لا يبقى سوى الخراب لمن تحملهم العلامة الفصل 3 — الهدوء الذي يسبق العاصفة

اقرأ لا يبقى سوى الخراب لمن تحملهم العلامة الفصل 3 — الهدوء الذي يسبق العاصفة باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الثالث: الهدوء الذي يسبق العاصفة، وما يعقب العلامات سوى الخراب. مرَّ شهر كامل، ولم يفلح أحد في فهم حقيقتي بعد. كان ذلك جيداً. لم أكن أودّ أن يُفهم أمري. بقيت هادئاً، خافياً أثري كلما استطاعتي. لم أكن مهماً بما يكفي ليلفت انتباه أحد، وحرصت على أن يظل الأمر كذلك. بلا تواصل بالعيون. بلا أسئلة. كنت أجلس في آخر كل صف مدرسي وأغادر فور قرع الجرس. كان الأمر سهلاً. لقد كدت أتقن فن أن يكون المرء منسيّاً. ورغم ذلك، واظبت أكي ودایكي على الظهور أمامي. لم يكونا مزعجين في ذلك. لم يضغطا عليَّ لأدخل في محادثات. لقد ظلا... يظهران وحسب. أكي بنظراتها الهادئة وقوتها الرصينة. ودایكي بنكاته السخيفة ورقائق البطاطس المكدسة في حقيبته. لم أطلب منهما قط مرافقتي. لكنهما فعلا على أي حال. ظللت أتساؤل عما إذا كانا ضجرين. ولربما يحاولان تصرفاً لطيفاً. أو لربما كان الأمر مجرد تحدٍ سخيف. كأن يقال: كن لطيفاً مع المنعزل. واكسب نقاط رضاك أو أياً ما كان ذلك. لم أكن أثق بهما. لكنني لم أطلب منهما الابتعاد أيضاً. لربما لأنني كنت أكسل من فعل ذلك؟ لا، أظن أن السبب يكمن في أن جانباً من عقلي ما زال يؤمن بشيء ما. ثم أتى مشروع الجماعة. حصة اللغة الإنجليزية. عرض ملصقات. مجموعات رباعية عشوائية. وطبعاً، انتهى بي المطاف مع أكي ودایكي وفتى هادئ يدعى كيسوكي. كان لكيسوكي وجه لا يترك أثراً يذكر، وجه عادي يسهل نسيانه. لم أسئ الظن به. كان في وجود شخص لست مضطراً لمراقبته راحة تشبه السكينة نوعاً ما. قالت أكي وهي تنزلق إلى المقعد المجاور لمقعدي: "أظن أننا عالقون معاً الآن". أومأت برأسي. هذا كل ما منحته إياه. التقينا بعد المدرسة في المكتبة بعد بضعة أيام. أحضرت أكي أقلام تلوين زاهية وورقاً. وأحضر دايوكي شرائح البطاطس. إلى أي حد يمكن لهذا الفتى أن يأكل؟ أما كيسوكي فجلس يحدق في الواجب كأنه سينجز تلقائياً. قالت أكي بعد بضعة دقائق: "يو. أيمكنك رسم التخطيط؟ لقد رأيتك ترسم". جعل ذلك يدي تتجمد فوق دفتر ملاحظاتي. سألت بحدة تجاوزت ما قصدت: "أتصفحته؟". أجابت: "لا. لقد تركته مفتوحاً على طاولتك ذات مرة. حصل أن لاحظت فحسب". لم أقل شيئاً، لكنني شرعت في الرسم. بدا ذلك أفضل من الكلام. كان الورق سهلاً. وكانت الخطوط منطقية. عملنا ساعة كاملة. لم يُقل الكثير. لم يفرض أحد محادثة. وعندما غادرنا أخيراً، مشى معي دايوكي نصف الطريق قبل أن ينعطف نحو طريقه المختصر المعتاد. بلا وداع. صمت محض. كانت تلك أكثر المجموعات هدوءاً التي مررت بها قط. كان منزل خالتي هادئاً أكثر من اللازم. لم يكن هدوءاً يعقب صراخاً. بل كان... هدوءاً صافياً. كان العشاء تلك الليلة سمكاً مشوياً وحساء ميسو. طعاماً بسيطاً، لكنه دافئ. كان عي خالي يشاهد الأخبار في الغرفة المجاورة. لم يثرثر كثيراً، لكنه أومأ برأسه حين دخلت. أما خالتي فبذلت جهداً أكبر. تفعل ذلك دائماً. قالت وهي تنالني الأرز: "تبدو متعباً". أجبْتُ: "المدرسة بخير". ابتسمت ابتسامة خفيفة. لم تصل إلى عينيها. مضت بضعة دقائق في صمت قبل أن تتنحنح. "أتعلم... كانت أمك ترسم أيضاً". التوى معدتي. حدقت في وعائي. أردفت بسرعة: "ليست مثلك. لم تكن بارعة في الأمر، بصراحة. لكنها أحببت رسم الأشياء. الزهور، الغيوم، وأحياناً وجوهاً سخيفة. دائماً في زوايا الإيصالات أو المناديل". بدت أعواد الطعام في يدي أثقل. وأكملت: "كان ستعجبها رسوماتك كثيراً. طالما قالت إنك تمتلك عينيها". رفع خالي بصره برهة، ثم تمتم: "أنت تؤدي ما بوسعك يا بني". لم يكن ذلك كثيراً. لكني لم أنكمش. لبرهة، رغبت في تصديقها. في أن أمي كانت ستعجب بتلك الرسومات. في أنها كانت لتفخر بي. لكنني لم استطع الإمساك بهذه الفكرة طويلاً. فقد كانت مؤلمة أكثر مما ينبغي. جلست في السرير تلك الليلة ودفتر ملاحظاتي مفتوح. لم أرسم. كتبت. يبدو اللطف كقصة حكاها لي أحدهم منذ زمن بعيد. أظنني آمنت به مرة. أما الآن فيبدو كغة أخرى، أو ربما ككذبة. أسمع الكلمات، لكنني لا أدرك كنه معناها. أغلقت الدفتر وأطفأت المصباح. حدق السقف فيَّ رداً. إنهما ليسا مثله. خالتي. خالي. إنهما يبذلان جهداً. ليسا مثاليين، لكنهما ليسان قاسيَين أيضاً. ومع ذلك، أنا أترقب. طالما أترقب الأمور لتفسد مجدداً. بعد بضعة أيام، وجدت نفسي على سطح المدرسة وقت الاستراحة. ظننت أنني سأكون وحدي، لكن أكي كانت هناك بالفعل. جلست قرب السياج، ترتشف العصير وتحدق في الغيوم. تحرك شعرها بلطف مع الريح. استدرت لأغادر. فقالت: "يمكنك البقاء". ترددت، ثم جلست على الطرف المقابل. بعيداً بما يكفي لأترك مسافة بيننا، وقريباً بما يكفي لألا أكون فظاً. لم تتحدث في البداية. ولم أفعل أنا أيضاً. بعد هنيهة، التفتت نحوي وقالت: "تبدو رسوماتك صادقة". نظرت إليها. "ماذا؟". "أخي يرسم. كل أعماله خيالية. تنانين، ومحاربون. أما رسوماتك فتبدو كذكريات. كأشياء رأيتها حقاً". لم أدر ماذا أقول رداً على ذلك. أضافت: "لا أحاول التدخل. أقول رأيي فحسب". "لا أرسم لأجل أحد آخر". "أنا أعلم". مضت بضعة دقائق أخرى. ضمت ركبتيها إلى صدرها. سألت: "إذن... لماذا تواصلين الحديث معي؟". طرفت عيناها، ثم هزت كتفيها: "لأنني أريد ذلك". "هذا ليس سبباً". "بالنسبة لي هو كذلك". نظرت إليها برهة. لم ينم وجهها عن شفقة. بل عن هدوء فحسب. أومأت برهة. كان ذلك يكفي. امتد الممر طويلاً وضيقاً، يلفه ضوء أصفر باهت. كانت قدماي الصغيرتان حافيتين على الأرض الخشبية الباردة. لم أدر لمَ كنت أمشى. كنت أمشي وحسب. لامست أصابعي الجدار بينما تجاوزت صوراً مؤطرة، تشققت زجاجاتها وتلطخت الوجوه داخلها لتصير ظلالاً. أمامي، وقف باب موارب قليلاً. وسمعت من الداخل صوت أمي. ناعماً. مرتجفاً. "أرجوك... ليس أمامه...". ثم جاء صوت تحطم. أكانت زجاجة؟ أم قبضة؟ لم أستطع التمييز. صر الباب مفتوحاً وأنا أبلغه. خطوت إلى الداخل. كانت على الأرض، متكومة، وتستخدم يداً واحدة لحماية رأسها. التصق شعرها الأسود الطويل بوجهها. وكان شفاها ينزف. التقت عيناها بعينيّ. همست: "يو". ثم خطو هو أمامها. وأمامي. جسد طويل. بسطار ثقيل. وجه محتقن غضباً. كان قميصه مفتوحاً، وملطخاً بشيء داكن ورطب. ملأت رائحة الكحول الغرفة وتشبثت بخلفية حلقي. التفت برأسه نحوي. "ما زلت مستيقظاً إذن؟". انزلق صوته عبر الهواء مثل سكين تمر على بشرة. لم أستطع الحراك. كانت قدماي كالأسمنت. ولم يفتح فمي. عنّفني: "أترى نفسك أفضل مني؟ أنت تشبهها تماماً". امتدت يده نحوي. مباغتة. سريعة. سوداء. اصطدم جسدي بالأرض بصوت خاوت وأجوف. لدغتني وجنتي. مالت الغرفة كأنها تنخلع عن محورها. هس: "إذهب إلى غرفتك... قبل أن أجعلك تختفي كما اختفت هي". التفت لأرى أمي. لكنها لم تكن هناك. صارت الغرفة فارغة الآن. خطو خطوة للأمام. صرخت. حين استيقظت، كنت اختنق بأنفاسي. تلاشى السقف فوقي فوقع بصري عليه ملتبساً. علا صدري وهبط. تشبثت بالملاءات كأنها الشيء الوحيد الذي يمنعني من الانزلاق خارج العالم. تبلل قميصي. وتدحرج عرق بارد على طول عمودي الفقري كالجليد. انكفأت على نفسي، لافاً ذراعي بإحكام حول ضلعي. آلمني حلقي كأنني صرخت حقاً. لم يهدأ خفقان قلبي. استقر ألم الحلم على بشرتي كأنه حدث بالفعل. لأنه حدث بص بطريقة ما. كانت لتلك الذكرى مخالب. لم تفلت قط. كانت تنتظر في الظلام لتنقض حين أقل ما أتوقع ذلك. جلست على حافة السرير وأنا أرتجف. حاولت أن أحدث نفسي بأنني بأمان الآن، وأن الأمر انتهى. لكنني ما زلت أسمعه. وما زلت أرى عينيها. وما زلت أشعر بلسعة وجهي. كانت الغرفة صامتة بوحشية، لكن صمتها بدا أعلى من أي صراخ. مدت يدي نحو حقيبتي بأصابع مرتعشة، باحثاً بيأس عما يثبتني في الواقع. عن إلهاء. أي شيء. انزلق شيء ما وسقط بخفة على الأرض. قطعة ورق. حدقت فيها برهة، بحيرة، ثم التقطتها وبسطتها. أنت تؤدي بشكل أفضل مما تظن. ~أكي وقعت الكلمات عليَّ بقوة أكبر مما توقعت. حدقت فيها طويلاً. ارتعشت يداي. لم أدر متى وضعتها هناك. ولا لمَ. لم أستطع فهم أمثالها. أولئك الذين يكترثون. أولئك الذين يمدون أيديهم. أردت أن أُجعد الملاحظة. أردت أن أرميها جانباً. لكنني لم أفعل. بل طويتها ببطء وأنزلتها في دفتر ملاحظاتي. لا في المقدمة. ولا في النهاية. بل في مكان ما بالمنتصف. بلا إخفاء. وبلا إشهار. هناك فحسب. استندت بظهري إلى الجدار، مجهداً. لم أنم مجدداً تلك الليلة. ظلت عيناي مفتوحتين، تراقبان تشققات السقف، بينما راح عقلي يعيد تكرار أشياء تمنيت لو أستطيع نسيانها. لكنني احتفظت بالملاحظة إلى جانبي. وفي الوقت الحالي، كان ذلك يكفي. مؤلف: ت. فييراث قراء استمتعوا بهذا قرأوا أيضاً: وجه الخلود: رحلة ملاك صغير | نادي التحقيق في الظواهر الخارقة | كتيّب العنقاء