تردد ضحكي في أرجاء الغابة، فأدركت أنني لا أزال أشد الذراع. أمر محرج حقاً. وتفاقم إحراجي حين استغرقت دقائق عدة لأحرر نفسي من تلك الكتلة الدامية التي كانت يد الغول. حين تحررت أخيراً، تراجعت خطوة ودرت حول الشجرة لأتفحص عملي. ربما بالغت قليلاً. سأعفيك من التفاصيل، لكن يكفي القول إن ذراع الغول بدت وكأنها استطالت قدماً إضافية. كيف لم يتمزق الجلد؟ لا أدري. أما بقية جسد الغول فلم تكن بحال أفضل.
ورغم تركي للذراع، لا يزال الجسد محشوراً بين الشجرتين، وقد انهار جزء من صدره بفعل شدي العنيف.
سمعت صوتاً رطباً بجانبي، فنظرت للأسفل بذعر لأجد "بول"
يلتهم بعض اللحم المتدلي. لم أمتلك حتى القدرة على منعه. ألقيت نظرة أخيرة على الجثة، وتركت القط لمهمته، وانصرفت لأبحث عن السكين التي سقطت مني.
قلت: "أضف ثلاث نقاط إلى البنية".
شعرت بضغط خفيف لنقاط السمات يسري في جسدي. كرست كامل انتباهي لتحليل تأثير هذه العملية، لكن مهما حاولت، لم ألحظ شيئاً مريباً. أدركت الآن أن سماتي تزداد بمقدار نقطة واحدة مع كل مستوى، بالإضافة إلى ثلاث نقاط حرة أوزعها كما أشاء.
هذا يفسر الأمر، فضعف جسدي الأولي "الجسد المشوه"
كان يعني خصم عشر نقاط لا سبعاً كما ظننت أولاً. لا بد أن المستويات الثلاثة الأولى التي اكتسبتها قد محت بعضاً من أثر المستويات السلبية التي حصدتها أثناء غيبوبتي. لم يستغرق الضغط وقتاً ليخمد، وبدأت ألاحظ التغير في حركتي. كان الفرق شاسعاً؛ فخطواتي أصبحت موزونة وتتطلب جهداً أقل. لولا أنني كنت أراقب بدقة لما صدقت، لكن جسدي امتلأ قليلاً. باتت عروقي أقل بروزاً، وتحولت مفاصل أطرافي من نتوءات عشوائية إلى أحجام مقبولة تتناسب مع أطرافي التي نمت.
لكن لا تحسن بلا ثمن، إذ شعرت بجوعي يشتد، وتحول ألم حلقي الطفيف إلى خشونة تشبه ورق الصنفرة، مما جعلني أسعل وألعق شفتي الجافتين. انحنيت لألتقط السكين، وألقيت نظرة على جثة الغول. نظرت إلى نصل السكين في يدي وتعرفت على المعدن المألوف. ضربت القيد بالسكين، فخرج شرر ضئيل. معدتي تزمجر.
بدأت أشق طريقي عائداً نحو الجثة التي تركتها لـ "بول".
ولحم الغول وحده هو ما سيشبعني.
* * *
لم يأخذ مني الأمر وقتًا طويلاً لأنتزع الجثة من بين الأشجار. وقبل أن يبدأ بول في التذمر، استعملت السكين لقطع الذراع الممزقة ووضعتها بجانبه كقربان. قبلها بامتنان، فتركته لشأنه كي أبدأ في تجهيزاتي. قد أكون مجنونًا بما يكفي لأكل لحم مخلوق غريب، لكنني لست فاقدًا للصواب لدرجة فعل ذلك دون طهوه أولاً. تأكدت من خلو المكان وتحققت من عدم وجود غيلان أخرى في الجوار، ثم بدأت بجمع بعض الأغصان اليابسة والأوراق الجافة.
لم أعر الأمر اهتمامًا من قبل، لكن الغابة هادئة للغاية، ونادراً ما أرى حيوانات تتجول هنا. لمحت بضع طيور، ورأيت خنزيراً برياً صغيراً في وقت سابق، لكن عدا ذلك، تبدو الغابة موحشة في خلوها من مظاهر الحياة. كنت أوشك على العودة لموقع القتل حين وقع بصري على بريق أمامي. احتميت خلف شجرة تحسباً لكونه غولاً آخر، قبل أن أدرك أن البريق ينعكس عن جذع شجرة لا عن وحش. اقتربت بحذر لأجد بقعة صغيرة من بلورات رمادية مائلة للزرقة.
كان الأمر غريباً، وأثار استغرابي هذا التغير العشوائي في البيئة، خاصة أنها أول شجرة أراها تختلف عن بقية الأشجار. انحنيت لأتفحصها، فشعرت فجأة بتغير ملموس في الهواء المحيط بها. مددت يدي وضغطت بإصبعي برفق على البلور. على الفور، سرت برودة مزعجة في إصبعي. إنه صقيع آخر. مسحت بإصبعي على سطح البلورات الشبيه بالزجاج وأنا غارق في التفكير. ما قصة هذا الجليد؟ ولماذا كان موجوداً في الكهف أيضاً؟
هل هو جزء من المهمة؟
وما معنى عبارة "أتمم ما بدأته"
أصلاً؟ قاطع حبل أفكاري شعورٌ بماء يتسرب إلى كفي. نظرت للأسفل بذهول، فقد كان الجليد يذوب تحت لمستي بسرعة ملحوظة. استعدت صوابي سريعاً، وضممت كفي لأجمع أكبر قدر ممكن، ثم رفعته إلى فمي وابتلعت جرعة الماء القليلة تلك بنهم. نسيت تساؤلاتي، ورفعت يداً تحت الصقيع ووضعت الأخرى فوق البقعة. بعد ثوانٍ معدودات، تدفق الماء بغزارة فجمعت كل ما استطعت. لم يمضِ وقت طويل حتى اختفت البقعة تماماً، وخفّ جفاف حلقي قليلاً.
مررت أصابعي بحسرة على لحاء الشجرة الجاف الآن. التفت حولي بحثاً عن أي إشارات تفسر ظهور الجليد العشوائي. ولدهشتي المتجددة، رأيت بقعتين أخريين. واحدة عند الساعة الثانية، وأخرى عند السابعة. هممت بالانطلاق نحو أقرب بقعة، لكنني أجبرت نفسي على التوقف. سمحت لي تلك الكمية الضئيلة من الماء باستعادة المنطق. درست محيطي بدقة، وحسبت موقعي بالنسبة للمكان الذي تركت فيه جثة الغول.
بل ذهبت لأبعد من ذلك، مقدراً موقعي بالنسبة للكهف، فتوصلت لاكتشاف مثير للاهتمام. البقعة التي عند الساعة الثانية تقع في اتجاه الكهف. نظرت مجدداً إلى البقعة عند الساعة السابعة التي تؤدي إلى المسار الذي يفترض أن يتقاطع مع طريق القطار على بعد بضع مئات من الأقدام.
رفعت سكين الغول بيدي السليمة، وخدشت علامة "إكس"
كبيرة على الشجرة لأحدد مكان الجليد. بعد فترة وجيزة، اتجهت نحو الشجرة المتجمدة عند الساعة السابعة وبدأت عملية صهر الجليد مجدداً. وها أنا ذا، بعد قليل من التلصص، أعثر على شجرة أخرى أمامي ببريق مألوف. ثم تلتها شجرة أخرى مغطاة بالجليد. تتبعت مسار الجليد بمنهجية. أصهر الجليد، أشرب الماء، أضع علامة على الشجرة، ثم أنطلق للبقعة التالية. بحلول الوقت الذي ارتويت فيه تماماً، لم أكن أبعد سوى شجرتين عن موقع مجزرة القطار.
بعد أن وصلت للمسار مجدداً، حرصت على خدش علامات "إكس"
كبيرة على الأشجار المحيطة بمخرجي قبل أن أقتفي أثر خطواتي السابقة. كان موقع جثة الغول الذي قتلته على بعد دقائق معدودة سيراً على الأقدام. وبينما كنت أمشي عائداً إلى معسكري الحالي، دوى صوت قعقعة في الأفق. توقفت وأنصت لثوانٍ، لكن الصوت تلاشى تدريجياً، ولم يبقَ لي سوى أصوات الغابة مجدداً. عند وصولي إلى موقع القتل، لم أجد سوى العظام. باستثناء ساق مليئة باللحم ملقاة بالجوار، كانت الجثة خاوية تماماً من اللحم والأحشاء وكل شيء.
استقرت العظام البيضاء اللؤلؤية في سكون، وكأنها حظيت بقرون من الراحة. التفت ببطء نحو الشجرة حيث يرقد وحش شره في الظل دون أدنى اكتراث بالعالم. لم يكلف بول نفسه عناء فتح عينيه وإلقاء نظرة نحوي حتى. يا له من مشاكس صغير وقح. حرصت على الاقتراب منه ومداعبته خمساً وعشرين مرة بالضبط. ليعرف قدره. عدت إلى الساق المتبقية، وجمعت كومة الحطب الصغيرة التي تركتها خلفي، وبدأت رحلتي الطويلة والشاقة لأعيد تعلم تلك الموهبة العظيمة التي اكتشفها إنسان الكهوف منذ زمن بعيد.
* * *
كيف للجحيم أن تتعلم كائنات بدائية بالكاد تطورت فعل هذا الهراء؟ أضرب القيد بالسكين للمرة العشرين بعد المئتين. شرر. لا نار. ألقي السكين وأحدق في كفي اللتين غطتهما البثور. شرر + أوراق جافة + خشب جاف = نار. لماذا تبدو هذه المعادلة البسيطة مستعصية على التنفيذ؟ لماذا لا شيء هنا يبدو منطقياً؟ لماذا يوجد جليد في قلب الغابة في يوم مشمس حار؟ لماذا أنا على كوكب غريب؟ لماذا توجد مستويات ومهارات وصعوبات ومهام وقيود وكهوف ومخلوقات وهذا الحك اللعين في جلدي؟
أرفع قبضتي لأضرب التراب تحتي من فرط الإحباط. أبقى على هذه الحال وذراعي ملوحة إلى الخلف لثوانٍ، لكنني في النهاية أكبح نفسي. بدلاً من مهاجمة أرض الغابة، أبسط كفي بتردد وأخفضها نحو الأرض. < التفكير المستوى 5 -> التفكير المستوى 6 > أمرر أصابعي في التربة الناعمة تحتي. أستنشق عبير الصنوبر في الهواء. بينما أتحول إلى وضع القرفصاء، أشعر بألياف عضلاتي الجديدة تتصلب تحت بشرتي التي كانت رقيقة كالورق.
أحدق في عروقي البارزة والصحية التي تحمل الدم بسلاسة عبر نبضات قلبي الثابتة والقوية. علي اتخاذ قرار. تجري أمور كثيرة لا أفهمها. هذا المكان، والنظام، وكل ما يتبعه، أمور تفوق قدرتي على التركيز. لطالما عشت داخل رأسي طويلاً لدرجة أنني أجبر نفسي على فعل ذلك مجدداً هنا رغم أنني لست مضطراً. إما أن أجلس في الحزن والإحباط كما فعلت طوال حياتي، أو أتقبل واقعي الجديد وأكرس نفسي لهذا العالم.
أن أعتنق اليأس، أو أعتنق حقيقة أنني حي حقاً في هذه اللحظة. تمتد يداي إلى الأمام وتغوصان في الحطب. أريد أن أستمر في العيش. هذه المرة، لا أتردد في استخدام مهاراتي وألقي السكين جانباً تماماً. <التفكير> يشحذ عقلي إلى مستويات تفوق البشر، وأدفع بمهارة <الانبثاق> بكل ما أوتيت من قوة. لا أفكر حتى فيما تستمد منه طاقتها. أدفع وأشحذ. يتلاشى الحك تماماً تقريباً حين أطلق العنان للمهارة.
أشعر بالحرارة تتفتح من جسدي. أستخدم <التفكير> لأجمع أكبر قدر ممكن وأركز ذلك التيار. أولاً، أركز على يدي. سرعان ما تتركز الحرارة عند معصمي، لكنها لا تزال تتسرب في كل اتجاه. أذهب إلى أبعد من ذلك وأتخيل الحرارة تنبعث من راحتيّ فقط. مجرد تخيل انصياع المهارة لإرادتي يجعل عقلي يتخبط، وأشعر بمهارتي العقلية المساعدة بالكاد تسمح لي بالتشبث بالصورة الواضحة للحرارة وهي تندفع عبر كفي.
تتحول يداي إلى اللون الوردي وتبدأ بثور صغيرة في التكون، لكنني أستخدم ذلك الوخز الخفيف لأركز أكثر. أشعر وكأنني ألمس سطح موقد، لكنني أستمر في دفع ذلك الإشعاع الغريب عبر راحتيّ. < الانبثاق المستوى 4 -> الانبثاق المستوى 5 > أراقب وميضاً ضئيلاً من اللهب يظهر على إحدى الأوراق الميتة قبل أن يخبو. لكن الضوء يبدو لي كمنارة أمل، وأستخدم ذلك المشهد وقوداً لجهودي. في غضون ثوانٍ قليلة أخرى، يلعق لهب صغير ورقة أخرى قبل أن يشتعل أخيراً مع طقطقة مريحة.
تستسلم كومة الحطب للنار سريعاً، وقبل أن أدرك الأمر، تستقر نار المخيم ثابتة عند قدمي.