من عساه يكون هذا الحارس؟ إنه يشعر حتماً بالنذير، ولكن كيف تبدو له هذه التجربة يا ترى؟ أما كان بإمكاني إخباره بأن هذه صيدتي وأنني أتولى أمرها؟ أقالها حارس من قبل حين حضر للمساعدة؟ لابد يفعلون وإلا لكثرت الفرق، وما أنا بالوحيدة التي تحتاج إلى شيء عاجل... لا، هذا استطراد عقيم. كل ما يهم الآن هو ما أقوله وما يظنه الحارس الآخر بي. لن ينتهي هذا على خير إلا إن استطعت الكلام للخروج من هذا المأزق، وما علي قوله هو...
لا أعرف. يستحيل التخطيط لهذا بأي شكل حقيقي. هناك الكثير مما أجهله. يبدو الهرب أغرى مع كل ثانية أجلس فيها منتظرةً عثور الحارس علي. لكنه لم يكن خياراً وارداً البتة، وخاصة الآن بعد أن صار داخل المبنى. فيما يقتربان، أحاول تفقد الحضور الجديد عن كثب. قالت شونا إن للحراس بصمات روحية يمكن قراءتها، فلعله شخص أعرفه؟ ثمة صوت محيط شاسع. أمواج تعلو لتغسل الأقذار والفساد. منارة. لا شيء يذكرني بأحد أعرفه.
لا شيء نافع. صرخات مباغتة وأصوات تدافع المبتعدين تعلن قدومه قبل أن يظهر للعيان. ومع وصول الضجيج إليّ، أتحول. لا فائدة من إخفاء سحري ما داما قد بدأا دخولاً درامياً. ظلال راقصة وخيوط خضراء عليلة تخنق أنوار زاوية القراءة برهة. حين ينجلي الظلام، يقف الحارس الجديد أمامي. حسناً، يقف بالكاد. تنحني لتستعيد أنفاسها فور توقفها عن الرض، داعمة نفسها بيديها الاثنتين على رمح ذي شعبتين فضي.
شعر أنيق بلون المحيط، ستارة منسدلة من درجات الأزرق العميق والتركواز تتبدل ألوانها مع انعكاس الضوء عليها بشكل مختلف، تنسدل على وجهها وتحجب معظم جسدها. بعد لحظة، تنتصب وتلوح بسلاحها في نصف دائرة واسعة، كأنما تشير به، وهو ما قد يفسر العجلة في الابتعاد عن طريقها. إنها فتاة ناعمة الملامح في مثل عمري، وعيناها تطابقان شعرها بألوانهما المتباينة المتقلبة. لززي الحارس طبقتان متميزتان.
الأولى فستان أزرق ملكي بلا حمالات، مكشكش قليلاً عند خط العنق. وهو مشدود في موضعين: في الأعلى برباط فضي يختفي ويظهر ليعقد عقدة حذاء فضفاضة في الأمام، وعند الخصر بحزام من شريط بنفسجي تتدلى نهاياته في الهواء خلفها متجاهلة الجاذبية ببساطة. الطبقة الثانية أصعب قليلاً في التحديد. شكلها كتنورة ذيل متموجة وأكمام فضفاضة منفصلة لا تغطي ذراعيها تماماً، لكن قماشها الأبيض المشوب بزرقة طفيفة شفاف لدرجة تبدو معها كضباب رقيق لا قماش.
أقرب تشبيه لدي هو قنديل البحر الشفاف، لكنه أقل صلابة وثباتاً بكثير.
صاحت: "وصل المدد! أين النذير؟ أهناك ضحايا؟ أهناك جرح؟ أين هو؟"
قلت: "أهلاً"، ثم تجهمت في داخلي.
يا له من افتتاح رائع مني.
"شكراً... شكراً لقدومك، لكن ليس هناك أي من تلك الأشياء. السيطرة بيدي. سيختفي قريباً. يمكنك الذهاب إن شئت".
"ماذا؟ بلى بالطبع! إنه هنا تماماً!"
دفعت برمحها ذي الشعبتين إلى الأمام بسرعة جعلتني أنكمش، مشيرة به نحو الكتاب الذي في حِجري. حسناً، كان علي المحاولة. لننتقل إلى الطريقة الصعبة.
"صحيح. ظننت ذلك أيضاً حين شعرت به أول مرة، ولكن أيبدو كنذير؟ أيتفاعل كنذير عادةً أمام حارسين يحومان فوقه؟ هاك، انظري".
رفعت الكتاب. انكمشت مبتعدة عنه في البداية، لكنها وقفت ثابتة تنتظر بينما رحلتُ ألوّح به، ثم وضعته على مسند مقعدي ولكمته بأقصى ما أملك من...
"آك!"
بالكاد كظمت صرختي. خففت القفازة الصدمة قليلاً، لكن الارتطام أزاح إبهامي عن موضعها تحت أصابعي. لست متأكدة إن كانت مكسورة أم لا، لكنها تلتهب وأنا أفض يدي، وخرجت زفرة هواء فحيحاً بين أسناني المطبقة وأنا أتحمل الألم.
أحسب أنني محظوظة لكون "أقصى ما أملك"
ليس بالكثير. لكني لست محظوظة إلى هذا الحد. أحدهم شاهدني أفعل ذلك. لا تزال تنتظر في صمت مرتبك لأكمل نقطتي. احمرّ وجنتاي قليلاً. هذا عظيم. أترك انطباعاً رائعاً.
تابعت متجاهلة ما حدث للتو: "أرأيت؟ إنه لا يفعل شيئاً. لأنه لا يستطيع. لم تخطئي حين شعرت بنذير، لكنه ليس نذيراً كاملاً. الأمر معقد بعض الشيء".
كل ذلك صحيح بغالبيته. أما وجهتي بهذا الكلام فأقل صحة بقليل، لكن... في الواقع، ألا يزال خطتي تنفع الآن؟ لقد جعلت هي الأمر أكثر فوضوية بكثير. هب أنني أقنعتها بأن كل شيء على ما يرام وأن عليها ترك وشأني. لا يزال الكثيرون يشاهدونها تقتحم المكان صارخة بشأن نذير. إن أعدت الكتاب إلى مكانه، فسيتعين علي القلق بشأن وصول نبأ هذا الشيء الغريب الذي حدث لأحدهم ليأتي ويتحقق منه. إن كنت محظوظة فقد يظن المارة أن الحارسين قد توليا الأمر، ولكن متى كنت محظوظة يوماً؟
ربما يجدر بي قطع خسائري. قتله الآن والابتعاد عن هذه الخطط الحمقاء. لا، لقد استثمرت وقتاً طويلاً في هذا. يجب أن أُجرب على الأقل. أف.
"لنتمشى ونتحدث قليلاً، حسناً؟ هذه مكتبة ونحن نثير ضجة".
نهضت وعصرت نفسي متجاوزة إياها وأشرطتها المتموجة الملتفة، متجهة نحو المخرج والكتاب في يدي. تحدقت الفتاة في بوجه مفتوح فاهها برهة أخرى، ثم هزت رأسها، لكن الأمر أشبه بمحاولتها نفض حشرة عن شعرها لا بمخالفة الرأي. استدارت وتحركت كأنها ستتبعني، لكنها توفقت في منتصف خطوتها الأولى.
"هي، انتظري! قبل أن نركض إلى أي مكان، أنت تعرفينني وأنا لا أعرفك ولا أظن هذا عادياً أبدان. لذا".
عقدت ذراعيها، تاركة رمحها يطفو بكسل في الهواء، ونقرت بقدمها في ترقب.
"...لكنني لا أعرفك"، استدرت لأجيب بحيرة حقيقية.
"هاه؟ ماذا تعني؟"
قلت ببطء شديد: "أعني أن هذه المرة الأولى التي أراك فيها، شخصياً أو بأي طريقة أخرى، ولا أستطيع معرفة إن كنت سأعرفك بالاسم دون اسمك".
من الوجه الذي صنعته، لظننت أنني أخبرتها أنني أكرَه القطط أو شيئاً كهذا.
سألت وعبوس يخط جبينها وهي تحدق: "أمتأكدة أنت؟"
ماذا؟ لمَ قد أفعل؟ أظن أن بعض الناس يميلون لمعرفة الحراس فور رؤيتهم لأنهم يظهرون في الأخبار وتُستخدم صورهم للدعايات وما شابه، لكني توقفت عن تتبع ذلك حين توقفت عن الأمل في أن أصبح حارسة يوماً. أحسب أنها مألوفة نوعاً ما، فلعلني رأيت وجهها على موقع الكنيسة، لكن أتراني حقاً مطالبة بالتعرف عليها بينما هي لا تعرفني أيضاً؟ في فترة الصمت التي سبقت ردي، ارتسمت ابتسامة خبيثة على أحد جانبي شفتيها.
سألت وعيناها تلينان بتبرير راضٍ، كأنها اعتبرت خرساني إدراكاً متأكداً لمن أتعامل معه: "أه؟ لقد وصلك الأمر الآن، أليس كذلك؟"
... أوه لا. قد تكون غبية. لا أستطيع الجزم إن كان ذلك يجعل مهمتي أسهل أم أصعب.
قلت: "لا، أنا متأكدة. وليس هذا حكماً عليكِ، أياً كنتِ. فالحقيقة أنني منبوذة تعيش تحت صخرة، لذا أرجوكِ أن تنويري".
ردت بضجر: "أياً كنت..."، واتسعت عيناها قبل أن تصك لسانها وتطرف لترد استياءها.
ثم نفت بضيق: "حسناً! إن كنتِ لا تنبسين ببنت شفة حقاً عن أي شيء، فأنا تيتا فياناتا، ملاذ البحر!"
صوتها يمنحها نبرة حارسة في برنامج أطفال على وشك اتخاذ وضعية سخيفة، لكنها وضعت يدها الحرة على صدرها، ورفعت ذقنها، و... أتراني تراقبني لأتعرف عليها؟ أتأمل ذلك؟ أظنها تفعل. وقد فعلت، وإن لم يكن بالشكل الذي تريده. لم أسمع بها قط، لكن فياناتا مجدداً؟ لا تشبه نياف في شيء، وما كان ينبغي لذلك أن يكون مفاجأة. تتبنى أيونا كل أبنائها. لقد آوت العشرات ممن لا أهل لهم في العالم طوال سنينها، ورغم أنهم ليسوا جميعاً، بل ولا أغلبهم، ذوي سحر، فإن حراس كلاريش ممن بلا أهل أو ذوي العائلات التي لا يريدونهم ينتهي بهم المطاف عادة بالانضمام إلى عائلتها.
وهو أمر جميل لهم، أنا متأكدة، لكن لديهم منطقة كاملة تعد بمثابة منزلهم. لمَ عليهم الاستمرار في المجيء إلى هنا؟
قلت: "حسناً. في... تيتا. سررت بمعرفتك".
وكان علي منع نفسي عن قول "بالطبع، أعرف آل فياناتا".
فربما تأخذ على خاطرها إقحامها مع عائلتها الشهيرة.
وأضفت مكرهة: "أنا إينا. الريح العليلة".
يمكنها الإحساس بذلك على أي حال.
"لن تعرفيني، فأنا جديدة. أيمكننا الذهاب الآن؟"
"لكن النذير..."
لم أسمع نهاية ما كانت تقوله لأنني قاطعتها: "ليس تهديداً، وإن كان كذلك فنحن أفضل حالاً بنقله إلى مكان بلا مارة. هيا".
توجهت نحو السلالم دون انتظار لأي جدال آخر. انضمت إليّ تيتا حقاً، لكنني لم أكن أراقبها بالقدر الذي ينبغي لي ربما. بعض من تفرقوا عند قدومها أخذوا يختلسون النظر إلينا من الزوايا. لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة كنت فيها... لست في مكان عام، بل حارسة في مكان عام. لم أفتقد هذا الاهتمام. ربما كان سيكون لدي شيء مفيد لأقوله، طريقة لنزع فتيل الموقف، لكني أرى الكثيرين منهم. جمهور.
حاولت تجاهلهم، مبقية بصري متسمراً على طريق الخروج من هنا. لم يقلل ذلك من وجودهم شيئاً. في الخارج، عدت بنا نحو أراضي الجامعة، باذلة قصارى جهدي لتفادي التفكير في الأشخاص الذين يراقبوننا طوال الطريق. على الأقل، ليس أحد من حولنا غبياً لدرجة اتباعنا؛ فمهما كان المكان الذي يتوجه إليه الحارس دون دعوة رسمية فهو عرضة لأن يكون ثقحاً في العالم يقيح بكوابيس تآكل الأرواح، ومن غير القانوني التدخل في شؤوننا على أي حال.
مع ذلك، كلما قل عدد البشر كان ذلك أفضل. بالحرم الجامعي مساحة فارغة غالباً، ناهيك عن كونه أبعد عن المنزل، لذا بدا خياري الأفضل.
أمطرتني تيتا بالأسئلة طوال مسيرنا: "إلى أين نحن ذاهبان؟"
"ليس بعيداً. ركن هادئ من الجامعة. سنصل خلال دقيقة".
"هي، أستخبرينني بما يجري؟"
"نعم. خلال دقيقة".
"ما قصة القناع؟"
تلك لن أجيب عليها. رمقتها بنظرة وتركتها معلقة في الهواء. سألت مرة أخرى، ثم همهمت واستسلمت حين تجاهلتها مجدداً.
"ما معنى ألا يكون نذيراً كاملاً؟ هذا لا يمنطق! إنه نذير أو ليس كذلك! وما فارق إن كان نصف نذير أو أياً ما يكن؟ ولمَ لم نقم، لا أدري، بقتله نصف قتلة في المكتبة؟"
"سأحاول الشرح بعد دقيقة".
لم أكن أحاول الإزعاج، رغم أنني واثقة من أن تلك كانت النتيجة. جل ما في الأمر أنني لا أستطيع الكلام والتفكير في آن. كنت مشغولة باستعراض أفكار عما قد تدور حوله في ذهنها وكيفية ترويج ما أفعله. لم أتكبد عناء تخمين كيف قد يعمل إحساسها بالنذير وما قد يخبرها به — مجدداً، لعدم توفر معلومات كافية. كل ما أعرفه أن إحساسي أفضل من المعتاد فيما يبدو. بعد دقائق قليلة، توقفت عند إحدى البساتين الكثيرة على حافة الحرم الجامعي.
لا توجد مقاعد أو معالم تجذب الناس إلى هذا الجانب، ورغم أن جدار الأشجار ليس كثيفاً لدرجة حجبنا تماماً عن الطرق الأكثر ارتياداً، فهو أفضل من لا شيء.
"هنا. سيوفي بالغرض. اجلسي إن شئت".
أشرت إلى امتداد صغير من العشب المقلم بين الممر الحجري والبستان. نظرت تيتا إلى العشب، جعدت أنفها، وامتنعت عن الجلوس قصداً. وأنا كذلك.
قلت: "عدل. أسفة على المشي. مثلما قلت. المارة".
كانت متوترة طوال الطريق إلى هنا، لم تضع رمحها قط ولم تحول نظرها عني إلا ومضة، وما زالت كذلك. وما يبعث على عزاء طفيف هو أن عينيها مصوبتان نحو الكتاب حالياً بدلاً من التقاء عينيّ.
قالت: "كان بإمكاننا الحديث سواء راقبنا أحد أم لا، ولكن حسناً. الآن، ماذا يحدث؟"
أنا متأكدة أنه كان بإمكانها ذلك. على أي حال.
تنهدت قائلة: "صحيح. إذن أولاً، شكراً للاطمئنان، لكن هذه منطقتي. أنا أراقبها والأمر تحت السيطرة هنا. أمم، و'هنا' يعني هذا الامتداد الصغير من التلال. من المدرسة وحتى شمال المكتبة مباشرة".
سألت: "منطقة؟ عما تتحدثين؟ لسنا سوى حراس. كلنا في الصف ذاته. لم قد تغضبين لمساعدة أحده لك في مقاتلة وحش؟"
سمعت هذا الكلام حرفياً من ميد قبل. تتحدث تيتا كأنها لا تحتاج شيئاً من السحر، كأنها لا تدري لِم يعقد أحدهم الوعد أصلاً، وأنا عاجزة عن فهم كيف يوجد حراس عاجزون عن الإجابة عن ذلك السؤال. الظهور ليس حتى سرا مظلماً لا يعرفه سوى الحراس.
إنهم لا يسلطون الضوء بدقة على الحاجة لامتصاص النوازع إن لم يضطروا لذلك، لكن منه أتى اسم "الحراس".
لم تفعل هذا إن لم يكن لشيء أرادته بما يكفي للمجازفة بحياتها مراراً وتكراراً؟ أظنت الأمر ممتعاً؟ بالطبع لا يمكنني قول أي من ذلك... لكنني لا أظن أن بإمكاني كبح نفسي إن أجبت فوراً.
أخذت فترة توقف طويلة لأستقر قبل أن أتحدث مجدداً: "هناك... أشياء يجب أن أغيرها ولا تقبل الانتظار".
كان هذا أقرب ما وصلته لشرح وضعي. أُبغض كون هذه الفتاة بالذات أول من يسمعه، لكني آمل أن يساعد ولست أدرية ما أفعله س سواها.
"آه. أعني، لا باس، يمكنك الاستحواذ على قلبها كاملاً لنفسك إن أردت حقاً. ما زلت لا أفهم. أما كان بإمكانك فعل ذلك منذ فترة؟ حين ظهرتُ كنتِ جالسة فحسب".
"هذه هي المشكلة. لا أستطيع بعد".
"لمَ لا؟ إنه جالس هناك فحسب! أما يمكنك إيذاؤه؟"
"بإمكاني، نعم. ولن يفيد".
تأكدت بحلول هذه اللحظة من أن هذه الفتاة لن تقبل ترك النذير وشأنه لأغراض بحثية، وهي ربما أفضل طريقة ممكنة لصياغة ما أفعله. بعد هذه النقطة، تصبح خططي لهذا الحوار إبداعية مع الحقيقة، وأنا لست كاذبة بارعة. كان علي منع نفسي عن الارتعاش والتوتر كأنني على وشك الهرب لحياتي.
قلت: "حسناً".
رفعت الكتاب بكلتا يدي، مبقية إياه قريباً من صدري كي لا يبدو أنني أعرضه عليها. لن يغادر يدي ما استطعت.
"لقد رأيتِ هذا. رأيتِ ما يمكنني فعله به دون أن يرد بشيء. إليك ما أعتقد أنه يحدث: إنه يبدو كنذير لأن نذيراً صنعه لسبب ما، لكنه ليس في الواقع نذيراً بحد ذاته. أيفهم هذا؟"
ردت تيتا بجهامة: "لا. ما أهمية إن كان وحشاً أو ليس وحشاً تماماً أو نصف وحش أو أياً ما يكون؟"
"الكثير منا يمكنهم صنع أشياء من السحر، أليس كذلك؟"
ركّزت واستدعيت بطاقة في الهواء بيننا، ثم تركتها تطفو إلى الأرض.
"هكذا. تلك صدرت عني ولعلها تشبهني كثيراً، لكنها ليست أنا. الأمر ذاته مع هذا الكتاب".
"حسناً. وما غايتك؟ إن صدر عن وحش، فالأمور ستتحسن بمجرد زواله!"
"غايتي أن هذا الكتاب جزء ضئيل من مشكلة حقيقية. أثر قدم تركه نذير وراءه. والآن، هو الأثر الوحيد لذلك الوحش الذي عثرت عليه. تدميره لن يؤذي صانعه بالقدر الكاف لأهمية، وسأفقد السبيل الوحيد لعلّي أتمكن من تعقبه".
"آه. هذا، أعني... يبدو غريباً. أمتأكدة تماماً من ذلك؟"
"كل ما يتعلق بالنوازع غريب! لست متأكدة من شيْ، لكن هذا أفضل تخمين لدي الآن، وعادة ما تكون تخميناتي جيدة جداً".
هزرت كتفي. فجأة، سررت للغاية لاحتفاظي بهذا القناع في لباسی.
على الرغم من قلقي من إيحائه بكلمة "مريض"
أو "مستشفى"
لمن ينتبه، فأنا لا أعد أدري كيف أكذب بوجهي. كانت تلك الحركة المزيفة العفوية أفضل ما استطعت فعله.
"يمكنك الإحساس به، أليس كذلك؟ انظري بنفسك وسترين ما أتحدث عنه"، أتممت.
أظنني أبقيت ارتعاشي بعيداً عن صوتي. رفعت تيتا بصرها نحو لا شيء محدد. عبست، وعقدت حاجبيها، وأسندت يدها على ذقنها. بعد لحظة، أسقطت رمحها تاركة إياه مجدداً يطفو في الهواء بجانبها، ولفّت يدها الأخرى حول مرفقها. أمضت وقتاً طويلاً هكذا قبل أن تومئ.
"...حسناً. اعطني دقيقة".
التقطت رمحها، ومدّت ذراعها الحرة، وبسطت أصابعها. المزيد من المادة البيضاء الزرقاء الهوائية التي تشكل جزءاً من ملابس حارستها امتدت منها، لتبلغ ببطء نحو الكتاب. مددته للخارج، بعيداً بالقدر الكاف لكي يلامسه أوراها دون أن يلامسني. تدفق سحر تيتا حول الكتاب دائریاً. أحياناً يمر بجانب أصامعي، تاركاً إياها بشعور بارد رطب طفيف. كانت تقضم شفتها السفلى بعصبية وهي تركز. كنت أعول على خبرتها الحسية بالنذير لتخبرها تقريباً بما يفعله خاصتي، وإن بدرجة أقل.
كان ذلك تخمناً متمنياً آخر، لكن تيتا لم تبد بهذه الذكאות ولم تتصرف كمن يملك رؤية خاصة في هذا الصدد. قد ينجح هذا بالفعل. كان ينبغي لهذا أن ينجح.
قالت بعد دراسة الكتاب لدقيقة أو دقيقتين: "لا أظن أن ما تقولين صحيح تماماً. لا يوجد، أه، لا يوجد شيء متصل بهذا الكتاب. لا يوجد تدفق، دخيل أو خارج. أياً ما كان هذا، فهو الجزء الوحيد من نفسه، وأنا أعتقد حقاً أنه نوع من النوازع".
...... ماذا؟ قبضت يدي وبسطتهما — ولم ألاحظ أنني أفعل ذلك إلا لأن الحركة آلمت إبهامي المتأور أصلاً. لم تكن مخطئة في أي شيء، لكن تلك مشكلتها؟ هذا هو العيب الذي وجدته في قصتي؟ إنه ليس عيباً حقيقياً حتى! إنه بالضبط ما تتوقع رؤيته لو أن أحدهم صنع شيئاً، ووضع فيه من القوة ما يكفي لإبقائه مستقراً، وتركه ملقى هناك! ليتوجب ألا تمتلك أي مخيلة إطلاقاً لتنظر إلى السحر، هذا الشيء الغريب المعقد غير الواقعي الذي لا يبدو أن أحداً يفهم منه أكثر من جزء ضئيل، وتقرر أنه إن لم يمكنك تتبع مسار واضح فوراً من شيء لآخر بنوعك المفرد الخاص من الإدراك الصوفي، فلا وجود لأي صلة.
بطريقة ما، بدا استيائي أقل من كونها كذبتني مقارنة بغضبي من مدى غباء قضيتها.
قلت بهذر: "آه. حسناً. أنا، نعم، كان بإمكاني إخبارك بذلك. لم أظن أنه طرف نذير أو أنه يمتص شيئاً من خلاله، بل هو مجرد شيء صنعه، و... والطريقة التي يعمل بها سحري تمكنني من استخدام ذلك. التعلم عنه. العثور عليه".
"ألديك رائحته الآن؟ أين ترينه؟"
"...أعمل على الأمر".
"حسناً. أرى نوعاً ما ما كنت تفكرين فيه، لكن هذا الأمر برمته... نعم، ربما يختبئ نذير أكبر هناك، لكن النذير صنع هذا لسبب، أليس كذلك؟ إنه يجني شيئاً منه، لذا علينا التخلص منه".
"لا يمكننا"، قطعت كلامها، بصوت أعلى وأقسى مما أردت.
"بلى يمكننا! لا أستفهم لِم أنتِ..."
"لقد مس شخصاً بشرياً عادياً! النذير من وراء هذا متصل به، وربما لا ترينه لكنني أراه، ولم أفلح في تعقبه لأرى سوء حالته ولا أدري ما سيحل به إن كان وعاء بالفعل!"
وحين أدركت ما أقوله، وأي فوضى مروعة سببتها لنفسي، كان قد فات الأوان. لم أدرِ ما كان بمقدوري فعله سواه. شدّت تيتا قبضتها على سلاحها بوضوح. كانت يداها ترتجفان.
قالت: "هذا... ليس ما كنتِ تقولينه قبل قليل. كنتِ تتحدثين كأن الأمر ليس مهماً قبل قليل".
"أنا لا أعرفك، أتعلمین؟ لم تكن لدي أي فكرة إن كنتِ من أولئك الذين يقتحمون المعركة أولاً ولا يسألون أبداً".
"حسناً، أنا لست كذلك! ولست غبية! لن أقدم على فعل قد يؤذي أحداً! إن كان هذا ما يجري فنحن... آه، أعرف!"
ضحكت تيتا بعصبية. بدت مسترخية، لكن بقدر طفيف فقط.
"كل ما نحتاجه هو أخذه إلى الملاك، أليس كذلك؟ سيكون لديهم مكان لحبسه حتى نعرف ما نعمل".
"لسنا بحاجة لفعل أي شيء. قلت لك، يمكنني تولي هذا".
خطوت خطوة بطيئة للخلف، دون أن تحيد عيناي عنها.
"أعطنيه إن كنتِ لا ترغبين بالذهاب. سأعتني به وتستطيعين الذهاب لفعل أي شيء آخر".
تقدمت نحوي مادّة يدها لتناول الكتاب.
"لا!"
قفزت متراجعة بعيداً عن متناولها. ومضت بطاقاتي لتتخذ شكلاً، متموضعة لتشكل حلقة دوارة حولي. سياج، إن لم يكن بالمتين جداً. تجمدت تيتا. واتسعت عيناها.
سألت: "ما الذي تفعلينه؟"
"اتركوني وشأني. أنا لست... لا أريد... أنا لست مشكلة بالنسبة لك، حسناً؟"
"لا ترغبين في ماذا؟ القتال؟ لمَ، لمَ، لحماية نذير؟ هذا ما تقولينه!"
انكسر صوتها في الكلمة الأخيرة.
"لمَ علي قول أي شيء؟ لمَ أضيّع وقتي في محاولة شرح كيف أتعامل مع نذير بكلمات يمكنك فهمها بينما يمكنني التعامل معه فحسب؟"
"لو كان تحت السيطرة لما كانت لدينا مشكلة! ماذا كنت ستفعلين حتى تقودك تلك الفكرة برمتها إلى مكان ما؟ أتحتفظين به معك؟ أتركتنه في المكتبة؟ في كلا الحالتين سيكون هناك الكثير من الناس ليفعل به أي أمر شرير يفعله بهم! الكثير! سيكون هناك أوعية في كل مكان، إن وُجدت من الأساس!"
صرخت تيتا.
"وأنا... لن أترك الأمر هكذا! إن لم تقذليه، فسأفعل أنا!"
توسلت: "لا تعفري هذا".
حقاً لم أكن أدري ما سيحدث تالياً إن فعلت، لكني متأكدة أنه سيكون سيئاً. سيئاً لأحدنا الآن، وسيئاً لي إلى الأبد. دون كلمة أخرى، رفعت تيتا رمحها وراحت تدوره في سلسلة من الدوائر الواسعة الكاسحة. حدث جفاف مفاجئ وغير طبيعي في الهواء. تشكلت كرة ماء فوقها، صغيرة في البداية لكنها تنمو سريعاً. توهج الماء بضوء تركواز بلا مصدر، كأضواء المسبح ليلاً، لكنه أسطع بكثير. حسناً. أنا لم أبدأ هذا.
احتضنت الكتاب إلى صدري، واقية إياه بذراعيّ من أي شيء تحاول فعله. ثم، دون تحريك عضل أخرى، سيطرت على بطاقة وأطفيتها خارج مداري، متجهة إلى أحد الجانبين — لقد بدأت احتفظ ببعض البطاقات الموبوءة، تحسباً لأي سبب يفصل مرضي عني على عجالة. بدت تيتا منهمكة للغاية فيما تفعله بحيث لم تلحظ تلك البطاقة الخضراء السامة وهي تطفو فوق العشب، فوق مستوى الأرض مباشرة. حركتها في نصف دائرة واسعة، مسللة إياها خلفها.
وساعدني أنني لست بحاجة لتوجيهها يدوياً، بالطريقة التي تصور بها الكتب وبرامج الحراس السحر كشيء تؤديه بالإيماءات والوضعيات الباهرة. لكن قبل لحظة من تمكني من إطلاق هجوم المفاجأة، سرى الهلع على وجهها. استدارت مباغتة وغرست الرمح في كرتها. وحين سحبته، تلتها كرة ماء أصغر، مربوطة بنقطتها المركزية. ثم أنزلته، دون أن تصيب بطاقتي تماماً بل ملامسة الأورب لها، وسحبته. وبقي الماء، فقاعة واقية ثبتت البطاقة في مكانها.
ما زلت أشعر بها من بعيد، لكنها ببساطة رفضت الاستجابة حين حاولت تنشيطها. حسناً لا بأس. لدي المزيد... لكن كان هناك تأخير طفيف في سحب تركيزي عن البطاقة المحبوسة، كالفارق بين تحريك ذراعي ببساطة وتلويحها في حوض استحمام. سحبت عموداً من الضباب مني ودفعته عبر الفجوة القصيرة بيننا، بالتزامن مع استدارة تيتا لتواجهني مجدداً. سقط ستار مائي من كرتها على ضبابي، جارّاً إياه نحو الأرض، وممسكاً برمحها في الفضاء بيننا.
بدت كمن لا تدري ما تفعله تالياً. لكني دريت. ومع اتخاذ تيتا خطوات متسرعة للخلف، مددت روحي نحو البطاقة التي سحرتها وأسقطتها قرب نهاية حديثنا. وضعتها بحيث تقف قدمها فوقها بين خطوة وأخرى تالية، وعندها فقط أردت لها الانفجار. ملأ ضباب زمردي بارد الهواء. أطلقت تيتا صرخة عالية النبرة واستدارت كأنها فزعت من صوت مفاجئ، لكن صرختها قُطعت سريعاً بنوبة سعال جاف. ارتجفت ساقاها، ثم انثنتا لترسيا بها صريعة على الأرض.
مدت يدها للأمام محاولة إيقاف السقوط برمحها، لكن ذراعيها فقدتا القوة لدعم نفسها عليه. وعوضاً عن الانجراف عبر الهواء مجدداً، اصطدم الرمح بالحجر واختفى مع تداعيها على الأرض. خبا النوار في الماء فوقها لفقدانها السيطرة عليه، وتهاوت الكرة ماسِحة إياي في غمار ذلك. بقيت هناك، صامتة وثابتة سوى خطوات متقطعة بعيداً عنها. دارت عاصفة من المشاعر المروعة التي لا أسم لها في معدتي.
أخيراً، زرعت ساعديها على الأرض ودفعت نفسها للأعلى بالقدر الكاف لتحدق بي بخوف غامض.
همست وهي تكافح بوضوح لربط الكلمات ببعضها: "رأسي، إنه... ماذا فعلت..."
كانت حية. إنها حارسة، وستتحسن. هذا كل ما ينبغي لي معرفته. نقرت جزءاً من صحتي وهربت بأسرع ما حملتني ساقاي. لم تكن تيتا تتبعني، على ما أظن. مع ذلك، لم أتوقف حتى عجزت عن الإحساس بها. عندها فقط ألغيت سحري وانهيضت في ظل جدار المبنى الأقرب. ماذا أفعل؟ ما الذي كنت أفعله أصلاً؟ كيف تخيلت ثانية واحدة أن الأمور لن تنتهي هكذا؟ بين شهقات مختنقة والتقاط للأنفاس، لطمت الكتاب بالأرض، التقطته، وحطمته على الرصيف مراراً وتكراراً.
تقبل النذير كل ذلك دون احتجاج، هادئاً وبلا حراك كعادته، وبعد تكرار مرات عدة فقدت الطاقة لفعل ذلك مجدداً. لم ينفع ذلك بشيء قط. ولن ينفع أي شيء.