حدود نهر ماو، جينين.
"أيهاالأبله، أظننتُ أن بإمكاني ارتداء شبكة صيد السمك كتلك التي ترتديها نينجا تاني؟ كنّ فائقَات الجمال حقاً!"
سألت وهي تركض خفيفةً في الطرق غير المألوفة لأرض الأنهار. كانت مختلفة تماماً عن طرق سونا. تنتشر شتى أنواع النباتات على حواف الممر، والأرض نفسها مجرد تراب صلب بدلاً من الحجارة.
"نحن نعيش في صحراء، أيتها الغبية الحمقاء. ستصابين بحروق."
ذكّرها بوزو بطريقته المعتادة المتذمرة، وجهه مقطب وعيناه تركزان للأمام أثناء تحركهما. يحب التظاهر بأنهما لا يعرفان بعضهما منذ الأزل، وهما يفعلان حقاً. تأملت الأمر لحظة، ناظرة إلى قميص الكيمونو القصير اللطيف وهي تفكر. مدت يدها لتنفض قميصها، مسقطة رملاً مفككاً على الطريق أثناء تحركهما. كان الرمل محشوراً بين قميص الكيمونو وثوبها التحتي المريح، لذا لم تشعر به بتاتاً.
"همم. أجل، شبكة الصيد لن تساعد في إبعاد الرمل أبداً، أليس كذلك؟"
خلصت بحزن، لتنتهي أحلامها في ارتداء الشباك وجعل الفتيان اللطفاء يقعون صرعى عند ظهورها بشكل غير مرضٍ.
"سيتسرب إلى كل مكان وأظل أحك طوال اليوم."
أطلق بوزو تمتمة خفيضة رداً على ذلك، تعني أنه لا يملك إجابة حقيقية لكنه لا يريد السكت تاماً. ابتسمت ببريق لتطمئنه، قبل أن تدع أفكارها تشرّد نحو الخاطرة التالية في الطابور.
"هيه هيه تشيكو، كم تبعد عنا هذه البقعة؟"
"تذكري أنه مفترض بكِ نعتي بقائدة الفريق ما دمنا في مهمة، ماو."
التفتت تشيكو للخلف وأمالت رأسها قليلاً، وشعرها الأزرق الداكن يتأرجح بينما كانتا تركضان للأمام. أطلقت ماو ضحكة عفوية، رافعة يداً لتدعك مؤخرق رقبتها بتخجل.
"هيهيه، آسفة تشيكو- أقصد قائدة الفريق. يصعب التذكر."
"لا بأس."
أومأت تشيكو، قبل أن تميل رأسها للأمام متخذة وضعية محاضرة تشيكو الخاصة بها.
"يقال إن موقع نهر أساغاو يبعد ثلاثين كيلومتراً عن المعسكر الميداني. كنتُ أضبط وتيرة عشرة كيلومترات في الساعة، لذا لن يستغرق الوصول سوى ثلاث ساعات."
"لكننا نركض منذ ثلاث ساعات تقريباً بالفعل."
تذمرت ماو، وصندلها الخشبي يصدر أصوات طقطقة مضحكة وهي تركض.
"ما يعني أننا وشك الوصول، ماو."
أجابت شيمي من الجانب. التفتت ماو لتتأملها بطرفين واسعتين جاحظتين. الفتاة ذات الشعر الأخضر والياقة الشائكة تبدو كصبارة اقتلعت جذورها وبدأت تتجول. وجهها الطويل وتعبيرها الجاف أبرزا هذا أكثر فأكثر. كان تخيل الأمر مضحكاً للغاية، لذا أحبت ماو الفتاة رغم عدم معرفتها الجيدة بها. كل شخص قادر على تقليد النباتات بهذا الإتقان هو شخص طيب. اسمها الحقيقي أطول، لكنه شائك. وظلت ماو تنسى أهو يوشيمي أم يوشومي.
"بالفعل. نحن على وشك بلوغ وجهتنا."
تابعت تشيكو بتلك الطريقة شديدة الجدية التي تستخدمها كلما ظنت أن بالغاً قد يكون مراقباً.
"أه."
ردت ماو ببلاهة، قبل أن تطلق ضحكة قصيرة.
"هه، لمَ لم تقولي ذلك مبكراً، تشيكو القائدة؟"
"كنت على وشك."
أوضحت ببرود.
"أه، آسفة بشأن ذلك."
"لا بأس."
عمّ الصمت لبضع دقائق أخرى، وماو تتلفت بعينين فضوليتين بينما تقطعان الطريق ركضاً. باعتبارها نينجا، كان عليها إبقاء عينين ثاقبتين تلتقطان الفخاخ والكمائن، لكن جلّ ما رأتْه لحظتها كان أغصانًا وأوراقًا وأزهار ربيع. كانت جميلة حقاً، بدرجات البنفسجي والأزرق التي تتأرجح في نسائم أرض الأنهار العليلة. الروائح زكية وتعبيء أنفها بطرق تحتاج عادة لإيجاد حديقة لأجلها في سونا.
"أتظنين معظم المهمات هكذا؟"
سألت شيمي فجأة.
"ليست كلها، فهناك مهمات حرب وما شابه، لكن أتظنين أغلب المهمات على هذه الشكلة؟"
"أي شكل؟"
سألت ماو بفضول، مُميلة رأسها جانباً لتترك كعكة شعرها الوردي اليسرى تشير للأرض.
"لا أدري، مسترخية نوعاً ما؟"
هزت شيمي كتفيها.
"لم يحدث الكثير بعد."
"الأمر ممل."
تمتم بوزو.
"الكلمة التي تبحثين عنها هي ممل."
"أجل، أظن ذلك."
مدت شيمي يدها لتدعك أسفل ياقاتها الشائكة.
"أعني، أنا ممتنة لذلك، إن كانت أغلب المهمات مرتاحة هكذا فهذا يسهل الأمور عليّ. لكن... أظنني توقعت أكثر بالفعل."
"أعترف، كنت أتوقع إثارة أكبر أيضاً."
قالت تشيكو وهي تهز رأسها قليلاً.
"بالطبع، من الأفضل أن نبلغ أهدافنا بلا صعوبات. لا حاجة لإهدار القوة في أنشطة غير مربحة."
"ما زالوا يعاملوننا بقفازات الأطفال."
زمجر بوزو.
"كأننا لم نغادر الأكاديمية اللعينة أبداً."
"حسناً..."
بدأت شيمي، باسترخاء نوعاً ما.
"إن منحني هذا وقتاً إضافياً لتعلم الجوتسُ، فلن أنزعج كثيراً. كنت أشعر بتوتر نوعاً ما بشأن التخرج."
"لا مفر من ذلك."
أعلنت تشيكو.
"سنغدو نينجا أقوياء بمرور الوقت، وعلينا الآن التركيز على المهمة."
تمتم بوزو رداً على ذلك، لكنه لم يعارض.
"نحن على وشك بلوغ موقع المهمة."
تابعت تشيكو.
"فحوصات المخزون واجبة. يوشيمي، ألسْتِ تحتفظين بالمال جاهزاً؟"
"أنا ذاك."
"بوزو. ألا زلت تحتفظ بلفائف التخزين جاهزة؟"
"بحوزتي."
"ماو. أفاقترب أحد من جناحنا؟"
أدت تحية صغيرة بينما تقفز قفزة طويلة فوق جذع شجرة ساقط في منتصف الطريق.
"لا أحد حتى الآن، تشيكو القائدة!"
وما إن قالت ذلك حتى التفتت خلفها مجدداً للتأكد فحسب... أجل! لا شيء! أطلقت همهمة منتصرة، مستديرة لتصطدم بظهر بوزو.
"أوف!"
"تباً-!"
هوت هي وبوزو على الأرض في تشابك أطراف، مستغرقتين ثوانٍ للانفصال والنهوض. الصديقات الورديات يجب أن يلتصقن معاً، لكن ليس هكذا!
"أيتها الغبية الحمقاء! انظري إلى وجهتك!"
"كنت أراقب الجناح! أنا آسفة!"
"أيها الأحمق!"
"لمَ توقفتَ إذن!؟"
"سريعاً - انهضا."
أمرت تشيكو، مساعدة في فك اشتباكهما.
"انظرا."
هزت ماو رأسها بينما انسحب بوزو، موجهة بصرها نحو الاتجاه الذي أشارت إليه قائدة الفريق. توقفت، شبه جالسة على الأرض وهي تستوعب المشهد.
"...دخان؟"
سألت بعقدة حاجبيها. أعمدة طويلة من الرماد الأسود المتصاعد تعلو فوق خط الأشجار البعيد وما وراء امتداد آخر للنهر والجسر. يصعب تبينه وسط ضوء شمس المساء الآفل، لكنه حاضر بالقدر الكافي للتمييز.
"منطلق مباشرة من موقع هدفنا."
أضافت شيمي بنبرة متوترة في صوتها، مما أثار توتر ماو أيضاً إذ راح عقلها يستوعب سريعاً سبب توتر رفيقتها الآن.
"هذا القدر من الدخان، ليس نار مخيم ربيعية."
أضاف بوزو بنبرة قاتمة. التفتت ماو نحوه، متجرعة ريقها بتوتر عند عبوسه الأعمق من المعتاد.
"لا أعلم ما يحرقونه الآن، لكنه حريق هائل أياً يكن."
"هذا يعني، هذا سيء للغاية أليس كذلك؟"
أضافت ماو بقلق، غير متأكدة تماماً بعد مما يقصده رفاقها. التفت بوزو نحوها، قبل أن يعيد نظره للأمام.
"...قد يكون، هذا القدر من النار في مكان واحد قد يكون مهرجاناً غريباً، لكني أشك. إن كان علي المراهنة، فموقع هدفنا يحترق الآن."
"لكن علينا جلب الأرز!"
قالت ماو في هلع.
"إن احترق عن آخرِه، سنعود خالي الوفاض! سينف جنون المعلم منا أليس كذلك؟"
"أخبرنا أيضاً بالعودة فور مواجهة أعمال عدائية."
عارضت شيمي مع تجعيد حاجبيها، شادة أطراف قميصها الفضفاض.
"هذه ليست علامة جيدة، ليست جيدة أبداً."
"...ما العمل يا قائدة الفريق؟"
التفت بوزو إلى تشيكو وسأل مباشرة. تشيكو كانت تحدق أمامها بصمت، ولم تستطع ماو سوى رؤية ظهرها من موقعها الحالي. بعد ثوانٍ، أمالت تشيكو رأسها.
"حريق بهذا الحجم، لا أعتقد أنه يرقى لكونه 'أعمالاً عدائية' بحد ذاته. قد يكون كارثة طبيعية أو حادثاً. إن عدنا أدراجنا بسببه... لا أظنه يندرج تحت الشروط التي منحنا إياها المعلم للانسحاب."
هزت رأسها.
"لا نملك تفويضاً من القائد الميداني للانسحاب، نحن نتقدم."
حدق بها بوزو بضع ثوانٍ أخرى، قبل أن يومئ برأسه بحزم.
"...حسناً، لقد سمعتموها أيتها الفتيات. نواصل التقدم."
"البروتوكولات القياسية لمواجهة المجهول، إخلاء المدنيين إن أمكن. إن ظهرت أي أعمال عدائية، أنذروا الفريق. سننسحب فوراً بعدها. حافظوا على وجود عضو واحد آخر على الأقل من الفريق في دائرة وعيكم طوال الوقت."
تجرعت ماو ريقها، واضعة يديها على مقبضي سيفي الـواكيزاشي المزدوجين.
— "كنت محقاً."
زمجر بوزو وهما يقفزان فوق جزء من تضاريس مدمرة، بقعة كانت غابة فيما مضى ولم يبقَ فيها سوى الهياكل المتفحمة للأشجار وحقل من الرماد الساخن. أمامهما، بدا شبيه بمجمع حصين، تتوهج سقوفه بشدة بنور المساء. سور قصير من أعمدة خشبية وحجارة نهرية وطين مضغوط يحيط بقرية من المباني ذات الطراز المماثل المتناثر على ضفاف النهر نفسه. المباني في الداخل كانت ستبدو لطيفة حقاً لو لم تكن تحترق حالياً، بجدرانها الملتوية من الحرارة والخشب الذي يفرقع بأعلى صوت ممكن في الليل.
ارتجفت ماو بتوتر وهما يقفزان فوق جذع ساقط، لا يزال يتوهج بلون برتقالي خافت حول تفحمه الأبيض والأسود.
"الريح تهب من الجنوب الآن، الاتجاه ذاته الذي انتشر منه الحريق من الغابة. هذا متعمد."
تابع بوزو، مسحلاً زوجاً من الكوناي أثناء قفزة أخرى.
"هذا ليس دليلاً كافياً للجزم بعمل متعمد."
فندت تشيكو.
"لكنه، مع ذلك، يظل مقلقاً."
"كان المجمع ليبعد مسافة خمس دقائق مشياً، ولا يوجد أي مبرر لبدء حريق هناك."
جادل بوزو، قفزاً برشاقة ليعبر إلى أعلى السور الخارجي المتشقق من الحرارة. استدارت ماو لتتفادى عموداً من الرماد وتابعت، بعينين قلقتين تتجولان سريعاً بحثاً عن الخطر.
"كانت الأدغال نظيفة لأميال تؤدي إلى هنا."
أضافت شيمي، مسحلة أحد سكاكين الكوناي الخاصة بها أثناء ركل السور والهبوط بجوارهما. تجرعت ريقها بتوتر، وعيناها تلتفان كعيني ماو.
"حريق بهذا الحجم، لا يحدث صدفة يا قائدة الفريق."
صمتت تشيكو لحظة، ماسحة المجمع والمباني المحترقة ببصرها.
"...سنقوم بمسح واحد للمنطقة قبل المغادرة، لا أظننا قادرين على إتمام مهمتنا في هذه الظروف."
"لا شيت."
زمجر بوزو.
"نتفرق أم نبقى معاً؟"
"أزواج، سأذهب مع يوشيمي. وأنت وماو تذهبان معاً بمحاذاة النهر. سنلتقي في الجانب الآخر."
"مفهوم. هيا أيتها الفارغة."
"أ-أستطيع!"
أدت ماو تحية متوترة بمقبض سيفها، قفزة خلف رفيقتها ذات الشعر الوردي بينما تنتقلان إلى السقف التالي وتبدأن مسحاً بصروساً وعدوانياً للمطقة المحيطة. كثير من الاحتراق والدمار، جمر ساخن ورماد، وقليل غير ذلك. ارتجفت ماو، قافزة مجدداً لتتبع بوزو عن كثب.
"ه-هذا، ليس جيداً البتة."
تمتمت، وعيناها تتجهان للبقايا المتفحمة لقوارب الصيد على ضفة النهر.
"ابق صامتة."
أهوى بوزو بصوت خافت.
"قد يكون هناك عدو خلف أي زاوية ملعونة."
قفز مجدداً، رافعاً الكوناي بدفاعية ليهبط على قسم آخر من السكن المتفحِم. الجدار من تحت قدميه أطلق أنيناً وتصدع بشكل ينذر بالسوء، مما جعلهما يتصلبان معاً. تخبطت وجهه تكشيرة متوترة وهو يشير إليها باللحاق. فعلت قريباً، هابطة بخفة ومخلفة صوتاً أقل إشعاراً بوجودها كمكافأة. بدأت قطرات العرق تسيل على جبهتها وهما تتفقدان قسماً آخر من المباني المدمرة.
"أهو أنا وحدي، أم أن الجو حار هنا بشكل جنوني؟"
شدت ياقَة ثوبها التحتي، ورئتاها ممتلئتان بأنفاس مرهقة. توقف بوزو فجأة عند ذلك، متصلب الكتفين لحظات قبل أن يستدار ليواجهها.
"نحن في منتصف بلدة احترقت حديثاً أيتها الغبية! بالطبع الجو حار هنا!"
فتحت فمها للدفاع عن نفسها، ولم يخرج شيء. وبعد لحظات أغلقته مجدداً رافعة سيفيها بدفاعية.
"أ-أنا آسفة..."
حدق بها بوزو لحظات أطول، قبل أن يطلق زفيراً خفيفاً.
"...لا بأس، ابقي صامتة فقط. أنا لا أثق بهذا المكان."
أومأت ماو سريعاً، مسرورة لعدم بقاء بوزو غاضباً لفترة طويلة أبداً. قفزتا مجدداً، ومجدداً، ومجدداً. في كل مرة تبقيان بين الرماد والسخام لسقف محترق آخر بالقدر الكافي للتحقق من عدم تحرك أي شيء. كانت مسرورة لكون جواربها سوداء بالفعل، وإلا لكانت تلفت تماماً بسبب بقع الرماد والفحم التي تجتازانها. تحركتا مجدداً، هذه المرة هابطتين على المبنى الأخير حيث انطفأت النيران بالفعل، فالمباني أمامها كانت لا تزال تحترق.
ألسنة نار برتقالية تتصاعد من كل مبنى وتشكل حقلًا من الأشجار الساخنة. حدق بوزو فيها لحظات أخرى، متطلعاً حوله بحثاً عن مسار مناسب للأمام. من بعيد، وبخفوت، سمعت ماو شيئاً. كصوت أحدهم يقطع خشباً، تجعدت حاجباها ومدت يدها لتشد كمّ بوزو. التفت بعين قاسية ومتفاجئة قليلاً نحوها.
"ماذا؟"
همس بخشونة. رفعت ماو يدها إلى أذنها. تجعدت حاجبتا بوزو أكثر، مُميلاً رأسه ومبطئاً تنفسه بينما ينصت. تك. تك-تك. تك. تك-تك-تك. تك... تك. اتسعت عيناه، وأطلقت ماو صرخة مباغتة عندما طرحها أرضاً بعيداً عن السقف. بعد ثوانٍ من انعدام الوزن، اصطدما برماد الشارع بالأسفل وتدحرجا، مثيرين قدراً هائلاً من الدخان المعمي. سعلت ماو وهي تدفع نفسها للنهوض، مشدودة للأمام بيد قابضة على معصمها.
"كه-كح، ما هذا- كح!"
بدأت تسأل بينما كان بوزو يجرها جسدياً تقريباً عبر سحابة الرماد بعيداً. لم تستطع رؤية بوضوح بعد، ولم تملك وقتاً لحماية عينيها من الغبار. بعد لحظة، اجتاح زئير من النيران المبنى من خلفهما. قفز شعر رأسها وبدأ قلبها يتسارع، شاقة طريقها عبر الرماد المختنق وملتفة حول زاوية.
"هناك عدو."
همس بوزو، شاصاً أسنانه.
"نظفي عينيك- سريعاً. علينا العودة إلى تشيكاكُو."
فركت ماو أكبر قدر ممكن من السخام، رامشة سريعاً لتسمح للدموع الخفيفة بإخراج الرماد من رؤيتها. تلفتت لإعادة توجيه نفسها، فوجدتا نفسيهما في زقاق، وبوزو يختلس النظر من الزاوية بكل عضلة متوترة. تراجع بعد لحظة، مشيراً إليها بمواصلة التقدم للأمام، ومشيراً إلى تقاطع الزقاق والأمام. أومأت ماو بقلق، بخطوات خفيفة دعت بوزو يتخطاها. ترددت، مجازفة بنظرة خاصة بها من جانب المبنى نحو المبنى الذي كانتا عليه لتوّهما.
رجل طويل بمعطف طويل أسود داكن يقف بين الجمر المشتعل مجدداً للمبنى، ممسكاً بنصل أسود طويل برخاوة في يد وسيف أبيض مربوط بظهره. كان شعره قصيراً وشائكاً، بني داكن لا يكاد يتحرك في النسيم الجديد الذي خلفته النيران أمامهما. عيناه كأنهما ثقوب إبرة لصغرهما على وجهه، ورمز غير مألوف مطبوع على كتفه. ارتسمت ابتسامة خفيفة على فمه، وتغيرت وقفته. اتسعت عيناها ماو. استطاعت رؤية عينيه- هذا يعني...
"تحركي!"
سُحبت للخلف، ومقذوفة بقبضة بوزو القوية تقريباً. ارتفعا في الهواء، هابطين على الأسقف مجدداً وتدحرجا لفترة وجيزة. -بأنه يستطيع رؤيتها أيضاً. موجة من النار اجتاحت الزقاق، ساخنة بالقدر الكافي لتحويل الماء إلى بخار وقوية بما يكفي لهز البقايا المتفحمة للمبنى الذي كانتا عليه. دفعت ماو نفسها للنهوض بخوف، ومسكها بوزو فوراً من معصمها مجدداً جارا إياها للأمام.
"أيتها الغبية! قلت تحركي، لا تستديري لتنظري بنفسك!"
صاح بها بوزو وهما يقفزان مجدداً، مبتعدين عن موجات النار المتدحرجة تحت أقدامهما.
"أيتها اللعينة الحمقاء! أيتها الغبية! أيتها المعتوهة!"
"أنا آسفة!"
نحبت، رامشة مزيداً من السخام من عينيها.
"أنا آسفة! لنذهب فحسب! لنذهب الآن!"
"فوات الأوان على ذلك!"
نادى صوت مخيف من خلفهما. استدار بوزو فوراً ليقذف بالكوناي. التفتت ماو في الوقت المناسب لترى الغريب ذا الشعر البني يلوح بسيفه الأسود الطويل ويبعده.
"تساءلت إن كنت قد سمعت صواباً، فئران صغيرة تتخبط هنا وهناك. خسارة لكما أيضاً، فهذه الوظيفة تتطلب مني ألا أترك شهوداً!"
"اغرب وامُت!"
هس بوزو فوراً، رامياً كوناي آخر. بينغ - صفعه الغريب بعيداً مجدداً، متلاشياً للأمام. أطلقت ماو صرخة أخرى حين قُذفت للأمام- محطمة سقفا آخر ومتدحرجة باختصار. دفعت نفسها للنهوض، تتنفس أسرع من اللازم وعيناها تتجولان في هلع لتوجه نفسها.
هناك- "ب-بوزو!"
صرخت، دافعة نفسها للنهوض متخذة أفضل وضعية قتال. كان مقبوضاً في يد الغريب، مرفوعاً من رقبته ويتخبط عبثاً باليد.
"ا-ذهبي إلى تشيكا-كو- غاه!"
هس من بين أسنانه المشدودة، وقبضة الغريب تشتد.
"إذن هناك غيركم huh؟ أظن عليّ تنظيفهم أيضاً بعدك."
تفكر الغريب، رافعاً سيفه.
"عجباً. جزء من الوظيفة."
"تشيكو، اذهبي!"
أرادت أن تسأل، ماذا عنه؟ دفعت نفسها للنهوض بدموع في عينيها وساقين متوترتين، وفمها مفتوح. قُطع سؤالها بلهث مذعور وصوت اختراق رطب لسيف يخترق القماش واللحم. أطلق بوزو صرخة ألم مخنوقة. سائل أحمر يتصاعد منه البخار وهو يتناثر فوق الأسقف.
"آسف يا بني، لم تكن لديك فرصة قط."
هز الغريب رأسه.
"...ف-فوه..."
بدأ بوزو، مسعلاً دماً أحمر على ذراعه.
"ما هذا؟"
رفع الغريب حاجبيه.
"تباً لك."
كانت يدا بوزو مشبوكتين في ختم. اتسعت عيناها الغريب. ارتخت قبضته، وسُحب سيفه للوراء- ابتلع انفجار الاثنيْن معاً. أرادت ماو الاستيقاظ من هذا الكابوس حالاً.