"اراك قريباً يا ليا، اتفقنا؟"
لا تزال عيون أبي رطبة عندما يتحرك أخيراً ليغادر.
"ممم."
أرفع يد تلويحة ضعيفة.
"أعني ذلك حقاً هذه المرة. اعرف كيف يبدو الأمر، لكن... نعم."
"حسناً. تعرف اين تجدني، إلا في المرات التي لا تفعل فيها. الصباحات افضل لذلك."
"سأطمئن عليك اولاً في المرة القادمة. وفيما يخص الامور الاخرى... اعرف كيف تسير. اعرف انني لا استطيع ان اطلب منك التوقف. لذا ابذلي قصارى جهدك لتبقي في امان قدر الإمكان، اتفقنا؟"
"هذه هي الخطة،"
أقول. إنها كذلك الآن على أي حال. لا اظن انني امتلكت خطة لشهرِي الاول.
"عظيم. نعم، انا متأكد من انك تعرفين حياتك افضل مني. لكن ان كان هنالك أي شيء يمكنني فعله لمساعدتك، حقاً، أي شيء على الإطلاق، فأخبريني، حسناً؟"
"ان كان لديك المزيد من الكتب المحظورة للعلوم السرية، فسأخذها."
يضحك أبي بخفة.
"سأذهب لارى ما يمكنني جمعه. حتى ذلك الحين، اعتني بنفسك."
وبهذا يخطو مبتعداً، تاركاً بابي يتأرجح مغلقاً. اتنهد، واجلس للخلف، وارمي رأسي على مكتبي. لست متأكدة ان كنت اصدقه. لست متأكدة ان كنت اريده ان يعود. لكنني لا اظن ان الامر يغير الكثير بالنسبة لي في كلا الحالين، لذا كل ما بوسعي فعله هو الانتظار والترقب ان كان سيفي بوعده. والنظر في كتبه بالطبع. انا منهكة، وقد اكتفيت من البشر للايام القليلة القادمة، لكن قد يكون مجدياً ان افعل شيئاً نافعاً ريثما تبحث آيسلين عن معلومات.
انها كلها كتب ورقية حقيقية عوضاً عن الالواح الرقمية، وهو ما تفضله عادة، لكن في هذه الحالة بالذات ليت كان لديها محرك بحث. اتفحص عناوينها مجدداً، واُقلب صفحاتها الاولى بحثاً عن أي فهرس فصول مفيد قد يوضح ما تدور حوله حقاً، ولا اجد شيئاً كهذا.
وبدءاً من غيابها، ابدأ بكتاب "الفناء البشري قبل البلاء الرابع".
ربما عرفت جماعة امي ما اعرفه، وإن لم يفعلوا، فهذا يخبرني ايضاً... بشيء ما، على الأرجح. ~~~ ان كان اصدقاء امي يعرفون شيئاً عن الموت، فهذا الكتاب لا يتحدث عنه فيما يبدو. انه يدور باسرعه حول العملية الجسدية للموت ـ وتحديداً، الطرق التي تغيرت بها تلك العملية بعد إنفيزيا، البشير الذي جلب الامراض الى العالم قبل نحو ستة قرون. وخلافاً لكل ما قرأته عن إنفيزيا، يشير المؤلف هنا باستمرار اليها بصيغة المؤنث.
ولا يبدو مهتماً بتوضيح السبب. لكن المذكورة الاولى المباشرة عنها في الكتاب مخطوطة بقلم الحبر. والهوامش بجانبها ممتلئة برسومات بسيطة لاربع فتيات طويلات متطابقات تقريباً، نحيلات، يرتدين اكفاناً بالية واقنعة طاعون سوداء اللون.
وفوقهن، بخط دقيق ومنتظم، كُتبت عبارة "هي؟"
فضولية، افتح احدى مذكرات امي. وبتقليب صفحاتها، كل شيء تقريباً بالداخل مكتوب برموز غريبة ومتعرجة تشبه لغة السحر اكثر من كلاريش او ثالاسيك، الا ان خط اليد يبدو متطابقاً حقاً. يسرني ان ناديها السري كان يستمتع بكل هذا.
لكن عوضاً عن الحديث عن البشير ذاته او نفسها، يتحدث الكتاب عن آخر بلايا إنفيزيا، وهو اسم جماعي للانواع الاربعة الواسعة التي تندرج تحتها مخترقاتها: العدوى الفيروسية والبكتيرية، الطفيلية المسببة للامراض، العلل الخلقية، و"الامراض الفسيولوجية"، وهو ما يطلقونه على كل طريقة داخلية اخرى يمكن ان ينكسر بها الجسد.
القلوب التي تتوقف، الخلايا العصبية التي تتداعى، العضلات التي تتعفن على عظام متحللة. الاجساد سلسلة. مرساة. وعاء اصغر من ان يسع حتى روحاً بشرية. سنكون سعداء للغاية متى تخلصتم من اوعيتكم.
"انا اقرأ، اخرس،"
اتمتم.
"ما لم تكن تفهم كل هذه المخططات افضل مني."
اطعن باصبعي مخططاً عصياً على الفهم للاحصاءات الطبية. ظلي، متظاهراً بالقراءة فوق كتفي، يكتفي بهز كتفيه. انفضه بعيداً واواصل القراءة، متجاهلة المخططات في الغالب. لم يبدو البلاء الرابع ملائماً للبلايا الاخرى قط. فما تسببه ظاهرياً ليس امراضاً، بل مجرد اشياء تحدث لان اجسادنا عبارة عن فوضى. هل اخترع هذا البشير المرض ونفذ نوعاً من المعجزة المعكوسة التي جعلت الاجساد البشرية تعمل بشكل اسوأ بشكل دائم؟
يشير المؤلف الى هذا ويبدو معتقداً بنعم، هذا بالضبط ما حدث، لكنه لا يقدم اي تخمينات حول كيف يمكن لإنفيزيا فعل شيء كهذا.
وعوضاً عن ذلك، يركز معظم الكتاب على مسألة كيف كان الناس يذبلون قبل ان يخلق وحش كل ما ندمجه تحت تصنيف "الموت بسبب الشيخوخة".
~~~ في تلك الليلة، يجرني طرق للباب خارج خوضي الشاق في الكتاب.
"ليدين؟ أيمكنني الدخول؟"
تسأل نورين عبر الباب.
"مم؟ نعم، الباب مفتوح."
تخطو نورين الى الداخل وتستقبلني بابتسامة.
"شكراً. كنت اتساءل عما إذا كان بإمكاني إلقاء نظرة اخرى على كتب التاروت الخاصة بك."
"تفضلي. خذي ما شئت، لقد قرأتها كلها."
"أي ترشيحات؟"
تسأل.
"بعد كتاب إزالة الغموض؟ ربما تاروت لنفسك. شرح اقل، وتركيز اكبر على القراءة الفعلية في ابسط سياق ممكن."
"شكراً لك."
يبدو سماع وقع خطواتها بوضوح شديد وهي تتحرك نحو رف كتب الصغير امراً سريالياً، لكنها هناك.
"وما الذي تقرئينه على أي حال؟"
"كتب محظورة للعلوم السرية. لا تخبري احداً. انها مملة حقاً، بصراحة،"
أقول.
"يا للهول. انظري إليك ما تفعلين."
تبتسم نورين باتساع، ثم تتظاهر بسحب سحاب على شفتيها، وتدوير مفتاح وهمي في فمها، والقاءه من النافذة.
"وهل كل الامور الاخرى، اه، على ما يرام قدر الإمكان؟"
"تقصدين أبي؟"
أسأل.
"مم. لا اعرف طبيعة علاقتكم، لكنك ستلتمسين لي العذر إن شعرت بالقلق لكون هذه هي المرة الاولى التي أراه فيها يحوم هنا."
"ليست الامور هكذا. لا اظن انه ظهر لانه يريد سحراً او نفوذاً كابنة حارس او ما شابه. هو فقط... لم يرغب في مشاهدة موتي وربما لا يتعين عليه ذلك الآن؟"
"حسناً."
تصنع نورين تعبيراً وكأنها ابتلعت شيئاً مقرفاً بعض الشيء.
"هذا مختلف تماماً إذن."
انتظري، لماذا أدافع عنه؟ أهذا ما أفعله؟ لا يزال الامر لا يبدو رائعاً، لكن... لا اعرف. لدهشتي، لا يشعرني وجوده بمشكلة حقاً. انه يحاول على الاقل، وقد ارتكبت اسوأ مما فعله معي يوماً.
"أعلم، انه فظيع في عمله. لكني اظن انني سأكون بخير."
تهز نورين كتفيها، وتعود ابتسامتها ببطء.
"إن كنت متأكدة. ابلغيه تحياتي المرة القادمة التي يمر فيها، أيمكنك؟ اعتقد انها ستשמע افضل حين تصدر منك."
~~~ خلال الايام التالية، اتخطى عدة مخططات بيانات اخرى لمتوسطات اعمار متطابقة تقريباً حول العالم، متصفحة اياه وصولاً الى خلاصتها: يبدو ان متوسط العمر المتوقع قبيل البلايا كان اطول بـ27 عاماً. يبدو رقماً محدداً حقاً لادعائه بثقة بخصوص شيء حدث قبل ستة قرون، لكني افترض انهم ما زالوا يمتلكون البحر في ذلك الوقت، حتى وإن لم يكن شائعاً الى هذا الحد. على أي حال، يقول الكتاب انه قبل إنفيزيا، عاش البشر العاديون لما بين 100 و125 عاماً، ولم يعانوا من أي علامات للشيخوخة الجسدية تتجاوز ذروتهم.
ماذا حدث إذن، إن لم يكن أي شيء مما يقتلنا الآن؟
في تلك اللحظة تعاقدوا مع "الذبول".
او شعروا بقدومه فقتلوا انفسهم. في مرحلة ما من اواخر العمر، بدأت عقول الناس، ارواحهم، تتداعى. ببطء، احياناً طوال العقد الاخير من حياتهم، كانوا ينسون من هم، وما يفعلون، وما ومن يهمهم. كانوا يبدون رؤية اشياء غير موجودة، وتصديق امور مستحيلة، وفاقدين افكارهم وحواسهم حتى يصبح العالم لا شيء سوى فوضى وضجيج.
("انظر الفصل 2-21 بخصوص الصراخ،"
تنص ملاحظة في الهامش.) ثم ماتوا. وإن لم يوقعهم الذبول قتلى او يدفعهم الى الانتحار، كانوا يسقطون في غيبوبة نهائية، محبوسين داخل قواقعهم حتى يمتعضوا جوعاً او يقتلهم احد. لم يكن هناك سبب معروف او علاج، ولا حالات ناجحة للشفاء او درء الحالة بالسحر. الحراس الذين أملوا إنهاءها بمعجزة أخبرهم رسلهم أنه إن كان بالإمكان فعلها، فهم لا يعرفون كيف.
لا تزال موجودة اليوم ("حالات، انظر الفصل 2-27/28"،) لكن لا أحد يبقى طويلاً بما يكفي لرؤية أسوأ ما فيها بعد الآن.
امسك نفسي متلبسة بقضم جلد وجنتي بعصبية. أيعاني الحراس من هذا؟ وعدني فويوجي بوجود طريقة ما لأعيش الى الأبد. لا يقول الكتاب شيئاً عن هذا البتة، لكن هناك حراساً اكبر من 125 عاماً، أليس كذلك؟ ايونا ليست تماماً في تلك السن، لكن صوفيا في الثلاثينيات... رغم انها ماتت وعادت لما لا يعسر عده من المرات في تلك الفترة. أيمكن لذلك ان يعزلها عنها؟
"بي دي، الحراس ليس لديهم اعمار محددة، أليس كذلك؟ من هو اكبر حراس الحي احياء باستثناء صوفيا الخالدة؟"
أسأل. صوتي مهتز قليلاً. بعد ثوانٍ قليلة، تنبثق فقاعة نصية على هاتفي: لم يمت أي حراس معروف بسبب وهن الشيخوخة! لينيا سيلجيسل، اليوم الاخير والأطول، تبلغ حالياً 182 عاماً و35 يوماً. اطلق تنهيدة مطولة.
"صحيح. شكراً."
يجيب هاتفي بنقرة سعيدة وصمشة لعيونه الملتوية. انه اسم محدد حقاً لثاني اكبر حراس احياء. هل تغير لقبهم في مرحلة ما؟ ماذا حدث لهم حين فعل؟ لا ي่هم حقاً، هذه اخبار جيدة. لم اسمع بهم من قبل، لكن أي شخص استمر طوال تلك المدة يرجح ان لديه اموراً اهم ليفعلها من ادارة حضوره العام. المهم ان هذه مشكلة تخص مستقبلياً ما يمكنه تحمل تكلفة العمل على جعل الجميع خالدين للأبد ليتكبد عناءها.
مع ذلك، تثير هذه الفكرة بأكملها سؤالاً لا يتطرق اليه الكتاب بالمرة. البشر الموتى يعودون الى البحر، أياً كان ما يعنيه ذلك.
وما ان يصلوا الى هناك، فإن فويوجي، الذي لا يمكنه الكذب، يقول إنهم يعانون الى الأبد في نوع من ملجأ ارواح "إلى أن تظهر طريقة افضل."
ما جدوى ذلك، وماذا يعني الأبد حين تتخطى الروح البشرية تاريخ صلاحيتها لتتعفن حتى لا يبقى منها سوى نواة ضئيلة وبائسة من الوعي المنعدم بالكاد؟ بعد تلك النقطة، ينتهي الكتاب بـ... نوع من القصة؟ في كتاب مدرسي طبي مقيد؟ ليس لدي أدنى فكرة عما أصنعه به ـ لا يوجد عنوان او مقدمة.
كتبت امي في الواقع "؟؟؟؟"
فوق الافتتاحية، لذا أفترض أننا نتشارك هذا القدر على الأقل. إنها قصة عن عائلة، أربعة أشقاء ووالدهم، يعيشون حياتهم الصغيرة المثالية في مزرعة في قرية محمية بالأحلام. إنها مليئة بالنوادر الرقيقة حول مدى حبهم لبعضهم، ومدى كدّ والدهم القديس لتربيتهم جميعاً بشكل جيد، ومدى سعادتهم معاً، وكل ذلك لا يبدو متعلقاً بأي شيء. فقط ملاحظات امي تبقيني مقبلة على القراءة. الهوامش ممتلئة بتعليقاتها الاخذة في التصاعد بضراوة على نثر القصة الباهت، ومشاعر ثقيلة لدرجة انها قد تحطم جمجمتك، والافتقار التام لأي شيء يشبّه سردًا او مغزى ـ فما ان يكبر الاطفال، لا شيء يبدو متغيراً بالنسبة لهم أو لأي شخص في مجتمعهم، لكنها تواصل المشاهد المملة من حياتهم المريحة.
حتى، بعد ما كان ليكون بمثابة 125 عاماً من ذلك، توقظ الابنة الكبرى والدها فيرتد عنها فزعاً. تمر تلك الحلقة، لكنها بداية لتسلسل اخيرة وطويل ومسحوب حيث يفقد كل مفهوم لمن يكون اطفاله، ومن يكون هو، وكيف يعيش.
يقضي أيامه الاخيرة متمتماً بصوت لا يسمعه غيره، متسائلاً مراراً وتكراراً عن سبب "سماعي له مرات عديدة لكني لا أزال عاجزاً عن قوله،"
إلى أن تخنقه الكبرى باكية بوسادة. وحينها، بجنون الحزن، تنفجر خارج جلدها كورم نازٍ وتصبح بشيراً. تبتلع أشقاءها فوراً، مستخدمة ألمهم المشترك لتجعلهم جوانب من نفسها، وتفتت حواجز احلام قريتها، وتتدفق الاربعة في واحد إلى العالم، حاملة معها المرض والتعفن.
لتجنيب البشرية يأس مشاهدة الذبول يدمر كل من احببناهم، باركتنا "بأشكال الطف من الفناء."
هنا، تنهار ملاحظات امي في ثرثرة بالكاد مقروءة، تنتهي بما يبدو كقائمة طويلة من ابشع الامراض التي خطرت ببالها. لا أزال لا افهم. لا يوجد تفسير، لا مؤشر على أن هذا أكثر من قصة سيئة اختلقها المؤلف. الشيء الوحيد الذي يميزه كونه صادراً عن كتاب محظور مخيف هو انه اكثر انفتاحاً على فكرة تحول الناس مباشرة الى بشيرين مقارنة بأي شيء آخر قرأته، لكن بعد كل ما رأيته، ليس هذا بالجديد علي بتاتاً.
لكنه يتركني أفكر في شيء آخر: ما الذي يقوله هذا البشير الذي اخترع المرض عني وعن قوتي؟ تقول الكتب كلها انها ميتة، لكني لا أزال لا أعرف إن كان ذلك يعني أي شيء على الإطلاق. أيعيش ما تبقى منها في من أكلها، أو أياً كان ما أكلهم وأياً كان ما أكل ذلك وهكذا دواليك بما أن هذا حدث قبل قرون حتى من صوفيا ولا يمكن أن يظلوا موجودين؟ أم في البحر، أو في، طفيل شبحي ما زال يتناقل عبر سحري، أو كل شخص آخر يعاني من عطاياه؟
أم كل أولئك دفعة واحدة؟ تباً. لا يهم. أعني، ربما يهم، لكني لا أستطيع فعل شيء حياله الآن. لم يساعد هذا البتة. احشر الكتاب في درج مكتب، وافكر قليلاً اين اخفي البقية، ثم أدرك انني لا أبه حقاً. من صلاحيات الحارس، يمكنني قراءة ما أشاء. ~~~ لم يصبح النوم أسهل. إيجاد مخرج من الخوف من أنني لن أستقيظ مرة أخرى لا يغير شيئاً من الألم المستمر، ولا من كل الأشياء المرعبة التي تتسابق في عقلي.
أستيقظ باستمرار في الليل على أحلام فظيعة لا معنى لها، لكنها تبدو اهم اشياء في العالم أثناء حدوثها. ليس هذه الليلة، مع ذلك. هذه الليلة مجرد ظلام. هبوط بطيء ومطول عبر ذلك المكان التعيس حيث لا يمكنك النوم لكنك لست هناك حقاً، عيناك مغمضتان باحكام بينما أصارع لإبعاد كل شيء لوقت كافٍ لأتلاشى في كابوس آخر لا يأتي أبداً. وحين يأتي أخيراً، ليس فيه ما هو مألوف. أغرق من الظلام تحت أغطيتي إلى كفن ثقيل من العدم الأبكم يسقط فوقي ويلتف حولي.
مختنق. مخنوق. ليس كضباب عالق بل ايدٍ باردة حول حلقي، تعصر، تعصر ـ لا بأس. إنه مجرد حلم. والأمر أفضل هكذا، أليس كذلك؟ ...ما هذا؟ بدون هذا الجلد البغيض الذي يلويك إلى أشكال لم تطلبها قط. تلك ليست هي. أأنت متأكدة؟ هنا، الألم الوحيد في عقلك، والعقول يمكن أن تتغير! قريباً سيرتفع الثقل، وستكونين حرة لتتسلقي خارج نفسك وتطيري إلى مكان أفضل! لا. هذه ليست أفكاري ولا أفكار الجانب الآخر مني أو أي من بشيريّ أو...
الأحلام الأخرى التي تراودني. هذا الصوت بلا صوت يبدو كشيء آخر يحاول تسريب أفكار إلى رأسي، فقط دون معرفة حقيقية بطريقة تفكيري. إنه أرعن. <لا تنامي مرة أخرى،> تهمس إبرة باردة في أذني كلعنة. تتسع عيناي في سواد مجرد مظلم تماماً كالسابق. أفتحيتهما حقاً؟ هل أملك عيُوناً أصلاً؟ أحاول النهوض أو تحريك إصبع أو التنفس لكن أياً من ذلك لا ينفع. لا شيء يتغير سوى إحكام في القوة الضاغطة على الجسد الذي يبدو أنني لم أعد أملكه.
لكنني ما زلت هنا. وطالما أنني موجودة، فسحري معي. أفتح روحي، وأستل العدم القارض في عروقي، وأسكبه في أينما-كنت. تفور ظلال الزمزمية في الفراغ عديم الشكل، تشقه كالأشعة الأولى من ضوء مظلم تلقيه شمس خضراء سرطانية. وبينما تقطع قوتي من خلاله، تصرخ الظلمة من حولها بصدمة. ينكمش اللاتشكل من حولني ليصبح مخططاً غامضاً لـ... شيء، شكل ملفوف بطبقات عديدة من القماش الضبابي حتى أن المؤشر الوحيد على جسد تحته هو القناع الأبيض الذي يعمل كوجهه.
بسعال مختنق، يمد الكيان امتداداً لنفسه عبر الأرض كظل طويل، ثم ينطلق بعيداً عن الضباب البارد المتدفق مني كحبر الأخطبوط. يبسط جسده ويضغط كاملاً في ذلك الطرف، ويزحف هורباً تحت الباب. لا يزال القناع يحدق بي حين يتسلل من الشق، وحين يختزل، يظل الظل الذي خلفه ـ إلى أن يمتد إلى الخلف، ويفصل نفسه عن مصدره بمخطط إصبع مخالب، ويبدأ بالتلوي والاحتراق داخلياً بنار خضراء، متعفناً في غضون ثانية.
يندفع الذعر عبر أعصابعي، فأتدحرج وأرمي بنفسي من سريري، ألهث للألم العالق في رقبتي، وأستغل ما يكفي من الحياة لأنهض. ضاغطة ضباب موتي في كفن حولي، أسابق خارجاً خلف الوحش المقنع. لقد ذهب بالفعل والممرات خافتة الإضاءة فارغة، إلى أن أصل الممر الأقرب إلى الغرفة الرئيسية. وهناك، ينتظر وحش آخر ـ تمثال لشخص ملتوٍ وطويل القد، جلده من حجر أبيض يرتدي رداءً من الظلام السائل.
وما إن يراني متلفحة بضباب الموت، حتى يلتف ويهرب على أربع. إلى الخارج. إلى الغرفة الكبيرة المليئة بالمرضى النائمين. ترتجف رعدة في جسدي لا علاقة لها بجسدي الحقير. أشد قبضتي على عصاي المستحضرة، وأوطّن نفسي لأي شيء يحدث هنا، وأتبعهم. تنتظر الكائنات المقنعة في الطرف الآخر من الغرفة، قاطعة الطريق إلى المصعد. امرأة طويلة بينهن ـ داكنة الشعر، متهدلة العينين، مرتدية بليزر عمل وسراويل، وطبيعية تماماً وغريبة باستثناء الرائحة الخافتة لكن المألوفة للفساد من حولها ـ تحييني بإيماءة مؤدبة.
عبر زوايا عيني، أمشط الردهة. لا أحد عند مكتب الاستقبال. بعض المرضى المتناثرين في الغرفة لا يزالون نائمين في أماكنهم المعتادة، لكن معظمهم، وجميع الممرضات، متجمدون في مقاعدهم، متحجرين رعباً. تجلس نورين في الحشد المحيط بالأرائك المركزية، محاصرة كبقية الناس لكنها متيقظة، تتلفت بخفية حول الغرفة. تتسع عيناها حين يتقاطع بصري معهما، لكنها لا تقول ولا تفعل شيئاً.
تقول المرأة الطويلة: "لابد أنك ليدين."
تتحدث بنبرة هادئة، لكن يسهل سماعها عبر صمت الغرفة المرعوب.
أقول بنبرة متهدجة محتقنة: "أخبريني بما تفعلونه هنا قبل أن أقتلكم جميعاً."
تحدق المرأة، وترفع يديها، وتقوم ببعض الحركات السريعة. تبدو كلغة الإشارة، وهو ما لا يعني لي شيئاً. ودون أن أرفع عيني عنها، أهز رأسي بالقدر الذي يتيح لها رؤيته.
تأمر الكائنات المقنعة: "ابقين هناك."
تتبادلان نظرة، مضيقين عيني وجهيهما المقنعتين. يقطب كائن الظل عديم الشكل.
قائلة بصوت فتاة بشرية تماماً: "ما زال بإمكاننا فعلها. كل ما نحتاجه هو مناداته."
يوافق التمثال الحي، متحدثاً بهمهمة غريبة وبطيئة تنتقل بتمامها عبر الغرفة: "يمكنه فعل أي شيء."
تقول المرأة: "إذا كنت ترغبين في فضح أمره هنا، فلا يمكنني منعك. لا أظن أن احداً انتبه بعد. لكنني أتمنى أنك متأكدة من أن أي مضاعفات أخرى لن تعرضه للخطر وسط المدينة."
من هو؟ بشيرهم؟ لا أستطيع استشعار أي شيء خارجهم. أياً يكن، سأقتله هو أيضاً. لا تقول الأقنعة شيئاً، لكنها لا تتبعها حين تتقدم نحوي، رافعة يديها كأنها تستسلم. عوضاً عن ذلك، تتراجع للخوار وتبدأ في الحديث بينها، بهدوء كافٍ لا يمكنني سماعه.
تطلب: "أيمكنك إبعاد ذلك من فضلك؟ أريد فقط التحدث. صوتك لا يحمل جيداً."
بعد لحظة، استدعي بطاقة فارغة وأصرف ضبابي إليها، محتفظة به عمداً بين أصابعي، وأشير لها بالاقتراب.
"حسناً. تكلمي."
"شكراً لك."
تخفض المرأة يديها.
"أنا داله. لكن بما أنني لا أتوقع أن يعني لك اسمي شيئاً، فنحن هنا نيابة عن صديقتنا إيزوبيل. لقد استهلكت بشيراً يدعى أولونلا، وهي ترغب وبشده في استعادته. نود مقايضتك على أي جزء يتبقي منه داخلك."
من هنا عرفت رائحتهم. تلتوي دفعة من الكراهية في أمعائي كوجبة حية وهي تنطق اسم أولونلا. لا مزيد من عدم المعرفة بيننا، هكذا تقول. أنا أعرفها. أعرف إيزوبيل وما أرادته وما حكمت عليها به بسرقتها منها. أنت تفهمين لكنك لا تبهين. أأنا كذلك؟ بعد أن أرسلت إيزوبيل طائفة بشيرها الجديد إلى منزلي؟ ربما كنت كذلك. ربما كان سيحدث. لكن بطريقة ما، حين أنظر حولي إلى وجوه كل هؤلاء الناس الذين ترعبهم لأنني هنا، لا أستطيع أن أجعل نفسي أهتم بعد الآن.
"تطلبين هدنة لأن محاولة خنقي لم تنجح؟ حقاً؟ إن كنتِ تريدين الجلوس والتحدث، لكان بإمكانك الطرق على الباب!"
"خنقتك."
تحتفظ داله بتعبير مسطح ولطيف، لكن عينيها ترمشان نحو الأقنعة.
تصرخ اللاتشكل: "لم يكن مفترضاً أن أحتاج لذلك! قلتِ إنها نائمة!"
"قلت أيضاً إنه إن فعلنا ذلك بهذه الطريقة، فستكون هناك مضاعفات غير متوقعة. إما أن لديها نوعاً من الإنذار أو... هل حذرتها رسولتها؟"
تلقي نظرة خاطفة نحوي، ومن الواضح أنها لا تقتنع بأي من تفسيراتها على الإطلاق. أكتفي بالتحديق فيها. لا أعرف لماذا لا تكون محاولة شخص لخنقي كافية لإيقاظي، والأهم من ذلك، لماذا يتشاجرون حول هذا هنا، أمامي وأمام الجميع؟ أهذه مؤامرة لخفض حذري أم أن عبدة الشياطين الذين يحاولون قتلي مجرد حمقى؟
تقول داله، وما زالت تواجهني: "لا يهم. لم ينجح الأمر. والآن من فضلك التزمي الصمت بينما أحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه."
تبسط اللاتشكل طرفين شبه حقيقيين كأنها تهز كتفيها، ثم تعود إلى محادثتها مع التمثال. تبدوان وكأنهما بالكاد توليان المشهد أي اهتمام، مجرد... دردشة. تضع داله يداً على صدغها وتتنهد.
"ليدين، أنت محقة. كان بإمكاننا الطرق. أدرك كم هو سخيف محاولة اتخاذ الطريق السلمي الآن، ولن ولن ينبغي أن يعني لك شيئاً أنني خُسرت في التصويت على هذا. أو أنني جئت لأبقى الأمور خالية من الألم قدر الإمكان حين سارت خطتهم على نحو خاطئ."
"لماذا لا تسألني إيزوبيل عن هذا على أي حال؟ سيسعد أولونلا رؤيتها."
في أعماق روحي، يتلوي أولونلا ويفور بلا جدوى، ميت لدرجة لا تفعل سوى تذكيري بمدى كراهيته لي.
"هذا ما نأمل في ترتيبه، نعم. لم تعرض إيزوبيل الانضمام إلى هذه المجموعة، ولم أطلب ذلك. بصراحة، لا أظن أنها تثق في نفسها حولك. لا أحد منا يرغب في أن يتحول هذا المكان إلى منطقة حرب."
أرمي بيدي الحرة في دائرة، مشيرة للخارج نحو غرفة المعيشة المزدحمة بالمستشفى.
"إذن لماذا تفعلون هذا هنا؟"
"هذا هو المكان الوحيد الذي تواجدتِ فيه، ونحن نعمل في ظل وقت غير مؤكد. للسبب ذاته، قد يكون من الأفضل أن نتخطى ما نقدمه: بشير طليق في المدينة قتل صديقاً لك مؤخراً، وصديقاً لنا. أتريدينه ميتاً؟ نحن كذلك، ومهما قال أصدقائي عن الحراس، لا أظن أن علينا فعل ذلك وحدنا."
ميت. أتدريين حتى ما يعني ذلك؟
"لقد 'اكتسحهم'. إن كان قد 'اكتسح' صديقك كما فعل معي، محوماً حول المدينة ليأكل الناس أحياء، فما الذي يجعلك تظنين أن هناك شيئاً متبقياً لاسترجاعه؟"
هناك شيء متبقٍ منهم، قالت آيسلين إن البشير الفطري كان يحتفظ بما يأكله في جرحه، لكنها قالت أيضاً إنه ليس لدينا سبب للاعتقاد بأننا نستطيع سحبه للخارج بالشكل الذي نريده.
"وما الذي يجعلك تظنين أن بإمكاني تمزيق أولونلا وإعطائك أحشاءه المُمضغة حتى لو أردت ذلك؟"
أختبر.
تقول داله: "حسنًا، أيمكنك؟ قيل لي إن الأمر ممكن نظرياً على الأقل."
"ليس لدي أدنى فكرة. أنت حقاً لا تقدمين لي سبباً جيداً للمحاولة."
"أقدم لك كل الأسباب التي استطيعها. روح صديقك، حصة من البشير تكفي لتعويضك عن أولونلا وأكثر، فرصة لصنع شيء أفضل من هذا الشجار الذي لا ينتهي بين جميع الحراس والبشيرين. أنت تعلمين أن الأمر لا يجب أن يكون هكذا. نحن لا نνήصده فقط لإنقاذ صديقنا. نريد أن نثبت للعالم أننا لا يجب أن نكون أعداءهم. كنت أظن أنك ستفهمين ذلك، بالنظر إلى ما سمعناه عن تاريخك."
أقول: "حسناً. لقد فعلت ما هو أسوأ من خنق شخص ثم تصالحنا. إن كان هذا مهمًا جداً بالنسبة لك، إن كنت تريدين إعطائي أي سبب لأثق بك أو أهتم بوقتك غير المؤكد، فأعطيني أي وقت غداً وأي مكان عدا هنا أو في جرحك أو أي شيء سخيف. يمكننا التحدث حينها."
تأخذ داله شهيقاً طويلاً وثابتاً وتزفره من أنفها.
"كنت أخشى أنك ستقولين ذلك. بغض النظر عن جدولنا الزمني، لقد أخذنا المبادرة هكذا لسبب ما. أنت ومن معك تطاردوننا. بالنظر إلى تاريخك أيضاً، لا يمكننا الوثوق بأنك لن تطلبي تعزيزات وتعدي فخاً بمجرد مغادرتنا."
أرفع بطاقتي الملوثة: "إذن أنتم لستم محاولين للتوصل لتسوية. أنتم نفس أصدقائكم هناك، لقد وضعتم وجهاً بشرياً عليه لا أكثر. إذن لا صفقة. اذهبوا. أو لا تهتموا."
يقول صوت رابع من العدم: "أرأيت يا داله؟ الحراس أنانيون جداً!"
تنتفض داله وتتراجع، مستديرة لتسابق عبر الغرفة بينما ينفجر إكليل العدوى الخاص بي خارج سجنه.
"لن يستمعوا أبداً، مهما كان الوضع أفضل لو فعلوا. إنهم مجانين جميعاً. إنه لأمر مؤسف، لكن لهذا فعلنا كل الأشياء الأخرى أولاً."
كل الأشياء الأخرى. بالطبع لم تكن محاولة خنقي كافية. بالطبع كانت لديهم خطط أخرى غير الأمل في أن أوافق على السماح لبشيرهم بانتزاع خاصتي مني. ألتفت باحثة عن المصدر، مستشعرة إياه قبل رؤيته على شكل طفرة مذهلة لهالة وحشهم. خلف مكتب الاستقبال المهجور، يغوص ذراع شبحي شبه حقيقي عبر السقف ويفتح يداً، مطلقاً من أصابعه الطويلة الشبيهة بالأغصان... صبياً؟ مجرد صبي نحيل بشعر فاتح أشعث، مرتدياً هوديي أبيض كبيراً، وبنطال رحلات مليئاً بالجيوب، وقناعاً أبيض مبتسماً.
"على أي حال. لقد حاولنا التحدث بالفعل، فلننتقل مباشرة إلى الموضوع! أيمكن لأصدقائنا الجدد الوقوف؟ أو، آه، رفع أيديكم، عذراً، سابينا،"
يقول ملوحاً بيد واسعة. متناثرين في الغرفة، يقف خمسة مرضى، بعضهم يجهد للنهوض من مقاعده أكثر من غيره. سابينا، امرأة عجوز مستخدمة لكرسي متحرك وهشة بشكل خاص أعرفها كواحدة من صديقات نورين، ترفع يدها فقط نحو كتفها.
"شكراً لكم، شكراً لكم جميعاً! أعلم أن ذلك قد يمثل الكثير من الجهد حتى الآن. سنصلح ذلك قريباً جداً. ما لم، حسناً... هي، أيها الريح العاتية! لدينا عرض لك. سورشا وأنا..."
يتوقف، ملوحاً للخلف نحو اللاتشكل، "...كنا ندخل ونخرج خلال الليالي القليلة الماضية. نقرأ أجواء الغرفة، لنرى من قد يكون منفتحاً على ما نعرضه. هؤلاء بعض أصدقائنا الجدد وأصدقاء ملكنا. بالطبع، ما زال بإمكانهم أن يكونوا أصدقاءك أيضاً ـ إلى الأبد! سنكون قادرين على إصلاحهم بمجرد حل كل الأمور! لذا تعالي إلى المنزل معنا، لفترة قصيرة فقط، واعدينا بمساعدة الناس على جعل هذا ينجح للجميع."
يرتفع طرف شبحي آخر طويل الأصابع من الأرض بجانبه ويمزق الهواء بضربة مخالب واحدة، قاطعاً جزءاً من العالم كقماش ممزق ليكشف عن نفق من الظلام مبطن بحجر أبيض. لا، بأشخاص ملتوين، ومتشابكين، ولا يزالون يتحركون ومصنوعين من حجر أبيض.
"لكننا لست مستعدين تماماً بعد. لا يمكننا مساعدتهم ما لم تساعدينا. لذا إن لم تفعلبي، فأخشى أنهم سيموتون جميعاً قريباً جداً،"
يقول الصبي. يجف فمي. هناك بضع شهقات صدمة متناثرة في الغرفة، لكن من بين المرضى الواقفين، يتغير تعبير وجه رجل واحد فقط بشكل مزعج.
أقول: "ماذا؟ تحصل علي أم تأكلونهم؟"
"أم، هاه؟ لا، لا، لا،"
يرفع يديه ويلوح بهما نافياً.
"من أين جاء هذا؟ أنتن من جميع الناس يجب أن تعرفن سبب موتهم، أليس كذلك؟ لا يتطلب الأمر أي قوى طاعون مخيفة لرؤية أنه لم يتبق لهم الكثير."
"لذا أولونلا. أو قتل ذلك الوحش الفطري. تظنون أن تلك ستمنحكم القوة لإنقاذهم."
يهتف مطلقاً إصبعاً باتجاهي: "بالضبط! لقد فهمتِ!"
"وماذا تريدون منهم؟"
يبدو أن قناعه يدور بعينيه.
"ستلتمسين لي العذر إن لم أبوح بكل شيء عن خطتنا الكبرى قبل أن نتفق. لكن يمكنني إخبارك بأنه ليس مختلفاً كثيراً عما تريده أنت وأصدقاؤك من هذا. على أي حال، لا يمكنني السماح بالكثير من المماطلة للوقت، لذا هذا هو وضعنا! ما سيحدث بعد ذلك متروك لك أيها الريح العاتية."
تقول نورين بحزم: "لا. ليس كذلك."
تتسع ابتسامته.
"لا؟ لا أظن أن لديك رأياً، ما لم ترغبي في الانضمام إلينا أيضاً."
تخترق نورين: "أنا لا أتحدث معك!"
يئن الصبي المقنع: "واو."
تضيق عينا قناعه، لكن تلك الابتسامة الهلالية تظل كما هي.
"أتدرين ماذا، حسناً. اذهبي إذن، أفترض!"
مرتجفة قليلاً، تلتف نورين لتلتقي عيناي بعينيها.
"ليدين، أنتِ... لا تدينين بحياتك لنا أو لأي شخص. إنها لك."
يهتز صوتها، ثم يستعيد قوته بسرعة.
"لا أحد هنا يريد منك أن تموتي لأجلنا. وأي شيء يفعلونه أو لا يفعلونه، لست مسؤولة عنه. هم من فعلوا. لذا أنتِ تعرفين ما يفعلونه في الأزمات، أليس كذلك؟ احمي نفسك. ساعدي من تستطيعين بمجرد وضع قناعك الخاص."
تومئ ببطء، مجبرة ابتسامة. ينفتح فمي. لا أعرف ما أقوله لها. لا يمكنني التفكير في أي شيء قد يساعدها، أو أي طريقة يمكنني بها شرح ما يعني سماع ذلك، الآن من بين كل الأوقات. في كل ما عشته، لم يخبرني أحد سواها بكلمات عادية وواضحة جداً أنه كان لا بأس في الاهتمام بنفسي. بالتفكير في الأمر، المرة الأخيرة التي سمعت فيها شيئاً عن هذا كانت عندما جاءت مريضة مكتئبة إلي لأجل قراءة، وأمضت طوال الوقت تنفس عن شعورها بأنها عبء على عائلتها، ثم أخبرتني أنه سيكون أفضل لو توقفت عن الأكل لتوفير الجهد على كل من بقوا في حياتي وانتهيت من الأمر برمته.
ماتت بعد يومين، لذا بدا الأمر عبثياً إخبار أي شخص ورسم هذه المرأة الميتة كوحش يتجول ليقول أشياء كهذا لطفل. ليس كأنني كنت أهتم بما تقوله. لكنها كانت محقة نوعاً ما، أليس كذلك؟ قبل أن أكون حارسة، لم أكن سوى وزن ميت. هفوة، فراغ صب فيه بضع أغبياء جهداً ـ جهداً، لكن أبداً حباً ـ عالمين أنني قد أختفي في أي يوم. لكنني لم أختفي. وطالما أنني هنا، لا يهم إن لم يكن لدي ما أقدمه.
لو كنت بطريقة ما في هذا الظرف دون أن أكون حارسة، فأنا أعرف نورين جيداً لأعلم أنها ستقول الشيء ذاته تماماً. لا يهم حتى إن كان استمراري، لمجرد حماية نفسي، يجعل العالم أسوأ. حياتي ملكي. إنه شيء سأملكه دائماً، دائماً، ولن أدين به لأحد أبداً. لذا، بما أنه ليس هناك ما أفعله وما لا يمكنني إرجاعه لها، كل ما أفعله لنورين هو مبادلتها ابتسامة تحت قناعي. أفضل ما أستطيعه، عالمة أن أحداً لن يراها أبداً.
تومض لي بغمزة متواطئة في المقابل.
أقول، محولة انتباهي إلى الصبي المقنع: "حسناً. إذن. أنت تهددني ببضع أشخاص على وشك الموت على أي حال؟ من وافق على هذا؟ لأنهم فعلوا. لا يوجد ما يكفي من البشير هناك لتفريغهم، وإن وُجد، لكانوا قد رحلوا على أي حال. هذه خطة غبية."
هناك وجوه مذهولة قليلاً في الحشد، لكن ليس بالقدر الذي توقعته. عذراً للجميع. لا أعظ أظن أنني سأكون أبداً نوع الحارس الذي كنت تأمله. يضحك الصبي لنفسه.
"لست كاذبة جيدة جداً، أليس كذلك؟ أرى ما خلف ذلك القناع. تريدين أن يعيش الجميع، دائماً. حتى أولئك الذين تقتلينهم. أنا أحترم ذلك. لا أريد أن يذى أحد بسبب هذا. لكن لدي أشخاصاً محددين يجب أن أعتني بهم أولاً. متأكد أنك تفهمين."
"نعم. وأنا أحد هؤلاء الأشخاص المحددين لنفسي. لذا إن كنت مصراً حقاً على إمساكي، ولن تبدأ حقاً في أخذ رهائن، فلنفعل هذا في الخارج."
يَتنهد الصبي المقنع: "...يا لها من متاعب. عذراً، إيزوبيل. لا فائدة الآن."
يعترض التمثال: "انتظري، حقاً؟ هذا كافٍ للتراجع عنه؟"
"نعم يا ميرتين، الأمر كذلك. تحدثنا عن هذا ـ إن لم يفعل التهديد شيئاً، فلا فائدة من التخلي عن أشخاص يحتاجون إلينا لمجرد الالتزام به. أفضّل إبقاء الجميع معنا. لذا لنذهب ـ غه!"
فجأة، يسعل الصبي، وينثني على نفسه ألماً، ويبدأ بالصراخ. صراخ خام وممزق، مكثف لدرجة أنه يهز الهواء. أتراجع إلى الوراء. يصرخ ويصرخ ويصرخ، عاضاً بقوة بينما تدفع أيدي سوداء صغيرة وتزحف وتشق طريقها للخارج من فمه وتتطاير الظلال بجنون حول الغرفة. يملأ الصراخ وأصوات التدافع والصرير العالي لجهاز مراقبة القلب الظلام قبل أن يملأ شيء آخر عقلي. إنه هنا. إنه داخلهم. لقد كان هنا دائماً.
يتخنق تشابك الأطراف الغريبة الذي كان صبياً يوماً: "توقف! توقف! سأفعل، سأجد طريقة، سأـ"
لكن بصرخة صاعدة غير مألوفة، تقترب الظلمة حول جسده وتسكته مرة أخرى. يهيمس الهواء باسمه. تنبعث من الملجأ رائحة كريهة من الشوق لشيء ما لا يسمى، لا يوصف، ومتعالي يجعل كل شيء على ما يرام إلى الأبد لو تمكنا فقط من الوصول عالياً بما يكفي لخطفه من الفراغ. <سنجده بين النجوم><سيانكاوري> بهذه الكلمات، تنفجر أطراف ظل نحيلة لا تحصى من جسد الصبي كديدان طفيلية. يسابق سرب منها نحوي، وتحترق أصابعها لتصير نتوءات في حاجزي، بينما تزحف الأخرى عبر الغرفة.
يسابق البعض نحو عبيد الطفلة الستة، مغلقين قبضانهم حولهم، ويسحبونهم بلا مراسم عبر الأرض. وأكثر بكثير يسابقون عبر الحشد ليلتفوا حول نورين. تصرخ رعباً عندما يحيطون بها، ثم ألماً عندما يرتفعون كالأثاب. عبر صراعها العبثي واليائس، يتقلصون للإمساك بها بشكل أكثر فعالية، وسحبها منتصبة، والتفافهم حول رأسها، مثبتين إياها في مكانها. أحرق الحياة وأسابق عبر الغرفة، حاملة هالاتي معي.
إنه كل ما بوسعي فعله لإبعادها عن إصابة كل من أتمر به ـ أو تقريباً كل من يمر، عبر الأنين والسعال الصاعدين ورائي ـ وإنزالها عبر الأطراف المحيطة بنورين كحافة ساطور. فوات الأوان. ليس جيداً بما فيه الكفاية. الأيدي المفصوله عن مصدرها تتحول ببساطة إلى أشكال جديدة وتواصل عملها. تنخفض الأصابع حول رأسها لتفتح جفنيها، بينما تتحرك أطراف أصابع مخلبية ليدين أخرتين لتزحف داخل رأسها كعناكب شبحية.
تحدق داله في المشهد بذعر شاحب الوجه. تتلوى الفتاة اللاتشكلية حول حواف الغرفة، متجهة نحو البوابة خلف المكتب. والتمثال... ميرتين... إنه يضحك. يشجع وحشه.
"تحب كلياسيا أطفالها لدرجة أنها حشرتك في تلك الأدمغة المقرفة بأعصابها التي لا طائل منها! هيه، هيه، هل نظرت يوماً داخل عين؟ إنه أمر سخيف! كل شيء مقلوب رأساً على عقب، ولماذا كل ذلك أصلاً؟ يمكن للروح تحريك جسد جيداً، كما ستري جيداً!"
لا أعرف ما أفعله. لا أعرف ما يمكنني فعله ـ إنه قريب جداً لدرجة أنها بداخلها، ليس لدي السيطرة التي أحتاجها لقتلها دون إيذائها، لن أملكها أبداً، لست كذلك ليس هكذا لا يمكن للوباء اختيار من يقتل أو كيف ـ لكنه لا يهم. لقد فعلت ذلك بالفعل. هذا أكثر من اللازم بالفعل. الأصابع المتلوية في منتصف الطريق متجاوزة عيني نورين تتحلل إلى لا شيء أولاً. تنهار مرة أخرى في مقعدها مع أولئك الذين يمسكون بها في مكانها.
ثم، في غضون ثوانٍ، يختفون. وهي كذلك، هامدة ومتمزقة وتتنفس أنفاسها الضحلة الأخيرة.
أثرثر، ماسحة جسدها، متصلة بمرضي بكل ما أستطيع، ومجدة إياه ملتفاً بالفعل من خلالها ومن خلال مرضها الخاص وآثار الفساد التي تتسرب بالفعل من خلالها إلى عقدة متاهة من الألم: "نورين؟ نورين! أنا آسفة لا أستطيع لم أكن أقصد، انتظري فقط، يمكنني إخراجه..."
شيء مألوف يقول: خذه. صوت بلا نبرة يشعرني أنني يجب أن أعرفه على أي حال.
"لا أستطيع. أنا آسفة لا أستطيع إنه أكثر من... لا أستطيع."
لو سحبت أي شيء، أو أزلت أي غرزة سيئة على هذه الجروح المصابة، لخرج كل ما في داخلها متدفقاً. يصر الصوت: خذه. خذه خذه خذه خذه. لا شيء أستطيع فعله. لا شيء آخر يمكنني فعله.
"أناآسفةأناآسفةأناآسفةأناآسفة..."
وأفتح نفسي وأشرب روح نورين. شيء ما بداخلي ينفجر، ينكسر، يتعفن. ~~~ يشبه الأمر إلى حد كبير مطالبة بشير، وشرب كل ما هو وكان وكأنه كتاب يبقى معك إلى الأبد. فقط هذا الكتاب أبسط بكثير، وسهل المتابعة لدرجة أنه يبدو وكأنه يحمل رسالة لي. مكاناً يريدني أن أبدأ منه. أتبع قيادته إلى مجموعة من الذكريات ـ مشاهد لنورين وعائلتها. يعيشون حياتهم، يرونها تصل إلى الطابق السابع، نزهات سعيدة تفسح المجال لسلسلة لا تنتهي من الشجار في غرفتها.
وأنا. القراءة التي فعلتها لها حين التقينا أول مرة. ربما هناك جدار لا يمكن تجاوزه حول أمر واحد، لكن ما زال لديك كل ما عداه. إن كان لا يمكن الفوز بجدالك على أي من الجانبين، ولا يفيد أحداً، ربما يجب عليك التحدث إليهم حول مجرد... قبول ذلك، وضعه جانباً، وفعل قدر الإمكان من أي شيء جعلكما سعداء معاً دائماً. تنتهي المعارك بعد ذلك بقليل. منذ ذلك الحين،... تقبلوا الأمر. وضعوا المسألة جانباً وفعلوا أفضل ما بوسعهم من أي وقت تملكه...
بسببي؟ حظيت بحياة جيدة. كنت سعيدة. هذا للمساعدة في الحفاظ على سعادة أشهري الأخيرة، هكذا تقول. لا. لا، أيها الأحمق، ليس هذا ما قلت فعله. لم أكن لأقول ذلك أبداً. تفيض الدموع التي كنت أجهد بكل ما أملك لكبحها لتغطي رؤيي. في الأعلى، يعرض علي شيء يداً. تتتبع عينائي الذراع المرتدية قفازاً وصولاً إلى ظلي، الواقف فوقي على سطح بحر الفراغ لروحي. المتلفح برييش أسود، شعر أبيض ملطخ بظلام محبر، وجه يتعفن ليكشف عن مقلة عين خضراء مشتعلة في جمجمة على شكل قناع طاعون.
"ما أنت؟ ماذا تريد مني؟"
أخرخ. أنا أنت. لم أكن سواك قط. لذا لا تقلقي. دعيني أساعدك. <اقبليني.> وأفعل. ليس هناك ما أفعله سواه.
~~~ يصرخ ميرتين: "أليس محزناً؟ كيف أن حماةك المجيدين قد يقتلونك قبل أن يجعلوك جزءاً من شيء أعظم... أه؟"
يضيق تركيزي حوله، وبما أنني أشعر بوزنه الجديد، أنا متأكدة أنه يجب عليه ذلك أيضاً. بيدي اليسرى، تصرفاً بناءً على غريزة قاتمة جديدة، أسحب ثلاث بطاقات تاروت من العدم وأبسطها في الهواء، مقلوبة الوجه. كنت أفعل الشيء ذاته مراراً وتكراراً، مصيبة أشياء غريبة للغاية بحيث يصعب فهمها بنوع الألم الوحيد الذي أعرفه أفضل. لماذا ظننت أن الأمور يجب أن تسير هكذا؟ الصحة شحيحة وثمينة، شيء يجب كشطه وسرقته وتخزينه.
أما المعاناة؟ فهذا ما يصنع منه العالم. تأتي بأشكال لا نهائية، وحين تشاركها، لا تصنع سوى المزيد منها. يمكنني إفراز الآفة. يمكنني تنفس اللعنات. أنا أنحدر من كابوس حطم العالم بأسره بعدد لا يحصى من الطرق. لماذا يجب أن أقتصر على نشر ألمي؟ لن يكون ذلك كافياً. ليس لهم. واحدة تلو الأخرى، أقلب البطاقات. هذه هي مصيره الذي آخذه بيدي وأحطمه، لكنها لا تزال قراءتي. الناسك المعكوس ـ الانسحاب من وجهك الخاص.
كؤوس الثلاثة المعكوسة ـ ضياع نفسك في حشد. الموت المعكوس ـ اللحظة التي يتعفن فيها كل شيء. ستتحول روابطك إلى سم. سيكون حبك وباءً. في الحياة والموت، إلى الأبد وإلى الأبد وإلى الأبد، ستكون وحيداً. آفة على أي شخص قد يتشارك بؤسك، مثلي تماماً. تلك قراءتي لك. فألي. لعنتي. بينما تتقلب البطاقة الأخيرة، تنفجر الثلاثة جميعاً في عاصفة متلألئة من الزمزمية والعقيق الأسود التي تدور حولني كالثلج تحت قمر عليل.
تتشابك معاً في جدارية لسماء ليل مظلمة، تلوح فوق ميرتين، وتلتوي النجوم أعلاه لتكشف عن مصيره الجديد الرهيب، وتختفي سريعاً عن الأنظار. وينثني، مختقناً للهواء ولاهثاً بألم. عبر المسام والشقوق في لحمه، تصل محايق خضراء صغيرة غير مرئية عبر هالاته ـ لا تبحث عني، ليس بعد، بل تبحث عن مضيفها التالي. تلتفت داله، التي لا تزال شاحبة ومرتجفة، لمشاهدة انهيار رفيقها. ثم، بعد امتداد صامت طويل وثابت، تضعه على كتفها، وتتعثر نحو البوابة، وتزحف عبرها معه.
ينتظر تشابك الأطراف الذي كان صبياً يوماً لحظة أخرى، ثم يلتف ويترنح عائداً إلى جرحه. لا يسعني إلا الابتسام مع تلاشي الهالة. وحين تلتئم البوابة خلفهم، أشعر... بأفضل حال شعرت به قط. كاملة. مثالية. وكأنني لن أتألم مرة أخرى أبداً. وكأن الألم والرعب يغرقان تحت قوتي الجديدة، متخبطين بيأس لإبقاء رأسيهما فوق الماء، ليمنعاني من نسيان أن هناك شيئاً خاطئاً من الأساس. يستغرق الأمر النظر إلى جثتها لتذكيري.
لماذا؟ لماذا؟ أنت تعرفين السبب. تتسلل شظية حزن إلى صوتها. وهي على حق. أظن أنني كنت أعرف دائماً أن الأمر سيؤول إلى هذا. كنت أعرف أن ما آخذه لا يمكن قياسه حقاً.
ليس هناك خزانات من "الصحة"
يمكنني استخدامها لملء خاصتي برشفات من أشخاص يملكون الكثير ليتنازلوا عنه. كل ما يهمه السحر هو الألم. نوع البؤسي الذي يلطخ روحك وندب جلد العالم. المعاناة والتضحية و✴✴✴✴✴✴✴ والوزن الذي تحمله كل تلك الأشياء. من هناك يأتي القوة الحقيقية. لم يتبق تقريباً شيء من نورين. لو كانت هناك آبار صحة، لكانت خاصتها فارغة بالفعل. لكن النفس الأخير لشخص أهتم به يستحق أكثر بكثير، بكثير من كل جزء صغير سرقته مجتمعاً.
لا يمكنني حتى الصراخ بعد الآن.