أعدو بلا هدف في أنحاء المدينة. تائهة بالقدر نفسه الذي كنت عليه أثناء هربي من معاقل مبعوثي الغابات. الاتجاه الوحيد الذي يهمّني هو الابتعاد. لذا أتسابق في الشوارع. أترك خلفي أكبر مسافة ممكنة بيني وبين الملاك. أسرع ممّا ظننت يوماً أنني قادرة عليه. كل خطوة تطفو بسهولة تقريباً نحو التي تليها. آخر ما فعله بي تركني أشعر… لا أقول إنني بلا وزن تماماً. لست روحاً تبحر في الليل بلا جسد مكسور وعديم الفائدة يثقلها ويعرقلها فوق ساقيها.
لكنني قريبة من ذلك. …ما الذي فعله تحديداً؟ لم ألتفت إلى ورائي قط. لكن هل يمكن أن يكون ما زال يتبعني؟ أيتعقبني عبر أثر قوته الذي يحملني إلى الأمام؟ لا أستشعر تحرّكه. لكن… بعد فترة قصيرة من فراري، يضيء انفجار قرمزي ساطع الليل من مكان ما خلفي. أختلس نظرة فوق كتفي. أكاد أترقب كميناً آخر. لكنني لا أجد سوى ومضة من ضوء خافت بينما يتلاشى حضور الملاك فجأة من الوجود. أتوقف لحظة.
أتحقق ييقين تامّ من عدم وجود أي أثر له مختبئاً بين هالات الحياة الخافتة في المدينة. وعلى قدر ما أستشعر، فقد رحل أخيراً. الحضور الذي قال إنه للجنرال الفضي لا يزال قائماً. لكنها تتجه نحو مسرح عراكنا، لا نحوي. هي ليست مشكلتي. ما لم يكن العالم قد اتخذني لعبته المفضلة الجديدة، فإن هذا اليوم اللعين قد أوشك أخيراً على… لا. لم ينتهِ تماماً. كان لا يزال هناك هجوم آخر لمبعوث في المستشفى قبل أن أغاذه.
طلبت المساعدة. ما كان ينبغي لأحد أن يصاب بأذى أكثر مما أصيبوا به بالفعل. لكنهم ربما ظلّوا في حالة تأهب قصوى منذ ذلك الحين. ينتظرون شخصاً يشرح ما كان يدور. حسناً. ليكن. لم تكن هذه هي الطريقة التي أردت التخلي بها عن سرّي. لكن ما أهمية ذلك بعد الآن؟ جعل هذا اليوم أطول قليلاً هو أقل مشاكلي شأناً الآن. لا أعرف حتى إن كانوا سيسمحون لي بالبقاء عندما تصلهم أخبار كل الأشياء التي ارتكبتها.
وما المفترض بي فعله حينها؟ أأذهب لأعيش مع أبي وأنا أرجو ألا تظل لدي مشاكل صحية يمكن للمستشفى المساعدة في علاجها حقاً؟ أأعيش في الشوارع، أغذي نفسي بحياة مسروقة من أي شخص يمرّ بجواري؟ أيمكنني فعل ذلك حتى؟ أأفر إلى الغابة حيث أمتلك مكاناً؟ ربما يحسبون لي شيئاً إن عرفوني بوصفِي الفتاة التي قتلت مبعوثي الطابق السابع الأخيرين قبل أن يسمعوا كيف جعلت أحشاء ملاك غبار النجوم ديداناً.
حتى لو كنت أنا من جلب سيريانا إلى هناك في المقام الأول. حتى لو كانت نكتة سمجة أن أظن أن شخصاً مثلي يمكنه مساعدة أي شخص سوى نفسه. لكن لا يمكنني البقاء هنا إلى الأبد. لذا سأضطر إلى التعامل مع أي كارثة تتبعني إلى بيتي كلما وقعت. أتحسس هاتفي. أطلب منه مساراً يؤدي إلى المستشفى. وأشرع في الركض من جديد. على بعد خمسة أحياء سكنية، أتوقف عند ناصية شارع خالية لأعزل تعويذة الملاك وأغمسها في التعفن حتى تتفتت.
لا أعتقد أنه يتبعني. يجب أن تكون لديه أمور أكثر إلحاحاً ليتعامل معها. لكن احتياطاً فقط، تحسباً لإمكانية استخدامه هذا لتتبع مساري بأي شكل، فلا سبب يجعلني أسهل الأمر عليه. …ولكن… إن تجاهلت الألم المشدود المتبقي في حلقي، والرعب الكثيف الزاحف الذي يخبرني بوضوح أكبر مع كل لحظة أبتعد فيها عن القتال من أجل حياتي بأنني دمرت كل شيء من جديد… فقد كان الأمر ممتعاً نوعاً ما طالما استمر.
أجمل بكثير من تعويذة سفر شونا. وما إن يتلاشى، حتى تخور ساقي تحتي. يخترق وخز مخدّر عضلاتي ناقراً فيها. استدعي عكازي. وأتلمس طريقي بيأس لأمسك نفسي به. لكن ذراعيّ لا تقويان حتى على فعل هذا القدر الضئيل. ينزلق من قبضتي المرتعشة، مسفراً عن صليل وهو يسقط بينما أهبط على مرفقيّ بوقع ألم جديد وعُيوة خافتة بلا هواء. طبعاً هكذا سيجري الأمر. حسناً. حسناً. بعد لحظة ألتقط فيها أنفاسي، أتغلغل في داخلي لأدعم نفسي ببئر صحتي.
…لا شيء يتغير. لا يوجد شيء هناك. لم ألاحظ بطريقة ما حتى حاولت استخدامه. لكن كل الحياة التي سرقتها، وكل الناس الذين آذيتهم… لقد كادت تختفي بأكملها. لقد تراجعت وصولاً إلى أرفع شظية من الجوهر المسروق بعد أن أحرق الملاك بئري… لا، بعد أن أخذت كل تلك القرابين غير الراضية وألقيت بها سدى. لقد فعلت كل تلك الأمور الفظيعة التي اقترفتها لكي ينتهي بي المطاف مجدداً في ذلك المكان الذي لا أستطيع فيه حتى المشي إلى أي مكان دون أن أشعر كأن عظامي ستتكسر وجسدي سيتحلل إلى بركة من العدم الذي لا يؤلم.
لا أجد القوة لأتحرك، لأصرخ، لأفعل أي شيء سوى الانهيار هنا والبكاء. أتسلءل إن كنت أبكي حبراً أم سائلاً أسود أو شيئاً من هذا القبيل. أكشط وجهي بظهر قفازي. ثم ألعقه… لا أعرف ما كنت أردي تمييزه. لكنه لا يبدو غريب المذاق. هذا موجود على الأقل. أخيراً — مدفوعة بفكرة أنه حتى في هذا الوقت المتأخر، سيجدني شخص ما هكذا في النهاية ويطرح الأسئلة — أمدّ يدي نحو عكازي. أجمع الطاقة لأقمع ألمي.
أجرّ نفسي نهوضاً على أطراف مرتعشة. وأبدأ الشطر الأخير من مسيرتي نحو البيت. أصرف تحولي بعد حيّ سكنِيّ آخر. لا أبقي سوى عكازي الجديد. ولا ألقي بالاً حقيقياً لمن قد يراني وأنا أفعل ذلك. لقد تجاوزت حدّاً لا يعد لمثل هذا الأمر فيه أي أهمية. ~~~ أفلح في ألا أترنح واقعةً مرة أخرى قبل أن أصل إلى المستشفى. لكن لا يزال يتعين علي تنظيف الأمور هناك. وأرجو ألا تكون سيريانا قد آذت أحداً آخر.
في الممر الدائريّ بالخارج، تتوقف سيارة إسعاف وسيارة شرطة أمام المدخل وأضواؤهما تسطع بجلبة. أتنهد. أثبت نفسي. وأقترب من المسعف الواقف حارساً على مسافة آمنة من الأبواب الأمامية.
"عذراً! توجد هنا حالة طوارئ محتملة لم تُحسم بعد. يجب أن نطلب منك المغادرة إلى أن… أوه".
يفحصني بنظراته ويقطع كلامه.
"أهل أنت الحارس الذي استدعَيناه لتمشيط هذا المكان؟"
أتوتر لثانية قبل أن أدرك أنهم لن يرسلوا مسعفين للرد على بلاغ بشأن حارس مارق خطير.
"لا، ولكن يمكنك إلغاؤه على أي حال. أنا من ضغط زر الإنذار. المبعوث ميت".
يقترب المسعف قليلاً ويقرفص وصولاً إلى مستواي.
"معذرةً يا آنسة، أيمكنك رفع صوتك قليلاً؟"
"أم؟ حسناً. لقد قلتُ…"
مع إيلاء المزيد من الاهتمام لنفسي، لا أسمع سوى طيف باهت للصوت الذي قصدت إصداره.
"قلتُ إنني…"
لم يسبق لصوتي أن حمل لمسافة جيدة. لكني أرفع صوتي، أو أفعل على الأقل ما كنت أفعله دائماً لأجعله أعلى. إنه فقط… لا يعقل. أهلك الملاك حلقي أكثر مما ظننت؟ لا، هذا سخيف. أنا أعيش في جناح مليء بأشخاص يتركهم مرضهم بضعف وببحّة في أصواتهم. وهم لا يبدون بأي حال مثل تلك الهمسات القريبة الباعثة على القشعريرة الصادرة مني الآن، مهما جاهدت لرفع صوتي. ظهور لا يمثل جزءاً من عملية النمو العادية، وليس مرجحاً بشكل خاص أن يمنحك قوة، وقد لا يتماشى مع ما قد ترغب فيه حقاً لنفسك.
إنه أمر منطقي، على الأقل. لا يمكنني القول إنه مجرد طفرة شاذة مرعبة. ما جدوى أن يُسمع صوتك إن كان لا أحد يستمع إلي لنفسي على أي حال؟ أضحك مع نفسي على ذلك، مع أنني بالكاد أسمعه فوق ضجيج المدينة الخافت المحيط بي، وأمسح بضع دموع جديدة.
"هل هناك ما يُزعج…؟"
يسأل المسعف من خلال تكشيرة قلقة.
"لا، آسفة، أنا فقط… ظهور. لم أكن أتوقعه. آسفة"، أقول.
"أيمكنك سماعي جيداً على هذا النحو؟"
يهز رأسه.
"حسناً. أنا أعيش هنا. جناح الرعاية التلطيفية في الطابق العلوي. مبعوثة كنت أتعقبها تتبعتني إلى المنزل — نوعاً ما، لكن… لكن طريقة عملها ليست مهمة حقاً هنا — وهاجمت مُمَرّضة أعرفها. امم، تلك المرأة، أتعرف كيف حالها؟"
"الملجأ يبقيها تحت المراقبة طوال الليل، لكن علاماتها الحيوية كانت مستقرة عندما وجدناها".
"جيد. حسناً"، أتنهد.
هناك ما قد يكون أسوأ. لو أنني تسببت حقاً في مقتل شخص لم يكن طوال الوقت سوى لطيف معي… لا يهم. لم أفعل. لا حاجة بي للتفكير في الافتراضات.
"على أي حال. فعلت المبعوثة ذلك لجذب انتباهي. لاستفزازي. لذا استدرجتها إلى الخارج. ذهبتُ إلى مكان خالٍ وقتلتها هناك. لقد رحلت الآن، ولم تؤذِ أحداً آخر هنا. أعتقد أنه لو فعلت، لكانت حرصت على أن أدرك ذلك".
"…فهمت".
من تعبيرات وجهه، لا أعتقد تماماً أنه فهم، لكن لا باس بذلك. لا أستطيع عناء شرح كيفية حديث المبعوثين معي لشخص عادي. أو مدى جودة فهمي لهم على ما يبدو.
"من الجيد معرفة كل ذلك. وبما أنك هنا، أيمكنني أن أطلب منك تفتيش المنطقة المجاورة وتأكيد ذلك؟ ليس تشكيكاً في حكمك، بل مجرد إجراء متبع لمثل هذه الحوادث".
"لا آثار لها في الداخل. وإن كان لديها ضحايا آخرون، فهم في مكان آخر".
يلتفت المسعف ناظراً إلى المستشفى، ثم يرمقني بنظرة غريبة. أعتقد أنه كان يتوقع مني في الواقع الدخول والبحث عن آثار المبعوثين.
"حواسي جيدة تماماً"، أقول بجمود.
"حسناً… لا بأس إذن. إن كنت واثقة، فسنذهب لإعطاء إشارة الأمان. شكراً لخدمتك".
أطرق ببصري. علَم تشكرني؟ لم أعل يفعل ذلك من أجلك. لم أقم يوماً بشيء لأجل أي أحد سواي. أنا لا أقول ذلك، بطبيعة الحال. أكتفي بمراقبته وهو في طريقه العائد إلى عربته، ثم أتجه إلى الداخل. من المعتاد أن يكون المستشفى هادئاً في الليل، لكن ليس إلى حد أن يكون مهجوراً. كل مكتب ومحطة يفترض أن يشغلها موظفون طوال ساعات اليوم تُترك بلا إشراف. الممرات الطويلة التي أرى عادة أحداً ينظفها تبدو خالية.
ربما كان حريّاً بي توقع هذا. في مسرح هجوم لمبعوث بلا حارس لشرح ما يدور، يبدو إخلاء كل من يمكنه مغادرة المكان بأمان أمراً منطقيّاً تماماً، حتى وإن بدا ذلك أكثر تعقيداً بوضوح من معظم الأماكن في مستشفى. أتساءل كيف حال الطابق السابع. أتساءل كيف تصرف كل المرضى الذين لا مكان آخر يذهبون إليه، ولا أحد ليأخذهم إليه، أو الذين لا سبل لمغادرتهم دون التسبب بأزمة صحية، طوال غيابى.
أظن أنني سأرى قريباً بما يكفي. أشق طريقي عبر الممرات الصامتة إلى المصنع، وأرمق بانزعاج انعكاسي على الجدار الزجاجي بينما يرتفع. آخر خصلة من شعري الأسود تحولت إلى اللون الأبيض… صحيح، بالتفكير في الأمر الآن، لقد قال الملاك شيئاً عن ذلك. أكان يهتم حقاً؟
أكان سيختلف أي شيء لو أنني قلت له: "أنا معرضة لخطر ظهور مفاجئ، أيمكننا إعادة جدولة قتالنا لأسبوع من اليوم؟"
بدلاً من الاستمرار في القتال بأقصى ما أستطيع؟ لا كأن الأمر يهم الآن. يطلق المصعد صفيراً، وأخطو خارجة إلى مدخل الطابق السابع. إنه هادئ تماماً كباقي المستشفى وشبه خالٍ — هناك رجل مسعن نائم أمام التلفاز وممرضة أصغر سناً ترعاه.
"ليدان، ها أنت ذا!"
تنادي برفق. تتجمد لثانية، ممّا لا شك فيه أنها تلاحظ العروق الرمادية الملتفة على وجهي، ثم تسيطر على نفسها وتلوح لي لكي أقترب.
"أنا… سعيدة لأنك بخير. أيعني هذا أنهم يعيدون الناس إلى الداخل الآن؟"
"مرحباً"، أقول، بأوضح ما أستطيع حتى الآن.
"وأظن ذلك؟ لا أعرف أين ذهب أي شخص آخر غادر، لكن…"
هل هناك أي جدوى من التصرف كما لو أنهم سمحوا لي بالدخول فحسب، وكأن لا علاقة لي بالإنذار وأن كل هذا لم يكن خطئي؟ لا، ليس حقاً.
"المستجيبون في الخارج كانوا يستعدون للمغادرة، على الأقل"، أقول ببساطة.
"في الواقع، ما الذي لا زلت تفعلينه هنا؟"
تبتسم بابتسامة متوترة بعض الشيء.
"على أحدهم أن يكون في الخدمة، أليس كذلك؟ الكثير من مرضانا لا يمكنهم المغادرة هكذا ببساطة، ومن الواضح أنهم لا يريدون مجيء الناس لاصطحابهم في أوقات كهذه. لذا يبقى أحدنا خلف الكواليس، تحسُّطاً لكل طارئ. لقد تطوعت".
"…شكراً لك"، أتمتم.
إن استحق أحد الشكر على كل هذا، فهي هي. كل ما فعلته هو إحضار سيريانا إلى البيت في المقام الأول. لقد جلست هنا، وهي تعلم أنه لن يكون بوسعها فعل شيء إن عاد وحش عبر الباب، ومع ذلك اعتنت بهؤلاء الناس على أي حال. ولم ألاحظها قط من قبل. لا أعرف حتى اسمها — لا يمكنني رؤية شارتها من هنا.
"أنا سعيدة لأنهم لم يكونوا وحدهم. وامم…"
أتوقف، متعثرة في أفكاري هذه المرة. هل أود حقاً معرفة ما أنا على وشك سؤالها عنه؟ ماذا لو لم يعجبني الجواب؟ لا أعرف كم مزيداً من التعاسة أستطيع تحمله اليوم. لكن البديل الوحيد لدي هو الذهاب للاختباء تحت الأغطية، وانتظار اليوم المروع التالي ليأتي ويعثر علي، وربما عدم النوم من القلق بشأن ذلك على أي حال. إذن ها أنا أذهب.
"امم، قبل أن… في وقت سابق، كنت أبحث عن نوارين، لكنها كانت تمر بيوم صحي سيء. أتعرفين كيف حالها؟ أهي موجودة؟"
"أوه! نعم، لقد عادت إلى الأعلى قبل وقت قصير. المفترض أنها في غرفتها. أنا متأكدة أنها ستكون ممتنة إن أردت الاطمئنان عليها".
إنه لمصدر ارتياح أن تكون بخير، بطبيعة الحال، لكني لست متأكدة تماماً حيال ذلك. هل ما زلت أرغب في التحدث إليها حقاً؟ أظن أنني كنت قد ارتكبت الكثير من الأمور الفظيعة بالفعل عندما كنت أخطط لذلك في وقت سابق. لا شيء تغير على تلك الجبهة سوى مدى احتمالية أن تحطم ذنوبي بابي وتسحبني بعيداً. لكن… إن كانت هي الأخرى لا تريد شيئاً مني بمجرد أن أخخبرها بكيفية قضائي للشهر الماضي، فسأتيقن على الأقل أنني أستحق ذلك.
~~~ "الباب غير مقفل! ادخلي!"
تنادي نوارين بصوتها رداً على طرقي بابها. بينما أخطو إلى الداخل، تبتسم نوارين، وتلوح بضعف من سريرها، وتضع الكتاب الذي كانت تقرؤه في حجرها. إنه كتاب *فك تشفير التاروت*، أحد أول كتب الإرشاد التي يقرؤها كل مهتم بالتاروت.
"أوه، أأكملتِ المشوار حتى النهاية مع الشعر؟ يعجبني! هذا اللون يناسبك حقاً"، تقول.
وإن كان لديها ما تقوله بخصوص العروق، فإنها تحتفظ به لنفسها.
"أنا… شكراً لك"، أتمتم.
"كيف حال الكتاب؟"
"إنه ممتع! لقد اشتريت نسخة لابني أيضاً — لطالما ظننت أنه لأمر مؤسف بعض الشيء عندما أقلع عن هذه الأشياء لمجرد أنها لم تكن مثل الحصول على سحر حقيقي. أقرأته؟"
"مهم. إنه أحد الكتب الجيدة، مع أن هناك ما يُقال عن قراءة السيئة منها أيضاً وتحديد أي منها ما هو. يمكنك استعارة بقية كبي إن أردتِ. لقد قرأتها كلها بالفعل".
"ممم. أظنني سأقبل عرضكِ هذا"، تومئ برأسها.
"غرفتك جميلة".
هذه هي المرة الأولى لي في زيارة غرفة أي شخص آخر هنا. تبدو غرفة نوارين شبيهة جداً بغرفتي بالطبع، إلا أن غرفتها مزينة في كل أرجائها بأوعية وجرار مزججة — وهي على الأرجح منتجات حصة الخزف التي تدرسها. تنسيق من الزهور الزرقاء يستقر في مزهرية نحيلة مصنوعة يدوياً على منضدتها الليلية.
"ليست مميزة إلى هذا الحد. ينبغي لكِ أن تري كيف تمكنتِ سابينا التي في نهاية الممر من تزيين غرفتها. لكن شكراً لكِ. أوه، وقميصكِ مقلوب من الداخل للخارج"، تلاحظ.
عذراً. لم ينتهِ بي الأمر قطّ بخلعه.
"أنا أعلم"، أقول.
تميل نوارين رأسها قليلاً.
"شخص ما… صديق وجده لي في وقت سابق، لكنني أدركت في طريق العودة أنه لا ينبغي لي ارتداؤه هنا. الأمر على ما يرام".
"لم لا؟ ومن قال إن هناك قواعد للزي في غرفة نومي أنا بالذات؟"
"لا أحد، شعرتُ فحسب كأنه… نوع من المزاح اللئيم".
تدور نوارين عينيها.
"ليدان، ليس هناك الكثير من الامتيازات لوجودنا هنا. والأهم من بينها هو أنه ليس هناك ما يمنعك من فعل ما يحلو لك. إن أعجبك، فيجب عليك ارتداؤه. أنا أصرّ".
أتردد لحظة، عضّاً شفتي، قبل أن أتذمر قائلة: "حسناً! ها هو ذا!"
وأنزع الكنزة. أنفض شعري وأقلب الكنزة قبل إعادتها.
"أترين ما أقصده الآن؟"
تنظر نوارين إلى أسفل، مُمَعِّنَة النظر.
"وجع في البطن…"
تتمتم لنفسها، ثم… تطلق ضحكة مبتهجة.
"ماذا؟"
أحاول التوجع بالقول.
"لا شيء!"
تقول من خلال قهقهاتها الجافة.
"لاشيء على الإطلاق، لأن هذا مضحك!"
على الرغم من بحّتها، لا تبدو قادرة على التوقف عن التغنج.
"أوه، عزيزتي… إنها مشكلتك. نحن جميعا نمر بهذا معاً. مسموح لنا بالاستمتاع إن أردنا! ها هو ذا، الأمر يشبه هذا… لقد أرسلوني لتلقي العلاج بالأكسجين في وقت سابق. الفني الذي أجرى تجهيزي في غرفة الضغط تلك سألني عما إذا كنت أعيش أي مشاكل تنفسية. فقط، كما تعلمين، يمضي في القائمة بالطريقة التي يفعلونها. أتعرفين ماذا أخبرته؟ أوه، مجرد السرطان!"
و… على الرغم من إجهادي، وعلى الرغم من الألم النابض الذي يتناهى عبر جسدي بأسره، وعلى الرغم ممّا يعادل معلقة حياة معلقة بخيط رفيع، على الرغم من كل شيء… أقترب ما أمكنني من الانفجار ضاحكة. ما كنت لأظن أن لدي طاقة متبقية للضحك، ناهيك عن كل شيء آخر. لا أستطيع حتى حمل نفسي على الشعور بالسوء إزاء صدى الضحك الخافت والمرعب الذي أملأ به الغرفة. أما نوارين، فتبادلني الابتسام فقط.
"قولي، لا أعتقد أنني أخبرتك بهذا قط… بعد وقت غير طويل من إنجابي لابني، أصبت بسرطان الرحم. مررت بتعافٍ سهل منه، لكن، حسناً، الصاعقة تضرب المكان نفسه مرتين، أليس كذلك؟"
"لا، أنا… لم أكن أعلم. أنا… آسفة"، أُحمحِم، مستجمعة نفسي قسراً.
بالكاد أستطيع تخيل التعافي من الشيء الذي نغّص علي حياتي طوال عمري فقط لأموت بمرض مروع آخر.
"لا تقولي ذلك. اللعين كان قد أدى وظيفته بالفعل عندما أزالوه. كنت سعيدة فحسب بالتخلص منه! ما أثرته إلا لأنه لفترة صالحة بعد ذلك، كان سرّ بهجتي العظمى في الحياة هو إعطاء كل ممرضة تسألني عن حيضي الأخير وقتاً عصيباً. أحدثِت طبيباً بشأن ذلك؟ أهناك أي احتمال بأن تكوني حاملاً؟ لقد ظللت أتلقى هذا السؤال الأخير لسنوات بعد الواقعة! ذلك الطفل كان يأخذ وقته حقاً!"
نوبة جديدة من الققهات المخيفة تفلت من حلقي.
"لسنوات؟ أهذا جادّ؟"
ترفع نوارين راحتين مفتوحتين، تهز رأسها، وتتنهد بدراماتيكية.
"أعلم! أكل هذا القدر من العناء مطلوب لقراءة ملفي الطبي؟ آه، لكنني الآن أهذي بخصوص نفسي… سعيدة لرؤية أنك جنيتِ شيئاً منه، مع ذلك. كيف حالك؟ سمعت أنني فاتني يوم حافل في غرفة الأكسجين".
"ذلك… لقد كان يوماً طويلاً. قصة طويلة"، أتنهد.
"أيمكنني البدء قبل ذلك بفترة؟"
تهز نوارين كتفيها.
"لم أكن أفعل شيئاً مهمّاً".
"حسناً".
آخذ مقعداً على الكرسي المجاور لسريرها، أثبت نفسي، وأمضي وقتاً طويلاً صامتاً في لملمة أفكاري. لا تتركني نوارين سوى مراقبة ومنتظرة بصبر.
"إذن… قبل نحو شهر، عندما كان ذلك المبعوث هنا… عقدت الوعد. تتبعته عندما غادر. قتلته. وكان هذا تقريباً الشيء الوحيد الذي فعلته صائباً منذ ذلك الحين".
"أوه"، تقول نوارين.
"بدأت أتساءل عما إذا كنت ببساطة لا تريدين التحدث عن ذلك على الإطلاق".
"ماذا؟"
أكركر. تتخافت نوارين بالضحك مع نفسها.
"أرجوكِ لا تأخذي الأمر على محمل خاطئ. يسرني أنك كنت مستعدة لإخباري، وليس هذا بالمكان الأسهل تماماً للحفاظ على سر كبير. أنا متأكدة من أنك بذلت قصارى جهدك. لكن لو أخبرتني بعد التغير الأول، لأعتقدت أنني كنت سأتفاجأ أكثر بقليل مما كنت عليه عندما قدم لي ابني صديقه الأول".
"أعني… أكانت تلك مفاجأة؟"
أسأل ببلاهة.
"لم يبدُ لي قط بمثل ذلك النوع، هذا كل ما في الأمر"، تهز كتفيها.
"رجل لطيف، مع ذلك. إنهما متزوجان الآن".
بعد عمليتي الأولى لزرع الأعضاء، وقبل أن يتضح مدى سوء الأمور، كانت هناك فترة قصيرة حاولت فيها إخفاء حجم الألم الذي كنت أعانيه عن أصدقائي. لم أقل شيئاً عن صحتي، وعندما سألتني غرين عن حالي، بذلت قصارى جهدي لتجاوز الأمر — لم أكن أريد لأحد أن يرى فجوة هائلة تتسع بين حياتنا وتتركني خلفهم. في ذلك الوقت، ظننت أنني كنت أقدم واجهة جيدة للغاية. لكن ما لا تقولينه عن نفسك يمكن أن يعبر بالكثير أيضاً، والمواضيع التي كنت أتجنبها بعيدة جداً عن أن تكون التلميح الوحيد الذي يمكن لأحدهم رؤيته فيّ ليجد الأمر سخيفاً.
"أيعلم الجميع بالفعل؟"
أسأل.
"لا أعرف إن كانوا يثرثرون بشأنك أو ما شابه. ربما لا يرغب بعضهم في استخلاص نتائج إن لم يكونوا متأكدين. لكن أولئك الذين يلتفتون للآخرين؟ ربما. والأهم من ذلك… تهانينا! لن يكون أي شخص هنا سوى سعيد لأجلك، إن كان هذا ما كنت قلقة بشأنه".
لا. ليس هذا هو المقصود. لن يكونوا كذلك. لن تكوني كذلك. لكان الأمر عظيماً لو استطعت تصديق ذلك، لكن… أعضّ شفتي وأشرع في البكاء مجدداً.
"ليدان؟ الأمر على ما يرام"، تقول نوارين بلطف.
"الأمر ليس كذلك حقاً حقاً حقاً. أنا، الأمر… أعني، نعم. في البداية كان كل ما في الأمر كذلك. لم أكن أريد الانتباه. لم أرد إغاظة الناس بحقيقة أنني وحدي من يكسر العالم لأصلح نفسي ربما لمجرد أنني في الثالثة عشرة. لكنني أيضاً مجرد… لم أعرف كم كنت شخصاً فظيعاً إلا عندما امتلكت القوة لأكون فظيعة بالقدر الذي أردته"، أتوقف في منتصف الكلام.
تتنهد نوارين نفساً عميقاً، لتملا الصمت المزعج.
"آمل أن يصل هذا بالمعنى الذي أعنيه، لكن… لم يستقر الأمر بطريقة صحيحة معي أبداً. الطريقة التي يرى بها بعض الناس الحراس كقديسين مذهلين يقفون فوق العالم. يمكنك فعل أمور مذهلة، نعم، وأنت الشيء الوحيد الذي يحافظ على سلامتنا جميعاً، لكنك لا زلت طفلة. حسناً، لست طفلة إلى الأبد، لا أعتقد أن أحداً قد يصف إيونا فياناتا على هذا النحو، لكنك تفهمين. والطفل يرتكب أخطاء! الأطفال، إن سمحتِ لي بالتعبير، يفعلون أشياء غبية! لا يتغير ذلك لمجرد أن ما يمكنك فعله أكبر بكثير من أي شيء أستطيع أنا فعله. لذا، أستطيع أن أصدق أنك ارتكبت أخطاء أو فعلت أشياء سيئة في الشهر الماضي. لا أعتقد أنها تجعلك وحشاً لا يمكنه أبداً أن يصبح أفضل".
"…لما كنت ليقولي ذلك لو كنت تعلمين".
تطوي نوارين يديها فوق كتابها.
"جرّبيني".
"حسناً!"
أنفعل.
"لدي سحر مرض. قوى تعمل عن طريق أخذ كل ما هو خطئ فيّ وفرضه على شخص آخر بدلاً من ذلك. لقد أبقيت نفسي واقفة على قدمي بسرقة الصحة من أشخاص عشوائيين آخرين، لدرجة أنني فقدت عددهم! كل طفح الأمراض الغريبة في أنحاء المدينة؟ كنت أنا! وكان أحدهما حارساً كنت أتقاتل معها، وكانت الأولى من بين ثلاثة حراس آخرين آذيتهم! والذي في الليلة بدأ شجاراً كي يمنعني من أكل الناس، والفتاة التي قبله كانت تحاول فقط قتل مبعوثة كنت أحميها! لكي أرى ما سيحدث لو تركتها تنمو قبل أن أكلها! وما زلت غير متأكدة حتى الآن مما إذا كان قتل ذلك المبعوث هو الشيء الصواب الذي ينبغي فعله!"
أبصق كلماتي، متوقفة أخيراً لالتقاط أنفاسي. حتى التحدث بذلك القدر يبدو مجهوداً الآن، كأن إجبار الكلمات على اتخاذ الأشكال والأصوات الصحيحة يعد فعلاً جديداً من أفعال الإرادة بذاته. تجلس نوارين في صمت طوال هذا، مستمعة، ومومئة برأسها، وبصفتي أثرثر، ترتسم عبوسة طفيفة على وجهها. مهما كانت تفكر فيه، ومهما قالت قبل قليل، أنا ببساطة لا أصدق أن أي شخص عادي ولائق يمكنه رؤية ما أنا عليه وتصنيفي مع الأطفال العاديين الذين يفتعلون الشجار في ساحة اللعب.
"أتمارسين العناق؟"
تسأل أخيرآ، فاتحة ذراعيها قليلاً.
"…هاه؟ لماذا؟"
"مجرد عرض. الأمر راجع لك".
أنا لا أفعل حقاً. ليس ما لم تكن بيل ضمن الحسابات. ليس منذ صار لدي أصدقاء. لم أرد قط عناقات شفقة. ولم أكن بحاجة أبداً إلى العاطفة من شخص يريد فقط الشعور بأنه لطيف مع فتاة صغيرة مسكينة تحتضر. لكن الآن… من إحدى الشخصيات القليلة في حياتي التي لم تكلمني باستعلاء قط… أقرب مقعدي قليلاً، وأندفع داخل ذراعي نوارين، وأبكي بصمت.
"سأكون صادقة… لقد استوعبت قدراً يسيراً من ذلك فقط"، تقول نوارين.
"يبدو أنك مررت بيوم طويل جداً، مع ذلك، وليست مساعدتي هي ما تحتاجينه حقاً. لست متأكدة ممن يحتاج إليها، لكنني لا أعرف الكثير عن العالم الذي تعيشين فيه الآن. كل ما يمكنني فعله هو الاستماع. ومهما كانت قيمة ذلك، لم أعرف قط أي أشخاص سيئين حقاً يقضون وقتهم جالسين ومفكرين فيما ارتكبوه من خطأ، ناهيك عن التحدث عنه".
صوت صديقة لطيف في أذني. يد على ظهري نحيلة وواهنة مثل يدي. ليس بالكثير. لا