اقترب سايروس من شاشة الضوء. تردد لحظة قصيرة قبل أن يقرر الجلوس متربعاً. لا على ركبتيه. راقبه غريير بهدوء ودون كلام. لم يفاجأ بشيء حقاً. ظل سايروس محافظاً على بقايا كرامته الأخيرة رغم حبسه في هذه الغرفة الحجرية الشبيهة بالزنزانة ورغم رؤية الغرباء لحالته الأكثر بؤساً وهزيمة. أسند غريير يده برفق على عصاه ووقعت عيناه على شاشة الضوء الأزرق الشاحب أمامه. بدت رقيقة. أرق من أن تقوى على إيقاف شيء. لكنه لم ينوي اختبارها بنفسه. فالمثال الأوضح كان ماثلاً أمامه مباشرة. صمت سايروس برهة ثم تكلم ببطء. "أنا منسحب". رفعت رأس بلايك بغتة في الغرفة الحجرية المجاورة. "القائد—" "اخرس". لم يلتفت سايروس حتى. علق كلام بلايك في حلقه وازداد وجهه سوءاً. مع ذلك لم يخفِ غريير حذره لمجرد تلك الجملة. "الاعتراف بالهزيمة لا يمحو ما فعلتموه". "أعلم". أجاب سايروس سريعاً. لم يظهر أي عذر على وجهه ولم يحاول استعطاف أحد. زاد هذا من تقدير غريير له قليلاً. قليلاً فحسب. "إذا سمح هذا الزنزان بالمغادرة فأنا أقسم أنني لن أتعرض لقلبه مجدداً". رفع غريير حاجباً وظهرت في نبرته مسحة دهشة. "هذا كل شيء؟ عليك أنت ورجالك مغادرة بلدة بلاكستون يا سايروس". "سيد النقابة، عليك فهم أمر واحد أولاً". رفع سايروس عينيه وكانت نبرته هادئة لدرجة البرود. "هذا إن تمكنا من الخروج". صمت غريير للحظة. إذن هذا هو الأمر. لم يكن هؤلاء يعلمون حتى مدة حبسهم. لم يقتلهم الزنزان ولم يعذبهم بل قدم لهم الطعام والماء أيضاً. لكنه لم يطلق سراحهم ببساطة كذلك. مفصولون. محبوسون. على قيد الحياة. لم يكن هذا ما يفعله أي زنزان. أو هكذا المفترض بمعرفته على الأقل. تأمل غريير سايروس مجدداً. "اندفعت نحو القلب مباشرة مرة أخرى هذه المرة؟" لم يجب سايروس. لكن صمته حمل الإجابة الواضحة. أومأ غريير. "حسناً. أنا أعرف أساليبكم. سأطرح بضع أسئلة وعليك الإجابة بصدق". "اسأل". أومأ غريير ثم تحدث بصوت خفيض. "أبعد عودتكم، شعرت بشيء غريب؟" قطب سايروس جبينه قليلاً كأنه لم يتوقع أن تكون تلك هي السؤال الأول. "سوى الدوار، لا". دون غريير ذلك ولم يتوسع فيه. لم يكن الوقت مناسباً للتحقيق في تكلفة البعث. "ماذا حدث حين هلكتم جميعاً في المرة الأولى؟" سأل غريير. "حسب معلومات راين، لم يكن البواب قادراً على إيقافكم وقتها". هبط تعبير وجه سايروس. "كان البواب قوياً، لكنه لو كان وحده لما استطاع إيقافنا حقاً". توقف كأنه يرى المشهد عبثياً حتى الآن. "لكن حين نجحنا في قمعه، خرج زعيمان آخران من بوابة الضباب. حمل أحدهما سيفين وكان الآخر هو مهشم العظام على الأرجح". عم الهدوء منطقة الزنازين فجأة. تغير تعبير وجه راين. تقدم تايرين خطوة رغماً عنه. "انتظر"، قال تايرين. "تقصد أن مهشم العظام وزعيم السيفين ذهبا لمساندة البواب؟" "نعم". فتح تايرين فمه وفي النهاية اكتفى بالسب. "تباً". لم ينطق غريير بشق بكلمة لكن وجهه لم يبدو جيداً هو الآخر. زعماء يعبرون المناطق لمساندة بعضهم. وزعيمان مساندا البواب في آن واحد. عاش غريير معظم عمره ولم يسمع بمثل هذا قط. لكل وحش داخل الزنزان منطقته الخاصة. والزعماء خصوصاً. فهم لا يغادرون مواقعهم الأصلية أبداً إلا إن اقتحم المغامرون أماكنهم. لكن زنزان بلاكستون بدا عالماً باندفاع أحدهم نحو القلب مباشرة فراح ينقل الزعماء المتمركزين في أرجاء أخرى واحد تواً تلو الآخر. أمر بالغ الغرابة. لم يعد هذا مما يمكن تفسيره بكون "الوحوش تنجذب للضوضاء" أو "الزعماء يتجولون صدفة". كان هذا الزنزان يتفاعل معهم. شد غريير أصابعه على رأس عصاه. ساوره وهم عبثي في تلك اللحظة. كأن في عمق هذا الزنزان خصماً قادراً على التفكير. صمت غريير هنيئة ثم تابع الأسئلة. "والآن؟ لماذا أنت هناك؟" بصق سايروس جانباً. "ومن أين لي أن أعرف؟ هلكنا ثم استيقظنا هنا. كيف يفترض بي معرفة السبب؟" "كيف هلكتم هذه المرة؟ أحيط بكم الزعماء مجدداً؟" سأل تايرين قبل أن يمنع نفسه. رمقه سايروس بنظرة حادة ثم حك شعره بضجر. "أتظنني أبمقفل؟ خططنا هذه المرة للتعامل مع الزعماء الآخرين أولاً قبل مواجهة البواب". "خرج البواب؟" سأل غريير بصوت خفيض. هز سايروس رأسه. "لا". توقف وازداد وجهه عبوساً. "تعاملنا مع مهشم العظام بسلاسة. لكن..." جز سايروس على أسنانهم وتصاعد الغضب تحت صوته. "لم يسقط شيئاً". ضاق عيناها غريير قليلاً. "لا شيء؟" "لا بلورة سحرية. لا عتاد. لا رمز". قال سايروس ببرود. "قتلناه ولم نجن شيئاً سوى التخلص من تهديد واحد". لم يتكلم غريير فوراً. رأى إسقاطات مهشم العظام بنفسه حين هزمت جماعة راين الزعيم. بلورة سحرية. عتاد. رمز. لم يكن زنزان بلاكستون خالياً من المكافآت. بل إنه لم يمنح أي مكافأة لسايروس ورجاله وحسب. "لذا تخللتم عن تصفية زعيم السيفين واتجهتم لتحدي البواب مباشرة". "نعم". ارتجف طرف عين سايروس بخفة. "ثم هلكنا جميعاً مجدداً". سكتت منطقة الزنازين للحظة. بدا تايرين كمن يريد الاستفسار عن شيء، لكنه ابتلع كلماته حين رآى ملامح سايروس. أخذ سايروس نفساً عميقاً. "ازداد البواب قوة مرة أخرى. حين دخلناه صباح اليوم كان بقوة البرونزي الأعلى على الأرجح. وحين عدنا دخوله بلغ قوة البرونزي الأقصى بالفعل". شد غريير أصابعه حول رأس عصاه. البرونزي الأقصى. لم تكن هذه بأنباء سارة. كان بواب زنزان منخفض المستوى بقوة البرونزي الأدنى قبل أسبوع فحسب. وها قد بلغ قوة البرونزي الأقصى الآن. وما أقلق غريير حقاً لم يكن سرعة نموه بل توقيته. فقد ازدادت قوته فحسب بعد فشل جماعة سايروس في اندفاعهم المباشر الأول نحو القلب. جعل هذا اعتباره مجرد صدفة أمراً عسيراً للغاية. "انتظر". تحدث راين قبل أن يمنع نفسه. "تقول إن البواب ازداد قوة؟ أمتأكد أنت؟" نظره إليه سايروس بطرف عينه. "لست أعمى". لم يناقشه راين. لأنه أدرك تفاهة ذلك السؤال نوعاً ما. سأل غريير بصوت عميق: "أذهب زعيم السيفين المتبقي لمساندتكم أثناء تحديكم الثاني للبواب؟" "لا". أجاب سايروس سريعاً. ضيق غريير عينيه قليلاً. "لا؟" "لا". تفاقم قبح تعبير وجه سايروس. بدا كارهاً للاعتراف بما يلي بشدة. لكنه جز على أسنانه ونطق به في النهاية. "لم تكن هناك حاجة". عمت السسكينة منطقة الزنازين. هذه المرة لم يقاطع تايرين فوراً حتى. فهم الجميع. لم تكن هناك مساندة من الزعماء في المرة الثانية. البواب وحده. ومع ذلك مُحيت جماعة سايروس عن آخرها. فتح تايرين فمه. واكتفى بالتمتمة بالشتائم في النهاية. "هذا أبعد ما يكون عن المعقول..." لم يعارضه أحد. لأنه بدا للامعقول حقاً. لم يتكلم غريير فوراً. اكتفى بالنظر إلى سايروس خلف شاشة الضوء، مراقباً إياه وهو جالس في تلك الغرفة الحجرية الضيقة محافظاً على بقايا هدوئه الأخير. سحب غريير نظره أخيراً بعد حين طويل. "كفى". التفت راين لينظر إليه. "سيد النقابة؟" "السؤال أكثر الآن يعني سماع روايته وحده لا غير". اتكأ غريير على عصاه واستدار نحو أعماق الوادي. "سنرى بأنفسنا". رفع سايروس عينيه. "ألن تحاول إخراجنا؟" توقف غريير والتفت ناظراً إليه. "لم يقتلك هذا الزنزان ولم يعذبك بل منحك الطعام". مر بصره فوق الصينية الخشبية والقدح على الطاولة الحجرية. "تعيش أفضل من الكثيرين في السجون الحقيقية الآن على الأقل". صدرت شتمة خفيضة من جانب بلايك. تجاهله غريير. "لا أعلم ما سيحدث إن هاجمت شاشة الضوء هذه. وعلاوة على ذلك، بقاؤك في الداخل أفضل لك في الوقت الحالي". صمت سايروس. أعاد غريير نظره إليه وبقيت نبرته هادئة. "من الأفضل لك أن تدعو بأن يكون زنزان بلاكستون جاداً في حبسك لوقت قصير فحسب". قال هذا ولم يطيل المكوث. تبعه راين والآخرون ماشين من مدخل الوادي نحو الأعماق. وهدأ المكان مجدداً حين تلاشت خطواتهم بالتدريج. ◆ ◆ ◆ التفت راين للوراء مرغماً بمجرد مغادرة مدخل الوادي. "سيد النقابة، أتعتقد أن زنزان بلاكستون يستهدفهم؟" "لا حاجة للتفكير". لم يتوقف غريير عن السير. "لقد فعل بالفعل". شعر الجميع بقشعريرة تسري في أبدانهم بمجرد نطق تلك الكلمات. شد تايرين بقبضته على قوسه القصير غريزياً، وجال بصره عبر المنحدرات على الجانبين وبوابة الضباب أمامهم. لم يكن هناك شيء على الإطلاق ظاهرياً. لكنه شعر فجأة في تلك اللحظة وكأن الزنزان بأسره يراقبهم لسبب غامض. توقف تايرين المتأخر قليلاً عن بقية رفاقه فجأة حين بلغوا أول محكوم جاف يقف متبلداً في مكانه. عبر بصره كتف المحكوم الجاف واستقر على زاوية غير ملحوظة ليست ببعيدة. "انتظر". رفع تايرين يده وأشار نحو ذلك الاتجاه. "انظروا إلى هناك". تبع الجميع إشارته. برز جزء صغير بلون بني في تلك الزاوية المعتمة. أشبه ما يكون بـ... زاوية صندوق خشبي. أشرقت عينا تايرين فوراً. "إنه صندوق كنز، أليس كذلك؟" خفض صوته لكنه لم يستطع إخفاء الحماس في نبرته. مع ذلك لم يندفع تايرين أعمى. فهو لم يظن المنطقة المحيطة بصندوق كنز مأمونة حتماً. ربما كانت هناك فخاخ مدفونة. أو ربما لم يحوي الصندوق كنزاً بل شيئاً لعينًا قادراً على العض. هم راين بإيقافه في الأصل. لكنه تجمّد عوضاً عن ذلك حين رى تايرين واقفاً مكانه دون أدنى نية للتقدم. ثم ابتسم باتساع. "رئيس، ما المضحك إلى هذا الحد؟" مد راين يده وعبث بشعر تايرين. "لاشيء". سحب يده وتسربت مسحة ارتياح إلى صوته. "أديت عملاً رائعاً يا تايرين". لم يقتربوا حقاً من صندوق الكنز إلا بعد تطهير المحكومين الجاف القريبين. كان صندوقاً خشبيّاً عادياً. أو هكذا بدا على الأقل. بلا زخارف معدنية مبالغ فيها. بلا أحجار كريمة مغروسة. بلا قفل حتى. استقر بهدوء في الزاوية المعتمة كأن أحدهم وضعه عرضاً هناك. لكن كلما بدا عادياً، قلّت رغبة أي منهم في المد العشوائي. قرفص تايرين بجانبه وحدق مطولاً قبل أن يرفع رأسه ناظراً إلى راين أخيراً. نظر راين إلى بارتون. خفض بارتون رأسه ناظراً إلى درعه ثم إلى الصندوق. تراجعت سيرين نصف خطوة بصمت. اكتفى أثار بوضع ذراعيه حول سيفه ووقف جانباً دون إبداء رأي. تبادل الجميع النظرات لبرهة. همس تايرين في النهاية: "إذن... من يفتحه؟" قال بارتون فوراً: "لا تسألوني". اتسعت عينا تايرين. "ألسْت صاحب الدرع؟" "لا أود التعرض للعض". بقي تايرين صامتاً للحظة. أطلق راين ضحكة خفيضة. وقف غريير جانباً مراقباً هؤلاء الشباب الذين بدا توترهم جلياً مع قدرتهم على المزاح معاً، ولانت ملامحه قليلاً. لكنه عاد وحدق بصندوق الكنز سريعاً. "لا تعجلوا". نقرة خفيفة بعصاه على الأرض. "تأكدوا أولاً من كون صندوق كنز فحسب". أطلق بارتون تنهيدة خفيضة جداً. رفع درعه وتقدم ببطء ليقف بجانب الصندوق. تمتم تايرين بصوت خفيض جانباً: "ألم تقل للتو إنك لا تريد التعرض للعض؟" توقف بارتون وارتجف طرف عينه بضعف. وضع درعه أفقياً أمام تايرين بعد لحظة. فرك تايرين رأسه فوراً وضحك ضحكة جافة. "خطئي، خطئي!" تراجع بضع خطوات بذكاء شديد فور قوله ذلك. "الأمر لك يا بارتون!" لم يلتفت بارتون. "اخرس". لكنه ظل محافظاً على درعه راسخاً أمام صندوق الكنز. أقبل راين ببطء من الجانب. لم يمد يده مباشرة. بل انتزع سيفه المغمد من خصمه وقرفص نصف قرفصة خلف بارتون. "لا تخفض الدرع". أجاب بارتون بصوت خفيض وتقدم الدرع قليلاً للأمام. أمسك راين بطرف الغمد واستخدم رأسه للضغط على حافة غطاء صندوق الكنز. حبس الجميع أنفاسهم لاإرادياً. طبق ضغطاً خفيفاً بمعصمه بعد لحظة. انفتح غطاء الصندوق الخشب ببطء رويداً رويداً. لم تنطلق سهام. لم ينفث ضباب سام. ولم ينقضّ أي شيء لعين ممتلئ بالأسنان من الداخل. مال تايرين برأسه بهدوء مقرباً إياه أكثر. "...يبدو أنه لا يعض". رمقه بارتون بنظرة ولم يكلف نفسه عناء الرد. استقر سيف طويل بهدوء داخل الصندوق. كان الغمد عادياً وواقي السيف بلا زخارف متبخترة. لم يبدو كأداة سحرية عالية المستوى. لكنه كان متكاملاً جداً. متكامل لحد يبدو معه وكأنه ليس شيئاً عُثر عليه داخل زنزان. مد راين يده وأخرج السيف الطويل. ظهرت شاشة ضوئية باهتة أمام الجميع فجأة بمجرد لمس أصابعه للمقبض. [سيف لوفينهيل القياسي الطويل] [عتاد قياسي صاغه حدادو مملكة لوفينهيل وفق مواصفات موحدة. بلا زخارف باهظة أو تعاويذ مبالغ فيها، لكن مواده متينة وهو أثبت بكثير من السيوف الطويلة المصنوعة في الورش الصغرى العادية. إنه يكفي المغامرين برتبة الحديد الأسود العليا وزيادة. بل يمكن حتى للمغامرين البرونزيين المترقين حديثاً استخدامه في القتال لوقت ما.] سكت الجميع للحظة. رمش تايرين. "لوفينهيل؟" قطب بارتون جبينه. "لم أسمع بها قط". هزت سيرين رأسها أيضاً. "لم أرى ذلك الاسم قط على أي خريطة للكنيسة". فرك أثار ذقنه وبدا تعبيره متردداً نوعاً ما. "عتاد قياسي لمملكة... لكن ما من مكان يدعى لوفينهيل بين الممالك المجاورة". نظر راين إلى غريير. لم يجب غريير فوراً. حدد نظره مطولاً نحو شاشة الضوء بينما قطب حاجباه ببطء. عاش حياة مديدة وزار أماكن عديدة وشاهد عتاداً من مناطق شتى. لكن اسم لوفينهيل كان ما لم يسمع به إطلاقاً. وما زاد غرابة هو مظهر الثقة المفرط في وصف شاشة الضوء. كأن ما توصفه يمثل مملكة حقيقية عاشت طويلاً وعتاداً قياسياً معروفاً على نطاق واسع للآخرين. سأل تايرين بصوت خفيض: "ألعله مكان بعيد جداً؟" صمت غريير لحظة. واكتفى بالقول بصوت خفيض في النهاية: "سجلوا الاسم أولاً". عاد بصره إلى السيف الطويل. "أياً كان موقع لوفينهيل، فهذا السيف حقيقي على الأقل". أمسك راين بالسيف الطويل ولوّحه خفيفاً مجرباً إياه. لم يكن النصل خفيفاً بالتمام، لكن مركز توازنه بدا مستقراً. بدا صلبأً وسلساً في يده عند التلويح. تفوقت هذه الأداة بوضوح على سيوف الحديد المكرر الطويلة التي شاهدوها في حوانيت حدادة البلدات الصغيرة سابقاً. قال راين بصوت خفيض: "إنه سيف جيد حقاً". نظر غريير إلى السيف الطويل دون إيماء فوري. ما استقر في ذهنه هو ما قاله سايروس قبل قليل. لا إسقاطات. لم يخلف مهشم العظام شيئاً بعد اختفائه. بينما ينتظر سيف طويل قياسي متكامل كهذا بهدوء داخل صندوق كنز عادي الآن. لم يكن زنزان بلاكستون خالياً من المكافآت. بل إنه لم يمنحها لأمثال سايروس وحسب. أظلم بصر غريير تدريجياً. "يبدو أن هذا الزنزان أكثر انتقائية مما ظننْا". ◆ ◆ ◆ شاهد أوين راين والآخرين يقتربون بحذر من صندوق الكنز من داخل حجرة القلب وانفجر ضاحكاً. "هاهاها، لم أضع فخاً هناك أساساً. هل تحتاجون لكل هذا التوتر حقاً؟" راقب بارتون يرفع درعه وراين يستعمل غمده لفتح الغطاء ببطء وتايرين يميل برأسه خفية للتطلع. كلما طال رصده، زاد استمتاعه. كان مجرد صندوق كنز عادي وواضح، ومع ذلك تعامل هؤلاء معه كمن يفكك آلية بالغة الخطورة. لكن هكذا ينبغي للأمور أن تكون تماماً. "تباً، هكذا يفترض بفريق طبيعي التفاعل عند رؤية صندوق كنز! متجاهلوه تماماً هم الأوغاد الحقيقيون!" أطلق أوين شخير غرور. لكنه صمت فجأة بعد لحظة. صندوق كنز. فخ. أشرق قلب أوين بخفة. "...قد يجدي ذلك نفعاً". سجل ملاحظة سريعة على واجهة الإدارة. [ملاحظة جديدة: فخاخ صناديق الكنز] حدق أوين في تلك الكلمات لثانيتين بعد تدوينها. يمكنه التفكير ببطء لاحقاً في كيفية تنفيذ ذلك عملياً. يكفي تدوينها لئلا ينسى يوماً في الوقت الحالي. الأهم الآن هو ألا تدع هذه التفاهات تشغله عن مراقبة راين والآخرين وهم يفتحون صندوق الكنز. أشرق قلب أوين بوضوح فور إخراج راين للسيف الطويل من الصندوق. "ها هو ذا، ها هو ذا!" نظر إلى السيف الطويل البسيط والمتكامل وتحسنت حالته المزاجية كثيراً. هذه مكافأة لائقة أعدها خصيصاً. رغم غياب أي عتاد عالي المستوى، إلا أنها تكفيهم للاستخدام فترة بالتأكيد. اهتز قلب أوين بحماسة مجدداً حين ظهرت شاشة ضوء الأداة وبدأ راين والآخرون يحدقون بصمت في اسم "لوفينهيل". "تباً! هكذا تماماً، أنتم لا تعرفون!" قال أوين باعتزاز: "فإن أردتم الإجابة فاستعجلوا اهتزاز المهيمن. واذهبوا لاستكشاف العالم خلف البوابة البرونزية..." تلاشى صوت أوين تدريجياً مع كلامه. تذكر المساحة خلف البوابة البرونزية التي لم تتكشف حقاً بعد. ثم تذكر تل التراب الصغير الذي بُني نصفه فحسب. وشعر بشيء من الذنب فوراً. "السبب كله هو شح طاقة روحي!" جز أوين على أسنانه وقال بصوت خفيض: "لولا ذلك لكنت وسعت العالم الخارجي منذ أزمان!" لكن لا شيء من هذا مهم الآن. المهم هو انبثاق ابتسامة رضا حقيقية على وجه راين فور التقاطه للسيف. شعر أوين فجأة بعدم جدوى حسرة طاقته المبذولة للتو عند رؤية ذلك. لم يعلم راين والآخرون شيئاً. فحذرهم في هذه اللحظة منح قلب زنزان تافه فكرة جديدة تماماً. أما عدد المغامرين الذين سيشكون بصناديق الكنز مستقبلاً بسبب تلك الفكرة فتلك قصة أخرى تماماً.
لا أحد يموت حقاً في زنزانتي الفصل 25 — الزنزانة تختار
اقرأ لا أحد يموت حقاً في زنزانتي الفصل 25 — الزنزانة تختار باللغة العربية على مانجا تايم.