المعرفة تلدُ معرفة. وتستمرُّ السلسلةُ ما دام المرءُ لا يكفُّ عن مطاردتِها.
الساحرُ الأعلى لوثر
تخطّى سولومون جثة المَلِك ودلف إلى الغرفة الخفية داخل المكتب السري. ولج إلى الدائرة السحرية، ووضع كفّيه على جانبي الكُرة التي تضجُّ بغيومٍ متلاطمة وتنبض بمانا قوية. ضخَّ شيئاً من مانا خاصته بداخلها، وبعد لحظة من الظلام وجد نفسه واقفاً في المستودع مجدداً. امتدت الرفوف التي تضاهي أسوار القلاع إلى مدى بصره، ورأى فوقه غيوماً متلاطمة باللون نفسه الذي رآه داخل الكُرة.
كان يحرز تقدماً ثابتاً يمنةً ويسرة بحثاً عن تعاويذ يألفها أو تبدو مألوفة، لكن حظه كان متفاوتاً. قرر هذه المرة تجربة تكتيك مختلف. مشى نحو أقرب رف، ووضع يده الدمية المفصلية بالكامل في أعلى نقطة استطاع بلوغها، ثم غرز قدمه في أحد الرفوف ورفع جسده. لم يفلح في الوصول إلى نهاية أيٍّ من جانبي الرف الذي وصل إليه حتى بعد نصف ساعة من المشي، لذا قرر تسلّق أحدهما عوضاً عن ذلك.
تحرك ببطء ورويّة. لم يكن جسد الدمية الذي يتقمصه متناسباً كجسده الحقيقي، لذا توجّب عليه توخي الحذر الشديد لضمان ثبات يديه وقدميه. كان يخشى خاصةً أن يدوس على كتاب فيحترق هيكله الخشبي أو يتمزق إرباً. بعد عشر دقائق تقريباً، بلغ منتصف الرف فالتفت حوله. لم تكن هناك أي طريقة تنظيمية لتخزين الكتب واللفائف، تماماً كما في المستويات الدنيا. كانت مبعثرة عشوائياً، أسفار رسمية مجلدة بالجلد تجاور لفائف من الجلد الحيّ، وتجاورها أكوام من ورق مربوطة بخيوط خشنة.
كان ممتناً لتسلقه بجسد الدمية. لم يحتج إلى تنفس، ولم يشعر بألم أو إعياء في أطرافه، وكان توازنه أكثر ثباتاً. كانت حركته تستمد طاقتها من المانا لا من اللحم والدم. لو كان في جسده الطبيعي لسقط وتهشم ظهره قبل أن يقطع ربع المسافة. استأنف تسلّقه، ووجده أسهل الآن بعد أن ألف المسافة بين الرفوف وجسده الجديد. رأى حافة الرف الأعلى فضاعف جهده. بلغها ورفع نفسه بحذر، وتأكد من وجود مساحة كافية للوقوف، فوجد أن الرف الذي كان يتسلقه يتبعه رف آخر خلفه مباشرة.
وقف وبدأ يجول بنظره في الأرجاء. من موضعه، رأى الرفوف تمتد لأميال في كل اتجاه. على مسافة بعيدة بدت وكأنها تنحني وتلتوي حتى صارت الصفوف المنتظمة أشبه بمتاهة. وما وراءها، لمح ظلال هياكل تحجبها الغيوم ذاتها التي تلاطمت فوقه. بعضها أبراج زاهية الألوان، وبعضها بدا كقلاع، وأخرى اتخذت أشكالاً لم يتعرف عليها، ولم تشبه أي بناءٍ رآه أو سمع به قط. وبينما كان يستوعب المشهد، رأى تلك المباني والرفوف في الأفق البعيد ترتفع قليلاً.
كانت حركة ضئيلة لدرجة أنه ظنّ أنه ما كان ليلحظها لولا ارتفاعه الشاهق. سرت الحركة، وجعلت كل شيء يرتفع بغير إدراك قبل أن يهبط مجدداً. بدا الأمر وكأن المستودع يتنفس. استدار ليرى الجانب الآخر من الرف، فخطف بصره شيئاً في زاوية عينه. التفت ليرى مجموعة من الأجسام تتجه نحوه. لم يدرِ كنهها، فقفز من الحافة المقابلة للرف وتعلّق بها ليختبئ. لم يرَ كائناً حياً في المستودع حتى تلك اللحظة، فلم يعرف ما ينتظره.
بعد لحظات، ظهرت الأجسام المقتربة. كانت عيوناً. بحجم رأس إنسان، ذات قزحيات متلألئة تقذف الضوء حيثما نظرت. أحاطت بها كتل من ضباب يطابق لون الغيوم في الأعلى. بقي سولومون ساكناً يراقب العيون وهي تتوقف في الموضع الذي كان يقف فيه للتو. سلطت أضواءها على المنطقة، كأنها تبحث عنه. ثم تفرقت، وطارت في اتجاهات شتى عبر تضاريس الرفوف. انتظر سولومون بضع دقائق ثم هبط بحذر من الجانب الآخر.
وجد النزول أسرع بكثير من الصعود، واختار القفز من ارتفاع ثماني أقدام توفيراً للوقت. في الجانب الآخر، رأى المشهد نفسه الذي بدأ منه. آلاف الكتب واللفائف تصطف على الجدران، وتملأ كل شبر من الرفوف.
فتش فيها بعناية، آملاً في العثور على نص "دراكتيك"
أو شيء يألفه.
وقعت عيناه على لفافة بدت على حافتها حروف "دراكتيك".
مد يده والتقطها، فوجدها مختومة. استعد للأسوأ، وفضّ الختم بحذر وبسطها. **خداع**: اصنع كياناً من المانا بهيئتك لتضليل الأعداء. لا يمكن لهذا الكيان التفاعل مع العالم المادي أو الحركة أو إصدار صوت. المتطلبات: شظية من مرآة مكسورة. أمسك شظية المرآة في يدك، ووجه المانا إلى أطراف أصابعك. ضع يدك الحرة على وسط صدرك ثم ادفع للخارج، متخيلاً نفسك في ذهنك أثناء ذلك. ستتلاشى شظية المرآة عند تكوّن الكيان.
يلزم تدفق مستمر من المانا للحفاظ على الكيان في مكانه. هذه اللفافة ملك للاتحاد. إن وُجدت، تُعاد أو ستواجه الملاحقة القضائية. قرأ سولومون اللفافة عشرات المرات. حفظ كل جزء منها وتدرب على حركات اليد المذكورة. قلقه انصبّ على تدفق المانا اللازم للخداع، نظراً لعدم استقراره، لكن النص ذكر وجوب تدفق مستمر، لا تدفق متوازن.
لم تكن كرة النار التي تمنى الحصول عليها، لكنها بالتأكيد شيء يمكنه توظيفه ضد "سيّد الغابة السوداء"
وفي أماكن أخرى. ما إن انتهى من حفظها حتى وجه اهتمامه للملاحظة في الأسفل. لم يبذل جهداً في مساءلة المستودع. كان ماهيته وكيفية عمله أموراً ثانوية مقارنة بما يمكن أن يمنحه إياه، على الأقل في المدى القريب. والآن بعد أن رأى اتساع المكان، تضاعف فضوله، وزادت ملاحظة الاتحاد من ذلك. شكّ في أن يكون الاتحاد هو من وضع اللفافة هناك، بل شكّ في أن اللفافة وُضعت هناك أصلاً. لفافة الجلد البشري التي قرأها، وكتاب التعاويذ الذي بدا مكملاً لكتاب نظرية الهومونكولوس، والآن هذه اللفافة.
بدا له أن كل تعويذة تُكتب أو تُسجّل، ينتهي المطاف بنسخة منها في المستودع. كانت تلك نظريته على الأقل. لم يملك وسيلة لإثباتها، ولن يخبره التأكد منها بماهية المستودع فعلياً، لكنها أكدت مدى قوته. المشكلة الوحيدة تكمن في اتساع المعرفة المتاحة. فمقابل كل شيء مفيد، توجد ألف أشياء لا نفع منها أو قد تكون مفيدة، لكنها تتطلب معرفة لا يملكها للوصول إليها أو استخدامها. أعاد اللفافة بحذر إلى حيث وجدها، وبدأ تسلّقه عائداً إلى أعلى الرف.
يمكنه العودة إلى "مون فالو"
إما بالموت أو بالعودة إلى أحد التوابيت. فضّل الحفاظ على الدمى بحالة جيدة إن أمكن. كلما فقد واحدة، قلت فرص اكتسابه للمعرفة. حين بلغ القمة، وجد نفسه فجأة يحدق في إحدى العيون التي مرت به سابقاً. كانت العين مغلقة، لكن بمجرد أن رآها، فُتحت الأجفان فجأة، وأصيب بالعمى من الضوء الساطع.
فتح سولومون عينيه في "مون فالو"، وكانت يداه قد ابتعدتا للتو عن الكُرة التي نقلته إلى المستودع.
رمش بعينيه وحرّك كتفيه، وشعر بتيبس وألم في جسده لوقوفه ساكناً طويلاً. يبدو أن عليه أن يقلق في المستودع من أكثر من مجرد الكتب.