نوبل أركانا: الأسرار النبيلة الفصل 33 — صفقة

اقرأ نوبل أركانا: الأسرار النبيلة الفصل 33 — صفقة باللغة العربية على مانجا تايم.

تتعدد الأشكال المحتملة للمخلوقات المصطنعة واستخداماتها بتعدد ما يمكن أن يصله خيال المرء. يمكن للمرء بفضل الوقت الكافي والجهد الوفير أن يعمر بلدةً بابتكاراته، أو أن يشغل سفينةً بمفرده. أو يمكنه التركيز على الجودة، وصنع حياةً كاملة.

سفر بلا اسم

استيقظ سليمان متأخراً في صباح اليوم التالي. فتح عينيه ببطء ليرى ميليسا تقف بجانب السرير مباشرة بابتسامة مقلقة على وجهها. جلس ببطء شديد وأمعن النظر إليها.

قالت ميليسا بصوت ثابت: "هذه مجرد تسكن ميليسا في هذه اللحظة. هذا هو العالم، وهنا للمساعدة في إتمام معاملاتك".

سأل سليمان: "والتي تتقمصها حالياً؟".

أجابت: "هي سالمة وغافلة. فهذا هو الوقت الذي نوَت فيه إيقاظك على أي حال".

سأل مجدداً: "أليس هناك طريقة للقيام بهذا دون تقمص شخص قريب مني؟".

ردت: "ليس لهذا كيان مادي, لذا يلزم تقمص الآخرين لتأدية واجباته".

سأل: "كيف يفقد المرء كيانه المادي؟".

أجابت: "يضحي به في سعيه وراء المعرفة والقوة الأثيرية. لقد كنت يوماً أعظم ساحر أرواح وُجد على الإطلاق. حاولت استخدام قُدُري للسيطرة على الأركانا، وكعقاب أصبحت مقيداً في خدمتها للأبد".

سأل: "لو طلبت منك أن تعلمني فن الأرواح، أستفعل؟".

ردت: "لا أستطيع ذلك. قبل أن أُقيد في الخدمة، أخفيت معرفتي داخل العوالم النجمية اللانهائية. لن يمتلك أحد ما امتلكته قط".

ترك سليمان هذه الفكرة تتردد في ذهنه لبرهة قبل أن يبدأ بالنهوض من سرير.

قال: "عذراً"، فتحرك العالم من طريقه.

اتجه إلى مكتبه وراجع القائمة القصيرة التي أعدها. ثم فتح بعناية صندوق القفل في زاوية مكتبه وعدّ ستين دركاً من الذهب ودركاً واحداً من الفضة. ثم استدار نحو العالم.

سأل: "أتحتاج إلى كيس أم صندوق؟".

أجاب بصوت ميليسا: "لا حاجة لذلك".

التفت سليمان للوراء ورجل الذهب والفضة قد اختفيا. ومكانها وُجد كتاب بغلاف من الجلد المدبوغ ولفافة مصفرة مربوطة بخيوط متينة.

قال: "شكراً لك".

انحنى العالم، ثم راح يرمق المكان بنظراته.

وقال: "الحراسات حول هذا المكان غريبة. كثيرة لدرء الأعين المتطفلة والأرواح الشريرة، ولكن لا شي يردع التقمص".

فتح سليمان فمه ليسأل عما يعنيه، لكن ميليسا كانت تطرف بعينيها وتبدو في حالة ذهول، مما يوحي بأن العالم قد فارقها. التفتت حولها للحظة.

"أتفضل طعاماً معيناً للفطور يا سيد؟".

"بيضا مُبهّراً وخُبزاً مدهوناً بالعسل".

"سأبلغ كلير".

"شكراً لك يا ميليسا".

راقبها وهي تغادر وحينها فقط دسّ كتاب التعاويذ واللفافة في مكتبه بحذر. كان قلقاً من أن يلفت التقاطهما المبكر انتباهًا غير مرغوب فيه. كانت ميليسا شديدة الملاحظة، وكان عليه الحذر منها. لم يكن مرتاحاً لتقمص العالم لأشخاصه. صحيح أن ميليسا بدت بخير، لكنها ظلت خاضعة لسيطرة شيء لم تكن تعيه. لم يكن لديه خيار يذكر الآن، لكنه سيبحث في المستقبل عن سبل لتفادي هذا التقمص. أحضرت ميليسا طعامه فأوصد الباب.

ثم أخرج كتاب التعاويذ واللفافة من مكتبه مجدداً. فك رباط اللفافة أولاً وبسط كل زاوية منها تحت ثقالة ورق، مستعرضاً إياها بينما كان يأكل بحذر. كُتب التعويذة بلهجة الدارثيك وبخط أنيق ومنتظم. كانت التعويذة شبيهة بتحصين العقل، إذ تركز على صورة وتدعّمها بالمانا، غير أن لها طبقة إضافية من التعقيد. كان على المرء التركيز على ما يريد حفظه، وربطه بصورة واضحة في ذهنه، ثم دفق المانا باستمرار لتلك الصورة.

فإن انقطع تيار المانا، فقد تذكُّره التام لها. ومع ذلك، لم يمنع هذا المرء من حفظها بالطريقة التقليدية في هذه الأثناء. أخرج سليمان الدفتر الذي يستخدمه لمتابعة أجور خدمه وركز عليه، ثم استحضر التمثال القائم في حديقته القديمة عند عقار المورو. تخيل الأمرين مرتبطين ببعضهما وسكب المانا فيه. شعر بألم حاد يطعنه خلف عينيه وبخورة الدفتر تكاد تطفو أمام بصره حتى مع إطباقه عينيه بقوة.

حاول كبح كمية المانا التي كان يدفعها فيه فاستقرت للحظة قبل أن ترتفع مجدداً مسببة عودة الألم الحارق. أبطل التعويذة, شاعرًا بفرج فوري حين زال الضغط عن جمجمته. حوّل تركيزه نحو المانا خاصته، ليشعر بأن محيطها يعود للتموج والاضطراب كأنه بحيرة تقبع تحت عاصفة. قطب جبينه، فكل ما استقر به سابقاً قد زال أثره. سيتعين عليه محاولة تحقيق الاستقرار مرة أخرى، ويزعم أمله أن نظريته حول استنزاف مانا بالقوة عبر إطلاق التعاويذ السريع كانت صحيحة.

طوى اللفافة بحذر ووضعها جانباً ليولي كتاب التعاويذ جلّ اهتمامه. مرر يده بحذر على الغلاف، وبدا وكأنه صُنع من جلد رديء. فتحه فسرّه أن يرى خط الدارثيك مجدداً، وإن كان هذه المرة بلهجة أقدم بكثير. وإلى جانب النص، وُجد عدد من المخططات والرسوم البيانية أيضاً. قضى سليمان ما تبقى من فطور وساعة بعده في تصفح كتاب التعاويذ. وجد الكثير منه يفوق إدراكه، لكن تعلم ما لا يعرفه في الوقت ذاته فتح له آفاقاً أخرى ليسبرها.

الهومونكولوس كائن يتشكل بحياة اصطناعية. وتلك الحياة قد تأتي من مصادر عديدة، والمانا هي الأكثر شيوعاً، غير أن ثمة تلميحات إلى إمكانية استخدام شظايا الروح، أو قوة حياة الكائنات الأخرى، أو حتى قوى العالم الطبيعي. ولها من الاستخدامات بقدر ما يتخيله المرء، لكنها غالباً ما تُتخذ كمساعدين أو حراس للساحر. ويمكن تشكيلها كآلات عمياء بلا عقول، أو منحها قدراً من الاستقلالية.

وتتعدد طرق تكوينها، فبعضهم يفضل لحم الحيوانات ودماءها، وآخرون بقايا بشرية، وبعضهم يستعين بطين ممزوج بدمائهم أو دماء غيرهم. ويختلف الهومونكولوس عن الغولم في أنه يتطلب عنصراً عضوياً لخلقه ويحتاج إلى مانا أقل. كما تميل تلك الكائنات لتطوير سمات وشخصيات طفيفة بمفردها على الأقل. كان الأمر برمته مثيراً للاهتمام إلى أبعد الحدود، بيد أن أول ما استبد بفكره هو أنه قد يجيب عن سؤاله بشأن ماهية ثرين.

لقد بدا بشرياً، لكن المانا كانت تسري في جسده كله. كما كان قادراً على إدارة قصر بأسره بمفرده ويبعث شعوراً جلياً بأنه غير بشري. كانت معرفة حقيقته مفيدة، لكن سليمان تمنى لو أنه يعلم لمَ تركه عمه وراءه بينما اختفى بقية الخدم أجمعين. تنفس سليمان الصعداء وهو ينهض متجهاً إلى خزانته ليرتدي ملابسه. بدا أن فيليستي قد انتهت من تعديل ملابس عمه القديمة فانتقى أحد ستراته الخضراء ليرتديها فوق إحدى جاكيتاته الأرجوانية الداكنة.

أراد إظهار امتنانه لعملها الشاق وبدا ارتداؤها السبيل الأمثل للقيام بذلك. كانت فكرة الهومونكولوس تستهويه للغاية. لمჩ يشأ تعريض أي من خدمه لخطر إشراكهم في دراساته، لكن الهومونكولوس سيكون قصة أخرى. كما بإمكانه جعله ينوب عنه حين تبرز مهام لا يستطيع مباشرتها علانية. صحيح أنه قادٍ على استئجار من ينوب عنه في أمور معينة، لكن كلما اتسعت الدائرة زاد احتمال ثرثرة أحدهم. تنفس الصعداء وأزاح تلك الأفكار جانباً.

لم يكن يملك متسعاً من الوقت للتفكير في أمر شديد التقدم كهذا. وما دام قد نجا من الانضمام إلى الأركانا، فعليه التركيز على مواجهة سيد الخشب الأسود. لو أن المخلوق هاجمه بكامل قوته لَقُتِل هو وصياد الوحوش. لم يكن بإمكانه تجاهل الأمر، فلديه خطط كثيرة ترتبط بتلك الغابات. كما راوده أمل في تحرير عرائس السيد. أدرك أن ذلك مستبعد، لكن أولئك النساء كن من مسؤوليته بوصفهن من سكان مونفالو.

وودّ على الأقل أن يتمكن من إعادة جثامينهن إلى عائلاتهن. تكمن المشكلة في افتقاره للقوة الهجومية للتعامل مع مخلوق كهذا. لم يكن بمجرد إلقاء تعاويذ شرارة معززة حتى يقتله. وربما بتمتع تعويذة كرة نار حقيقية كان ليحدث ضرراً حقيقياً. والخيار الآخر يتمثل في إيجاد تعاويذ أو طرق لإخفاء طبيعته الجديدة تماماً ثم استدعاء الاتحاد أو حتى الجيش. سيشرع في البحث داخل المستودع عن شيء يستغله، لكن لم تكن آماله كبيرة جداً في العثور على ما يبتغيه بالضبط بسهولة.

أنهى أزرار معطفه متوقفاً عند الانتهاء. لم يكن يعرف سيلة لقتل الروح، لكنه سبق ورأى ملكاً مقهوراً. وربما استدعت السلاسل الملتفة حول الملك الميت في القبو دراسة فورية. خرج من غرفة نومه متجھاً صوب الردهة. فقد حان موعد ذهابه إلى الكنيسة خلال الساعة القادمة. وبعد أن يفرغ من عبادة بعض الملوك، يستطيع حينها تحويل اهتمامه إلى قتل ملك.