سأموت. ما إن يستقر هذا الإدراك في ذهني حتى يتلاشى كل أونصة من الثقل الذي كان جثماً على كتفي، وكأن أي سلسلة كانت مربوطة بوعي قد تحطمت، وكل ارتباطاتي بهذا العالم قد انقطعت. يتسع عقلي على نحو ما ظننته مستحيلاً من قبل وأنا أُحدق في الأفق المظلم الذي ينتظرنا. يدفع شعور النشوة هذا جسدي إلى التشنج فلا أستطيع منع الضحكات من الانطلاق من فمي. هذا ما كنت أبحث عنه. هذا شيء ما ظننته ممكناً قط قبل مجيئي إلى هنا.
قد تكون البيئة مختلفة تماماً، وقد يكون الوضع مختلفاً تماماً، لكن هذا الشعور الساري في داخلي، والذي يدفعني إلى الأمام، هو عين الشعور الذي غمرني فور خروجي من الكهف في الطابق الأول. حرية خالصة. لمفاجأتي ويأسي الجزئي، أدرك أن الفكرة الوحيدة التي تتردد في رأسي هي فكرة واحدة لا سِواها: أنا بحاجة إلى أن أزداد قوة. صاحب هذا الإدراك السماوي حقيقة أخرى كانت خفية تحته مباشرة.
لم تكن الحاجة إلى الازدياد قوة منبعثة من وجه العدو الماثل أمامي، بل من الفرصة التي يتيحها. إن نجوت من هذا، إن استطعت بلوغ نهاية الطابق الثاني، فما هي المداميك الأخرى التي يمكنني بلوغها؟ كم سأبلغ من القوة بحلول ذلك الحين؟ أستأصل بلدة، أم ربما مدينة بأكملها؟ وكأن موجة الوحوش صُنعت من أجلي أنا وحدي، كشيء يمكنني استخدامه منصة إطلاق لأرتقي إلى قمم كنت أتوق إليها بيأس حتى قبل أن تبدأ الدعامة أساساً.
ألقي نظرة خاطفة حولي فأجد أنني الوحيد الذي ما زال واقفاً على قدميه ومستعداً للقتال. لم أدرك ذلك من قبل، لكن كل من حولني قد صمت، ولم أكن أنا، المستغرق تماماً في أفكاري، قد لاحظت حتى أن أقوى الأشخاص من حولنا -حراس الستارة- يرتجفون خوفاً في وجه هذا العدو. ومثلما أُبغض الاعتراف بذلك، فأنا بحاجة إلى هؤلاء الأشخاص ليدعموني، لأنه إن كان الأمر مجرد نفسي في مواجهة هذه الموجة التي تبدو بلا نهاية من الفريليث، فأنا أشك في قدرتي على البقاء وبلغ القمم التي تدعوني إلى التقدم.
قررت ألا أختبئ بعد الآن، فبدأت في <بعث> المانا على نحو لم أفعله قط. محرراً قبضتي المحكمة عن الإشعاع والمانا في جسدي، أربط نفسي بسرعة بحلقة التوهج الكامنة خلف ظكري قبل أن أشرع في بلوغ مخازن المانا العميقة لدي لأصنع هياكل دقيقة تتشرر في الوجود كنجوم صغيرة. ومع امتداد أنابيب المانا الدقيقة من ظهري واتصالها بحلقة التوهج، أجري بضعة تعديلات سريعة قبل أن أشرع في ملء حلقة التوهج بإشعاع أكثر من ذي قبل؛
غير مكترث البتة بتقييد طاقتي بينما تتدفق في جهاز التخزين. وبما أن عقلي يعيث فساداً بسبب الصمت المخيم على الستارة بأسرها، أخذت أتخيل أشياء تذكرتها من الأرض. ما هو أسهل سلاح دمار شامل يمكنني صنعه على الفور؟ ما هو السلاح الأكثر فاعلية بالنسبة لي بمعدل إنتاج المانا الحالي لدي، مع الأخذ في الاعتبار معرفة بناء احتياطيات مانا أكبر وأفضل وأنا أبدأ بالارتقاء كلما بدأ القتال؟
يبدو الخيار جلياً إلى حد ما، ومع استمرار شرارات المانا في الانبعاث إلى الوجود، أشرع في تشكيلها إلى أكثر شيء مألوف أتذكره: الرصاص. يمكنني صنع قنبلة واسعة النطاق. في الواقع، ربما يمكنني إعادة هندسة حلقة التوهج ثم ملئها بطاقة تكفي لتسوية الميدان بأكمله أمامي بالأرض، لكن ذلك لن يساعد أحداً الآن ولن يحقق الكثير. أنا بحاجة إلى العمل مع الجميع لبناء مستواي ببطء وثبات دون تعريض نفسي للخطر.
أستطيع أن أرى أن هذا القتال سيطول أمده، مما يعني أنني بحاجة إلى قياس طاقاتي لتتلاءم مع أعداد الأعداء. تتوق مساحات الطاقة في جسدي إلى الانطلاق، فأوجّه كل الرصاص الذي أصنعه وأنقله إلى جوار هيكلي الدوار بينما أجعله يدور جنباً إلى جنب مع الطاقات الجامحة في الداخل. دافعاً الرصاص إلى دوران أسرع فأسرع، أستعد للحيل القادم بينما أترك الطاقة الحركية تتراكم بين كل هياكلي.
تماماً مثل مدفع رشاش مصغر من موطني الأصلي، أستخدم قواي العتيقة الجديدة التي منحها لي النظام لأصوغ تقنية سلاح حرب قديم صُنع ليوقع الدمار في ساحة المعركة. والأكثر إمتاعاً في الأمر أنه ليس صعباً حتى! فمع حالتي الذهنية الحالية، تكاد كريات الموت الددارة تولد نفسها بنفسها في العالم وتنضم إلى رفاقها الدارين، متربصة فقط لتُطلق. إن كان علي التخمين، فستنقض الوحوش علينا خلال دقيقة أو نحو ذلك، لكني لا أرى الوحوش الأعلى مستوى تهاجم قريباً.
أنا، شأني شأن الجميع، أتساءل عما تفعله وهي تصطف على طول الستارة بأسرها، ولكن في الوقت الحالي لا يهم الأمر حقاً. مع مدفعي الرشاش المصغر المرتجل والمخلوقات التي تبدو بلا نهاية والتي تتقدم للأمام، كل ما يهم هو التأكد من أن الستارة لا تسقط وألا أموت. ومع اكتمال استعدداتي، ألقي نظرة أخيرة على بقية من حولنا بينما يستمر عقلي في تجاوز فمي، تاركاً إياه ينفث أفكاراً أحاول ألا أسمعها لأحد.
لمفاجأتي، وقبل أن أستطيع تفقد أي شخص آخر، أسمع صوتاً رناناً يصدر عمن أعرف أنه فينس. تُجمع نبرته السلطوية باقي فريقي، وأراقب بينما يقترب أعضاء المجموعة المتبقون من حافة المنصة أيضاً، محاولين جلياً إعداد أنفسهم للمعركة القادمة. أنا ممتن لقدرتهم على تماسك أنفسهم، وقريباً أخذت أسمع توبياس وبريان يصيحان في وجه الجنود الماصفين على الجدران. وقبل أن أدرك ذلك، يتحرك الجميع ويتجهون نحو مدافعهم والمواقع الأخرى.
تسري دفقة من البهجة في جسدي وأنا أدرك أن الجميع هنا مستعدون للقتال أيضاً. جزء كبير مني يريد القفز من على هذا الجدار الآن والاشتباك مع الوحوش قبل وصولها حتى لكني أعلم أن ذلك سيكون حماقة. لم يغب عن حقيقة أنه في بعض الأحيان، عندما أندمج في المعارك أكثر من اللازم، يبدو أنني أفقد نفسي. لا أستطيع السماح لنفسي بأن أقع ضحية لهذا مرة أخرى وإلا خاطرت بالموت. للحفاظ على استقامة أفكاري، أشعل التركيز بأقصى سرعة وأستخدمه لأركز على العدو القادم، محاولاً استنباط أي نوع من نقاط الضعف من حركاتهم، أو بصمات أجسادهم، أو أي مصادر أخرى.
انتظر دقيقة، لقد للتو تذكرت أنني لست أحارب وحدي هنا!
«كاثرين، أتستطيعين مناداة أماكن تواجد نقاط الضعف الأكثر تكراراً على المخلوقات كلما اقتربت؟»
أنادي. لا تسمعني المرأة في البداية فأعيد كلامي بينما أربت على كتفها. وكأن إبعادي صدمها لتتحرك، أراقب جسدها بأكمله ينتفض لبرهة قبل أن تلتفت إلي بعينين زائغتين. آه أرى. على الرغم من استعداتها للاقتراب من حافة المنصة وملاقاة العدو أماماً تحت أوامر فينس، إلا أنها تبدو جزئياً مشلولة بالخلع. أقبض على كتفيها، فأجعل وجهها وجهاً لوجه معي وأحدق مباشرة في عينيها المرعوبتين.
«كاثرين، أحتاج منك أن تستخدمي <نخس> على الفريليث حتى نعرف جميعاً أين نستهدف هجماتنا. أتستطيعين فعل ذلك من أجلي؟»
أسال بجدية، مدركاً تمام الإدراك أن العدو سيكون في المدى في أي ثانية. أخيراً، يبدو أن كلماتي تصل إليها، فتومئ برأسها ببلادة وهي تحاول جعل فمها يعمل. مكتفياً بإجابتها الصامتة، أنصرف عنها ولا أتكلف حتى عناء التفاعل مع بقية أعضاء مجموعتنا. التشجيع الوحيد الذي يحتاجونه هو من فينس. بغض النظر عن الأفعال التي أتخذها هنا، أياً كانت الكلمات التي أقولها، أو أي نوع من الطمأنينة التي يمكنني تقديمها قبل أن تبدأ المعركة، فكل ذلك هباء منثور.
ستظل الأفعال إلى الأبد أعلى صوتاً من الكلمات هنا؛ لن تُكسب هذه المعركة عبر أكاذيب مريحة. هذه هي اللحظة التي يتغير فيها كل شيء. إن نجونا جميعاً في نهاية هذا القتال، فسأمنحهم ثقتي واحترامي. ولكن إن مات أي منهم هنا فلن أدرف دمعة على فقدهم. كل ما يهمن من هنا فصاعداً متروك للفرد. العمل الجماعي سيوصلهم بعيداً، في الواقع قد يبقيهم أحياء، ولكن في نهاية المطاف، ما يفعلونه كأفراد سيكون الحد الفاصل بين الحياة والموت هنا.
أنا، من جهتي، أنوي النجاة من هذا وأن أزداد قوة بسببه. مع تدفق المانا عبر ألياف عضلاتي وعجلة الموت الددارة التي تحوم مباشرة خلف ظهري، يستقر عقلي أخيراً في التدفق الذي سيستمر طوال هذه المعركة. ليس هناك مجال للتردد هنا ولن أسمح لأي شخص آخر بالوقوف في طريقي، ناهيك عن قادة الشخصيات غير القابلة للعب الذين يظنون بإمكانهم إعطائي الأوامر لهذه المعركة. لم أنس وعدي. على الأرجح سيكون بريان ميتاً بنهاية هذا، أو على أقل تقدير، سآخذه معي قبل أن أرحل.
تستمر الإثارة الفائرة في أحشائي في شق طريقها على طول بشرتي وكأنها مخدر. أستطيع أن أشعر بأنفاسي تتسارع فأسرع وتفتح تجويفا أنفي على نحو أوسع من أي وقت مضى. في هذه النقطة، أستطيع شم كل قطرة عرق تنحدر على رقاب الخائفين من الأشخاص من حولني. الشعور ممتع ومسكر لدرجة الإدمان ويدفق الدم في عروقي بينما تقف مهاراتي مستعدة، صارخة بي لأفعلها وأوجّه كل ذرة من شبقي للمستويات في مطر جميل من الدمار على العدو.
في الوقت الراهن، يتراجع هدف الطابق، والمهام، والمستقبل، والنظام نفسه إلى الخلفية بينما أعد نفسي لما يحتمل أن يكون أفضل عراك في حياتي القصيرة. إلى هذا آل كل شيء. بغض النظر عما إذا كان هذا مفترضاً أن يمثل نهاية الطابق أو نهاية شيء آخر؛ لا أمانع. أستطيع معرفة أن هذا ما أرادتنا الدعامة فعله طوال الوقت. السبب وراء منحنا كل هذا الوقت للتحضير تحت إرشاد خبير مع حرية مطلقة عملياً لزراعة المستويات.
إنها تريد منا أن نقتل. إنها تريد منا أن نكون أقوى. إنها تحتاج منا أن نكون أقوى. لسبب ما، يبدو أن شيئاً ما في مؤخرة عقلي -ربما الدعامة نفسها حتى- يتحدث مباشرة إلى رأسي. لا أعلم لماذا قُصر وقتنا للتحضير للموجة. هذا الشعور بالفهم الخالص المتوج في كل خلية من كياني يخبرني بأن هناك قوى أخرى تلعب دورها هنا.
السبيل الوحيد للشك الذي يمكنني اتباعه هو أن "الملوك"
أو شخصاً ما قد حرف هذا الطابق وراء غرضه الأصلي. تندفع الفريليث نحونا بسرعة جنونية، على بعد ثوانٍ فقط من الوصول إلى المدى، ومع ذلك لا أستطيع إلا الاستمرار في الحديث مع هذا الحضور الذي يبدو غريباً في رأسي. قد يكون الأمر مجرد عقلي يعكس بعض الشكوك التي دفنتها عميقاً في عقلي الباطن، لكن هذه النوايا الغامضة التي تتحدث إلي تبدو مألوفة جداً للدعامة لدرجة لا أستطيع تحملها.
لم تمض سوى بضع نبضات، ومع ذلك أشعر وكأن الوقت يتباطأ إلى زحف بطيء طوال الطريق حتى أفك شفرة ما كانت تحاول هذه النية إخباري به طوال الوقت. ولمفاجأتي؛ وللمرة الأولى، نتفق. أحتاج إلى أن أصير قوياً لدرجة أن هذه التدخلات... الغريبة... لا تؤثر علي أبداً مرة أخرى.