بصرف النظر عن العائلات المؤسسة الثلاث عشرة، التي لم يبقَ منها سوى إحدى عشرة، توجد عائلات فرعية عديدة لا يخثر فيها الدم بالقدر الكافي. وحين نضيف إليها العائلات التي نالت ألقاباً نبيلة نظراً لإنجازاتها العظيمة، أو العائلات التي نالت ألقاباً لمساعدتها في إخضاع شعوبها أو شعوب غيرها، تبدأ أعداد النبلاء في مختلف أنحاء دراكتيس بالآلاف. يعني هذا أننا لا نحتاج سوى إلى ذبح بضع آلاف من الرقاب لنفرغ منهم.
خطاب ألقاه دالمار المنشق، ووُثِّق ليُستخدم في ملاحقة قضائية مستقبلية
راقب سولومون البلدة وهي تتراءى أمامه بينما كان يستقل العربة رفقة ميليسا. كانا يعبران بلدة مونفالو برمتها قاصدين قصر السيدة بريور. تجمهر عدد من الرجال والنساء يحدقون في العربة أثناء مرورها لعدم اعتيادهم رؤية أمثالهم في بلدتهم. بدا السكان مشابهين لمن رأاهم من قبل لكنهم أشد بؤساً ربما، بملابس رُممت بعناية أكبر ووجوه أكثر شحوباً. توجب عليه التأكد من أن الأعمال التي سيوفرها لن تقتصر على القاطنين في الأماكن الأقرب للمتناول فحسب.
بلغت العربة أطراف البلدة وتابعت مسيرها قليلا حتى وصلت إلى قصر صغير. ضم القصر سبع أو ثماني غرف نوم على الأرجح، ذات نوافذ مرتفعة تسمح بنفاد ضوء الشمس الطبيعي وواجهة مصنوعة ببراعة تحمل طرازاً حديثاً نسبياً. وأضفت الحديقة التي تكدست فيها شجيرات الورد على جانبي الممر المؤدي إليه رونقاً خاصاً على المكان. فتحت ميليسا باب العربة لتسمح له بالنزول واستنشق سولومون عطر ورود الحديقة ما إن وطدت رجلاه الأرض.
شكر ميليسا ثم دونكان وهو يشق طريقه عبر الممر نحو الباب الأمامي. وُجدت مطرقة باب على شكل رأس ثور غاضب يخترق حلقه حلقة معدنية. طرق سولومون الباب مرتين بحزم وانتظر. لم يسمع أي صوت مع انفتاح الباب. وقف أمامه الخادم الشاحب ذو الملامح الملتبسة الذي رآه مع السيدة بريور في الكنيسة. لكنه بدا هذه المرة متوهجاً. انحنى الخادم إجلالاً له.
"تنتظرك السيدة في غرفة الجلوس. تفضل، اسمح لي بمرافقتك إلى هناك".
جاء صوته ملتبساً مثله، متردداً بين طبقة الرجال المعتادة وتلك الخاصة بالنساء.
"شكراً لك"، رد سولومون وهو يخطو للداخل.
بدا التصميم الداخلي للمنزل معتنىً به بدقة تضاهي واجهته الخارجية. ازدان المكان بقطع الأثاث الفاخرة واللوحات الفنية وحتى المزهريات المعبأة بالورود المقطوعة حديثاً، وظن أنها جُلبت من الحديقة. قيد إلى غرفة جلوس مرتبة بعناية تصطف على أحد جدرانها رفوف كتب مفعمة بالروايات العاطفية وتطل نافذة منها على الحديقة. كانت السيدة بريور جالسة على مقعد وثير باستقامة تامة، تمسك في إحدى يديها فنجان شاي، بينما استقر كتاب أُغلق حديثاً في حجرها.
"السيدة بريور"، قال سولومون منحياً.
"اللورد مورو. أهلاً بك"، ردت بصرامة رسمية.
"أعتذر عن تعذر التزامي بموعدنا السابق".
"أعتقد أن إعادة جدولة الموعد كانت ملائمة بالنظر إلى الظروف. وإن كان ذلك بصعوبة".
لم يتبدل نبرة صوتها وهي تتحدث مما ترك سولومون حائراً أكانت تمازح أم لا.
"تفضل بالجلوس"، قالت وهي تشير إلى المقعد المقابل له.
"ثرين، احضر له بعض الشاي ثم نادنا عندما يصبح الغداء جاهزاً".
أومأ الخادم الشاحب برأسه وصَبَّ شاياً ما زال ساخناً في كوب مزين برسومات لزهور زرقاء.
"كيف تفضله؟"
سأل.
"حلواً"، أجاب سولومون، مراقباً الخادم وهو يغرف أربع ملاعق من السكر في الكوب قبل أن يحركه برفق ويناوله إياه.
أومأ سولومون شاكراً وهو يتناول الكوب ويرتشف منه رشفة. كان الشاي قوياً وذا نكهة زهرية. ما إن استقر سولومون في مجلسه حتى انحنى ثرين مجدداً وغادر الغرفة. توجهت ميليسا أيضاً للوقوف بالقرب من مدخل الباب مباشرة، متأهبة غالباً لاستلال الكتاب الصغير المخفي في جيب سترتها لتقرأه. تطلع سولومون حوله بعرض البال.
"تمتلكين قصراً جميلاً".
"أنا واثقة من أنه يبدو ضئيلاً مقارنة بقصرك، لورد مورو".
"البناء ضخم ومبهر، لكنه يفتقر إلى أي لمسة تقترب من الأناقة. قصرك يتفوق بمراحل".
أثار ذلك وميضاً في زاويتي فمها تحرك للأعلى للحظات معدودة.
"شكراً لك".
"إنه حقاً يبرز وسط بقية معالم مونفالو".
أومأت برأسها وأخذت رشفة صغيرة من الشاي لتصفي حلقها.
"كانت الأمور هنا أفضل بكثير في الماضي. لم تكن أبداً بالبلدة التي تتفوق على إيتلينغ، لكنها كانت مكاناً لطيفاً يعج بالطيبين".
"رأيت ومضات من ذلك"، كذب سولومون.
"شرارات ضئيلة مما كانت عليه ذات يوم".
ارتشف رشفة من شايه.
"أيمكنني السؤال عما حدث؟"
في الحقيقة، كان يعلم مسبقاً أن معظم المشكلات بدأت مع توقف أعمال التعدين وقطع الأخشاب، لكنه لم يستخف برأي امرأة عاشت هناك طوال حياتها. عاد العبوس إلى وجهها.
"ألقي باللوم على عائلة بيثار".
"عائلة بيثار؟"
لقد كانت عائلة نبيلة استوطنت هذه الأراضي قبل أي شخص آخر. وكان أسلافهم زعماء خضعوا للإمبراطورية طوعاً. وحسب ما علمه، فقد فقدوا ألقابهم منذ زمن بعيد.
"نعم. إنهم كالجرذان التي تنخر هذا المكان. كلما مُنحوا السلطة، انحدرت هذه البلدة أكثر فأكثر لتغدو مقاطعة نائية. عندما كنت صفتة، لامهم والدي على الحادثة التي تسببت في إغلاق المناجم، وها هم قد انتهى بهم المطاف ليتولوا مقاليد الأمور مرة أخرى. أتخيل أنك لست معجباً بهم أيضاً، نظراً لما حل بك".
"ما حل بي...؟"
تمتم سولومون بها بصوت مرتفع، بينما ربط عقله بسرعة بين ما صرحت به وما يعرفه. أتاه ذكرى مبهمة لماركوس وهو يدعي انتماءه لآل بيثار، ذكرى اندثرت مع كل المانا والدماء التي أُريقت في ذلك اليوم.
"العمدة وحراس الأمن الأوائل؟ أكانوا من آل بيثار؟"
أومأت برأسها.
"متوحشون مُنحوا سلطة تفوق مقامهم. سعدت لسماع أن عددهم قل بمقدار واحد".
ارتشفت من شايها، فلان تعبير وجهها قليلاً.
"مع أنني شعرت بالأسف لما حدث في عقارك بالطبع".
"بالطبع"، أجاب مبتسماً ومؤمئاً برأسه.
منحته حقيقة كونهم نبلاء سابقين سياقاً أوسع لفهم سبب تجذرهم العميق هكذا.
"حين كنت صبية، سرت شائعات بأنهم قتلوا زوجاتهم. قال البعض إن ذلك هو السبب الحقيقي وراء فقدانهم ألقابهم".
ابتسم سولومون.
"هذا مذهل".
ارتشف رشفة أخرى من شايه.
"أيمكنني طرح سؤال آخر؟"
أومأت برأسها، وبدت كأنها بدأت تألفه قليلاً. كانت للنميمة تلك القدرة وسط نساء النبلاء. وكذلك الرجال، رغم أنهم نادراً ما يعترفون بذلك.
"سمعت أنه كانت هناك عائلة نبيلة أخرى هنا. عائلة هارتري؟ لا أستطيع الادعاء بأنني صادفت أياً منهم".
"حسناً، لا غرابة في ذلك. لقد انتقلوا إلى إيتلينغ منذ فترة. في الواقع، كان عقارك يخصهم ذات يوم. عندما اشتراه عمك، قرروا الرحيل. لقد تكبدوا خسائر فادحة في استثماراتهم حين أخفق المنجم. رغم أنه لا يزال هناك هارتري واحد هنا".
"حقاً؟"
"أنا. كانت جدتي من عائلة هارتري. وكانت عائلتاؤنا متقاربين للغاية باعتبارنا النبلاء المتحضرين الوحيدين هنا".
"آه، بالطبع".
عاد ثرين إلى الغرفة.
"الغداء جاهز"، قال بصوته الناعم.
"سيدتي"، قال سولومون عارضاً عليها ذراعه.
ابتسمت باستهزاء وتشبثت به، مسمحة له بمرافقتها إلى غرفة الطعام. بدت الغرفة مفروشة بذوق رفيع ونظيفة تماماً كباقي أرجاء القصر. وضعت على المائدة لحم طرائد ومقادير من الفاكهة وأخباز طازجة للتو. وجبة أدسم من الغداء المعتاد، لكن جوع سولومون جعله ممتناً لها. اختار أن يوجه الأسئلة التي ترغب أي امرأة ناضجة ونافذة في سماعها ليحظى برضاها. كيف حال أبنائك؟ كيف كانت الأيام في شبابك؟
كيف تديرين مثل هذا القصر الجميل؟ استمع إلى شكواها من ابنيها اللذين لا يزورناها أبداً، أحدهما مساعد برلماني والآخر تاجر في إيتلينغ. ثم تحدثت عن رحلتها إلى العاصمة في شبابها ولقائها بالملك السابق بنفسه الذي أبدى إعجابه بجمالها. وأخيراً أغدقت المديح على ثرين، الذي يبدو أنه يدير القصر بأسره ورعايتها بمفرده.
"يبدو أنه يكاد لا ينام، ولا يتذمر أبداً، وينجز أعمالاً عالية الجودة على الدوام".
"حسناً، هذا مثير للإعجاب حقاً"، علق سولومون ناظراً إلى الرجل الشاحب في الزاوية الذي لا زال متوهجاً بالمانا في بصره.
"الآن، إن لم أكن مخطئاً، ألم يعمل لدى عمي ذات يوم؟"
"فعل ذلك، ولكن إياك والتفكير في استمالته ليعود إليك"، ردت السيدة بريور بنبرة يشوبها خطر خفي.
"لا يخطر ذلك ببالي قط. كنت أتساءل فحسب عما إذا كان بإمكاني طرح بعض الأسئلة عليه؟ فكل ما أتذكره هو لقائي بفيكتور مرة واحدة".
"أستطيع إخبارك بأنه كان فظاً ومنعزلاً"، أجابت السيدة.
ابتسم سولومون.
"يمكن للجميع إخباري بذلك عنه".
أومأت برأسها.
"لك أن تسأله. ففككي يؤلمني من كثرة الحديث على أي حال. لقد مضى وقت طويل منذ أن تحدثت بهذا القدر".
"حسناً، لقد كان لقاؤك متعة"، رد سولومون، شاعرأ بأنه قد استمال الأرملة بما يكفي.
حوّل انتباهه إلى ثرين الذي لم يتبدل تعبير وجهه حتى عندما كانا يتحدثان عنه.
"أيمكنني معرفة رأيك في عمي؟"
سأل.
"كان رجلاً ذكياً. هادئاً. وكانت لديه شروط صارمة لما يتوقعه من خدمه".
"لاحظت أن أياً من خدمه لم يكن من أبناء مونفالو في الأصل؛ أأحضرهم معه من قصر مورو؟"
"لا. أُجبرنا على خدمته في ليندال حين كان يعيش هناك".
عبس سولومون.
"ليندال"
كانت مدينة حدودية قريبة من الجبال الواقعة بين دراكتيس وهيرد. قلما يقصدها أحد، أو يغادرها.
"أتعرف ماذا حل بالخدم الآخرين؟"
سأل. رأى هذه المرة المانا داخل ثرين تضطرب وتتموج قليلاً.
"لم يكونوا محظوظين مثلي في العثور على عمل جديد هنا. اضطروا للرحيل إلى مكان آخر".
لم يطرأ أي تغيّر على نبرة صوته أو تعابير وجهه، لكن سولومون أدرك أنه يكذب.
"أكان لعمي أي هوايات؟ لقد وجدت الكثير من الأشياء الغريبة في القصر مذ انتقلت إليه".
حدث المزيد من التموج في المانا التي يصدرها ثرين.
"كان قارئاً نهماً وطالباً طوال حياته. وما عدا ذلك، بدا قليل الاهتمام بأي شيء آخر".
أومأ سولومون برأسه. لن يحظى بإجابات مباشرة يبتغيها من ثرين، لكن الاستنتاجات غير المباشرة التي تمكن من استخلاصها كانت مفيدة بالقدر ذاته تقريباً.
"شكراً لك"، قال سولومون.
"وشكراً لك على الطعام أيضاً. إنه ممتاز".
بعد حلوى بسيطة من الكعك وبعض القهوة، ودّع سولومون السيدة بريور المبتسمة الآن وعاد أدراجه نحو عربته حيث أيقظت ميليسا دونكان بدفعة خفيفة وبسيطة قبل أن تفتح له باب العربة. سارا في صمت لفترة قصيرة حتى لاحظ سولومون أن ميليسا ترمقه بنظرة غريبة.
"هل من خطب ما؟"
سأل.
"اغفر لي قولي هذا يا لورد مورو، لكنك كنت فاتناً للغاية هناك".
"أنا أغفر لك"، أجاب بجفاف.
"أعتذر يا لورد. عادة ما تكون أكثر مباشرة".
"تتطلب الشخصيات المختلفة نهجاً مغايراً"، رد ببساطة.
"معك ومع بقية الخدم، لست بحاجة للالتفاف حول الأمور. أما مع النبلاء أمثال السيدة بريور، فيجب التعامل بحذر أكبر. إنه لدرس جيد لك بصفتك خادمي الشخصي لتضعيه نصب عینیك".
اتسعت عيناها.
"خادمك الشخصي يا سيدي؟"
"أنتِ تقومين بالدور بالفعل. لا أرى سبباً لتأجيل الأمر بعد الآن. أنتِ الآن خادمي الشخصي الرسمي. تضاعف أجرك. وأتوقع منك الحفاظ على ذات سوية العمل التي شاهدتها حتى الآن".
أومأت برأسها عاجزة عن كبح ابتسامتها.
"شكراً لك، لورد مورو".
"يكفيني سولومون"، رد ناظراً بعينيه إلى الحالة المزرية للطريق الذي كانوا يركبون عليه.