حفيف أوراق الشجر. من وسط الغابة المتشابكة في قلب المدينة المركزية، برز كيان غريب. قميص متسخ يتباين بشكل عجيب مع سروال لا يناسب مقاسه وقدمين حافيتين، وبقايا بقع غامضة جعلت شعره متصلباً في بعض المواضع. بين قطع ملابسه غير المتناسقة، بدا وكأنه هارب من مصحة عقلية، أو ربما من ساحة حرب. وقف على حافة جذر شجري بارز، وتمسك بغصن نحيل ليتفحص محيطه.
سأله رجل عجوز رث الثياب وهو يمر بجانبه بنظرة حادة: "ما الذي تنتظره، دعوة رسمية؟".
عدل وضع ساق وحش مقطوعة كان يحملها على كتفه وهز رأسه تجاه ليفي.
ابتسم ليفي وقفز للأسفل، حاملاً حقيبته على كتفه: "شكراً لك على العرض اللطيف".
تمتم العجوز بضيق وهو يسرع الخطى مبتعداً عن ليفي بأقصى ما يستطيع: "أنا لا أعرض عليك شيئاً".
راقب ليفي رحيله ثم هز رأسه: "أحدنا يتجول حاملاً طرفاً مقطوعاً، وأنا الغريب الأطوار؟".
ألقى نظرة على حقيبته ثم ابتسم.
تمتم بهدوء: "حسناً، ربما كلانا كذلك، لكن على الأقل أنا لا ألوح به في كل مكان".
استقبله الشارع المعتاد. شاحنة تفرغ جثثاً ممزقة لخيول وحشية، تلاشت الواحدة تلو الأخرى داخل مصنع ضخم، حيث ينتظر العمال بسكاكين الجزارين وخطاطيف اللحم. خارج المصنع مباشرة، كان عامل طوله سبعة أقدام وبعرض قامته تقريباً يقطع حوافر الخيول ببرود، ويلقي بها في عربة يدوية كبيرة. انقض المتسكعون العاطلون عن العمل القابعون عند زوايا الشوارع على الجثث الطازجة، يقتطعون قطعاً صغيرة ذات قيمة خاصة ويضعونها جانباً لمعالجتها لاحقاً.
وعلى الجانب الآخر من الشارع، وقف نزل بسياج فولاذي، عالم منفصل عن مصنع الطوب الدموي بشرفاته المطلية بالأسود وجدرانه البيضاء الناصعة. كعادتها، كانت روكسي تسترخي على السياج، واضعة يدها على ذقنها، تراقب العالم.
نادى ليفي وهو يلوح لها بود: "مرحباً، روكسي!".
رمقته بعينيها المثقلتين بجفون نصف مغلقة، مشبعتين بجاذبية كسولة وظلال عيون سوداء، وتنهدت بعمق: "ماذا تريد يا ليفي؟".
عقد حاجبيه: "يوم سيء؟".
"همف".
وصل إلى الدرج، فقفز إلى جانب روكسي واتكأ على السياج بجوارها.
أمال رأسه ناظراً إليها: "ما الذي حدث؟".
"ما الذي حدث لوجهك؟".
رفع كلتا يديه وفركه بقوة: "أفضل؟".
حدقت في مساحيق التجميل الملطخة وهزت رأسها: "أسوأ".
علق ليفي: "يوم لك ويوم عليك. وتبدين كمن خسر لتوّه".
تنهدت روكسي بعمق.
وللحظة طويلة، حدقت في الشارع والأجساد المتدافعة، قبل أن تلتفت إلى ليفي: "ألا تود أن تعرف".
شبك يديه: "أود ذلك، نعم".
"لا شيء أحتاجك فيه. لم يصل الأمر إلى تلك النقطة بعد".
"بعد؟".
هزت روكسي رأسها.
أزاحت شعرها خلف أذنها واتكأت على اليد المعاكسة لليفي، بكتف متصلب وورك بارز: "ماذا تريد؟ أحذرك، أنا متعبة".
أدخل يده في جيبه الخلفي وأخرج مجموعة من البطاقات: "القليل من المساعدة فقط".
حدقت روكسي في البطاقات للحظة طويلة، وزمّت شفتيها باشمئزاز، ثم خطفتها من يديه: "المعتاد؟".
"خمسون-خمسون. المعتاد".
أومأت برأسها.
مسحت عيناها جسد ليفي، ولعقت شفتيها الحمراوين المكتنزتين: "ألا يمكنني إقناعك بـ... المقايضة بدلاً من ذلك؟".
ضحك وهو يلقي نظرة على سرواله الفضفاض وقدميه الحافيتين وقميصه الملطخ.
التفت إليها بوجه ملطخ بالمساحيق ورفع حاجباً واحداً: "روكسي، لا يمكنك إقناعي بأنكِ ترين هذا مثيراً".
هزت كتفيها: "لقد تدبرت أمري مع ما هو أسوأ".
"أجل، أجل. أحضري لي مالي، وأعلميني إن كان ذلك الأمر الذي ترفضين إخباري به قد ساء بما يكفي، حسناً؟ أنتِ تعلمين أنني سأهتم به".
قالت وهي تحرك حاجبيها مع تلميح لابتسامة خبيثة: "أعلم أنك ستفعل يا ليفي. لهذا السبب لم أخبرك بعد".
ابتسم لها: "هذا هو المطلوب. هذه هي روكسي التي أعرفها".
"سأرسل الأمر لموري، أليس كذلك؟".
أجابها ليفي وهو يرفع إبهامه: "أجل، يبدو هذا جيداً".
توقف قليلاً.
شبت روكسي ذراعيها ونظرت إليه نظرة تحذيرية استباقية: "ماذا؟".
"هل يمكنني استخدام حمامك؟ وأوه، تبديل ملابسي؟".
أصدرت صوتاً من أنفها: "بجدية؟".
أشار إلى نفسه.
"هذا عادل".
فكرت روكسي للحظة ثم هزت كتفيها.
مدت يدها إلى جيبها وألقت إليه مفتاحاً برونزياً صغيراً: "حسناً. المدام تعرفك، لذا لا مشكلة. الغرفة 101. كن سريعاً. يمكنك استخدام أي شيء تريده من الخزانة هناك. كلها بقايا من زبائن قدامى".
"شكراً!".
بلوحة سريعة، أسرع ليفي نزولاً إلى الغرفة في الطابق الأول. بعد دقائق، خرج مرتدياً بدلة رياضية خضراء لامعة، وزوجاً من الصنادل السوداء، وقميصاً أقل اتساخاً بقليل. صفر لروكسي وألقى إليها بالمفتاح. التقطته من الهواء ولوحت له للمرة الأخيرة. لوح ليفي عائداً وانطلق في المدينة، متجاوزاً المباني المتهالكة في الأجزاء المحطمة من المدينة المركزية. عاد باتجاه الساحة المركزية، حيث حاصرت فرقة من الشرطة الحانة، يعملون على كسر الأبواب الأمامية الملتصقة.
ألقى ليفي نظرة على الحانة وابتعد متظاهراً بالخوف. التفت حوله. غير بعيد في أحد الأزقة المتفرعة من الساحة المركزية، جلست فتاة ذات شعر أحمر على مقعد خارج مطعم للوجبات السريعة. تجوّل ليفي نحوها، واقترب من خلفها لامساً كتفها. انتفضت فيرا والتفتت، وعيناها متسعتان.
تراجع للخلف رافعاً يديه: "أنا، أنا فقط. هل وجد جاك أي شيء؟".
عضت فيرا على شفتها وهزت رأسها: "ليس كثيراً. قال إنه يحتاج إلى مزيد من الوقت".
أومأ ليفي بنبرة حكيمة: "كما هو حال كل الأشياء الجيدة، تستغرق هذه الأمور وقتاً".
مضى في طريقه، ماراً بالمقعد وكأنه لم يتوقف قط. حدقت فيرا فيه، ثم وثبت واقفة وهرولت لتلحق به.
نظرت من فوق كتفه إليه: "إذن... ليس لدينا أي خيوط".
"لم أقل ذلك قط".
"ماذا؟".
أدخل ليفي يده في الحقيبة ونشر مجموعة من الأوراق أمامها: "أمتعي ناظريك".
أخذتها ثم عقدت حاجبيها: "إقرارات ضريبية لشخص يدعى إيان...؟".
"هاه؟".
استعادها ليفي ثم تجهم: "ليست هذه. انتظرِ".
نبش في الحقيبة مجدداً، وأخرج حزمة أخرى من الأوراق وتفحصها، ثم ناولها لفير. أمسكت فيرا بالأوراق، حدقت فيها، ثم تجمدت.
شجعها ليفي بدفعة خفيفة: "هيا. تصرفي بهدوء، واصلي المشي".
صبي أسمر يشبه فيرا لحد مذهل كان يحدق فيها، مع خصلة شعر زرقاء زاهية من غُرّته الطويلة تتدلى أمام إحدى عينيه الداكنتين. ركزت الصورة على وجهه، ولم يظهر الكثير غير القميص الرمادي والسترة السوداء التي يرتديها، لكن في الأفق البعيد، كانت أبراج المدينة القديمة تلوح بوضوح.
نظرت إلى الصورة، ثم عادت لتنظر إلى ليفي، ثم إلى الصورة مجدداً: "هذا... أين... ماذا؟".
ابتسم لها ليفي: "أحياناً، حين تخالط بعض الأشرار، تكتشف أنهم يرتكبون أفعالاً شنيعة. وأحياناً تجد مجرد صور لإخوة الناس. لا أعلم إن كانوا يحتفظون بصورته لأنهم يمسكون به أم لأنهم يريدونه ميتاً، لكن في كلتا الحالتين... ما قولك في مداهمة وكر للمجرمين الليلة؟".
توهجت عينا فيرا، زرقاوين كشعلة موقد: "فلنفعلها. الآن".