العِركان أعداء صادقون. يقتلون ويغزون لأنهم يريدون المزيد ولا يتظاهرون بغير ذلك قط.
يوميّات جنديّ أثناء الموجة الخضراء
وقف سليمان أمام خدمه المصطفين. لم يجتمعوا عادة بأعداد كبيرة إلا عند الذهاب إلى الكنيسة في نهاية الأسبوع، لكن ميليسا حرصت على تجهيزهم لوداعه قبل رحيله. وقف الجميع ورؤوسهم منحنية قليلاً في الرواق. لم تمر سوى أيام قليلة على قتله دوكات واستدعائه الشيطان. غادر حرّاس إتلين الذين جاؤوا لاقتساده إلى المشنقة خالي الوفاض، باحثين عن أي عناصر إجرامية في مدينتهم قد ارتكبت جريمة قتل المعارض الأسير.
قال: "ليس لدي الكثير لأقوله. أعلم أنكم تستطيعون المتابعة من دون توجيهاتي، فأنتم غالباً بلا إياها على أي حال. أرجو أن تواصلوا العمل الجيد الذي اعتدت عليه حتى في غيابي".
تعالت الانحناءات والانحناءات الخفيفة بينما كان يشق طريقه عبر الرواق. فتح له بارناباس وبارت الباب الرئيسي، وكانت ميليسا تنتظر عند العرببة ومعها دَنكان جالساً وجاهزاً للتوجه إلى إتلين. لقد ترك بالفعل تعليمات مفصلة للخدم عما ينبغي عليهم فعله، وعما يجب فعله في حال حدوث أي طارئ. كانوا جميعاً أ كفاء، لكن لم يتدرب أي منهم على تولّي القيادة. كان ذلك خطأه هو. لم يكن لديه كبير خدم، أو خادمة لتوجيههم، بل سمح لميليسا بأن تملأ دور خادمه الشخصي وممثله.
صعد إلى العرببة وانتظر ريثما تستقر ميليسا قبالته، ثم نقر على المساحة المجاورة لرأس دَنكان نقرتين ليتحرك بهما قدماً. بعد لحظة واحدة فحسب، اندفعت العرببة للأمام وانطلقوا في طريقهم. المحطة الأولى كانت إتلين، حيث سيقضي الأمسية مع الفايسكونت بيار. بعد ذلك سيتوجهون نحو ضيعة أسرته الواقعة بين بريفانتیس وڤينتانیس. سيقضي هناك ليلة واحدة على الأقل، ويستعيد القيادة القرمزية قبل التوجه إلى ڤينتانیس حيث سيركب سفينة.
تثاءب، فكرة الرحلة وحدها جعلته يشعر بإرهاق مفاجئ.
سألت ميليسا: "هل نمت جيداً يا سليمان؟".
أجاب كاذباً بابتسامة خفيفة: "نعم".
راوده كابوس مألوف. التجوّل في ممرات ضيعة مورو. امرأة تئن. لم يبتلَ بهذا الحلم بالذات لسنوات. قطبت ميليسا جبينها، لكنها اقتنعت بما يكفي لتُخرج كتابها من جيب معطفها. كان كتاب *المجرى لا متناهي*. أي مجلد، لم يكن متأكداً حقاً. لم يكن الأمر مهمّاً، يمكن للمرء أن يشرع في قراءة أي منها ليظفر ببعض التسلية القذرة. نظر من النافذة مراقباً مونفالو وهي تبهت بينما استغرق لحظات قليلة أخيرة لمراجعة جميع التعاويذ والطقوس التي كان يثبتها باستذكار تام.
لم يكن متأكداً متى تبهت قدرته على الحفاظ على التعويذة وأراد التأكد من أنه حفظ حقاً ما يحتاج إليه. رأى بضعة حراس في دورية، وصياد فخ في طريقه إلى الغابات الأكثر أماناً بين إتلين ومونفالو، وعربة رجال عائدين إلى البلدة من مصانع إتلين. لم يبشر ذلك بخير، فلم يكن الأسبوع قد انتهى بعد. لم يشعر سليمان بأن مانا خاصته بدأت تضطرب إلا حين صاروا على مقربة من منتصف الطريق إلى إتلين.
تخلّى عن تعاويذ الاستذكار التام بدلاً من محاولة الحفاظ عليها وإصابة نفسه بصداع ناجم عن المانا. ومن هناك راقب مانا الخاصته بحرص كلما ازدادت عدم استقرار. لم تصل إلى دوامة الاضطراب التي كانت عليها في الماضي، لكنها ظلت غير مستقرة بالقدر الذي يجعل إطلاق التعاويذ خارج تركيزه أمراً معقداً. واصلت ميليسا الجالسة أمامه القراءة، لكنها كانت تتوقف أحياناً، وتختلس النظارات إليه، وتُقطب جبينها، وتنظز إلى الخارج لحظة، ثم تعود إلى القراءة.
كانت منزعجة، وكان ذلك واضحاً، لكنه سرّ لتملّكها حسن الأدب الذي منعها من مجادلة الأمر بعد الآن. نظراً لطبيعة رحلته فإنه سيتركها ودَنكان عند مغادرته ضيعة مورو. سيعودان راكبين إلى مونفالو، وسيعود خادمه الشخصي القديم، إدمور، إلى دوره السابق في رحلة الجبهة. وبكل بساطة، لم يكن آمناً اصطحاب فتاة صغيرة معه إلى الجبهة الأوركية في ماناشت. كان واثقاً من أنها تفهم، لكن هناك فرقاً بين فهم أمر ما واستقراره حقاً في ذهن المرء.
كان الوقت قد أضحى عصراً متأخراً حين بلغوا إتلين، وأكثر تأخراً حين وصلوا إلى قصر الفايسكونت. فتحت البوابة لهم وأخذ سليمان لحظة ليميل نحو ميليسا.
"تذكّري أن تكوني حذرة. ذكّري دَنكان بذلك أيضاً".
أومأت برأسها. كانوا جميعاً أكثر وعياً بكثير بهوية الفايسكونت بيار عما كانوا عليه في المرة السابقة. ترجلت من العرببة، فاتحة الباب له. ترجل من خلفه، فرأى الفايسكونت بيار في انتظاره أعلى الدرجات المؤدية إلى قصره. تلالأت عيناه الذهبّيتان في الشمس الغاربة. ارتدى بدلة بلون التبغ وابتسم حين أخذ يد سليمان وصافحها.
"مرحباً بعودتك يا سليمان".
"جيمس. شكراً لك مجدداً على السماح لي بالمبيت هنا".
"بالطبع، ألسنا أصدقاء؟".
أشار نحو المدخل.
"تفضل، انضم إليّ لاحتساء مشروب".
أومأ سليمان، تاركاً ميليسا ودَنكان يتعاملان مع أمتعته بينما شقّا طريقهما عبر الرواق وإلى الصالون. ظلّ على حاله منذ آخر مرة زاره فيها، وجلس أمام النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة بينما أغلق جيمس الباب وصبّ لكل منهما مشروباً. ناول واحداً لسليمان. كان صافياً وفيه فوار خفيف، ارتششف رشفة فوجده قوياً، لكن بنكهة زهرية.
قال وهو يأخذ مقعده أمامه، مواجهاً الحديقة: "سمعت عن مشكلتك الأخيرة. أو أظنها مشاكلك. لقد واجهت أكثر من واحدة بالتأكيد منذ آخر مرة كنت هنا".
رد سليمان وهو يرتشف مشروبه: "لا شيء لا أستطيع التعامل معه. رغم أنني أقدر التحذيرات التي قدمتها".
"مجاملة صغيرة. أنا متأكد أنك ستفعل المثل".
رد سليمان ملتفتاً إليه: "بالطبع. ربما لما كنت بهذه المجاملة لو أخبرتني أنك تبيع الأسلحة للمعارضين".
كان جيمس في منتصف ارتشاف مشروبه، لكنه لم يتوقف في منتصف الرشفة، بل أكمل بهدوء وابتسم.
"كنت أنت إذن. ظننت أن المد ربما نجح بطريقة ما في إدخال أفراد إلى مونفالو دون علمي، لكن إن كنت أنت من قتل دوكات فهذا يبدو منطقياً أكثر بكثير. أنا مندهش من أنه تكلّم. حسب ما قيل لي كان... عصياً. خصوصاً أمام أولئك الذين بمكانتنا. لقد أخذت وقتك حتى في توريطي"، كأن نبرته جعلت الأمر يبدو وكأن اللفتة أثرت فيه.
"أطلق النار علي أكثر من مرة ببندقية سرقها منك. لم أكن أعلم أن زبائنك يشملون معارضين".
ابتسم جيمس وأومأ.
"أنا أبيع الأسلحة للمعارضين فعلاً. أبيعها لأي شخص يشتريها".
"ولا تقلق من أن يوجهوا أسلحتهم ضدك؟".
"سيكون ذلك قراراً أحمق. لست سوى ابن ثالث ومجرم يزودهم بالأسلحة. سيكون ذلك إهداراً للذخيرة التي قدمتها لهم".
أدار سليمان مشروبه في كوبه.
وسأل بنبرة هادئة غير معاتبة: "وحين يوجه أحدها إليّ؟ أو إلى أسرنا؟".
هز جيمس كتفيه: "حينها سأجعلهم يدركون عدم رضاي عنهم بأقصى الطرق الممكنة وأكثرها شمولاً. عملي تجاري دموي. التموجات التي أحدثها لا يمكن السيطرة عليها بالكامل، بل إدارتها والتخفيف من حدتها فحسب. ألا تفعل ذلك بالتأكيد؟ كم عدد التموجات غير المتوقعة التي يحدثها السحر؟".
ابتسم سليمان بابتسامة خافتة: "أكثر بكثير مما قد يتوقعه المرء يوماً".
رفع جيمس كوبه في اتجاه سليمان وأخذ رشفة طويلة أخرى.
قال سليمان وهو يمد كوبه نحو الفايسكونت: "لنتفق إذن على محاولة ضمان عدم تصادم تموجاتنا".
قرع جيمس كوبه بكوب سليمان وتقاسما مشروباً هادئاً آخر.
"من المؤسف أنك لا تمكث لأكثر من ليلة. كان بإمكاننا قضاء ليلة أخرى من القمار. رغم أنني، مع قدراتك، أعتقد أنني كنت سأتجنب الجلوس إلى الطاولة نفسها معك".
هز سليمان رأسه: "لا أحتج إلى السحر لأفوز في الورق".
لم تكن لديه أي تعاويذ قد تساعده، لكن لم يكن على جيمس معرفة ذلك.
"لدي خدمة صغيرة كنت أتمنى أن أطلبها منك. إن لم يكن في ذلك الكثير من العناء".
رد سليمان: "يعتمد ذلك على مدى صغرها".
نهض جيمس وسار إلى باب الصالون، مشيراً لتتابع سليمان، ففعل. شقا طريقهما عبر الممر وصعدا بعض الدرج إلى غرفة كبيرة بلا نوافذ وتغطّي الجدران فيها كتب سوداء مجلدة ببساطة. كانت هناك صناديق مدخلة في رفوف صغيرة في أرجاء الغرفة مع ملصق يحمل أرقاماً مختلفة على كل شيء. اقترب من الرف السابع والعشرين وأخرج مفتاحاً من مكان ما في جيبه، فاتحاً الصندوق الموجود عليه. ما إن فتحه حتى استطاع سليمان رؤية توهج خفيف للمانا.
بداخله خنجر صغير بمقبض من عظم ونفر برتقالي.
أشار بحذر نحو النصل: "منحني هذا كأجر رجل وضع رهانات سيئة. عائلته عريقة، فرع من آل ثورن على ما أعتقد، ويدعي أن هذا سلاح متوارث. كنت أمل أن تساعدني في إيجاد سريقة لاستخدامه".
نظر سليمان إلى الخنجر. كانت المانا المنبعثة منه خفيفة، وظلت خاملة مع ومضات عرضية فقط. اختلفت عما رآه في أشياء سحرية أخرى. تمثال الناسك وعصا عمه كان لهما توهج ثابت حين كانا نشطين، لكن الخنجر كان أكثر تباُناً، كأنه يكاد يتفاعل مع ما حوله. ذكره ذلك أكثر بثْرين. بدا درع الحماية الذي يحرس مدخل الدراسة الخفية أكثر تفاعلية هو الآخر. رفع بصره إلى جيمس، الذي بدت عيناه الذهبيتان مركزتين بشكل خاص.
سرّ لأنه تعلم للتو المزيد عن الأسلحة المتوارثة في اجتماع الأركانا الأخير.
قال وهو ينهي مشروبه: "هناك طرق. ستتطلب الطرق الأسهل الحصول على الدم الذي يتوافق معه السلاح. أذلك أمر يمكنك الحصول عليه؟".
"بسهولة بالغة".
أومأ سليمان: "سأحتاج إلى مراجعة أبحاثي وستكون تكلفة أمر كهذا باهظة. بالطبع، لن أستطيع فعل أي شيء حتى أعود".
سأل الفايسكونت بابتسامة: "أمتأكد أنك لا تستطيع فرك أصابعك ونطق بضع كلمات؟".
ابتسم سليمان بدوره: "أستطيع بالتأكيد، لكن ذلك لن يفيد كثيراً في أي شيء".
هز جيمس كتفيه، منهياً مشروبه قبل أن يغلق العلبة بقوة: "يمكننا إعادة النظر في الأمر حين تعود إذن".
أومأ سليمان وشقا طريقهما عائدين إلى الصالون حيث شربا ودخنا حتى العشاء، وبعد ذلك شربا ودخنا أكثر. في نهاية الأمسية، استلقى سليمان في الجناح المخصص للضيوف ونظر إلى الظل فوقه، ملاحظاً زوجاً من العيوب البنفسجية المعلقة فوقه. كانت لديه عدة أسئلة رغب في طرحها على الشيطان، لكنه حذر من حقيقة أن جيمس ربما راقب الغرف. أغلق عينيه عوضاً عن ذلك، وبعد فترة وجيزة شعر فيها وكأنه يدور، تمكن من النوم.