصراً بواسطة الكوبولدان والهوبلت والاقزام والغنوم وبشر الحشرات ونصفِ دزينة من القطط الناطقة. وصل إلى مبنى مجموعة الدعم، ودخل من الباب المفتوح ليجد بيناً وسارة وصديقة بين سيلست ينقلون الطاولات والكراسي من أماكنها.
قال ما إن دخل: "مرحباً بالجميع".
قال بين وهو يقطع قاعة الغرفة في خطوات معدودة ليصافحه: "أهلاً يا صديقي! كنت أتمنى رؤيتك، أردت تمنياتي لك بالتوفيق في الجحيم، رغم أن ما رأيته ينبئ بأنك ستظفر بالكثير من الحظ السعيد هناك".
ابتعدا عن بعضهما فأجاب جون ببرود: "ها ها، ما كل هذا العناء؟"
مشيراً إلى الطاولات والكراسي المنقولة.
وضعت سارة كرسياً وقالت: "قررت إقامة... يوم للتقدير الثقافي إن جاز التعبير، دعوت بعض الموسيقيين هنا من أفالون وبعض الفنانين، وربما شارك بعض القادمين من عوالم أخرى من طرفنا بعروض إن أمكن. لقد نسقت مع فاباناشيو وآخرين بالفعل".
"تلك فكرة رائعة حقاً... وأفترض أنك ستصعدين على المسرح لنحو خمس دقائق على الأقل؟"
ابتسمت سارة وقائلة: "أقرب إلى عشرين دقيقة، وبما أنني منظمة الحدث فيبدو الأمر عادلاً".
رد جون بابتسامة خاصة به: "أوه، بالطبع. يبدو إذن أن الأمور تحت السيطرة تماماً معك".
أومأت برأسها، وبدت جادة للحظة: "بالطبع، استمتع أنت... حسناً... بالجحيم، إن استطعت".
"أظنني سأفعل حقاً. أخبرتني أندريسا أن هناك الكثير مما يستحق المشاهدة".
"لكنك حزمت ماء مقدساً وصليباً احتياطياً أليس كذلك؟"
"أجل، رغم أنها هي من اقترحت ذلك. لحسن حظي يدين لي بعض الكهنة وإلهان بجميل أو اثنين لذا سأكون بخير. لا تواجه الأرواح الحية عادة مشاكل في جحيمها، لكن الحذر أضمن".
تفرس جون في صفوف الطاولات والكراسي: "أتريدان مساعدة قبل أن أرحل؟"
"بالتأكيد، ساعدني في حمل هذه الطاولة".
قضى جون ساعة كاملة في المساعدة على إعادة كل شيء إلى مكانه ثم غادر بعد أن ذكر سارة بمحادثة ميا. كان بين قد أشار عرضاً إلى رغبة رين في توديع جون في وقت ما، لكن جون لم يسمع شيئاً من الفرنسي نفسه. وبعد الفراغ من ذلك، تبقّت لجون محطة أخيرة قبل التوجه نحو فم الجحيم للقاء أندريسا. شق طريقه عبر الشوارع، متفادياً العربات، ووحش أرض فضولي كاد يستنشقه هفوة، ثم اتجه نحو الحي القزمي حيث قررت المكتبة اللانهائية الظهور طوال ذلك الشهر.
اتسم الحي القزمي بزواياه الحادة وهياكله الحجرية، ومثل طراز آرت ديكو في مقابل حي آرت نوفو الخاص بالجن. كانت الحرارة أعلى بنحو عشر درجات في الشوارع القزمية بفعل العدد الهائل من المراجل التي تنتشر فيها، لكن لعنة ماصة للدخان حالت بلطف دون تكاثف الهواء لدرجة تمنع بشرياً مثله من التنفس أو تُسقط الطيور والحارب والجنّ من السماء فوقه. رأى المكتبة مدفونة بنصفها في حفرة، وجموعاً من الناس بمختلف مشاربهم تتدفق دخولاً وخروجاً كالعادة.
وصل إلى أحد الجدران حيث يشير سهم غامض إلى الأسفل، ووضع يده عليه، فانفتح جدار المبنى الحجري كفم كبير كامل بأسنانه. ثم وضع رزمة رواياته البوليسية بحذر، وما إن استشعار المبنى توفر ما بذمته حتى أطبق بهدوء حولها. راودت جون رغبة عارمة في خطو خطوة للداخل لكنه قاومها. لم تكن المكتبة تبتغي نقل زوارها للكتب في أي أبعاد أخرى، وكان يفضل تفادي دفع الرسوم بذاكرة عزيزة أو بمجهود بدني أو سائل مساحات زجاج أو أحذية أطفال غير متطابقة.
عاد أدراجه عبر الشوارع، مسلكاً الطريق الأقصر نحو شقته نظراً لضيق الوقت. دخل وشق طريقه إلى غرفة النوم ليجد أن أندريسا قد جمعت أغلب حقائبه بالفعل، ولم تترك سوى حقيبة كتف صغيرة ليحملها هو. التقطها وعلقها قبل أن يتوجه نحو الباب ويتوقف مذهولاً. تلفّت ناظراً داخل شقته. منزله المصنوع من الخشب الحي والأوراق. أريكته التي يقضي عليها ساعات في القراءة كل ليلة. مطخه الذي جلب له تعاويذ تكييف حرارة وتبريد مخصصة لتقليد مطبخ شقته قبل قدومه إلى أفالون.
منبه قطرة الماء الذي عدله صباحاً ليقطر خارج النافذة لا على السرير كي لا يعود ليجد فراشاً مبللاً. مكث في تلك الشقة لأعوام، ومنذ انتقاله إليها لم يقضِ ليلة واحدة خارجها. لقد منحته ملاذاً آمناً وثابتاً انطلق منه ليبني حياة جديدة في عالم جديد. استنشق عبيرها للحظة قبل أن يطبع قبلة على راحة كفه ويضعها برفق على جدار الباب.
"سأعود".
فتح الباب وخطا خارجاً نحو الدرج، وتابع نزوله متجهاً إلى الشارع في رابع جولة مشي طويلة له ذلك اليوم. فكر في استقلال عربة، لكنه رغب حقاً في تشبع المزيد من أجواء أفالون في طريقه. أضف إلى ذلك شعوره بالتوتر. لم يكن متوتراً بالقدر الذي يمنعه من المشي، بل بالقدر الذي يجعله يبطئ خطاه في الطريق. لم يكن قلقاً بشأن الجحيم، وبشكل غريب حقاً، بل كان قلقاً بشأن مفارقته لأفالون طوال تلك المدة.
قلق حيال مآل مرضاه. قلق على مجموعته وأصدقائه ودراسة ميا وعشرات الأمور الأخرى. كان يعرق حين وصل إلى فم الجحيم، وشعر بالغرابة على شوارع الكبريت في الجحيم الصغير تماماً كما يشعر في كل مرة يرتادها فيها. كان جمع من العفاريت والعفاريت النارية والسعالي ينتظر في الطابور عند الفم، لكنه عثر على أندريسا سريعاً إذ كانت تنتظر على جانب الطابور بصحبة أمتعتهم. شعر بقلقه يذوب ما إن اقترب منها وطوقها بمعانقة وقبلة تسببتا في صيحات تشجيع وصفارات استهجان من طابور الشياطين القريب.
قالت أندريسا مبتسمة رغم كلماتها: "لقد تأخرت".
"عذراً، لم تكن معي سكرتيرة لتتأكد من حضوري في الموعد".
"حسن إذن، لن يمثل ذلك مشكلة بعد الآن على الأقل".
ابتسم وقبلها مرة أخرى قبل أن يجمع حقائبه الأخرى للرحلة. هم بالانضمام إلى الطابور، لكن أندريسا سارت ببساطة إلى مُدّخله حيث تنحى الشياطين صاغرة من طريقها. راوده الفضول حيال ذلك، لكن قبل أن ينطق بببنت شفة سمع صوتاً غريباً من فوقه فتردد. لم يكن صوت خفقات أجنحة تنين، ولا صراخ هاربي، ولا حتى زئير غريفين، بل كان صوت محرك. نظر إلى الأعلى باحثاً عن مصدر الصوت، فرأى طائرة ذات جناحين من بين كل الأشياء تحلق في الجو.
وخلفها لافتة طويلة كُتبت عليها بحروف بارزة وكبيرة: "رحلة سعيدة يا جون!"
ظهرت أندريسا بجانبه قائلة: "أظن أن رين أراد توديعك".
فأجاب جون وهو يتابع الطائرة لحظة أخرى ريثما تختفي خلف مبانٍ شاهقة: "أظن ذلك".
التفت هو وأندريسا نحو فم الجحيم. كانت بوابة تبدو وكأنها مصنوعة من نار يحتشد حولها حشد من البيروقراطيين العفاريت وهم يمررون الناس تباعاً عبر مجموعات. وقفا معاً أمامها حين ألقى نظرة أخيرة على أندريسا.
"حسناً، لنذهب إلى الجحيم".
عصرت يده وخطا الاثنان إلى الداخل.
النهاية