تخبط ليفي الشوارع وإلى جانبه فيرا. حافظت على مسافة بينهما غير راغبة في الاقتراب أكثر لكنه لم يبدِ أي اهتمام إن كان قد لاحظ ذلك. وضع يديه خلف رأسه يكتفي بمراقبة العالم من حوله.
سألت فيرا: "ما الذي نفعله اليوم؟"
أجاب: "لا أعلم. كما قلت، لست في مهمة حراسة أخيك اليوم لسببين".
رفعت ليفي إصبعين.
"الأول، ما زلت أعتقد أن الرسل هم خيارنا الأفضل. بعد تلك الحلبة وتلك المعركة في الساحة المركزية لإلهاء الأبطال الخارقين عن البوابة، سيلوذون بالصمت والهدوء. إن لم يفعلوا فسيقضي عليهم الأبطال الخارقون. علينا منحهم أياما لتهدئة الأوضاع قبل التواصل معهم مجددا".
تمتمت فيرا: "صحيح. لم ألاحظ أي شيء غير طبيعي عند البوابة أيضا".
"أحقاً لم لاحظي؟ ممتاز. كنت أتساءل. لا يعني هذا أنهم لم يفتعلوا شيئا لتعكير صفوها لكن ربما تنبأ لهم متنبئ ودود باندلاع وشيك".
نظر ليفي إلى يده متفاجئا بوجود إصبع مرفوع ثم أومأ لنفسه.
"صحيح. الثاني. ثانيا، لدي أمور أخرى لأهتم بها اليوم. أمور وأشياء. في الواقع، أمور قد تستدرج أخاك".
سألت فيرا: "حقا؟"
"كلا، ليس حقا. مهلا، أتريدين قضاء حاجة لي؟ حاجة تخص أخاك فعلا؟"
سقال ليفي وهو يدخل يده في جيبه. رمقته فيرا بنظرة تشكك. مدت يدها بتردد. ناولها قصاصة ورقية ملطخة بالدهن.
"خذي هذه. توجهي إلى هذا العنوان. لا داعي لفعل أي شيء، فقط ابقي هناك واعبسي قليلاً".
قطبت فيرا حاجبيها ناظرة إلى الورقة ثم إلى ليفي.
"أتحاول دفعي لمضايقة أحدهم؟"
"نجل، لكنه جاك أوف أُل ترايدز لذا فهي غاية نبيلة. أو لنقل غاية أخيك على الأقل".
أومأت فيرا. قبضت يدها بقوة على العنوان.
"سأفعل".
منحها ليفي إشارة موافقة بإبهامه.
"الأمر ليس غير قانوني تقريباً! طالما أنك لا تعترفين بنية المضايقة على أي حال. أه، أنصحك ألا تعصري الورقة بالمناسبة. فقد وضعت بيتزا في الجيوب عليها".
سحبت فيرا يدها فجأة ممسكة الورقة من أحد أطرافها.
"لقد وضعت... ماذا عليها؟"
"بيتزا الجيوب. تعرفين. تأخذين قطعة بيتزا وتضعينها في جيبك..."
مد ليفي يده إلى جيبه وأخرج قطعة بيتزا.
"ألا تفعلين؟"
"كلا! كلا. هذا مقزز. أهي بيتزا الأمس؟ أأدخلتها الثلاجة؟ انتظري، أتلكم سروال الأمس—"
لوحت فيرا بيديها نافضة رأسها ووجهه متجهم.
"لا تقولي شيئاً. لا أريد أن أعرف".
"قرار حكيم".
ضرب ليفي كتفها بخفة يأخذ قضمة من البيتزا بيده الأخرى.
"أراك على الغداء. هناك مطعم كباب في وسط المدينة لم أزره منذ دهر. كبابهم سيسلب عقلك".
"أفترض أنني أنا من سيدفع؟"
ابتسم باتساع.
"صعب الجزم. صعب الجزم. أرني مهاراتك هناك يا صغيرتي. أراك لاحقا".
لوح بيده مودعاً من فوق كتفه ثم مضى ليفي بخطى متمهلة يتناول لقيمات من البيتزا. رمقته فيرا بنظرتها للحظات ثم أطلقت نفخة ساخرة ومشت بالاتجاه المعاكس. غارقا في قطعة البيتزا لم يلتفت ليفي إلى المارة وهو يتجول بلا وجهة واضحة. أخرج هاتفه وتفقد خريطة داكنة اللون حيث توهجت نقطة حمراء غير بعيدة عن موقعه الحالي. انعطف بكسل نحو زقاق وهو يدندن بصوت خافت. كلما توغل في الزقاق تباطأت خطاه حتى كاد يتوقف تماما.
تجعدت حاجباها وتوقفت الدندنَة. التفت حوله بارتباك. تطايح صوت معادن. هبّ حفيف قماش واصطدمت بسطح الأسفلت ضربات أحطية. ضغط نصل على حنقده.
طالبت صوت خشن لأنثى: "اثبت إن كنت حريصا على حياتك".
"ها أنت ذا. بدأت أظن أنك ضللت طريقك. اسمعي يا صديقتي، لا يمكنك صياغة الأمر هكذا. لم أكن أرغب بالرقص قدر رغبتي الآن".
خلفه، ترددت وايت فانغ.
"كيف عرفت؟"
"بأنك قادمة؟ صراحة كنت بانتظار هذه الوثبة منذ الأمس. لقد مللت الانتظار وأتيت إلى هنا لأجعلك تبتلعين الطعم. شكرا لك بالمناسبة. توقيت رائع. كنت قلقا من أن تكوني ممن لا يظهْرون حتى حلول الظلام ولكنك لحسن الحظ لست بهذه السذاجة"، أخبرها ليفي.
"ممن... هؤلاء؟"
"تعرفين. الأبطال الخارقون المنتقمون في الظلام".
صمت. تنحنح ليفي.
"آه! يا للرأس! يا للمفاجأة! ما الذي سفعله هذا الشخص الغامض بي وأنا الضعيف البريء؟"
"اصمت! أنت تعلم ما فعلته!"
"لا أعلم".
"..."
"بلى أعلم! بلى أعلم! ماذا فعلت؟ أيا ما كان، لقد فعلته حقا!"
"لنبدأ من جديد. أنا—"
ألقى ليفي نظرة عبر كتفه.
"أتريدين العودة إلى سلم الحريق والوثب عليّ من الخلف مجددا؟"
"أنا—كلا".
"آه. حسنا. إذن من البداية، نوعا ما. ماذا تريدين؟"
"أنا... أم..."
تنحنحت وايت فانغ مستخدمة صوتها الخشن مجددا.
"رأيتك. في اجتماع القتلة. ثم مجددا عند الرسل. أنت مثلي أليس كذلك؟ أنت تخدم غاية أسمى".
تساءل ليفي: "رضاي الذاتي عن القضاء على من أراهم أشراراً؟"
"اصمت! غاية أسمى! أنت تلاحق أولئك الذين يساء استخدام سلطاتهم أليس كذلك؟"
أومأ ليفي بحماس.
"بلى! هذا أنا!"
"مثلك أنا أتوق لرؤية أولئك الذين يسيئون استخدام السلطة خلف القضبان. أؤمن أن بإمكاننا التعاون معا. هدفي الحالي هو ستونهارت. أعتقد أنه هو من استدعى القتلة إلى ذلك المطعم. إنه خطيب آيس كوين لذا يكاد يكون مؤكدا أنه هو من يسعى للانتقام لموتها".
اصطدم مجلد سميك من الورق المقوى ممتلئ بالأوراق بكتف ليفي. تناوله.
"ما حكاية القراءة معكم أنتم القوم؟ اللعنة".
قالت وايت كلو بيقين: "إن سعى لزج قاتلها خلف القضبان لأغمضت عيني. لكن استئجار القتلة؟ دفع الأموال للعصابات لقاء اغتيال؟ يجب أن تبقى أيدي الأبطال الخارقين نظيفة".
أطلق ليفي نفخة ساخرة. هز رأسه.
"هل أخبرك أحد يوما أنك أطهر من أن تنتمي لهذا العالم؟"
طالبت وايت كلو: "اصمت! أستساعدني أم لا؟"
"أعجبك لذا نعم. كما أنني كنت أنوي زج... وضع هذا الرجل خلف ع قضبان آجلا أم عاجلا لذا شكرا لك. لم يكن لدي اسم فقط".
نقر ليفي على ملف المستندات بظهر يده مبتسماً.
"في المقابل، ماذا رأيت عند البوابة؟ ماذا فعل الرسل؟"
هز ليفي رأسه.
"لاشيء، لكني رأيت ما هو أسوأ بكثير. أسمعت ببلِسترمان؟"
قالت وايت فانغ: "بلِسترمان؟ نعم. إنه أحد حراس البوابة".
تنهد ليفي بحزن.
"حاول أحد المدنيين تحذير الحراس من خطر داهم... ربما نادل أو عابر سبيل سمع الحوار، لا أعلم. بعيني هاتين رأيت بلِسترمان يشطر ذلك الرجل نصفين بأشعة عينيه. لم يبق شيء من جسده العلوي. تلاشى واختفى تماما".
تمتمت وايت فانغ بقلق: "بلِسترمان... ماذا؟"
"قتل مدنيين أمام عيني مباشرة!"
"ولم يحرك أحد ساكنا؟"
هز ليفي كتفيه.
"ولا حتى حركة واحدة".
بمظهر مفكر حدقت وايت فانغ في الأرض. هزت رأسه.
"هذا... سأضطر للتحقق من الأمر. إن كان ما تقوله صحيحاً فسيحتاج بلِسترمان لقضاء ما تبقى من أيامه في غرفة صغيرة مظلمة وسأبذل كل ما بوسعري لحدوث ذلك".
قال ليفي وهو يهز الملف: "حظا سعيدا. سأذهب لأجلس في مكان هادئ وأقرأ كثيرا".
لا رد. مد يده لعنقه. لعدم شعوره بأي نصل التفت. كان الزقاق خاليا. فرّ جرذ من حاوية نفايات إلى أخرى. سخر ليفي.
"كالمعتاد".
أخرج هاتفه وتابع النقطة الحمراء المضيئة وهي تبتعد عنه بسرعة وتتخفز من سقف إلى آخر بينما ظل جهاز التعقب الذي تركه عليها في الحانة نشطا. أبعد الهاتف بابتسامة ماكرة وهو يهز رأسه.
"تذكروا يا أطفال: اصنعوا دائما زيين واغسلوهما باستمرار! وإلا ستجعلون الأمر سهلا جدا على أمثالي".