ابن أخي شاب رسميّ... مستعدّ تماماً ليحلّ محلّ أبيه رئيساً للعائلة ويفعل تماماً ما فعله أبوه. وغالباً سيفعل ابنه هو الآخر ما يفعله. إن الطبيعة المتطابقة تقريباً للابن البكر لعائلة مورو هي أمر يجدر برجل يملك اهتمامات أقل غرابة من اهتماماتي أن يدرسه.
مفكرة فيكتور مورو المشفّرة
"أنا إغناطيوس رافائيل من نقابة القانون، أُعلن رسمياً أن الدوق الأكبر أوثر مورّو قد رحل. وبهذا التصريح، يحظى موته بالاعتراف القانوني أمام أمة دراكتيس العظيمة، التي أسّسها الثلاثة عشر وعزّزها اتحادهم".
توقف إغناطيوس لحظة ليدع وقْع الكلام يستقر.
"سأقرأ الآن وصية الدوق الأكبر. وكما ينص القانون، سيورث ابنه البكر تشورد تسعين بالمئة من ممتلكاته. وتُبيّن هذه الوصية ما سيؤول إليه العشر الباقي. وإن أراد تشورد الاعتراض بحجة أن ميراث الآخرين يتجاوز العشر، فله الحق في ملاحقة ذلك عبر نقابة القانون بعد تلاوة الوصية. أما فيما يخص الراحل حديثاً، فقد كان مسجّلاً دقيقاً، لذا يُستبعد وقوع الأخطاء".
حافظ سولومون على ملامح محايدة وهو يستمع. وأبقى عينيه الرماديتين الشاحبتين مسدّدتين نحو إغناطيوس. كان الرجل نحيلاً كالعصا ويرتدي بدلة سوداء أنيقة تزيد من نحوله. وتوارت عيناه خلف نظارتين، وجاء كلامه حذراً ومدروساً كأن لكل كلمة وزناً. ولعله كان كذلك بالنسبة إليه. فإن لم تُعامل وصية بطريرك من العائلات المؤسسة الثلاثة عشر بحذر، فقد تنهي مسيرته المهنية. وربما حياته أيضاً.
"تفتح الوصية بهذا التصريح من الراحل".
توقف إغناطيوس لحظة.
"أنا الدوق الأكبر أوثر مورّو، انتقلت إلى حديقة الغسق. لا تخافوا عليّ، ولا تبكوا عليّ. فالمسؤولية تقع عليكم الآن، يا زوجتي ويا أبنائي، لتستمروا في حفظ اسم مورّو. فنجاحاتكم تخصّه، ومثلها إخفاقاتكم".
لم تكن هناك إعلانات حب، ولا كلمات عن أنه سيرعاهم. اسم العائلة فحسب. اسم العائلة دائماً. ورغم ركاكة التصريح، أجهشت والدة سولومون بالبكاء الصامت عند سماعه. وكاد يلوي فمه لولا أن عمراً من تدريبات الإتيكيت المؤلمة غالباً قد جعل وجهه منيعاً تماماً أمام مشاعره الداخلية.
"إلى ابني الأكبر تشورد، بغض النظر عن الممتلكات التي هي حقّك سلفاً، أمنحك أيضاً هلبيرد مورّو ودرع السيّد. فهما رمزان لبيتنا بقدر ما أنت رمز له".
التفت سولومون بنظره إلى تشورد الجالس مباشرة أمام إغناطيوس. تعذّر عليه رؤية وجهه، لكنه تخيّل أن لديه تلك الملامح العبوسة الصارمة التي تعوّد عليها. مطابقة تامة لملامح أبيه. تجعّد حاجباه الثقيلان فوق عينيه الفولاذيتين، وأطرهما شعره الأشقر الفاتح الممشط إلى الوراء بعناية. ولا شك في أنه سيرفع اسم العائلة كما فعل أبوهما. سيعتصر مزيداً من الأرباح من ممتلكاتهم، ويمرّر بضع قوانين في المجلس تُحكم قبضتهم على السلطة، ويسلم عدداً من مواطني أراضيهم يفوق الحصّة المقررة لقتال العُجْم المتوحشين أو الجان الماكرين.
ستنمو قوة عائلتهم بنسبة الخمسة بالمئة الواجبة لكل وارث، ثم يموت ليفعل ابنه المثل.
"إلى زوجتي ديبورا، أمنحك راتباً سنوياً قدره عشرة آلاف دراك ذهبي، والعصر الغربي في أراضينا الأنساب، وجميع طاقم خدمك الحالي، فضلاً عن خمسمئة فدان في الامتداد والأقنان التابعين لها".
أجهشت والدة سولومون بالبكاء مجدداً، وخالف شقيقه جود البروتوكول ليمدّ يده ويعصر يدها. لو فعل هو ذلك لتلقى ضربةً على يده بقصبة. غير أنه اعتاد القواعد غير المتكافئة. تأملها، فقد أفلت خصلة من شعرها الأحمر الفاقع، المطابق لشعره، من قلنسوتها السوداء في لحظة ما. كانت امرأة جميلة حتى في شيخوختها، وقد أدّت أكثر من الواجب المعتاد للزوجة الصالحة إذ وهبت أباه أوثر ثلاثة أبناء أصحاء وابنتين سليمتين ونفسه.
ولم يفقد قط طفلاً، وهي حقيقة أدت فعلاً إلى تحقيق قصير أجرته نقابة السحر المحتمل غير القانوني. والآن تُحال إلى التقاعد، ويُسمح لها بالنوم ليلاً دون أن يتنفس أبوه فوقها وتنتقل كل مسؤولياتها كسيّدة منزل إلى زوجة تشورد.
"إ إلى ابني الثاني جود، أمنح راتباً سنوياً قدره ثلاثة آلاف دراك ذهبي مع ألفين إضافيين ما دام مقيماً مع والدته. وإن ظلّ برفقتها حتى رحيلها، فسيؤول إليها راتبها وممتلكاتها الموروثة".
لم يحرك جود ساكناً، لكن سولومون استشعر التوتر الذي باغته للحظة. وكاد يبتسم ساخراً من سوء حظ شقيقه. طالما كان جود المدلل المفضل لدى والدته. تغدق عليه، ويلوذ بأثوابها كلما دهمته مشكلة. طالما تباهى بخططه حول ما سيصنعه بميراثه. السفر، الأعمال، الزواج، لكن أباه ربطه الآن بوالدته حتى الموت. وما هذا إلا قليل مما يستحقه.
"إلى ابني الثالث فون، أترك قيادة القرمزي، نصل أسلافنا الملك فالانس، إضافة إلى فحلي الخاص بلاك هارت. وأترك أيضاً راتباً سنوياً قدره ثلاثة آلاف دراك ذهبي وثلاثمئة سهم من أسهمي في نقابة المستكشفين".
لم يكن فون هناك. تعذر عليه العودة إلى الضيعة قادماً من الجبهة العُجْمية في الوقت المناسب لحضور الجنازات العامة أو الخاصة. لقد شغفه السعي لجمع ثروته بنفسه في السلك العسكري. وجرت العادة أن يلتحق الابن الثاني بمثل هذه المهنة، غير أن جود، ورغم كونه مبارزاً قديراً، لم تكن له شهوة في فتوحات لا تتضمن ملاءات سرير حريرية.
"إلى ابني الرابع سولومون، أترك راتباً سنوياً قدره ألفا دراك ذهبي، وضيعة عمه الأكبر فيكتور مورّو والبلدة القريبة مونفالو، إضافة إلى ما يلزم من خدم لصيانتها وألف وخمسمئة دراك إضافية كل شهر لإعادة بنائها وصيانتها".
وهنا تعقّدت الأمور. رفع سولومون حاجبيه بدهشة فيما التفت بقية أفراد العائلة لينظروا إليه. ولعلها المرة الأولى التي يلحظون فيها وجوده طوال ذلك اليوم.
"لم أسمع بضيعة فيكتور مورّو ومونفالو؟ لا أذكرها في سجلات ممتلكات أبي"، قال تشورد.
قطب إغناطيوس جبينه وأخذ يقلّب الأوراق على المكتب، ثم أومأ برأسه حين وجد ما يبحث عنه.
"إنها ضيعة مساحتها ثلاثون فداناً تضم قصراً فسيحاً وعدة مبانٍ ملحقة، وتبعد البلدة عن أراضي مورّو التقليدية مسافة أكبر من البقية. يبدو أن عدد سكانها يبلغ نحو أربعة آلاف، رغم أن آخر إحصاء يعود لأكثر من عقد. كانت بحوزة عمك الأكبر حتى رحيله قبل بضع سنوات وظلت شاغرة منذ ذلك الحين".
عقد تشورد حاجبيه متفكراً لبرهة.
"لماذا يعطيك الأب ضيعة كهذه؟"، سأل جود، طارحاً السؤال الذي يدور في ذهن الجميع.
"لا أعلم"، كذب سولومون.
"كنت أظنني سأحصل على الراتب فحسب، وربما بعض الكتب من مكتبته".
في الواقع، وقبل أن يغيّر الوصية، ترك له أبوه راتباً أقل حتى مما أُدرج وتوصية رسمية إلى النقابة التي يختارها. وبالنسبة لابن رابع، لم تكن صفقة سيئة، بل إن إغناطيوس الماثل أمامهم ربما عاش وضعاً مشابهاً وبدو قادراً وطموحاً. ويا للاسف، أراد سولومون أرضاً وبشراً وسلطة. وكان سيظفر بذلك بعد عقد من العمل النقابي، ولو لم يمرض أبوه لما فاته الأمر، لكن موته بدا فرصة أثمن من أن تُهدر.
لم يكن تغيير الوصية أمراً يسيراً. كان عليه أولاً تحديد عقار يلبي احتياجاته ويكون بمنأى عن انتباه تشورد. ووافق عقار عمه الأكبر غايته تماماً، وبدا مهملاً، على الأرجح بسبب بدء مرض أبيه قبل عام من وفاة عمه. مصادفة سعيدة لسولومون. انتظر حتى غاب وعي أبيه تماماً، ثم حدد موقع الوصية ذاتها، وأمضى وقتاً في تقليد خط يده، وأجرى تعديلاته قبيل إرسال المراجعة النهائية إلى نقابة القانون.
ولم يكترث أحد يوماً بما يفعله، لذا كان التسلل إلى حيث ينبغي ودون لفت الانتباه أمراً يسيراً للغاية.
"يجب أن تؤول الضيعة لأحدنا"، قال جود مشيراً إلى نفسه وتشورد محاولاً مداعبة طمع شقيقه الأكبر.
"أو حتى تيودوسيا أو بيرنيس".
لم تكن تيودوسيا، توأم جود، حاضرة، فمكانتها كإحدى وصيفات الأميرات وزوجها الدوق الأكبر ثورن جعلا سفرها متعذراً. ولعل خطوط السكك الحديدية الجديدة للاتحاد إن نجحت تحل تلك المشكلة نهائياً. اكتفت بيرنيس برمقة جود باستياء ظاهر، بينما توارت عيناها الرماديتان الزرقاوان وشعرها الكستنائي خلف حجابها.
وقالت: "إن أراد الأب أن يحظى سولومون بضيعة صغيرة في مكان مقطوع فلا أرى مانعاً يحول دون ذلك".
أومأ تشورد موافقاً، مما فاجأ سولومون.
"كان العم الأكبر فيكتور شديد الشبه بسولومون. أدرك مقصد الأب".
تمتم جود: "من السهل قول ذلك لمن يملك الكثير"، مما دفع والدتهم إلى غرس ظفر حاد في راحته حتى تجهم.
وصمت بعدها.
سعّل إغناطيوس قائلاً: "أيمكنني المتابعة؟".
أجاب تشورد: "تفضل".
واصل رجل النقابة تلاوة وصية أبيه. واستعرض رواتب بناته، وأن مهر بيرنيس سيظل محفوظاً فور عودة خطيبها من الجبهة، إضافة إلى عدد من الجواهر والفساتين التي تحمل شرف عائلته مورّو وتاريخها. حافظ سولومون على وجه محايد وهو يستمع، محتفظاً بابتسامته في الداخل حيث لا يعاقب عليها.