ظننت مراراً أن كل سبل بحثي عن المعرفة قد استنفدت. لكنني كنت أجد المزيد دائماً. لا نهاية للمعرفة، بل لنقتنا التي نحظى بها للبحث عنها.
مفكرة فيكتور موراو
ما إن عادا من الكنيسة حتى عزم سولومون على لقاء بوث قبل أن يعتزل في دراسته الخفية. وجد الرجل منكفئاً في حفرة حتى حقويه، وقد تغطت يداه بالتراب وامتلاءت لحيته بالطين.
قال سولومون: "صباح الخير يا بوث"، محافظاً على مسافة تبقيه بعيداً عن الطين وتسمح للرجل في الوقت نفسه بسماعه.
انتشل بوث نفسه من الحفرة وطأطأ رأسه معتذراً.
"أعتذر عن حالتي يا سيدي مورورو".
"أنت بستاني. لو لم تكن متسخاً لخشيت أنك لا تقم بعملك".
ابتسم بوث مطرقاً بصره.
"أظن هذا صحيحاً يا سيدي".
"أخبرتني ميليسا أنك تنتظر توجيهاتي؟".
"البستان شبه خالٍ بفضل المساعدة التي جلبتهالي، لكنني لست متأكداً مما تريده هنا. أَتفضّل شيئاً بالأسلوب الكلاسيكي مثل قصر مورو؟ أم شيئاً أكثر حداثة؟ أَتفضل زهوراً أو أشجاراً بعينها؟ سأعمل وفق أي مواصفات تحددها".
خدش سولومون ذقنه. لسبب ما، كانت فكرة أشجار ضخمة تصنع مظلة ممتلئة بالظل الهادئ أول ما خطر بباله.
"لطالما فضلت أزهار الدم، وأريد شيئاً أزرق لزيارات بيرنيس... أود شيئاً يوفر قدراً لا بأس به من الظل للماشين، وبستاناً".
"بستاناً يا سيدي؟".
"أي طعام ينمو محلياً. سنحصد ما نطلبه للقصر ونترك الباقي لأهالي مونفالو".
رفع بوث عينيه إليه ولم يخفِ دهشته.
"ليست فكرة جديدة. تمتلك العديد من قصور المدن بساتين صغيرة تسمح للسكان بالحصول على الطعام أحياناً. أترى الأمر سيئاً؟ أم أنه يفوق قدراتك؟".
"لا يا سيدي. سأستمتع بزراعة ما يُؤكل لا ما يُكتفى بجماله".
توقف لبرهة ثم أردف: "رغم أنني سأسعى لتحقيق الأمرين".
ابتسم له سولومون.
"شكراً لك يا بوث. أخبر ميليسا بالمبالغ اللازمة للبدء وستنسق مع دنكان لجلب المستلزمات بالعربات. أستحتاج إلى مساعدة السكان المحليين؟".
بدا بوث مفكراً.
"يمكنني الاستغناء عن أغلبهم ريثما تصل البذور والنباتات".
"لكن يمكنك ايجاد عمل لهم إن حضروا؟".
أومأ برأسه.
"إذن افعل. أفضّل أن يعملوا هنا إلى أن تبدأ أعمال الطرق".
"آه. فهمت يا سيدي".
أومأ له سولومون ومضى الداخل. أرغم نفسه على تناول غدائه بهدوء وببطء بينما كان يراجع الميزانيات ويتحقق من الوثائق التي سيحملها إلى مكتب حراسة مونفالو في اليوم التالي. ما إن فرغ حتى شق طريقه إلى المكتبة وأغلق الباب. تفقد مانا خاصته ففوجئ بعودتها إلى الاستقرار. لم يستنفدها، مما يعني أن استقرارها لم يكن نتيجة نفاذ سريع. تطلب الأمر تركيزاً أكبر، لكنه لم يمتلك الوقت لتكريسه في تلك اللحظة بالذات.
شغل درع الحراسة المؤدي إلى الغرفة السرية وشكره حين تنحى جانباً، مطلقا زفرة ارتياح أثناء ذلك. سند عصا المشي إلى مكتب وجال في الغرفة متأملاً الملك الميت على الأرض ليأخذ لحظة يتفكر فيها في كل سبل الدراسة المتاحة لديه. امتلك المستودع بالطبع، وبإمكانه الآن الشروع في فك رموز يوميات فيكتور ترتيبياً لا متفرقة بحثاً عن أمر محدد. علاوة على ذلك، كانت هناك سبل أقل وضوحاً. وجد مكتظاً بأدوات خيميائية تركها عمه ولم يخضها بعد.
لم يقدم المستودع إمكانات معرفية لا تنتهي فحسب، بل إن الوسائل التي استعملها عمه لبلوغها حملت قيمة هائلة أيضاً. كيف نقل روحه مستخدماً الكرة البلورية؟ كيف حرك تلك الدمى الخشبية؟ ووجد أيضاً التعويذة التي حركت درع الحراسة. احتاج إلى إيجاد طريقة لعكس هندسة تلك المعلومات. وكان عليه أيضاً تحديد آلية عمل السلاسل والأغلال التي قيدت الملك الجني. قد يحمل الملك الجني نفسه قيمة كذلك.
لم تظهر على جسده أي علامات تحلل وتساءل عما إذا كانت هناك فائدة من استخدام جسده كمادة خام. عزم سولومون على جعل تركيزه الأول منصباً على السلاسل والأغلال. اقتراب من جثة الملك وأمعن النظر في النقوش الدقيقة المنحوتة عليها. كان سولومون قد نظر إليها سابقاً حين حاول تحديد الغرض الدقيق من الطقس الذي أعده عمه، لكنه ما إن اكتفى بمعرفة أنها وُضعت لتقييد الملك فحسب وليست جزءاً من الطقس ذاته حتى حول تركيزه.
نظر إلى النقوش وسرعان ما أدرك أنه يتجاوز مقدرته. تعرف على بعض الرموز مما درسه مسبقاً، لكن أغلبها فاق معرفته الحالية. وبالتدقيق أكثر، أدرك أن المادة التي ينظر اليها لم تكن فضة في الواقع. صعُب تمييزها في عتمة الدراسة السفلية، لكنها حملت بريقاً شبه قوس قزح. كبركة ماء راكدة على جانب الطريق يلامسها القدر المناسب من ضوء الشمس. بحث عن مشبك الغلال ووجد موضعاً صغيراً لمفتاح.
لم يعثر على مفتاح في عمليات بحثه السابقة بالغرفة، لذا قصد مكتب الكيمياء والتقط غصن هولي جافاً. أخرج مفتاح غرفة من جيبه واقترب من القفل.
"سقط وانضبط وتحدد، بلسعة الهولي وواجب المفتاح استُمتِع".
سمع صوت نقرة. تفاجأ قليلاً، لكنه خمن أن القفل وُضع لتثبيت الغل في مكانه أكثر من توفير الأمان له. فالسحر تولى تلك المهمة. وضع نفسه خلف ذراع الملك وسقط الغل بصوت مكتوم حين فتحه. حدق في الملك الميت لحظة ليتاكد من عدم تحركه قبل أن يحول انتباهه إلى الغل والسلسلة. كانا أخف مما توقع. استطاع رفع الغل بسهولة رغم بحجم رأسه. صنعت السلسلة ذاتها من المعدن نفسه، لكن خلافا للغل، خلت من كثافة النقوش عليها.
وحين أمسك بها محسا بوزنها ومراقباً وميضها الغريب، بدأ يشعر بالضعف فجأة. وضع كل شيء برفق وتراجع خطوة متفقداً مانا خاصته. بدا الأمر وكأن جزءاً منها قد اختشفي وحسب. شعر ببركة المانا خارجه تبدأ بملئه مجدداً محاولة سد الفجوة المفاجئة. أعدمت السلاسل مانا خاصته. اقترب مرة أخرى ووضع يديه على السلاسل مركزاً بكل انتباهه على مانا خاصته. في لحظات، شعر بمانا خاصته تبدأ بالاختفاء وحسب.
أفلت السلسلة ثانية. ثم توجه إلى الغل الملقى على الأرض واضعاً يده عليه بينما ركز على مانا خاصته. مثلما حدث سابقاً، شعر بمانا خاصته تتسرب إليه، غير أنها تشتتت في الهواء حوله بعد تسربها ثم أُعيد امتصاصها داخل جسده. منحت النقوش الأغلال تأثيراً مغايراً للسلاسل. تساءل عما سيحدث لو لم يكن موجوداً لإعادة امتصاص المانا المحيطة. أاستُخدم الملك لتشغيل شيء ما؟ لتوجيه تعويذة إلى مكان ما؟
لغز آخر سيتوجب عليه انتظاره. انتقل سولومون إلى الجدار حيث ثبتت السلسلة. بدت مثبتة بمسامير في الجدار بإحكام شديد. تطلب الأمر طريقة لفك المسمار أو خلعه. ربما عثر على أداة صالحة مع بارناباس وشقيقه. إن وجد سبيلاً لتقييد سيّد الغابة السوداء، اعتقد أنه سيكون قادراً على قتله. لم يُظهر وميض مانا عند قتاله، لكن هجماته على عقله حملت طعم المانا، مما يعني أن المانا كانت مصدر قوته على الأرجح كما حدث مع الملك الجني.
تمثلت المشكلة في إيجاد طريقة لتقييده، أو حتى لإلحاق الضرر به بدرجة كافية متى ما قُيّد. بدت تعويذة الشرارة التي ألقاها عليه مسبقدة ضرراً طفيفاً لا أكثر. عليه إيجاد سبل بديلة لقتله. تنهد. لو كان رجلاً أضخم جسداً أو أكثر ميلاً للرياضة، لربما استطاع صهر السلاسل لتصير رمحاً أو سيفاً وقاتله وجهاً لوجه. لكنه لم يكن ذلك الرجل. دوّن ملاحظات قليلة على ورقة قبل أن يتوجه إلى مجموعة الأدوات الخيميائية الكبيرة في الزاوية.
من الواضح أن عمه نظمها وفق منطق لا يعرفه سواه. غابت أي ملصقات تماماً. عبس سولومون، لكنه فتح درجا ليجد عدداً من القوارير الرفيعة الطويلة. رفع حاجبيه وقد خاطره فكرة.