لم أكن وحدي قط، رغم أنني كنت مهندس القتال الأخضر الوحيد طوال مدّتي تقريباً في السيدة الرمادية. كان لدي جاسكيل، التيلكانيّ الذي أمتطيه نحو النار والمجد.
— 881.4.أ، مهندس قتال الفَرسَك الأخضر، معادلات المؤمنين، مطابع الفَرسَك الجديدة، 12 بعد الظهور التيرانيّ، حرب إبادة المار-جايت صدّ جاسكيل المجسّ بسيفه الجنزيريّ، لاهثاً داخل درعه بينما يسيل العرق على ظهره ليبلّل فروه.
ومزّقت أسنان شفرة القطع الرابعة درعَ الكائن، باعثة بشظايا الصفيحة البلّورية لتتطاير عبر الممرّ. وركل للخارج، مسدّداً حذاءه بقوة في الجسم المخروطيّ الداخليّ وأطلق النار من رشاشه القصير مباشرة داخل الجسم. وأمسك وحش المشاة البوليفازيّ التيرانيّ الضخم والمرعب الذي كان على يساره بالمخلوق ذي المجسّات الكبيرة وانتزع نصف مجسّاته بجبذة واحدة مدوّية. استدار جاسكيل، محاولاً صدّ ضربة مجسّ أخرى، وتمزّقت الأسنان هذه المرة في الشفرة الممتدة من المجسّ، ناشرة الشرار فوقه.
وكانت شاشته القتالية معطّلة، وبندقيته مكسورة، والحرارة ترتفع داخل درعه. لكنه لم يكن ليَتراجع. أمسك التيرانيّ الآخر بواحد من الكائنات الكبيرة وأمسكه من اثنين من مجسّاته، واهساً إياه على صفائح سطح سفينة مراقبة المار-جايت. سقط أحد أفراد فرقته، بعدما انتزعت الحبارات ذراعاً واحدة ورِجلاً واحدة. وأصدر المجال الكهربائيّ على درعه أفرقعات وتشويشاً، لكن الطاقة كانت قد نفذت.
قال 8814: —أكاد أكاد أبرد مصفوفة الصفر المطلق الآن أكاد—. اكتفى جاسكيل بالايماء، صادّاً ضربة أخرى لكنه استدار في مكانه ليلتف بالشفرة ويصيب المخلوق إصابة دقيقة في الفتحة، مخترقاً ما بين المجسّات الملوّحة ليضرب بين قواعد المجسّات وإلى داخل الجسم نفسه. رشّت شفرة القطع درعاً بلّورياً، ثم جلداً مطاطياً سميكاً، ثم دماً برتقالياً-أصفر حين تمزّق اللحم ومضغته أسنان شفرة القطع المسننة.
وأطلق المخلوق صريراً مفقّعاً، وتقيأ برتقالياً فاقعاً وبعض الكتل الزرقاء، وارتخت المجسّات. ضربة مجسّ أصابت كتفه، فأرجحته، لكنه استدار في الوقت المناسب ليرى أحد التيرانيين يمسك المخروط المركزيّ ويسحقه بيد ضخمة واحدة. قال 8814: —أمسكت به أمسكت به أمسكت به—. وحدث فرقعة وانطلق نظام منع الاشتباك عالي الجهد. انتفض مخلوقان وأطلقا صريراً، بينما يتصاعد البخار عنهما. انهار المخلوق ومات النظام مرة أخرى.
صاح جاسكيل وهو يصدّ مجسّاً ويثني آخر جانباً: "أعِد تشغيله!".
أجاب 8814: —أحاول—.
كان الوحشان من طراز "مونستر"
يتحطّمان وسط السرب الذي كان يتلوى للتو هبوطاً في الممرّ. وسدّد أحدُهما لكمة وبدأ بإطلاق النار من مدفع آليّ مزروع، لكن مقابل كل مخلوق مجسّ مضاء بنور أزرق كان ستة آخرون يحلّون محلّله. أدرك جاسكيل بوعي خافت وجود شخصيّة ترتدي تمويهاً تيرانيّاً تكيفياً طرازاً قديماً، مع قناع تنفس، تظهر بجوار الجندي الساقط في نفخة متلوية من الضباب البنفسجيّ. وأمسكت الشخصيّة بالرجل والذراع المبتورتين، ووضعت يداً واحدة على ظهر الجندي الساقط.
قالت الشخصية: "اثنان للنقل الصاعد".
ورأى جاسكيل عبارة "ليجيون"
على لوحة الاسم. واختفت في نفخة دخان بنفسجيّ. ركل جاسكيل للخارج، مثبّتاً مجسّين ضد الجدار، ومطلقاً النار من رشاشه القصير بيد واحدة بينما كان يحاول بيأس صدّ مجسّات أخرى. وحفرت الشفرات في درعه، وصرّ إحداها عبر واقي وجهه، لكن أيّاً منها تلتقطه السلسلة مسننة الشفرات كان يُمزّق أرباً. أمسك أحد التيرانيين بالمخلوقين اللذين كانا يهاجمان جاسكيل وحطمهما بعضهما ببعض مراراً وتكراراً حتى توقفت الأجزاء عن التناثر، مسقطاً الكتل القطرة على الأرض.
التفت جاسكيل حائراً. ومن فريق مؤلّف من خمسة رجال، كان هو الوحيد الذي لا يزال على قدميه.
زمجر التيرانيّ: "أوشكنا على بلوغ الهدف".
أومأ جاسكيل. قال 8814: —أمسكت به—. عاد نظامه للعمل. وتفقد جاسكيل مراقبات الحرارة ورأى أن ألمَ القراءة لا يزال مرتفعاً حتى الحمراء البنفسجية. كان التيرانيّان يتحركان بالفعل وهرع جاسكيل خلفهما. وتألّمه ذراعه اليمنى من حيث أمكسه ثلاثة من تلك الأشياء ذات المجسّات المضيئة بالازرق وفتلتا ذراعه، متغلّبتان بقوتهما على المُؤازِرات داخل درعه. على الأقل لم تفتلا الطرف فينخلع.
وشعر بإحساس بارد يسري على طول الجانب الداخليّ لذراعه اليمنى وبدأت الذراع بأكملها تنخز. وعاد نظام علاجه الطبيّ للعمل. قال 8814: —أُعيد ضبط البرمجيات الثابتة— —لست متأكداً كيف حدّثوها—.
قال جاسكيل: "ابقَ عليها فحسب".
ووثب درعه النفسيّ من 56 بالمئة إلى 62.5 بالمئة. واستطاع تذوّق البريق والتوت الأسود على أضراسه الخلفية. مزّق التيرانيّان ثلاثة أضعاف عددهم من مخلوقات المجسّات في نصف ذلك الوقت. وكلما وثب الدرع النفسيّ، انخفض قليلاً، ليعود فيرتفع مع تقدّم الثلاثة أكثر فأكثر نحو اللب المركزيّ لسينة الفضاء. توقف التيرانيّان خارج باب قزحيّ له شعور ثقيل صامت لباب انفجاريّ ثقيل. وكان درعه عند 72.62 بالمئة.
أمسك التيرانيّان بكل جانب من الباب القزحيّ ومزّقاه جانباً، كاشفَيْن عن باب آخر. وجبذتان وأُلقي الباب في الرواق خلف جاسكيل. واستغرق الباب القزحيّ الأخير ضربتين قبل أن يدفعَه التيرانيّان جانباً. ووثب درعه إلى 102 بالمئة. وضاق بصره متخلّقاً إلى نفق وهو يتبع التيرانيّان إلى الغرفة السداسية خلفهما. واستطاع رؤية مجسّات داكنة ذات محاجم تتلوى من جانبي رؤيته، واهتز التشويش وخطّ بصره جنباً إلى جنب مع ومضات تضيء وترقص.
وكان بالداخل سبعة مخلوقات لا تشبه أيّاً ممّا رأاه جاسكيل من قبل. وبدت كأنها نافورة مصنوعة من بلّور صافٍ، وعلق بالمقعرة في القاع مجسّات شائكة ومعقوفة. وامتد الساق السميك ما يقارب متراً قبل أن توجد حلقة مركزية سميكة محززة لها خمسة أذرع متعددة المفاصل تنتهي بمخاون حادة ثمانية الأصابع، ثم عمود آخر محزز يصعد وصولاً إلى قسم كبير له عينان ضخمتان، ودماغ مرئيّ داخل الجسم الصافي البلّوريّ، وفم صغير.
وكان ممكناً رؤية أعضائه الغريبة، جنباً إلى جنب مع دمش يتدفق عبر الجسم بصورة شبه صافية تماماً. واندفع التيرانيّان إلى الداخل، قاصدين الأكبر في وسط الغرفة. واتجه جاسكيل يميناً. حدث تموّج في الهواء الطلق، كأن الهواء قد تحول إلى جيلاتين. وبطُء التيرانيّان فجأة، متعثرين في التحرّك قدماً. وارتفع درع جاسكيل طفرة وصولاً حتى 162 بالمئة. واستطاع سماعه يعوي في مؤخرة خوذته، متذوقاً بريقاً محروقاً وتوت أسود محروقاً بالسكر.
وضاق بصره إلى نفق وأدرك أن أنفه كان ينزف. وكان التيرانيّان يتحركان ببطء قدماً، وسائل أسود يتسرب على جلدهما، مدفوعين إلى الوراء بفعل الأمواج النابضة بسرعة والتي تحركت عبر الهواء، صادرة من ستة من المخلوقات السبعة. وكان السابع، الأقرب إلى جاسكيل، يواجهه. وضربته أمواج القوة، حتى وهو يحاول التحرّك قدماً. 165 بالمئة فقد الرؤية على جانبه الأيسر. واستطاع الشعور بالفرو تحت أذنه اليسرى وهو يبتل ولم يعد يستطيع سماع الإنذارات من درعه على اليسار.
175 بالمئة واستطاع شمّ رائحة الفرو المحروق ودوائر الميكرو مول المحمومة. ولم يكن 8814 يخرج سوى معادلات تافهة عبر الرابط. وأفلت رشاشه القصير من أصابعه المنخدرة. 178 بالمئة وكان التيرانيّان لا يزالان يتحركان قدماً، داخل التموجات التي تضربهما. وكان السائل يتصدّع، كاشفاً عن نور أحمر. وفتح أحدهما فمه وزمجر، متدفقاً بدم فولاذ حرب أحمر مذاب. والذي كان يواجه جاسكيل استدار فجأة، مواجهاً التيرانيّان، بينما كانا يخطوان خطوة أخرى نحو الذي في الوسط، ممدّين أيديهما بأصابع لها بروزات عظمية مقوسة بدت كمخالب ممتدة من مفاصل أصابعهما.
145 بالمئة —آه آه آه آه— همس جاسكيل من خلال شفتيه الجافتين المتشقتقتين: "انزع الأقفال عن درعي".
—لكن— "افعلها!".
تمكّن جاسكيل من إحاطة مقبض شفرة القطع بكلتا يديه. ورأى الأيقونة تحذره من أن الأقفال الآمنة قد فُكّت عن درعه النفسيّ. وكان التيرانيّان على بُعد أقلّ من متر من الذي في الوسط، وكلاهما يشرّعان، وكلاهما مغطّيان بكيتين أسود متموج له شوكات عظمية تبرز عبر أكتافهما، على طول عمودهما الفقريّ، فوق عيونهما، على فكيهما، على صدريهما، على ركبتيهما ومرفقيهما. وكان أحدهما يزمجر، والآخر كان فمه مفتوحاً ويُسيل لعاباً من فولاذ الحرب المذاب الذي تجمّع على الأرض.
قال جاسكيل: "حين أقول، ارفع درعي إلى أقصاه".
—حسناً— استطاع جاسكيل معرفة أن 8814 لم يكن يحبّ ذلك. لكنه لم يكن ثمة خيار. وكان التيرانيّان عالقين، لا يتحركان، بينما كانت المخلوقات السبعة تضربهما بقوة نفسية.
همس جاسكيل: "الآن...".
**تحذير** اشتعل دماغه كله ناراً. واستطاع الشعور بالألم عبر مؤخرة رأسه. وشعر وكأن شيئاً انقطع ببلل داخل جمجمته. لكنه كان طليقاً. واندفع قدماً، ضاغطاً على زناد المقبض بكلتا يديه، ساحباً الشفرة إلى الوراء وملوّحاً من جانب بكل ما أوتي من قوة. وكاد يكون أعمى. وتراجعت المجسّات، وزال الأبيض والأسود الحبيبيّ، ولم يعد بصره متضيقاً كنفق، لكنه بطريقة غريبة لم يستطع رؤية الصورة الصافية الملونة بالكامل التي كانت تسجلها عيناه حقاً.
وأمسكت شفرة القطع الزائرة للمخلوق بين الحلقة الوسطى من الأذرع والقسم العلويّ الذي يحوي العينين والدماغ المرئيّ. وتحول السائل الصافي إلى أصفر ضارب إلى البصرة حين التقى بالهواء، وتناثر اللحم فوق جاسكيل وعبر الغرفة. وقطع السلك الشبيه بالألياف بسكّنة القبضة والذي امتد من الدماغ وصولاً إلى حلقة الأذرع. وانقطع شيء ما كشريط مطاطيّ في دماغه وتعثر قدماً. وزمجر التيرانيّان، فأمسك أحدهما العمود الأوسط للمخلوق أمامه وعصره.
وانتفخ اللحم وتمزق، وانفقست إحدى العينين، وتحول اللحم إلى سائل في قبضة التيرانيّ. واستدار الآخر، فأمسك اللوحة المعدنية فوق لوحة التحكم وانتزعها محطماً إياها، رامياً إياها بيد واحدة. فقطعت اللوحة المعدنية أحد المخلوقات نصفين. وقفز أحد التيرانيّان قدماً، مسيطراً على قمة المخلوق وساحقاً الدماغ والعينين في قبضته. وأمسك الآخر جانب لوحة التحكم ولوّح بها، قاطعاً قمة الجسم الرئيسيّ العموديّ للمخلوق.
تعثر جاسكيل وسقط، مرتدّاً عن الحائط ليصطدم بالأرض. وأعاد 8814 الدرع النفسيّ إلى وضعه الطبيعيّ. 35.78 بالمئة وكان يسيل لعابه داخل خوذته، وعيناه محتقنتان بالدم. وكان قلبه يطرق لكنه لم يكن واعياً بذلك. وأُتيحت لأحدهما فرصة لإطلاق صرير وهو يتراجع قبل أن يمسكه التيرانيّ وينتزع القمة بعيداً عن حلقة الذراع. وارتجف الآخر وانهار بينما سوّى الآخر لكمة وأفرغ حفنة من طلقات عيار 0.70 الثقيلة في جسمه.
وتحرك أحد التيرانيّان ليصبح بجوار جاسكيل، وضاعف يده على ظهر جاسكيل. وفعّل رابطه التابعيّ.
زمجر التيرانيّ: "ساقط. إصابة نفسيّة".
وحدثت نفخة دخان بنفسجيّ وظهر ليجيون، جاثياً على ركبتيه. ووضع يده على ظهر جاسكيل.
قال ليجيون: "اثنان للنقل الصاعد".
وحدثت نفخة دخان بنفسجيّ واختفيا كلاهما. وظهرت نسخة أخرى من ليجيون، ناظرة إلى المخلوقات الساقطة.
أمر ليجيون: "أمّنوا المحيط".
وأومأ التيرانيّان. وانحنى ليجيون، لامساً السوائل الحيوية، ثم متحركاً لأعلى لامساً الأنسجة المتناثرة في الأرجاء قبل الانتقال إلى واحد من الأنسجة الأكثر سلامة. ولمسه هنا وهناك، مستخدماً غالباً مبضعاً اهتزازيّاً لكشف النسج القريبة أو الأعضاء لكي يتمكن من تمرير أطراف أصابعه العارية فوقها. وانتزع أحد التيرانيّان ما بدا كبلّور كبير مغروس في رغوة بلّورية، مع بلّورات أصغر تحيط به.
زمجر التيرانيّ: "عثرت على وحدة تخزين طوريّة".
وظهرت نسخة أخرى من ليجيون، فأخذت اليد واختفت مع البلّور الضخم.
قال ليجيون: "أطلقوا نداء التجمّع، لدينا ما نحتاجه".
ونظر إلى التيرانيّين.
"ارجعا إلى مركبة الهبوط".
قال الأرقى رتبة بين التيرانيّين: "حاضر، سيدي".
واختفى ليجيون في نفخة دخان بنفسجيّ. وضرب جاسكيل الأرض في المركز الطبيّ، ويد ليجيون على ظهره.
صاح ليجيون: "تجاوز طبّي".
وانفتح درع جاسكيل، منفتحاً المبيت الواقي ومسقطاً 8814 على الأرض في بركة من الهلام الحركيّ. واندفع فرسكان نحاسيان إلى الأمام، يحمل أحدهما نقالة ضاغطة. وساعد ليجيون في وضع جاسكيل على النقالة بينما حمّل الآخر 8814 على نقالة أصغر.
صاح ليجيون: "المريض ذكر تيلكانيّ. حمل زائد للدرع النفسيّ وتلف مخيّ".
وأومأ واحد آخر منه، وهو يغسل يديه.
وقال ليجيون المساعد في حمل جاسكيل: "المريض الثاني هو مهندس قتال الفَرسَك الأخضر، الإصابة نفسها. إصابات هجوم نفسي من فصيلة مجهولة".
واكتفى الفرسكان النحاسيان بالإيماء. وأصبح الأمر مربكاً حقاً وبسرعة مع عدد نسخ ليجيون الموجودة في الجناح الطبيّ. ولم يكن جاسكيل قادراً على الكلام، ولا قادراً على الإجابة، ولم يكن حقاً واعيًا بالمكان الذي وُضع فيه حين مددوه وجهه لأَسفل على الطاولة.
سمع يقول حتى وإن لم يسجل دماغه ذلك: "طاب مساؤك، يا بطل".
وانطفأت الأنوار.