نوبل أركانا: الأسرار النبيلة الفصل 6 — جفاء القمر

اقرأ نوبل أركانا: الأسرار النبيلة الفصل 6 — جفاء القمر باللغة العربية على مانجا تايم.

ما من شيء أسوأ من أن ترغم على البقاء في بلدة. قد تكون القرية الصغيرة فاتنة. وقد تشعرك القرية بأنك تعيش حياة شظف. وقد تمتلئ المدينة بملذات تفوق ما يمكنك أن تتخيل. أما البلدة، فهي شيء مروّع. قادرة على تلبية احتياجاتك، ولا شيء غير ذلك. السيدة أربيسا في رسالة إلى الأرملة تيريز

أمضى سولومون الصباح في تفحص قصاصات الورق قطعة قطعة وترتيبها في أكوام لتُجمع وتُتخلص منها. وضع كومة للورق وأخرى للأغطية وثالثة لقطع الأثاث التي تحطمت. أهلكه هذا العمل. لم يكن معتاداً على الجهد البدني ولم يستمتع قط بركوب الخيل والصيد مثل إخوته. مع ذلك أصر على إنجازه بنفسه. كان العثور على كتاب السحر خطيراً وكذلك الاحتفاظ به. إن وُجدت أي إشارة أخرى إلى السحر بين المكتبة الممزقة والمفتتة وجب عليه أن يكون هو من يكتشفها.

اسمه يكفيه لحمايته من السجن أو الاستجواب أو الإعدام لكن خدمه سيقعون في خطر إن تعثروا بشيء ما لا ينبغي لهم رؤيته. عوض افتقاره للقوة البدنية بقدرته على تحليل كل قصاصة ورق بسرعة. نظرة واحدة تكفي لتأكيد محتواها أو نفيه فاستطاع فرزها ووضعها بسهولة. وكما ظن حين دخل المكتبة للمرة الأولى كانت أغلب الكتب نصوصاً شائعة. بسيطة ورائعة وسهلة المنال. لا شيء باطنياً أو غريباً. للأسف زاد هذا الأمر من ارتيابه.

أعاد فحص كتاب السحر متجنباً وصف التعاويذ ومركزاً بدلاً من ذلك على الحواشي الكثيرة والفقرات الواقعة بين التعاويذ. رغم أنه لم يذكر اسمه قط اتضح جلياً لسولومون أن مؤلف الكتاب هو عمه الأكبر. وُردت إشارات إلى أجزاء من أملاك العائلة وصلات وأشياء لا يستطيع تحديدها إلا شخص مطلع تماماً على تفاصيل العائلة. أضف إلى ذلك ذكر أحداث تاريخية من تاريخ العائلة تتزامن مع الفترة التي كان فيها فيكتور على قيد الحياة وتلك التفاصيل قطعت الشك باليقين.

إن كان فيكتور مهتماً إلى هذا الحد بالغيبيات والسحر والأسرار فلماذا جمع هذا الكم من الكتب الشائعة؟ خمن سولومون أنها مجرد غطاء. إن صح هذا التخمين فمن المرجح جداً وجود مخابئ للمعرفة مخزنة في أرجاء القصر الأخرى. يطرح هذا تساؤلاً أيضاً حول سبب وضع هذا الكتاب بالذات في ذلك المكان. بات متأكداً الآن وبحوزته كتاب السحر من أن الدمار الذي لحق بهذا الجزء من القصر نتج عن السحر.

وربما بحث شخص ما عما يخفيه عمه من أسرار. فلماذا لم يأخذوا هذا الكتاب؟ تنهد ومسح جبينه. لديه أسئلة كثيرة وبضع نظريات ولكن بلا أجوبة. بدا وكأن شق طريقه قاد به إلى حقل من الألغام. إن اكتشف الاتحاد أن عمه درس السحر في الخفاء سيتحول القصر إلى أشلاء وخصوصاً مع وجود أدلة على تسبب الفنون السحرية بالدمار في الردهة. وسيتورط هو فوراً في الأمر وسيمنح ذلك إخوته ذريعة لمحاولة الاستيلاء على الأصول التي نجح في حيازتها لنفسه.

سيكون عليه تدمير كل الأدلة وإخفائها والتأكد من العثور على أي شيء آخر في القصر قبل أن يعثر عليه الخدم. أو... تقدم ليلتقط عصا التشييد المتكئة على الرفوف ضاغطة برأسها المعدني البارد على ذقنه وبدأ شعور بالبرد يتسلل إليه. أو ربما يجد ما يمكنه استخدامه. كم سرعة تجميعه للقوة بمساعدة سحرية؟ كانت غاياته محكومة بالجانب العملي. امتلاك الممتلكات وتحصيل أكبر قدر ممكن من الدراكات وتحسين أحوال المواطنين الذين يستطيع مساعدتهم ومحاولة الفوز بمقعد في البرلمان وإحداث ما يستطيع من تغييرات مدروسة.

لكن مع السحر ما قيمة الجانب العملي؟ باستطاعته مساعدة أخته في فسخ خطبتها وأخذ مكان أخيه كرئيس لاسم مورو وقيادة البرلمان وإنهاء حق الابن الأكبر وإجبار النطبقة النبيلة على تذكر مسؤولياتها. نقرت العصا مرتين على الأرض وهز رأسه. لم يكن في جيبه سوى علاجات للثآليل وتعاويذ للأحلام السعيدة. لقد تمادى كثيراً بعيداً عن الاحتمالات الواقعية. في أفضل الأحوال قد يستطيع بيع كتاب السحر لأحد تلك النوادي السرية المتناثرة هنا وهناك أو مبادلته مقابل معروف.

وحتى لو وجد مخزناً هائلاً من المعرفة خزنه عمه فهو يفتقر للمانا. ذلك المخزون الخاص من القوة الذي يولد به القلة القليلة. أعاد ارتداء معطفه وخرج من الغرفة. ما زال عليه إنهاء فرز القاصاصات لكنه وعد بأخذ الخدم إلى البلدة ودفع أجورهم مبكراً وما زال عازماً على فعل ذلك. أجرى حديثاً موجزاً مع دانكن وبارت بشأن ترميم الردهة والمواد التي سحتاجان إليها. عاد أدراجه إلى غرفته ودس كتاب السحر في درج أغلقه بالمفتاح.

ثم جمع مراسلاته وغيرها من المواد. انتظره الخدم عند مدخل القصر حيث جُهزت العربة والواغن للجميع. توجه إلى كل فرد من الخدم وناولهم مظاريف صغيرة تحوي أجور شهرهم الأول. عجز كثير منهم عن إخفاء ابتساماتهم. ارتعشت فليسيتي قليلاً عند أخذ نصيبها لكن حتى عيناها اتسعتا حين شعرت بوزن المظروف. صعد إلى عربته وفي لحظات تحركوا صوب مونفالوه. في ضوء الظهيرة الساطع صار قادراً على تفحص الأمور بصورة أفضل.

كان الطريق الواصل بين البلدة والقصر وعراً وبحاجة إلى عناية. بدت البلدة نفسها أكثر ترحيباً بلا غيوم ولا أمطار ولكن ليس بالقدر الكثير. توقف العربة على أطرافها تماماً. كان هناك كثير من الناس جيئة وذهاباً وقد رمقوا سولومون بنظرات علنية حين ترجل من العربة رفقة الخدم. فور ترجلهم جميعاً كرر تعليمات الشراء على كليير بالنسبة للطعام وعلى بارناباس بالنسبة للخشب والجص والملاط وعلى آخرين لمستلزمات إضافية.

سيتولى هو البقية بنفسه لكنه أراد من الخدم الأقل خبرة التدرب على تسيير الأمور بأنفسهم. صرف الخدم ليتسوقوا ويتعرفوا على البلدة وبدأ يشق طريقه في الشارع. أصدرت حذاؤه الأنيقة وعصاه طقطقة مميزة مع كل خطوة. كان قد ألمّ بالتخطيط العام للبلدة لكن الخريطة التي استعملها كانت قديمة وتغيرت أمور كثيرة حوله. استمر في جذب النظرات طوال مسيره لكنه تجاهلها. إنه نبيل ومميز بغض النظر عن ذلك.

كان طويلاً نحيلاً يرتدي السواد بالكامل مع صدار بنفسجي وله شعر أحمر طويل منسدل. ورث هو وأغلب إخوته سحنة ريلاند الخاصة بوالدتهم مما جعلهم أكثر بروزاً حتى من سائر العائلات المؤسسة باستثناء أسرة غريدن بشعرهم الأبيض أو أسرة بايار بعيونهم الذهبية. مع ذلك فقد ورثوا عيون آل مورو الرمادية. سار دقائق معدودة قبل أن يدرك أن شخصاً آخر يسير بالسرعة نفسها تماماً على بعد ياردتين خلفه فحتى استدار ليرى الفتاة الخادمة ميليسا واقفة هناك.

"ميليسا لا داعي لمرافقتي. أنت حرة في التسوق واستكشاف مونفالوه".

نظرت إلى أسفل متجنبة التقاء نظراتها بنظراته.

"سييدي أفضل مرافقك إن كان ذلك مقبولاً؟ للمساعدة إن أمكن. لا يليق بأسرة مورو السفر بلا خادم واحد على الأقل".

عقد سولومون حاجبيه لكنه أومأ. كانت على حق. بدءا السير مجدداً وبلغا وجهة سولومون الأولى وهي مكتب البريد. كان مبنى من القرميد الأحمر الضخم يتحرك بداخله عدد من الرجال والنساء دخولاً وخروجاً. ارتدى العاملون هناك معاطف زرقاء مميزة تعلو كتفهم رقعة درع صفراء مرسوم في منتصفها حافر حصان. كانت هناك اصطبلات خلف المبنى وطريق واضح لنقل الدواب والابتعاد عن المسار. تفادى سولومون روث حصان وهو يشق طريقه إلى الداخل.

كانت هناك ثلاث طاولات خدمة. اثنتان مشغلتان وواحدة فارغة. توجه سولومون إلى الفارغة متجاهلاً أو بالأحرى غير منتبه للطّابور المؤدي إلى الطاولتين الأخريين. وحين وصل إلى الطاولة ظهر رجل طاعن في السن يرتدي الزي المعتاد وله شعر رمادي مخطط بالسواد وشارب ضخم.

"عذراً. هذه الطاولة مخصصة لاستخدام النبلاء وممثليهم".

"إذن هي المكان المناسب تماماً لي. أنا سولومون مورو المقيم حديثاً في عقار عمي الراحل وسيد مونفالوه بالوراثة".

بدا الرجل مشدوداً بعض الشيء مع حديث سولومون فاستقام ظهره وتصبب العرق من جبينه. من غير المعتاد وجود فرد من عائلة مؤسسة في بلدة كهذه. حتى لو كان الابن الرابع مثله. على الأرجح لم يصادفوا سوى نبلاء صغار في أحسن الأحوال طوال حياتهم. كان ذلك تمييزاً ممتعاً بالنسبة لسولومون. فالنبلاء الصغار قد يكونون أقوياء للغاية وفي نواحٍ كثيرة يعتبر ترؤس بيتاً صغيراً أفضل حتى من كون المرء ابناً ثانياً لبيت كبير.

"أأ-أتملك دليلاً يا سيد؟"

مد سولومون يده للرجل مظهراً خاتم ختمه المنحوت عليه رأس أيل بقرون ضخمة. ابتلع الرجل ريقه.

"كيف يمكنني مساعدتك يا سيدي؟"

أخذ سولومون حزمة الرسائل من تحت إبطه ووضعها على الطاولة بينهما.

"أريد إيصال هذه".

أومأ الرجل وقَطع الخيط الذي يربط الرسائل وقام بفرزها بسرعة محركاً خرزات عداد حسابي خلف الطاولة ليقوم بعمليات حسابية سريعة.

"يكلف ذلك ثلاثة دراكات فضية وربعاً".

وضع سولومون القطع النقدية على الطاولة بينهما. كان قد جهز المال قبل مغادرته حتى. كانت التكلفة متساوية في أنحاء الإمبراطورية لذا كان حسابها أمراً يسيراً. يدفع النبلاء أكثر لإرسال الرسائل لكنها تُرسل بسرعة أكبر وضمانات أوفر بعدم ضياعها أو العبث بها. أخذ الرجل القطع النقدية وانحنى.

"هل من شيء آخر يمكنني فعله لأجلك يا سيدي؟"

عقد سولومون حاجبيه ونظر إلى ميليسا التي بدت مركزة باهتمام على ما يفعله.

"في المستقبل قد تأتي هذه الفتاة إلى هنا بصفتي ممثلة عني. تذكر وجهها".

"نَع-نعم يا سيد".

"شكراً لك"، قال سولومون وخرجا من المبنى.

"سيدي؟"

سألته ميليسا حين وطئتا الهواء البارد.

"ستكون هناك أوقات أحتاج فيها إلى إيصال رسائل لكني مشغول بأمور أخرى. تبدين متحمسة لفعل أكثر من مجرد التنظيف. اعتبري هذا مسؤولية إضافية".

أومأت برأسها ولم تبتسم لكن بريقاً إضافياً لمع في عينيها.

"أتقرأين وتكتبين؟"

سأل.

"نعم يا سيدي".

"وتعرفين الأرقام؟"

"نعم".

"ممتاز. إذن لن يمثل ذلك مشكلة إطلاقاً بالنسبة لك".

كانت الفتاة أصغر منه ببضع سنوات فحسب لكنه بحاجة إلى تنمية قدرات خدمه وسيتحتم عليه لاحقاً اختيار خادم خاص رسمي جديد أو شخص يقوم بهذا الدور على الأقل حين يسافر. اختيار امرأة أمر غير مألوف لكن نظراً لمجموعة الخيارات المتاحة أمامه وجب عليه الانفتاح على الفكرة. تابعا السير في الشارع وتأمل سولومون المباني المصنوعة من القرميد الأحمر الداكن والأسقف الخضراء. لا بد أن ثمة سبباً لهذا التلوين.

كان فضولياً حيال الأمر لكن لديه أشياء كثيرة أخرى يجب التحقق منها قبل أن يصبح ذلك الأمر جديراً بالغوص فيه. وفي طريقه إلى ساحة البلدة رأى الكنيسة. أظهر برجها العالي جرساً في قمته وزُينت النوافذ بأيقونات الهيرالد والعامل. مزيج نمطي معتاد للتمثيل. ربما كانت هناك مزارات أصغر للآلهة الأخرى وحتى بعض الأرواح المحلية متناثرة في أرجاء البلدة لكن الهيرالد يُعبد في مختلف أنحاء الإمبراطورية والعامل خيار شائع أيضاً.

وأمام الكنيسة وقف كاهن يرتدي ثياباً بنية بسيطة وله شعر رملي وعينان فاتحتان. كان يتحدث إلى رجل مسجل. اتسعت عيناه الكاهن وتاهتا في لحظة رؤيته لسولومون وصرف الرجل الذي كان يتحدث إليه على عجل.

"مساء الخير يا سيد النبيل"، قال لسولومون.

"ليغنِ الهيرالد مسيرتك".

"ولتجدك أغنيته بخير".

"أنا لوتيرن"، قال الرجل ماداً يده بحماس نحو سولومون.

"سولومون مورو"، رد سولومون مصافحاً الرجل بحزم.

كان يخطط لزيارة الكنيسة فهي مصدر جيد للمعلومات لكنه لم ينوي فعل ذلك قبل إتمام مهامه الأخرى.

"مورو"، قال الرجل باحترام وهو ينحني.

كانت انحناءة عميقة وخصوصاً بالنسبة لكاهن.

"أتفاجأ بأن شخصاً يحمل ذلك الاسم يأتي إلى مكان إقليمي كهذا".

"لقد ورثت عقار عمي فيكتور. أعلى التل".

"آه نعم، سمعت بعض الأحاديث عن عيشه هناك. لقد أتيت إلى هذه الكنيسة قبل بضع سنوات فقط لذا كان ذلك بعد وفاته".

جعل هذا منه أقل فائدة بكثير مما ترجى سولومون.

"يا لها من خسارة، كنت أتمنى سؤال شخص ما عن فترة إقامته هنا. ولدي بعض الأسئلة حول البلدة أيضاً".

"آه، حسنًا، الكاهن هايندز هنا منذ نصف قرن. ربما يستطيع إخبارك ببعض الأمور. لكنه يعاني من نزلة برد في الوقت الحالي. وهناك آخرون في البلدة قد يتمكنون من الإجابة عن أسئلتك أيضاً. ربما لن يكونوا شديدي الكلام مع ذلك".

"لمَ لا؟"

"حسنًا"، رمق الرجل ميليسا بنظرة للمرة الأولى وكأنه لتوّه أدرك وجودها.

"كانت هناك بعض... الاختفاءات خلال العام الماضي أو نحو ذلك. فقدت أربع فتيات شابات".

"ألم يفعل الحرس المحلي شيئاً؟"

"لقد كثفوا دورياتهم. لا شيء سوى ذلك".

عقد سولومون حاجبيه. لديه عدد من الفتيات الشابات تحت رعايته المباشرة الآن فضلاً عن أن البلدة نفسها هي إقطاعيته مما يجعله مسؤولاً عن الفتيات اللاتي اختفين بالفعل. سيتوجب عليه الاستفسار من الحرس والعمدة حول ذلك. كان يخطط للقائهم قريباً على أي حال.

"حسنًا، إن عذرتني أيها الكاهن، فلدّي بضع مهام لإنجازها".

"أوه، بالطبع يا سيدي، بالطبع. أرجو أن تستعين بي إن كان هناك ما أستطيع فعله لأجلك. هل يمكنني توقع حضورك في القداس القادم؟"

"بالتأكيد".

كان من المهم الحفاظ على المظهر العام. يثق المحليون كثيراً بسيد إقطاعي يعبد معهم بدلاً من سيد يتوارى بعيداً. عادة ما تنتشر شائعات النبلاء عبدة الشياطين المتورطين في جماعات سرية بسرعة كبيرة إن لم يؤدِ المرء طقوس التقوى ظاهرياً على الأقل.