طبيعتنا الاستمتاع بالحياة. أن نكون سماويين، طائشين، ومشاغبين. إن لم نغتنم كل متعة تتيحها لنا الحياة بوصفنا نبلاء، فلأجل ماذا إذن يعمل أولئك الذين بلا ألقاب بهذه القسوة؟
الليدي أربيسا في رسالة إلى الأرملة سيتسوك
بعد عودتهم من عند السيدة بريور، خرج سولومون إلى الحديقة ليتفقد مدى تقدم العمل. بدا الرجال والنساء الذين استأجرهم لمساعدة بوث مهتمين بتطهير الأرض، وكانوا يؤدون عملاً جيداً. بدا بوث نفسه غير مرتاح لإعطائهم التوجيهات، لكنهم بدأوا قادرين تماماً على توجيه أنفسهم عند الحاجة. وما إن انتهى من تفقد الأرجاء، حتى قام بدورة حول القصر، ماسحاً المباحث بعينيه أثناء تنقله. لقد تبين أن التمثال في غرفته ذو طبيعة سحرية، وكان يأمل أن تمكنه قدرته الجديدة على رؤية المانا من العثور على المزيد من الأسرار التي أخفاها عمه.
لاحظ وميضاً عابراً لشئ ما بين الحين والآخر، لكنه لم يكن ثابتاً، وكلما دقق البحث لم يجد شيئاً. ربما كانت الأشياء المسحورة لا تظهر المانا إلا عندما يتم تفعيلها. عاد إلى الداخل وجعل سيلينا تحضر له قهوة لتصفية ذهنه بعد غدائه الثقيلة بشكل مفاجئ. لم يحصل على كل الإجابات التي كان يأملها، لكنه تعلم المزيد بالتأكيد. كان من المؤسف أن ما تعلمه بدا وكأنه يؤدي فقط إلى المزيد من الأسئلة.
كان ثرين ساحراً، هذا واضح. لم يكن سولومون متأكدًا مما إذا كان ساحراً أم شيئاً آخر. لقد اتسم بلا شك بصفة غير بشرية. أكان مستبدلاً؟ أم نوعاً من المخلوقات السحرية؟ لم تكن لديه طريقة لمعرفة ذلك. لقد ذكر أنه جاء من ليندال، برفقة الخدم الآخرين. تقع تلك المنطقة على الحدود، بالقرب من تخوم جنية الصقيع. ربما كان واحداً منهم، لكن هذا يعني أنه يخفي بشق الأنفس بشرة زرقاء. وإلى جانب ما تعلمه عن ثرين، فقد علم المزيد عن العمدة السابق.
لم تحتوى السجلات على ما كان يمكن أن يخبره بأن العمدة كان نبيلًا سابقًا ومن عائلة متجذرة في مونفالو لأجيال عديدة. من المحتمل أن يكون ذلك معلوماً للجميع بين السكان المحليين. كانت شائعات الأجيال السابقة عن قتل لزوجاتهم تذكره بالنساء المفقودات، لكن لم يكن لديه خيط واضح يربط بين الأمرين. أنهى قهوته وأخذ لحظة للتركيز على المانا خاصته. كانت أقل هياجاً، وهذا أمر جيد، لكن لا يزال من الصعب تكوين انطباع دقيق عنها والسيطرة عليها.
عقد حاجبيه، فقد أراد أن يكون قادراً على إلقاء التعاويذ دون القلق من تفجير كل نافذة أو التسبب في انفجار، ولكن بالسرعة التي تسير بها الأمور لن يستقر وضعه لشهور. دفع نفسه للوقوف، مصلحاً تجاعيد بَدْلَتِهِ وهو يبدأ المشي نحو المكتبة. أومأ برأسه تحية لبارناباس الذي كان يقوم ببعض القياسات أثناء مروره، فأسرع الرجل بإخفاء يده المقطوعة وانحنى بخفة. بلغ سولومون المكتبة وأغلق بابيها ثم أحكم قفلهما.
لقد تم تركيبهما مؤخراً فقط، لكنه طلب من بارناباس جعل ذلك أولوية له. ربما بدا الأمر غريباً، جلوسه في مكتبة خاوية تقريباً، لكنه لن يكون أول سيد غريب الأطوار لعقار ريفي. فعّل درع الحماية، فكشف عن الممر السري، وشكره قبل أن يهبط إلى الغرفة المخفية. ألقى نظرة، كعادته دائماً، على الملك الميت، مذكراً نفسه بأنه سيتعين عليه دراسة السلاسل التي قيّدته متى سنحت له الفرصة. أي شيء يمكنه تقييد ملك يستحق المعرفة.
أعاد تركيزه إلى المجلات المشفرة.
استغرق بضع لحظات لإضافة النسخة المشفرة لاسم "ثرين"
إلى ملاحظاته قبل أن يبدأ في مواصلة البحث عن الكلمات الرئيسية.
علّمها عندما وجدها، لكنه اختار ترجمة أي مقاطع تحتوي على كلمة "تعويذة"
فوراً. كان لديه وقت قليل قبل اجتماع الأركانا القادم. إن لم يقدم عملاً سحرياً يرونه قيماً، فسيفقد فرصة تعلم المزيد من أسرار عمه، وأن يكون جزءاً من مجتمع سحري سري يمكنه استغلاله، وغالباً سيقتله الموت. فكر في طقوس نقل المانا، ولكن نظراً للسرية والتكلفة والظروف شعر أنه سيكون أمراً غير حكيم. إن القدرة على جعل أي شخص ساحراً ستغير الإمبراطورية والعالم من جذورهما. ركز على المجلات الوسطى، إذ افترض أن أي تعاويذ مذكورة في المجلات الأقدم لن تكون على الأرجح محل اهتمام الأركانا....
لقد نجحت التعويذة. استطعت استخدام طقوس الاستدعاء على الرغم من افتقاري للمانا. كل ما احتجت إليه هو مصدر كاف للمانا من مكان آخر. في هذه الحالة، كفى دم الجنية بخلطه مع الحبر المستخدم لرسم دائرة الاستدعاء. لم يكن الشياطين كما توقعت. بدا كرجلاً طويلاً نحيفاً وظل وجهه محجوباً دائماً. حتى أنه ارتدى بَدْلَةً سوداء وفقاً لأحدث الصيحات. صوته... لا أزال أستطيع سماع صوته... قطّب سولومون جبينه إزاء ذلك، كاتباً في أوراق ملاحظاته استخدام الدم المشبع بالمانا كحبر فضلاً عن الإشارات إلى الشيطان.
كان سولومون مهتماً للغاية بما قاله عمه أيضاً، لكنه لم يرى أي إشارات حول كيفية إلقائه تعويذة الاستدعاء فانتقل إلى ما بعد ذلك، قافزاً إلى مجلة متأخرة جداً بكثير....استغرق العمل السحري اللازم لجعل المستودع آمناً للوصول إليه عن بُعد بعض الوقت لإتمامه. شهور لجمع المواد، ولكن بحلول ذلك الوقت أصبحت أملك المانا الخاصة بي لذا أصبحت الأمور أسهل بكثير. قراءة الكتب داخل المستودع خطيرة دائماً، حتى الآن.
بدا أن بناةه لم تكن لديهم أي حس بالتنظيم. يمكنك سحب مخطوطة من رف لتجد نفسك فجأة مصاباً بالعمى لقراءتك مقطعاً لم يُخصص أبداً للعيون البشرية، أو تبقى عبارة عالقة في ذهنك إلى الأبد تدفعك للجنون لأنك رأيت الكلمات الخاطئة بالترتيب الخاطئ... كانت هناك إشارة أخرى إلى المستودع. بدا وكأنه مكان خطير مخصص لتخزين المعرفة المحرمة. تماماً ما كان يبحث عنه. بدأ يمشط المجلات السابقة بحثاً عن مكان ذكره.
لسوء الحظ، ذكر العم فيكتور ذلك مراراً وتكراراً عابراً، لذا استغرق الأمر بعض الوقت للعثور على وصف أكثر تفصيلاً....يبدو بلا نهاية، وربما يكون كذلك حقاً. تبدو هناك نسخ لكل تعويذة وطقوس وكتاب تعاويذ موجود عبر مسافة أميال. قضيت الجزء الأكبر من حياتي في العمل من خلال زاوية صغيرة فقط منه، لكنني لم أترك أثراً يُذكر حتى الآن. تكمن المشكلة جزئياً في خطورة المكان، فالعديد من النصوص مميتة أو تحمل تأثيرات خبيثة.
لقد وجدت أرواحاً شريرة وملوك مظلمة وشياطين تترك آثاراً لأنفسها داخل الكثير منها. المشكلة الأخرى هي أنك لا تدري أبداً ما ستجده. لقد قضيت شهراً ذات مرة في ترجمة مخطوطة من اللغوية الإلفينية القديمة لأدرك في النهاية أنها تفصل تعاويذ تهدف إلى تشجيع نمو نوع محدد جداً من الأشجار. وبالتأكيد إنها جنة بالنسبة لي. لقد قضيت سنوات من حياتي أبحث بين ثناياها وأحاول تعلم كل ما أستطيع.
حتى الآن على الرغم من ذلك، لا أعرف أصوله، ولم أر قط أي شخص آخر يتجول بين رفوفه. ربما لم يتمكن أي شخص آخر من دفع ثمن تحديد موكعه مثلي... وضع سولومون الورقة المترجمة جانباً ضاغطاً بين إصبعيه على أصل أنفه. كان صداعه المستمر إلى جانب ملل ترجمة المجلات يثقلان كاهله. لقد امتلك الأدلة التي يحتاج إليها للعثور عما كان يبحث عنه، وما زال أمامه ستة أيام للعثور على التعويذة وتقديمها إلى الأركانا.
نهض من المكتب، متعثراً قليلاً عندما أدرك أن ساقه قد خدرت. هزها قليلاً أثناء مشيه، مسنداً نفسه على عصاه وهو يشق طريقه صعوداً على الدرج. لم يسمع شيئاً خارج الغرفة فخرج شاكراً الفارس الخارجي وتوجه إلى غرفته. بعد لحظات من استقراره، دخلت ميليسا.
قالت: "العشاء يا سيّدي؟"
أجاب: "أرجوك. أي شيء أعدته كلير."
انحنت وغادرت، تاركة سولومون وحدها مع أفكاره. أغمض عينيه وأسند ظهره إلى مقعده. لقد كان متعباً. بين مقاطعة نومه، وترجمة أجزاء من مجلات عمه، واللقاء بالسيدة بريور، كانت هذه أكثر الأتراب انشغالاً منذ أن أدى الطقوس. ولن تهدأ الأمور أيضاً. في الصباح، سيتعين عليه التوجه إلى البلدة لمراجعة المزيد من مستندات العمدة نييمان المتبقية، والاجتماع مع العديد من المرشحين الإداريين، والموافقة على بعض الحراس الذين اختارهم فانتوس.
لقد أراد أن تمتلئ الحامية بالموظفين في أسرع وقت ممكن. وفي نهاية الأسبوع، كان عليه القيام بنزهة عبر الغابات إلى المناجم القديمة ومخيمات قطع الأخشاب. طرق بقبضته مرتين على المكتب أمامه بينما جلس إلى الأمام. كان هذا بالضبط ما هفا إليه قلبه دوماً.