أخذني أبي إلى متحف يوم مولدي ذات مرّة. قبل أن يبدأ مرضي يأخذ حقّه حقاً. قبل أن أفهم تماماً ما يعنيه الموت. في زمن كان لي فيه أصدقاء بعد. ورغم أنه لا بدّ أنه مرّ عامان أو ثلاثة منذ ذلك الح يبدو الأمر كأنّ دهراً قد انقضى.
لكن «بضع سنوات»
قد تغطي ثلث حياتي بكاملها. كان المتحف مكرّساً للاستوديو الذي يقف وراء فيلم رسوم متحركة معيّن كنت هائمة به آنذاك. كان الفيلم يدور حول مجموعة من فتيات المرحلة الثانوية من خلفيات متنوّعة يجتمعن للانضمام إلى استكشاف متوجّه إلى البحر المتجمّد. كانت لكلّ واحدة أسبابها الخاصّة للمجيء لكنّهنّ تشاركن العزم ذاته. كانت الشخصية الرئيسية مجرد فتاة مراهقة عادية أكبر مني قليلاً الآن لكنّها كانت متيقّنة من أنها لا تعيش حياتها بكامل طاقتها لذا أرادت أن تستغلّ شبابها إلى أقصى حدّ بالانخراط في أمر كبير والخوض في مغامرة.
في هذا المتحف توقّفت عند لعبة صغيرة غريبة عرضوها هناك.
سمّوها «زُوتروب».
كانت ثماني أسطوانات مركبة بعضها فوق بعض ككعكة زفاف وكلّ واحدة أضيق من التي تحتها ومستقرّة على قمة كلّ منها سلسلة من المنحوتات مرتّبة في دائرة. كانت المنحوتات كلّها لشخصيات من الأفلام الشهيرة التي صنعها الاستوديو. خُصّصت كلّ دائرة لشخصية مختلفة وتلك الشخصية وحدها وكانت كلّ منحوتة لها ضمن دائرتها تتّخذ وضعية تختلف قليلاً عن تلك التي بجوارها. بدأ الترتيب بأسره في الدوران.
أسرع فأسرع حتى لم يعد سوى ضباب مبهم. ثمّ بدأت الأضواء تومض وحدث أمر غريب. بدا الأمر كأنّ المنحوتات جميعها بلا استثناء قد دبّت فيها الحياة. كان الأمر أشبه بكيفية عرض الصور في دفتر قلّاب لرسمة للشيء نفسه في كلّ صفحة ولكن بوضعية أو مكان مختلفين قليلاً بحيث يبدو جليّاً حقاً حين تقلّب الصفحات أن الصورة تتحرّك. لكن هذه لم تكن مجرد صور. كانت موجودة حقاً أمام عيني مباشرة.
جعلت الأضواء الومّاضة حركات الشخصية تثبت في العين للحظة واحدة فقط ممّا يعطي إحساساً بأنها واقفة في مكانها بينما كانت كلّ منحوتة تحلّ محلّ السابقة بسرعة ممّا جعلها تبدو كأنها تتحرّك من تلقاء نفسها. كان المشهد فاتناً. أتذكر ذلك اليوم بوضوح تامّ. أتذكر كم بدا كفّ أبي دافئاً في كفّي. أتذكر أصدقائي وهم يحدّقون في المعرض مسحورين تماماً مثلي. إنها إحدى أسعد ذكرياتي. لذا أفسد تلك الذكرى بالطبع وأنا أستحضرها الآن بينما يتراقص توهّج الساراف القرمزي بالأعلى وضوء المصابيح الخافت على طول الشارع فوق أشكال الخردة التي أخذت تدور حولي.
يبدو الأمر برمّته كزُوتروب ضخم وأنا القطعة المركزية فيه. الطبقة الأولى والأدنى هي الأقماع المرورية وهي تطفو على مسافة ضئيلة لا تكاد تلاحظ عن الأرض. تتبعها براميل البناء خلفها وفوقها لتشكل نوعاً من الجدار. ثمّ تأتي الكراسي البلاستيكية وبينها وبين الطاولات التي رُتّبت حولها في الأصل بضعة أحواض أزهار فارغة مختلفة الأحجام والأشكال. هناك أقف في الفجوات الزمنية التي وفّرها لي ساراف غبار النجوم بين كتل البلاستيك المحلّقة في الهواء لتطرحني أرضاً معالجةً ما سألتجئ إليه بالضبط.
أخطط لإصابة حارس آخر بعفن جثة هاربينغار. قتلت يورفالْن بأن تجرّعت المرض الذي وُلد منه في عروقي الخاصة. في الصباح التالي حين أدركت أنه ما زال ينخرني من الداخل عصرته من جسدي كمن يُفرّغ خراجاً وتشربت الفساد الذي تدفّق بإحدى بطاقاتي. حتى بعد أشهر يبقى الإحساس المقزّز لتلك اللحظة التي سحبت فيها بقايا أول هاربينغار إلى سطح روحي عالقاً في عقلي. ما زلت أحفظ مرضه مخزّناً في ركن ما من روحي ينتظر بسلام داخل بطاقته.
كنت أخطط لاستخدامه ضدّ أولونلا عندما جمح في لحظاته الأخيرة لكنني انتهيت إلى عدم الحاجة إليه. الآن ليس لدي عملياً ما ألتجئ إليه سواه. لكنّي بين اللعنة المتروكة على أنفاس يورفالْن المحتضرة والبركة الملتوية التي منحني إياها قلب سيريانا أيكفي ذلك للتغلب على الساراف بطريقة ما ودون المخاطرة بانبثاق تلقائي؟ هذا ليس إجهاداً لنفسي. هذا ليس سِبراً لأعماق جديدة في سحري. إنه ببساطة...
استخدام شيء أبقيته من مخلفاتي. لكنني بعد الالتواء عبر الموجة الأخيرة من العقبات التي أرسلها الساراف لتطوف حولي ألاحظ أمراً سيئاً. حلقات الساراف المتدرجة من الخردة المتنوعة تقترب منّي ببطء. مع كلّ دفعة جديدة تعود إلى حلقتها المطابقة تضغط الأشياء المكوّنة لطبقاتها نحو المركز نحوّي لتقتطع ما تبقى من مساحة ضئيلة أملكها للمناورة. إن لم أتحرك قريباً إزاء كلّ ما فكرت فيه فقد لا أظفر بالفرصة أبداً.
في الذعر الذي يعقب ذلك الإدراك تنطلق إحدى الطاولات البلاستيكية الثماني في الحلقة الخارجية نحوي جلبةً وهي تطيح بكلّ الأشياء العائمة الأخرى التي تفصل بيننا. أتحرك لأمنح القرص العملاق الأخير أوسع مساحة ممكنة لكنني أتعثر عندها وقد تجمّدت إحدى قدمي بإحكام على الأرض. لا ألاحظ وميض الهواء المضطرب المنتشر عبر الرصيف تحتي مثل بقعة زيت إلا بعد فوات الأوان بكثير. تماماً مثل المرة الأولى التي أوقعني فيها الساراف بهذه الحيلة أندفع إلى الأمام غارزة قدمي الحرة في الشارع وبركة تشوّهه الضبابية.
لا ينتشر التشوش إلا في طبقة رقيقة عبر الأرض لكن القوة الكامنة خلفه أشدّ بكثير من المرة الأخيرة التي حاول فيها تثبيتي. أنا عالقة كحشرة في ورق ذباب والساراف يهوي بمذبنته عليّ. لا أعرف أكان ذلك خداعاً من عقلي وهو يراقب بيأس الكارثة تقترب مع كلّ لحظة أم أمراً يحدثه الساراف لكن الطاولة القادمة نحوي تبدو كأنها تتباطأ ولو بهامش ضئيل. إنها بمستوى خصري تقريباً وقد طُوِيَت أرجلها في قاعها تماماً كما فعل الساراف مع الأخريات.
حتى مع تقييد حركاتي هكذا يمكنني الانحناء تحت الطاولة بسهولة فقد فعلت ذلك عدة مرات من قبل. لكن إن فعلت ذلك الآن فسأكون في الموضع الذي يريدني الساراف فيه تماماً. إذا لمست يداي الأرض في أيّ نقطة فستلتصقان بالشارع تماماً مثل قدمي. لسنا أمام مثال للبراعة في أفضل أيامي وإذا حاولت الانحناء وحسب بينما بوتّاي مثبتاً بشكل حرج فأنا أخاطر بفقدان توازني ولمس الأرض بجزء أكبر من جسدي على أي حال.
وحتى إن نجحت فلن يترك ذلك لي سيلة للدفاع عن نفسي ضدّ أيّ شيء يحاول الساراف ضربي به بعد ذلك بينما أحاول الوقوف مجدداً. في المقام الأول كان بإمكانه دائماً إيقاف الطاولة فوق رأسي وخفضها عليّ حتى أجبر على لمس الأرض ولن يكون بوسعي فعل شيء. لذا لا يمكنني الانحناء. سينتهي كلّ شيء إن فعلت. لكن إن جعلت الطاولة تصدمني فسأُطرح مسطّحة على الشارع على أيّ حال ولا أملك إلا أن أمل أن التشوّه أو بوتّي يملكان ما يكفي من المرونة كي لا تتحطّم كاحلاي في العملية.
لا مخرج. الساراف يحاول إيقاعي في كش ملك هنا. ألهذا السبب بدت الطاولة كأنها تتباطأ لأنني وقعت في فخّه بالفعل؟ لكنّ ثمة شيئاً مختلفاً في هذا التشوّه عن سابقه الذي استخدمه الساراف لتثبيتي. لا يوجد شعور مزعج بانضغاط أصابع قدمي ضدّ بطانة بوتّي. صحيح. يبدو التشويش ممطوطاً بمسطّح على الشارع كغلاف بلاستيكي. لعل تقليل المساحة التي يغطيها التشوّه هو سبب شدّته مقارنة بالمرّة السابقة وسمح للساراف بفرده تحتي بسرعة أكبر؟
أياً يكن الأمر فيمكنني تحريك قدمي جيداً. بوتّاي هما ما ثُبتا في مكانيهما عند النعلين فحسب. وبوتّاي ليستا سوى جزء من حليّ السلطة شيء يمكنني استحضاره أو إبعاده كيفما شئت. في اللحظة ذاتها التي توشك فيها الطاولة الدّوارة على الارتطام ببطني أندفع إلى الأمام في اللحظة ذاتها التي أتمنّى فيها اختفاء بوتّي. في اللحظة التالية يرتطم وجهي بالسطح الأبيض المغبر قليلاً وأشعر بنفسي أبدأ في الدوران.
لقد نجحت. أنا ممتدة فوق الطاولة الآن وإن بشيء من المخاطرة. متمسكة بحياتي أرفع نظري وأطرد الغثيان المصاحب لمراقبة العالم وهو يدور حولي في ضباب مبهم. غامرة أطرافي بحقنة أخرى من الحياة المسلوبة أسحب نفسي على ركبتيَّ محاولة استعادة توازني. بغض النظر عن المكان الذي تحطّ فيه عيناي بينما تدور الطاولة وتدور فلا يوجد سوى اتجاه واحد يبدو فيه جدار زُوتروب خردة الساراف مقترباً.
لكن هروبي لم يمرّ دون ملاحظة. أشعر بالطاولة تبدأ في الميل إلى أحد الجانبين كأنها تريد طرحي ممّا يجعل المنصة المهتزة التي صنعتها منها أكثر عدم استقرار من أيّ وقت مضى. في اللحظة التي توشك فيها الطاولة على الانقلاب تماماً على جنبها ورميي للارتطام بالرصيف أحسب وقت قفزتي فأثب من سطحها إلى حلقات خردة الساراف مستخدمة الارتفاع الذي تمنحني إياه الطاولة لتخطّي العقبة الأولى للحلقة وهي الأقماع المرورية.
وحين أعبر من فوقها تنطلق الأقماع كلها مستقيمة إلى الأعلى معاً لمحاولتي والإمساك بي.
"تبّاً، اللعنة!"
يصرخ الساراف من الخلف بينما تخطئ الحلقة الأولى هدفها. ألمس بقدمي قمة أحد براميل البناء في الطبقة التالية وأثب إلى الأمام مجدداً فوراً لكن البراملك المتحرك ليس موطئ قدم ثابتاً.
أشبه «قفزتي الفورية»
بسقوط مخطّط له من على جانبه ممّا يرمي بي نحو الخرسانة في الأسفل. لقد سقطت بقسوة وبسرعة هكذا من قبل. المرة الأولى كانت في جرح يورفالْن والثانية في جرح أولونلا. في المرتين هبطت على معصمي بزاوية سيئة فأصبته بالتواء. ليس هذه المرة. وكأنما بفعل منعكس أحاول الالتواء في الهواء كالقطّة لأهبط على قدمي مستعيدة بوتّي في خضمّ ذلك. دون توجيه قوة يورفالْن لا تكون الهبطة مثالية لكنني أفلح رغم ذلك في الإمساك بنفسي واقفة قبل أن أتعثر إلى الأمام وأتدحرج مع السقوط.
في اللحظة التي تلمس فيها نعليَّ الأسفلت مجدداً أتجاهل الهزّة النابضة التي تسري صعوداً في ساقي لتستقرّ في ركبتيَّ وأواصل الاندلاع إلى الأمام مستنشقة أنفاساً عميقة ومتقطعة يعجز إمدادي المتضائل من الصحة عن كبحها. من خلفي يتردّد صدى طقطقة كلّ كرسي بلاستيكي في الطبقة الثالثة بأسرها وهو يهوي دفعة واحدة متأخراً عن الإمساك بي. وأمامي تبدأ الطاولات السبع المتبقية في الحلقة الخارجية وكلها تتدحرج عبر الهواء على جوانبها كموكب من العجلات بالهبوط معاً لكنني أتسلل عبر خطّها قبل أن تتمكن من الإيقاع بي.
أمامي يمتدّ شارع خالٍ بنعيم. أنطلق إليه باندفاعة يائسة من السرعة. مع كلّ خطوة أستحضر بطاقة تاروت تلو الأخرى وكلها غير فاسدة بمرضي. أدع نقطة الارتكاز غير المادية للجاذبيّة التي استخدمها الساراف لتعطيل سلاحي تسحب كلّ واحدة منها. واحدة تلو الأخرى تنزلق البطاقات مبتعدة مندفعات للخلف وعبر الفجوات بين ركام الخردة الذي نجوت منه لتوّي لتنضمّ إلى بقية البطاقات التي استحضرتها...
—حتى لا تفعل إحداهنّ أخيراً. يصعب عليّ تقدير المسافة التي نجحت في قطعها بعيداً عن الساراف والنقطة غير المادية التي تسرق بطاقاتي لكنني ركضت على الأقل بالمسافة ذاتها التي حاول فيها تنفيذ خدعة التخفّي الخاصة به. لكن على هذه البداية لم تعد بطاقاتي تُنتزع من قبضتي. ففي نهاية المطاف حين اللّحق بي بعد تفريغ ضباب الطاعون الخاصّ بي لماذا أحضر النقطة التي تُسحب إليها بطاقاتي معه؟
كنت لأظنّ أنه سيكون من الأنسب له توجيه البطاقات لأبعد مسافة ممكنة عنه بحيث تنحرف هجماتي بجنون عن مسارها كلّما حاولت قنصه من الأرض. لكن ماذا لو كانت تلك أقصى مسافة يمكنه وضع النقطة عندها بعيداً عني بشكل معقول؟ أيمكن أن يكون هناك حدّ للمدى؟ هذا ما فكرت فيه أو تجرأت على أمل أن يكون عليه الحال على الأقل. أشعر بالنقطة التي تمغنطت إليها بطاقاتي ولم تتغيّر في شدّتها منذ ظهورها لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه لا يستطيع تقويتها إن أراد.
لعلّه لا يشعر بالحاجة فحسب؟ بغض النظر عن مدى فتاكة بعض هجماته فقد ظلّ يعبث بي طوال هذا الوقت محاولاً إرهابي لأستسلم. وكم هو مثبط للاعتراف فإن حقيقة ظنّه أن الأمر ميؤوس منه بالنسبة لي قد تكون السبب الوحيد لامتلاكي أيّ فرصة للفوز على الإطلاق. لكن هذا هو السبب تحديداً في أنني سأستغلّ كلّ شبر من هامش المرونة الذي منحني إياه غروره لأحشره في حلقه مباشرة. عندها أشعر بشدّة حادّ في أحدث بطاقة أفرزتها بين أصابعي.
تُنتزع فوراً من قبضتي وتتطاير عائدة في اتجاه الساراف كأنها علقت في رياح إعصار. ألتفت للخلف لأرى البطاقة يبتلعها حلّق خردة الساراف وقد ارتفع الآن كَمَوْجة جدار عظيم من الحطام يطفو عبر ممرّ الشارع ويتقدم تدريجياً نحوي. رغم أن جسده محجوب فإن الضوء الأحمر للحارس نفسه يتألق ساطعاً من الخلف. من الواضح أنه أحضر نقطة الارتكاز التي تلتقط بطاقاتي كلّها معه. أو نقاطاً حسب ما أرجح نظراً لأنه صنع نقطة ثانية لفصل بطاقاتي الفارغة عن تلك الموبوءة.
أركض في الاتجاه المعاكس مسافة كافية بيني وبين نقطة الارتكاز الأولى لأتمكّن من استدعاء بطاقاتي مجدداً دون خوف من انتزاعها من قبضتي. أحتاج لأن تكون حرة في البداية. خطتي مجازفة وستتطلب كلّ ما حظيت به حتى الآن لتنفيذها. وحتى في هذه الحالة لست متأكدة من نجاحها لكن لا مفرّ من المحاولة على الأقل. فجأة يتصاعد الإحساس المألوف للبرق البارد على طول عمودي الفقري. إحدى نقاط الساراف المثبتة على الأشياء التي يرفعها تنطلق نحوي بسرعة مخيفة.
أتنحى جانباً بينما أواصل الركض فينطلق قمع مروري مستقيماً ومجارياً لطول الشارع كرمح مفوتاً إياي ببضعة بوصات. بالتأكيد لن يتركني وشأني لأفعل ما بدا لي... تطلق نقطة ثم اثنتان ثم ثلاث نقاط إضافية من جدار الساراف المكوّن من الذخيرة المرتجلة فأركض في متعرّج مسنن لتفادي الخردة البلاستيكية التي تحملها دافعة نفسي للركض بسرعة أكبر وأشق لتعويض الأرض التي أخسرها عبر تقويس مساري.
يندفع قمعان آخران وضباب غائم مبهم في الليل يعقبهما أحد الكراسي قريباً. هذه الجولة الأخيرة التي يطلقها الساراف مختلفة مع ذلك فبعد أن يتجاوزني الكرسي يتوقف على مسافة بعيدة معلقاً في الهواء على ظهره كأن أحدهم دفعه وقرر أنه يفضل الطفو هناك بدل الارتطام بالأرض. دون أيّ تحذير أكثر من ذلك يندفع الكرسي كاسحاً نحوي بأرجله المهيأة لتمتشطي للخلف كمخلب. لكنني مستعدة له وأنجح بالكاد في الانزلاق متجاوزة مساره.
يدور رأسي. لا بد أنني ركضت ما يناهز كتلة سكنية منذ أن بدأ الساراف مطاردتي لأول مرة أو ربما أكثر. لكن نقطة ارتكازه تبدو أبعد قليلاً لحواسي مقارنة بما كنت عليه خارج مداها. إنها الآن أو أبداً. أستحضر أربع عشرة بطاقة من بطاقاتي الموبوءة الثماني المتبقية بينما أواصل الركض. أغلق عيني اليسرى مانحة رؤيتها لواحدة منها وهي المشنوق. صورتها عبارة عن شكل بشري غامض معلق في السماء يحدّق برعب في امتداد لا نهائي من الأشكال العبثية الغريبة.
الظلام الذي يحجب نصف رؤيتي يغمره مجدداً الضوء الخافت للشوارع بينما تقسم قوة إيراكيا منظورِي بين رؤيتين مختفيتين. وقبل أن يصيبني الدوار أومئ للمشنوق بأن يطفو أمام عيني المغلقة مباشرة مما يتيح لي رؤية شبه طبيعية للحظة ثمّ أصفّ بطاقات الموبوءة الثلاث عشرة المتبقية خلف ظهره. أتوقف عن الركض وأكاد أنكفئ على وجهي. جسدي متصبّب عرقاً ورئتاي تصرخان طلباً لهواء يتجاوز ما تعجز نُفثاتي الضئيلة عن توفيره.
أنا متعبة للغاية. أريد العبارة في بيتي فحسب. لكن لأن ساراف غبار النجوم قرر أن يكون لقيطاً هذه الليلة يتوجب عليّ فعل هذا. يجب أن أواصل. ولأنّه أوقعني في هذا فلا أبه بما ينبغي عليّ فعله أو بما يتوجب عليّ إخضاعه له لإنهاء الأمر. ألتفت وأحني رأسي بينما ينطلق قمع آخر نحوي ممسكاً بي بصعوبة بالغة. يمسك أساسه مربع الشكل بغطائي ويسحبه للخلف أثناء مروره. يرفرف شعري في هبوب الهواء الذي يعقب أثره.
أمامي يبدو جدار الخردة المتقدم للساراف تماماً كأنه فكّ الحلقة التي حاصرني داخلها وبدأ يدفعها للأمام. هناك مبنى شاهق إلى يساري؛ أفصل المشنوق عن جفني وأرسل كومة البطاقات الأربع عشرة التي يقودها لتسلق جانبه. يضغط منظور المشنوق تقريباً ضدّ نوافذ المبنى حين أأمر البطاقات بالتسلق عارضاً عليّ لمحة من مساحة مكاتب كلّ طابق مع كلّ طابق تعبره. حين ترتفعان بالقدر الكافي ينبغي أن تكونا خارج نطاق جاذبية الساراف.
وسيكون قادراً على استشعارهما بالتاكيد وهو متخم بطاعوني كما هما لكن لا بأس بذلك. بل من الأفضل أن يفعل. لكنّ كلّ شيء سيذهب سدى إن انتهى المطاف بالبطاقات عائدة إلى نطاق نقطة ارتكاز الساراف قبل أن أرغب في ذلك لذا أمنح الساراف سبباً للتوقف في مساراته. ألتفت لأواجهه. طوال هذه المواجهة كنت أهرب مراراً وتكراراً محاولة وضع مسافة بيننا. لقد كان ذلك صواباً مني. لست مهيأة للقتال وجهاً لو وجه.
لقد أدركت تلك الحقيقة الواضحة الآن. ليس من طبيعتي أن أكون بدنية أو أن أهاجم وجهاً لو وجه. جسدي، مرضي، حياتي كلها ترفض ذلك في كل لحظة. أنا أكرره. أكره الأوجاع النابضة التي تعصف بجسدي مع كل خطوة أخطوها. أكره كيف يغرز هواء الليل البارد نصلًا في حلقي المجروح. أكره الإحساس المقزّز لحليّ السلطة وهي تلتصق بجلدي من كلّ العرق. أكره طعم الدم غير المفهوم في فمي على لساني الخشن الجاف.
أكره صوت قلبي وهو يدق بلا هوادة في أذنيّ. أنا أكرهه. أكرهه. أكرهه. إن خرجت من هذا حية فلن أسمح لنفسي أبداً بالقتال بهذه الطريقة مرة أخرى. لكن الآن وظهري إلى الجدار ليس هناك خيار آخر. وعلى الرغم من كل شيء فمن طبيعتي إجهاد نفسي أكثر مما تحتمل. لذا وبأخذ نفس عميق وأخير أندفع. يتوقف جدار الخردة الخاصّ بالساراف في مكانه. تشير رؤوس الأقماع المرورية في الطبقة الأمامية نحوي تماماً كتخمشة تخفض رماحها.
ينطلق أحدها مباشرة نحوي فأتعرّج جانباً لتفاديه. ثم يليه آخر وآخر فأتفادى وأتعرّج وأتعثر في قدمي لكن بغض النظر عن أي شيء أواصل الركض للأمام. في غضون ذلك يصل المشنوق إلى سطح المبنى. إنها تجربة غريبة ومحرجة أن أنظر إلى مكانين مختلفين تماماً دفعة واحدة: المنظَر أمامي ومنظَر المشنوق العائم في الأعلى. التضحية بنصف رؤيتي للقيام بذلك لا تساعد. لكن يمكنني استشعار مدى بُعد بطاقاتي عني ومع قوة إيراكيا التي تعرض عليّ محيطها أستطيع توجيهها بدقة من مسافة بعيدة.
أأمر المشنوق والبطاقات التي يقودها بالتحرك فوق موقع ساراف غبار النجوم ثمّ أكرس باقي تركيزي للنجاة من هجوم الساراف التالي. في الوقت المناسب تماماً إذ يمنجني الساراف نصف براميل البناء التي جمعها دفعة واحدة في قصف مبعثر. وبدل محاولة القفز فوق أحد البراميل المتدحرجة قريباً من الأرض أحمي وجهي وأحاول الاندفاع متجاوزة أحدها المحلّق عالياً. أُطرح أرضاً في الحال. ورغم كل قوتي المسلوبة وحتى مع جسم أجوف كذاك البرميل فإن جسدي أصغر من أن يتحمل شيئاً بذلك الحجم وجهاً لو وجه.
لكن متجاهلة النبض في ذراعيّ من الاصطدام أراهن على نحافة جسدي وأنحني مع الارتطام. أتدحرج للخلف وأمسك نفسي عائدة إلى وقفتي بحركة خشنة واحدة ثمّ أواصل الاندفاع للأمام فوراً. تؤلمني مرفقاي بعد احتكاكهما بالشارع خلال الفعل ويمكنني رؤية ريش أسود يطلّ من تمزقات في كمّيَّ لكن لا أملك الصحة المخزّنة لأهدرها في تهدئتهما الآن. لقد كنت أحرق إمداداتي بمعدل مرهق لم يزدد إلا سرعة كلما طال أمد هذا.
أنا قريبة الآن. يمكنني استشعار أطراف هالة رولاند الشديدة تضغط عليّ مجدداً. أبعد قليلاً فحسب. أحتاج إلى وضع نفسي بحيث يكون محشوراً بيني وبين نقطة الارتكاز حيث يسحب كل بطاقاتي الفارغة تماماً مثل المرة الأخيرة التي هاجمته فيها. هناك توقف في حركة نقاط الارتكاز التي يستخدمها الساراف لتوجيه الأشياء البلاستيكية لكنّ ذلك لا يدوم إلا للحظة قبل أن استشعار حيلته التالية. إنه يستدعي براميل البناء التي قذفها نحوي للتو.
أنظر من فوق كتفي لأرى الطبول مترّبة في صفين أحدهما يعلو الآخر مشكّلة جداراً يبدأ في الاندفاع نحوي فوراً. إنها الخذعة ذاتها عندما أرسل ذلك الكرسي بينما كنت أهرب ثم استدعاه لمحاولة سحب معي. الحصار من الحطام المجمع الذي أقامه الساراف أمامي لا يخلو من الفجوات لكنّه بدأ بالفعل في التخبط للأمام ليحيط بي في حلقة مجدداً. إنه لشبيه به حقاً في قطع كلّ طريق للهروب. لكن المشنوق في مكانه بالفعل حاملًا على ظهره مخزوناً من ثلاث عشرة بطاقة ملوثة أخرى ومطلّاً فوق الساراف بالأسلوب ذاته الذي أطلّ به فوقي منذ البداية.
ألتفت وجه المشنوق لينظر إلى عدوّي فأجد واقي قناعه ناظراً إليّ بالفعل. يفكّ ذراعيه المطويتين ويلوح لبطاقاتي ملوّحاً ودوداً. جرأته لا تصدق. سأجعله يدفع الثمن. نصف حزمة البطاقات الموبوءة تتناثر فوق الساراف متحركة إلى زوايا تضعه بينها وبين نقطة الارتكاز الثانية؛ تلك التي استخدمها لفصل بطاقاتي الفارغة عن تلك المحشوة بآفتي. إنها متمركزة في الشارع أسفل النقطة الأولى مباشرة ومستعدة لسحب بطاقاتي الموبوءة كلها إلى الأرض.
هذا يعني أن السبيل الوحيد لوصول بطاقاتي الموبوءة إلى الساراف هو الهجوم من الأعلى. بأمر مني تنزلق أربع من تلك البطاقات إلى نطاق نقطة الارتكاز الثانية ممطرة الساراف. أفجّرها واحدة تلو الأخرى — واحدة أسفله وخلفه لليسار، واحدة أعلاه وخلفه لليمن، واحدة أسفله وأمامه لليسار، والأخيرة أعلاه وأمامه لليمين. تتمدد الغيوم الزمردية نحو الخارج في كل الاتجاهات حتى تندمج أبخرتها محاطة الساراف من كل الزوايا.
ببساطة تفجير بطاقاتي لا يضغط عليّ بما يكفي لتهديد انبثاق تلقائي؛ فقد صُنعت مسبقاً بسحري منذ وقت مضى وهناك أُهدر معظم الجهد. في اللحظة العابرة التي ينشغل فيها الساراف أغطس عبر فجوة في موجة الحطام القادمة متسللة بين مجموعة من الأقماع المرورية المطاطية لأخرج من الطرف الآخر. أسمع الجدار المرتّب من براميل البناء الذي كان يطاردني ينضمّ إلى الكومة بصوت محطم. الإحساس المزلزل بوجود عدوّي يغمرني.
رافعة نظري أشاهد أحد جانبي الحجاب العملاق لضباب الطاعون ينخسف على نفسه ممزقاً صدعاً هائلاً في سطحه. هناك يطفو الساراف ملوّحاً بإصبعه المؤشر بينما يستدعي ثقب العالم المنخز ذاته الذي استخدمه لمسح ضبابي المرة السابقة. يمدّ عنقه ناظراً إليّ بجناحين مفرودين لكنّه يبدو متردداً منادياً إيّاي عوضاً عن ذلك.
"انتظري، شعرك...!"
لا أسمعه. أنا أتصرف فقط. أستدعي بطاقة أخرى من البطاقات العشر المتبقية التي رتبتها فوقه مسحباً إياها إلى نطاق نقطة الارتكاز الثانية من زاوية تكفل مرورها عبر موقعه الحالي مباشرة. ملاحظاً هجومي يطلق الساراف تنهيدة قاسية وهو يُلغي النقطة السوداء مندفعاً نحوي مباشرة وقناعه يقترب كأنه يريد جعلي أنكمش. لكنني كنت مستعدة لقيامه بذلك. قبل أن تتاح لي فرصة استحضار واحدة من البطاقات الموبوءة الأربع التي ما زلت أخزنها لأفجرها في وجهه مباشرة على مسافة قريبة جداً كان الساراف قد قفز للخلف مبتعداً عني.
لكنني أفلح في ذلك على أيّ حال؛ أفرز بطاقة ملوثة أخرى وأطلق العنان للمرض المتجسّد في داخلها قبل أن تُسحب بعيداً لعلّي أضع عائقاً آخر بينه وبيني. بالمثل أفجّر البطاقة التي استدعيتها من الأعلى بينما يمرّ أسفلها لكنّه أسرع من أن تلحقه. تحذّرني قشعريرة صادمة في ظهري من أحد هجماته فأقفز للخلف في الوقت المناسب تماماً لتفادي كرسي بلاستيكي آخر يجلد خارجاً من جدار خردة الطريق وشكله يندفع خارجاً من أعماق القتامة ويتلاشى فيها أثناء مروره.
متفادية دفعة أخرى من مقذوفات الساراف البلاستيكية أنزل بطاقاتي الموبوءة من الأعلى بالتتابع. ومع انفجارها تباعاً أشاهد بعيني الحرة والعين التي منحتها للمشنوق بينما يشق الساراف طريقه عبر الهواء كشريط ضوء أحمر متجنباً كتل الدخان المعدية الناتجة. أخطط لمسارات كلّ بطاقة وتفجيراتها بحيث تكون في الوقت ذاته تهديداً لعدوّي وتقطع أكبر مساحة ممكنة مما يملكه للمناورة. لقد استمتع بووقته في إجباري على الرقص: الآن دوري لأغمره.
الشارع يغرق في ضبابي محجباً ضوء مصابيح الشوارع وأجنحة الساراف واللحاف العظيم للنجوم في الأعلى. لكن عدوّي وأنا لا نحتاج للضوء لنرى. حواس أرواحنا تخترق القتامة والضباب الخانق مخبرة إيانا بمكان الآخر والأهم بمكان هجومنا. ومع ذهول هالة الساراف وشبه الاعتداء على إישراكي وحدي بمفرده يمكنني الآن رؤية غضبه العاري كعيب. أنا أعرف مكان وجوده تماماً وأستطيع توجيه بطاقاتي العلوية وفقاً لذلك.
وحتى مع افتقار الرضوخ الواضح لمحيطي فالانطباع المبهم الذي توفره نقاط ارتكازه يعدّ تحذيراً كافياً لتفاديها متى أرسلها نحوي. رغم ذلك فأنا أفضل قليلاً. رغم عجزه عن رؤيتي فهو يستطيع بالطبع استشعاري بالقدر الكافي لتوجيه هجماته عبر رداء ضباب طاعوني. ولا يبدو أن انعدام الوضوح يخدم تصويبه بأي شكل. نعمات صغيرة. أربع بطاقات أخرى وأربع غيوم إضافية من العفن المكثف تزدحم في مجاله الجوي كافية ليقرر الساراف أنه قد ضاق ذرعاً بتكتيكاتي.
يحلق نحو الأعلى فوق القتامة التي تغمر الشوارع الآن وخارج سحب نقطة ارتكازه الثانية تلك المتوافقة مع بطاقاتي الموبوءة؛ إنها المرة الأولى التي يجرؤ فيها على مغادرة أمانها. أأمر البطاقات الخمس التي ما زلت أمتلكها في الأعلى فوراً بالاقتفاء خلفه ومقودها المشنوق. تحترق بطاقاتي خضراء في سماء الليل راسمة تيارات زمردية في أعقابها أثناء ملاحقتها لخطّ الساراف الأحمر الملتوي مطابقة لسرعته تقريباً.
خارج المنطقة التي تتحكم فيها نقطة الارتكاز الثانية تكون بطاقاتي حرة في الحركة كيفما شئت وبخاصة مع المنظور الذي تمنحنيا إياه قوة إيراكيا. يحاول الساراف كسر تثبيتي عليه بمناورات سريعة ومسننة لكن بطاقاتي تنشطر عن بعضها البعض وتلاحقه من زوايا مختلفة طائرة لقطعه حيث سيكون بينما يبقى المشنوق ملازماً لذيله. لكنه زلق كعادته ولا أملك سوى عدد محدود من البطاقات للعمل بها لذا يبدو دائماً أنه يجد مفقراً للهروب.
بعد صعود حاد نحو السماء يغطس الساراف فجأة ليتزلج مباشرة فوق حافة نطاق نقطة ارتكاز الساراف الثانية وبطاقاتي لاصقة بكعبه. بنظرة عابرة تبدو حركته غير كفوءة مسمحة لبطاقاتي بالاقتراب منه لكن لدي فكرة مسبقة عما يخطط له. كنت أتوقع طوال هذا الوقت. لذا آمر بطاقاتي بالانفصال عن مطاردته والصعود حتى قبل أن استشعار نقطة ارتكازه الثانية تقفز من موقعها في الشارع وتنطلق سريعاً نحو الأعلى مباشرة وامتداد نطاقها يتحرك معها.
لكن في اللحظة ذاتها تفرقع قشعريرة باردة أخرى في عمودي الفقري. يطير برميل بناء خارج أعماق الضباب. أستشعار قدومه لكنني أقف دعه يصطدم بي. الارتطام يرسل جسدي الصغير منزلقاً عبر الشارع لكنني لا أبالي. يريد الساراف إلهائي وتعطيل تركيزي عما هو مهم حقاً لكنني لن أسمح له بذلك. يبقى تركيزي مدرباً تماماً على توجيه بطاقاتي خارج نطاق جاذبيته. لا أحتاج إلى هذه القشرة الواهية للقيام بذلك.
يحاول الساراف التقاط بطاقاتي المتبقية مستخدماً نفسه طعماً محرضاً إياي على إهدارها في مطاردة باطلة. لكن حقيقة قدرته على تحريك أي من نقاط ارتكازه كيفما أراد ليست خبراً بالنسبة لي. في الواقع كنت أتوقع منه فعل ذلك سابقاً لكنه عوضاً عن ذلك خاطر بنفسه في خدعة كهذه. في النهاية هذا ما كنت أنتظره. بينما تواصل بطاقاتي في الهواء الصعود والانتشار على طول حافة جاذبيته يسمح الساراف لنفسه بالهبوط عبر فجوة في ضباب الطاعون المستشري في الشوارع عائداً إلى النطاق الذي تغطيه نقطة الارتكاز الثانية.
يتداخل هذا النطاق مجدداً مع الأولى حيث تستقر حزمة من بطاقاتي الفارغة بلا فائدة. وتستقر ساقه فوق ركبة الأخرى وذراعاه مطويتان باسترخاء خلف رأسه المغطى بغطاء بينما يهوي إلى الأمان. يبدو معرضاً للخطر. أرفع جسدي الممزق عن الشارع وأندفع أسفله. أهذا هو الوقت؟ أأستخدمه مبكراً؟ لا. ليس بعد. سيكون لديه متسع من الوقت للاستشعار والتنحي جانباً وسأكون بذلك قد كشفت ورقتي. حقيقة امتلاكه مساحة ليسخر مني الآن تعني أنه لا يزال متحكماً.
التزم بالخطّة. أستحضر إحدى بطاقات الموبوءة الثلاث الأخيرة التي ما زلت أخزنها قاذفة بها نحو الساراف. لقد تغير المكان الذي ستندفع إليه كل بطاقاتي الموبوءة لكن الساراف ما زال متموضعاً بعناية ليكون بمستوى نقطة الارتكاز وعلى مسافة من مركزها. تنحرف بطاقتي عن مسارها فوراً دون أي فرصة لإصابته لذا أفجرها تحته سالبة مساحة أقل قليلاً قبل خطوتي التالية — تلك التي ستحسم كل شيء.
لأنني استدعيت في الوقت ذاته كلّ البطاقات الخمس في حاشية المشنوق المتبقية في الأعلى وكلّ منها تدخل نطاق نقطة الارتكاز واحدة تلو الأخرى مع دخول تلك الواردة من أعلى أولاً. أولى هذه البطاقات تقترب منه من الأعلى مباشرة. ومثل الهجوم الذي شننته من الأسفل للتو مقضيّ عليها بأن تُسحب إلى نقطة الارتكاز التي وفّقها الساراف لبطاقاتي لتنحرف بشكل جنوني عن مسارها لذا أفجرها ببساطة حاشرة عدوّي في منتصف هاتين الغيمتين.
بالتزامن مع ضباب الطاعون من كلّ جانب من تفجيراتي العديدة السابقة فهو محاط بالكامل بآفتي الآن. للأسف حتى مع سباق المزيد من البطاقات نحو المساحة المغلقة التي حاصره فيها ضبابي الدائم فأنا أعرف مسبقاً أن لديه إجابة جاهزة.
"كما قلت من قبل هذا لا ينجح!"
يعلن بكل تبجح حظي به منذ بدء هذا الصراع. ومثل ومضات صمت قرمزي تومض ست ومضات ضد السحب السامة فوقي حيث يختبئ الساراف مبشرة بهروبه المحتوم. حولي يُسحب ضباب طاعوني بسرعة نحو موقع عدوّي. إنه يطهر المنطقة من الضباب بالطريقة ذاتها التي فعلها من قبل. وكل لحظة يزداد الضباب السائد رقة. كل جهدي لخفض هذا الرداء سيلغى بعد ثوانٍ. والأكثر من ذلك أستشعار البطاقتين التاليتين اللتين أرسلتهما في طريق الساراف تتوقفان في مكانيهما قبل بلوغهما هدفهما.
أفجّرها على أي حال. حاشية المشنوق لا تحوي سوى بطاقتين متبقيتين بما في ذلك قائدهما. دخل الاثنتان نطاق نقطة ارتكاز الساراف متسابقين نحوه مع أخذ المشنوق القفزة الأولى. تمرّ البطاقتان عبر حجاب الدخان إلى فجوة نحتها الساراف في الضباب لنفسه فقاعة وسط القتامة تكبر مع كل ثانية. يطفو هناك في المنتصف محاطاً بست ثقوب صغيرة في الفضاء تستنشق قمع ضباب الطاعون المتجمع عليه من كل اتجاه.
تتوزع أربع نقاط سوداء بتشكيل مربع وهو في المنتصف بينما توضع الاثنتان الأخريان أعلاه وأسفله محتميتين به تماماً. يدور بذراعه اليمنى بحركة حلزونية وإصبعه المؤشر ممدود مشيراً إلى السماء؛ إيماءة تبدو ضرورية للحفاظ على النقاط السوداء. في المقابل كانت ذراعه اليسرى في منتصف حركة رمي أحد ريشه نحو المشنوق في اللحظة ذاتها التي دخل فيها الفقاعة. بطاقتي الأخيرة تدخل مأوى الساراف وسط العاصفة السامة مقلوبة.
إنه آخر ما يراه المشنوق: الناسك المقلوب؛ فتاة بأسمال ملابس بالية تسقط من ذروتي جبل مقلوب متمسكة بيأس بنقطة ضوء مجردة بعيدة عن متناولها. أحول إدراك عيني اليسرى إلى الناسك في اللحظة التي تسبق طعن المشنوق بريشة الساراف متجنبة الألم الحاد لطعن عيني اليسرى الذي سيتبع ذلك غالباً. يلتوي بصري المنقسم ويدور في حلقات مثيرة للغثيان وعبثية بينما يقفز الإدراك بين البطاقات. أول ما يراه الناسك هو المشنوق العالق في مكانه والمرتكز في النقطة التي أُصيب فيها؛
لا بد وأن هذا كان مصير البطاقتين اللتين دخلتا هذه الفقاعة من قبل. أفجّر المشنوق لكن انفجار ضباب طاعونه المتمدد يُتمزق فوراً بين أقرب نقطتين سوداء ويُخنق دون أي أمل في بلوغ الساراف. متجاوزاً بقايا المشنوق المتلاشية يندفع الناسك مسرعاً وما زال مسحوباً على شدّ نقطة ارتكاز الساراف نفسه. يرسل الساراف ريشة قرمزي أخرى لملاقاته. أفجّرها أولاً مسببة مرور ريشة الساراف بسلام عبر الضباب.
لكن رؤية عيني اليسرى تبقى وسط الأبخرة. يتحاشى الساراف للخلف بينما يتمدد ضباب طاعون الناسك مجبراً أبداً على الاقتراب من حدود مخبأه القاتمة؛ وحتى الآن يواصل حركة دائرية لذراعه اليمنى. بدلاً من ذلك ينضغط ضباب طاعون الناسك فجأة على نفسه كأنه سُحب مجدداً للبطاقة التي انبعث منها ابتداءً. تتشكل الأبخرة المنضغطة في هيئة بشرية مقلوبة. شكلي لكن ملتوٍ قليلاً. ترتدي أنا الأخرى ثوب حداد أسود حالكاً بلا لمعان.
ينسدل شعرها الأبيض الريشي على شكل لبدة طويلة وشعثة مبللة بسائل كحبر أخضر مسودّ. لحمها الباهت شفاف كقنديل البحر عارضاً صورة ظلية لعظامها. ليس لديها سوى عين واحدة — عيني اليسرى — لكنها توهجت ببريق سام أخضر أسطع حتى من خاصتي. طاردت سيريانا نفسها بربطها بالمرساة ومعاقبتهم من خلال دمى مزيفة لنفسها. القوة التي منحني إياها قلبها كانت استخدام حالات من سحري كقناة مسمحة لي بالتصرف من خلالها.
هذه الدمية الضبابية للطاعون تعبير عن ذلك. تطفو ذاتي الثانية هناك مقلوبة كأنها مدعومة بالريح. ففي النهاية أنا ذاتي الثانية كضباب أو مرض على النسيم. أنا ذاتي الثانية أطفو أمام الساراف مستحضرة إحدى بطاقتي الملوثتين الأخيرتين اللتين أخزنهما رامية بهما فوراً على عدوي الذي ما زال يطفو بيني وبين نقطة الارتكاز التي استخدمها لاختطافهما مرة بعد مرة. أفجّرها. يلقي الساراف بذراعيه أمام واقي قناعه ويطوي جناحيه حول نفسه بينما يهبط بسرعة.
تتحرك النقاط السوداء الموزعة عبر الفقاعة لمتابعة تشكيل المربع المركزي بأكمله غاطساً بجانبه ليحيط بالنقطة السوداء التي كانت في القفل سابقاً؛ تبدأ هذه النقاط الأربع الخارجية بالدوران حول هذه النقطة المركزية وتغرق جميعها معاً مزيلة ضباب الطاعون أدناه كأنها تحفر مستقيماً خلاله. كان يوقف بطاقاتي بريشه لحظة دخولها فقاعة الضباب كي تستطيع ثقوبه الصغيرة في العالم تذوقها قبل أن يتمكن الضباب الذي أنشأته من محاصرته بشكل أكبر.
ودون تلك النقاط السوداء المبددة لغيوم الطاعون القادمة لا توجد مساحة كافية هنا ليتفادى بسهولة بطاقة موبوءة تنفجر على مسافة قريبة جداً لذا كان خياره الأفضل صنع المزيد بالسرعة ممكنة. يؤتي هذا الراهن ثماره تاركاً إسفينًا من المساحة المنظفة حديثاً أدنى التفجير الأخير ليختبئ فيه. أستشعار هالته البغيضة وهي تقترب من ذاتي الأولى التي ما زالت على الأرض بالأسفل. لن يطول الأمر كثيراً.
في الثانية التالية يستدعي الساراف النقطة السوداء التي كانت فوق الخمسة الأخرى لتهبط في الغيمة الأخيرة مصاصة إياها. في الوقت ذاته تندفع ذاتي الثانية عبر القتامة المتبقية. ما إن تقترب حتى أجعلها تستحضر آخر بطاقة موبوءة أمتلكها وتفجرها على مسافة قريبة جداً بحيث لا تملك فرصة للهروب. ينفصل جناح الساراف اليسرى عن ظهره مفككاً إلى التواء ضيق من الريش المتوهج الأحمر. تحزم وتنضغط معاً في لحظة لتشكيل رمح من الضوء القرمزي.
يمدّ كفه في اتجاه نسختي وينطلق الرمح للأمام قاطعاً الضباب ومخترقاً إياها مباشرة في المعدة. أشعر بصدى وهمي لألم مزدوجتي لكن بينما تجبرني الإحساس المؤلم بتمزق أمعائي وفصل عمودي الفقري على التعثر فهو يختلف عن المرة التي دمرت فيها سيريانا البطاقة التي كنت أرى من خلالها قبل يومين. لا يستمر هذا الألم إلا للحظة قبل أن أقطع الاتصال بذاتي الثانية وأكتسح الألم من طريقي.
في اللحظة ذاتها تخترق نقاط الساراف السوداء حجاب الدخان في الأعلى كاشفة عن شخصيته الساطعة مجدداً. أستحضر ثلاثة السيوف: ثلاثة نُصول رقيقة كأنياب مستقيمة طويلة مطعونة عبر قلب من طين رمادي بني مرقط وملفوفة بأنابيب حمراء قانئة. البطاقة التي عزلُ مرض يورفالْن فيها حين بدأ هذا كله حين حاربت هاربينغار لأول مرة قبل شهرين. لا يوجد جذب عليها. كما ظننت لا تؤثر جاذبية الساراف على هذه البطاقة لأن هالتها ليست مطابقة تماماً لهالتي.
ينهار شكل دميتي حول رُمح الساراف كصورة مصنوعة من دخان. يطبق الساراف كفه الممدودة إلى قبضه وينضغط الرمح إلى كرة ساطعة تتقلص بسرعة إلى لا شيء؛ وفي مكانها ثقب منخز آخر في العالم يمتص فوراً بقايا ضباب طاعوني قبل أن يختفي هو نفسه. لا بد وأن الساراف شعر بقدومي. لكن نظراً لتركيز انتباهه بالكامل على التصدي لي استناداً إلى حركات سحري طوال هذا الوقت فإنه يلاحظ ثلاثة السيوف متأخراً بثانية واحدة.
لقد حاربت حارساً آخر مرة واحدة لكنني تمكنت من الإيقاع بها على حين غرة رغم بدا قادرتها على استشعار هجماتي قادمة. في النهاية هذه هي الطريقة ذاتها التي هزمتها بها: كان عليّ تضليل وإخفاء هجومي الحقيقي عن الحارس الآخر لأوقعهم على حين غرة أخيراً. لكن الساراف وحش مختلف تماماً عن تيثا. محاولة الشيء ذاته مراراً وتكراراً لن تنجح معه أبداً. وحتى محاولة خدعة جديدة واحدة عليه لم تكن لتلمسه.
وحتى إن كان يعبث معي فهو كما أخبرني من قبل: لا يزال يراقب. ولا يزال مستعداً لأي شيء ألقيه عليه. سأحتاج إلى مفاجأته مرتين على الأقل لأوقع به عن غفلة حقاً. وحتى هذا قد لا ينجح نظراً للموهبة المذهلة المفترض امتلاكه لها. لذا أعددت ثلاث مفاجآت. دون إبطاء ثانية واحدة أرمي ثلاثة السيوف على الساراف بكل قوة يستطيع ذراعي النحيل حشدها. في اللحظة ذاتها يلتفت الساراف في الهواء ليواجه اتجاهي وجناحه المتبقي ممدود.
برفرفة عظيمة يطلق جناحه الأيمن عاصفة بَرَد من الريش. تمر ثلاثة السيوف متجاوزة إياها وهي تمطر عليّ أسرع مما يمكن لعينّي متابعته. تخترق الريشات نسيج فستاني وتسحبني للخلف مجبرة إياي على الأرض ومثبتة إياي هناك. تحيط بي كورود في مرج. يلمض الهواء حولها بتماسك مألوف يجعل جسدي بأكمله ثقيلاً مقيداً إيّاي عن أي حركة. لقد أمسك بي ولا مفرّ. تتجه نظراتي المذعورة نحو الأعلى. أرى الساراف يطفو في الأعلى وثلاثة السيوف مغروزة في درعه.
زاوية البطاقة مستقرة في قطعة صدره. في أجزاء الثانية التي تشكل هذه اللحظة التي تبدو بلا نهاية أراه يميل رأسه إلى الأسفل متأملاً إياها كفي حركة بطيئة. قبل أن أفجرها تنفجر ثلاثة السيوف تماماً من تلقاء نفسها كأنها ورَم سرطاني. كتلة شبيهة بالضباب سميكة لدرجة تبدو كقطرة عائمة من حمأة رمادية عميقة تتطاير في العالم. تضغط جوهرتها اللزجة على درع الساراف بمعانقة مسربة إلى كل شق حتى تُتشرب تماماً.
تنبض تموجة عبر الهواء مسببة هدوء كل شيء. تنبعث رائحة الموت الحي إلى الخارج.
"ماذا، ما هو... غوغه، غك، آوغه!"ترتد هالته.
تنهار نقاطه السوداء كلها إلى لا شيء. نقاط الارتكاز الحاملة لجدار الأشياء التي جمعها من الطريق تختفي دفعة واحدة مسببة انهيار الخردة المكونة لها على الشارع في كومة. ريش الضوء المثبت لي على الشارع ينفجر إلى جزيئات متألقة تختفي في لحظة. ينفجر جناح الساراف القرمزي المتبقي ويتناثر في حشد من الشرارات بالطريقة ذاتها. أندفع واقفة لمشاهدة الفوضى تتكشف. يطفو الساراف هناك وذراعاه مطويتان حول نفسه مهتزاً ومرتجفاً.
بصراخ خائف يُرمى جسده فجأة عبر الهواء متحركاً بجنون من اتجاه إلى آخر. أولاً يُسحب إلى الجانب ثم يُقلب صعوداً عبر نفخة رقيقة من ضباب الطاعون الباقي حتى يخرج مساره عن السيطرة تماماً ويهوي كمذنّب ممزق من السماوات. بصوت كالمطرقة المتحطمة ضد صخرة يهوي مرتطماً بالأرض في طرفة عين وبالسرعة ذاتها التي رأيته يتحرك بها قط كأنه أُطلق من مدفع مباشرة إلى الشارع. الساراف ممدد عبر الرصيف.
يرقد هناك بلا حركة كطير ميت. الزجاج الملون لواقي قناعه مكسور من جانب واحد. أهو...؟ لا. لا لا لا لا يمكنني أن أكون قد فعلت. إنه حارس وهو أقوى مني بكثير وروحه لا تزال هناك إنه فقط... ...تتخالج أصابعه. فجأة تصطدم هالته بي بكامل القوة ثم تخفت ثم تعوي إلى الخارج مجدداً ومضة في الداخل والخارج كالمصباح المحتضر الذي يحرق نفسه حتى العطل. عصفة قوية تعوي من شكله الساقط عاصفة عبر شعري وطاردة ضبابي الزمردي.
"أنت..."يخرج صوت بحة مسببة ارتعاش الهواء.
خوف جديد يلتف حول قلبي كملزمة. أتسابق للوقوف قبله. ينهض الساراف بذراعه اليسرى وحدها. يتدلى يمنته برخاوة إلى جانبه أثناء نهوضه. هناك عظمة بيضاء لؤلؤية تبرز بشكل مسنن من كمّ حليّه الممزق. قطرات عائمة صغيرة من الجروح تسيل عائدة إلى جسد الساراف. أسمعه يزمجر بألم متبوعاً بصوت طقطقة مقزز للعظمة المكشوفة وهي تعود إلى مكانها الصحيح. يبقى ذراعه الأيمن مسترخياً وبلا قوة. يستنشق أنفاساً حارقة وموجوعة وهو يمسح غطائه ويزيل غطاء رأسه.
ينسدل ستارة طويلة من الشعر في رفرفة من خيوط حريرية متألقة ذهبياً في ضوء الشارع الخافت بينما تقعقع الخوذة التي احتوتها على الشارع. لقد رأيت وجهه من قبل في الإعلانات وعلى شعاب الكنيسة لكن ليس هكذا أبداً. الوقوف هنا كأنها لحظة مجمدة في الزمن. لا يمكنني تحويل بصري. وراء الأهداب الطويلة تحدق عين حمراء واحدة عميقة ولامعة كالياقوت من وراء خصلاته. مقتها المطلق يخترق صميمي لكن جماله يجذبني شارباً إياي في كل تفصيل كأنني في غيبوبة.
أريد الركض لكن ساقي لا تتحركان. ينزف من جبهته وكتلة حمراء تتقاطر من جبينه وتتشبث هناك كأنها معلقة في الفضاء. يبدو جلده شاحباً كأثمد ورغم لونه كونه خدعة من الضوء القليل المحيط بنا يبدو لونه مع كل لحظة أكثر رمادية.
"أنت... ماذا فعلت، أنت... غرغه... أورغه!"يقبض بيده السيدة على بطه وي ينحني وفمه مشوه كأنه يريد الصراخ لكن لا يتبع ذلك أي صوت.
سوى مجمل من الطين مختلط بالأعشاب البحرية ويحوم بدود القز. تتدفق الحشرات متعددة الأرجل عبر الأرض بسرب متلوّي جامح متناثرة في كل اتجاه. وراء كل ناب من أنيابها الوحشية ابتسامة أسنان بشرية بيضاء لامعة طويلة جداً وعريضة جداً. ينتهي تقيؤ الساراف بنحيب مقزز ومشمئز. يبصق بجنون وفي أثناء ذلك تتحول إهاناته إلى ضحكة لا أستطيع استيعابها.
"ههه... هههه... هاهاهاها!"
ينظر للأعلى مجدداً. يمكنني رؤية آثار ابتسامة متوترة تلمّح خلف شعره. وراء دموع رمادية غائمة بالتراب تخترق نظراته جمجمتي ككسرة زجاج. يهتز الزجاج مرسلاً رسالة إلى دماغي تخبرني بالركض. لكن لا مكان أذهب إليه.
"ههه، هاهاهاها..."أكان ضحك الساراف نابعاً من مشاعره الخاصة أم فرضه مرض يورفالْن عليه فلا أدري.
دموعه الطينية تقطر من ذقنه بكتل كثيفة. تجف في الهواء المتوسط وهي تسقط. وحين تضرب الشارع تنبت أرجل حشرات صغيرة وتبدأ في التسكع بلا هدف مصدرة أزيزاً حاداً وهي تتعفن إلى تراب وتتفتت.
"سأقتلك..."يبدو الأمر واضحاً الآن.
لم تكن في أي خطر إطلاقاً في ذلك الحين بالمناسبة. أنا لا أخطئ هدفي أبداً. هكذا تسير الأمور. هه. جعلتك تفزع. حتى حين عجز عن رؤيتي عبر ضباب طاعوني لم يصممني ريشه مباشرة. طوال هذا القتال لم يحاول ساراف غبار النجوم قتلي مرة واحدة. لأنني حتى هذه اللحظة لم أكن أدرك ما سيكون عليه الشعور لو أراد ذلك حقاً.يومض ذكرى في عقلي. مشهد ولدين يقفان فوق جنادب مقتطع كل قدميه حتى لم يعد سوى كرة مسكينة لا تستطيع سوى انتظار الموت.
"سأقتلك! ستوتين وحدك...!"
إرادة الساراف تغلف كل شيء. يتشوه العالم من حوله إلى فوضى من أشكال باهتة. ترتطم ركبتاي بالأرض فوراً. تحفر نتواءات ونتوءات الشارع عبر جواربي إلى جلدي. تتدلى كتفاي. ثقيل. هناك شيء ثقيل على كل جزء من جسدي. كل شيء في جسدي ثقيل أيضاً. ثم يزول الثقل متلاشياً حين تفتر قوة الساراف لفترة قصيرة. لحظة راحة مع ارتداد الساراف للخلف... ثم أُسحق مجدداً أشد من ذي قبل. أستشعار الدم في عروقي متسابقاً إلى أطراف أصبعي والمكان الذي تلمس فيه ساقي الرصيف.
نبض قلبي يجهد ضد الثقل. لا أستطيع التنفس. الهواء في رئتي ثقيل. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. يزول الضباب. أستنشق لثغرة هواء يائسة لأُصفع خارجاً عنها في اللحظة التالية. يصطدم قمع مروري ببطني مرسلاً إيّاي للخلف. أهبط على طاولة بلاستيكية بأرجل مطوية سُلّبت ورائي دون أن أنتبه. ترتفع في الهواء بسرعة مذهلة حاملة إياي معها قبل أن تتلاشى القوة الرافعة لها للأحلى فجأة.
تبدأ الطاولة في السقوط. وأسقط أنا أيضاً. من موقعي المطل في السماء أرى الساراف ممسكاً بخصلاته الذهبية بينما يتقيأ نهراً آخر من الطين والأعشاب البحرية ودود القز السعيد. أطرف عيني فيختفي. في اللحظة التالية أُسحب من السماء من عنقي. وقبل أن أستوعب ما يحدث أُطرم مرطمة بنافذة تعلو عدّة طوابق عن الأرض. المبنى هو الشاهق ذاته الذي أمرت المشنوق بتسلقه سابقاً. المخالب حول حنجرتي هي مخالب الساراف بالطبع.
إنه يمسكني في خنقة بذراعه السيدة الواحدة. يميل رأسه إلى الجانب بادياً كصقر جائع أكثر من أي وقت مضى. تشكلت شقوق عبر جلده الرصاصي. بدأت أجزاء من وجهه في التقشر. النظرة الهوسية في عينيه المحقونتين بالدم اللتين تطلان بين حجاب شعره المشابك تنظران إليّ بغضب بارد لدرجة أنه يحرق.
"حركة سيئة."كيف لا يزال مستمراً رغم كل شيء؟
كيف ما زال قوياً إلى هذا الحد؟ ينبغي أن يكون هذا أسوأ بكثير من كلّ ما فعلته لتيثا ورغم ذلك لا يتوقف. الجاذبية تسقط جانبياً ساحقة جسدي ضد الزجاج. تتمدد أطرافي بيأس. القوة شديدة لدرجة سماعي الرصيف يتششق من الضغط. أحاول الصراخ لكن صوتي يُكتم. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس.
لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. لا أستطيع التنفس. سيقتلني. سيقتلني. سيقتلني. سيقتلني. سيقتلني. سيقتلني. سيقتلني. سيقتلني. سيقتلني. سيقت— لا لن يفعل. لن أسمح له. ما زلت أتذكر وعدي لنفسي حتى الآن. خصوصاً الآن حين تخذلني هذه القشرة التافهة مراراً وتكراراً. الموت مجرد كابوس استيقظت منه منذ زمن طويل.
في هذه اللحظة يمكنني استشعار حياة الساراف الهائلة بجانب حياتي تماماً كحرارة شعلة متقطعة تصارع عاصفة متصاعدة وخافتة وعاوية وأنينة بمقدار متساوٍ. أنا عند حدي. كلّ ما فعلته لإيصال الساراف إلى هذه النقطة دفعني إلى الحافة تماماً أيضاً. خطوة أخرى وسأهوي. أعرف أنني سأفعل. أعرف إن فعلت فستتغير. سأتغير ولن أستطيع التحكم بذلك. لكنني لا أبالي.
لن أموت أبداً.تتسلل خيوط متألقة من الضباب الزمردي من جسدي المكسور بشغف مندفعة مباشرة إلى الساراف— "هذا. لن. ينجح. أيتها الأميرة."—قبل أن تُجذب للخلف في اللحظة التالية مباشرة دون أن تصل إلى طريدتها.
تكونت إحدى نقاط ارتكاز الساراف خلفي في المكتب وراء زجاج النافذة جارة أطراف تغذيتي غير المادية إلى قبضتها. قلبي يسقط في قاع الحفرة — حيث تذهب كل آمالي المستقبلية لتموت. وتتلاشى خيوط ضبابي الزمردي معها. لقد انتهى الأمر. الضغط الساحق على جسدي يسترخي مسمحة لي باستنشاق نَفَس يائس لكني أبقى ملتصقة بالنافذة عاجزة عن الههرب. يفلت الساراف حنجرتي رافعاً ذراعه السيدة. خلفه يتلألأ وميض ضوء ممتداً إلى شكل إبرة طويلة متوهجة حمراء قانئة كنسخة صغيرة من رمح الضوء الذي استخدمه لإنهاء سيريانا.
"لا بد أنك كنت تعلمين كيف سينتهي هذا. ومع ذلك فعلتِ ذلك على أي حال. ها نحن ذا."
لا يسعني سوى النحيب بشيء واحد.
"لا أُريد الموت."
تنهمر دموع دافئة على وجهي. لا أستطيع كبحها.
"لا أريد الموت. لا أريد الموت..."
أرددها بوهن مراراً وتكراراً تلو الأخرى.
"لا أريد الموت... لا أريد الموت... لا أريد الموت...!"
صوتي صدى باهت وغريب لنفسه كهمسة تحاول الحمل من مكان بعيد جداً. يهدأ الساراف. تحدق عينه الياقوتية الفردية في عيني بينما أثرثر بلا فائدة. تمضي الثواني. لا يفعل الساراف شيئاً. صراخي المختنق يتكرر في الليل. تتذبذب ذراع الساراف السيدة عند الكتف. تبدأ أصابعه في الانحناء. فجأة يتراجع جاقراً يده إلى فمه لكنه لا يستطيع إمساكها. يتقيأ مجدداً جدولاً آخر من القمامة ودود القز خارجاً من حلقه وواقعاً إلى الأرض البعيدة أسفلنا.
تنتهي مناشداتي المتكررة على عواء مفاجئ من المفاجأة بينما تختفي إبرة الضوء العائمة من الوجود. يطفو هناك أمامي مقبضاً على قطعة صدره. الأصوات الوحيدة المتبقية بيننا هي أنفاسنا المعذبة. ثم في المسافة أشعر بشيء يقترب منا. حضور آخر. إحساس غير مادي بالصغر كالملاحظة من أعلى كقطعة صغيرة في تصميم عظيم. قطعة لا تنتمي. يبدو أن الساراف يلاحظ ذلك أيضاً. يلتوي جزء شفتيه الذي يمكنني رؤيته من خلال شعره الطويل إلى عبوس.
"...يا له من أمر فوضوي."أشعر فجأة بقوة تثبيتي بالنافذة تتلاشى.
أطلق صرخة رعب مع بدء السقوط لكن حتى صراخي همسة مكتومة. أرفع يديّ أمام وجهي مغمضة عيني بإحكام قبل الرصيف المتقدم بسرعة لكن إحساس جسدي بالارتطام بالخرسانة لا يأتي أبداً. أطرف عيني فأرى نفسي مغلفة مجدداً ببريق من الهواء المشوه. لكن هذه المرة يسبب هبوطي بنعومة وتدرج. يهبط الساراف معي. ما إن نصل تقريباً إلى الأرض. يمسكني من معصمي جاداً إيّاي من عمود الضباب وقامفاً بي إلى الأرض ورائه كدمية خاملة.
أئن بسبب المعاملة الخشنة لكن ناظرة من ورائه أستطيع رؤية أنه كان يسحبني بعيداً عن بركة الطين المتقيأ الذي كنت على وشك الهبوط فيه. الحضور غير المألوف من قبل يقترب.
"أتعرفين من هذه؟"
يسأل. أهز رأسي وما زلت تحت الصدمة. يبتسم بمرارة من الشق إلى الشق بعينين ماكرتين ومضيقتين. حتى تلك التعبيرات البغيضة المتعفنة بلعنة يورفالْن جميلة بشكل غريب في التوهج الأحمر الخافت لعينيه.
"تلك إريدا."
صوته همسة ممزقة وفارغة.
"إن كنت تظنين أنني سيء... ففكري فقط فيما ستفعله الحارسة الوحيدة فوقي إن وجدتِك."
يمد ذراعه السيدة مشكلاً ريشة ضوء في كفه.
"حاشا لي أن أسمح بذلك."
يقبض على الريشة القرمزي في قبضته وحوافها الحادة تحفر في لحمه. ترتفع كرات من الدم العائم المتألق بغرابة في الإضاءة الخافتة من بين أصابعه بينما تتلاشى الريشة.
"حسنًا. لقد فزتِ،"
يقول واقعاً على ركبتيه أمامي.
"إذن سأمنحك هدية وداع. لا داعي للشكر."
يمسكني من كتفي جاداً إيّاي ومقرباً إياي وضاغطة أصابعه الملطخة بالدماء على وجنتي ملوثاً وجهي بشيء ما. شيء في يصرخ لأدفعه بعيداً لكن بطريقة ما لا أجد القوة. تحدد هالة حمراء جسدي للحظة ثم تتلاشى. يبدو جسدي أخف بطريقة ما بالفعل.
"ها نحن ذا..."
يقول طارداً وجنتي.
"يجب أن يجعل ذلك العودة للموت سهلة. والآن اخرجي من هنا."
أجلس هناك مذهولة غير متأكدة تماماً مما يحدث. لا أعرف ما أفعل. ما الذي يحدث الآن؟ هل أنا حرة في الذهاب فعلاً؟ ألم يرغب في أخذي؟ لا، شيء ما تغير. لأن الحضور الآخر قادم... أترنح عائدة إلى قدمي بساقين غير ثابتتين لكن الحركة بحد ذاتها سهلة. حتى بتعبي يبدو الأمر كأن تعبي لا يقيدني. أنظر إلى الساراف.
"اذهبي."
دون خيار آخر أنطلق مسرعة إلى الليل.