لم تستطعْ فيفي إلا أن تشعر بقليل من التوجّس وهي تخترق المدرّج للقاء سافرا. درجت الفتاة الوحشيّة على قسوة مفرطة تجاه نفسها، وجهلت فيفي كيف ستتقبّل هزيمتها الأولى في التصفيات. تبيّن أن قلقها بلا مبرر، إذ خرجت قطّة البشر من سلالم الحلبة، فالتقت عيناهما، وكمشت أنفها، وتنهّدت.
قالت سافرا: "لقد حالفني الحظّ".
لم تدرِ فيفي كيف تفسّر العبارة.
"حقّاً؟"
"أعني أنّه لم تكن لديّ طريقة حقيقيّة للفوز، لذا نعم. أملك الكثير من المزايا، لكنّ ذلك الرجل لابدّ أنه من الأوريكالكوم. ماذا تفعل ذهبيّة من الفئة الدنيا أمام خصم يفوقها بأربعمائة مستوى؟"
تفكّرت سويين: "أشكّ في أن معلِمي نفسه كان يردم مثل هذه الهوّة في شبابه. وكان ماهراً جداً. أفضل مني".
بدت سافرا متفاجئة بهذا الاعتراف، لكنّها سألت: "إذن كان من الأوريكالكوم؟"
أجابت سويين: "أو ميثريلاً بارعاً بما يكفي ليبدو كذلك".
لم تربط فيفي النقاط ببعضها تماماً، لكنّ سافرا تولّت الشرح صراحة بمجرد أن رأت رأس فيفي المائل قليلاً — فقد غدت التلميذة بارعة في قراءة أفكارها.
قالت لها: "لو كان أقلّ بمائتي مستوى، لكان هناك أمل بالفوز، بشقّ الأنفس وبكثير من المهارة. لكنت شعرت بسوء أشدّ لإفساد القتال. لا يمكنك أن تشعر بالإحباط الشديد لخسارة معركة مستحيلة حرفياً".
"أرى ذلك".
بدا التبرير منطقيّاً، وإن رأت فيفي سافرا تلوم نفسها على تفاهات من قبل، لذا لن تتفاجئ إن أززعجت الهزيمة الفتاة. على أي حال، سرّها أن النتيجة لم تحطّم مزاج سافرا.
"أبليت بلاء حسناً هناك، رغم تفوّق الخصم".
هزّت سافرا كتفيها وأصدرت صوتاً لا يعدّ اختلافاً صريحاً، لكنّه يحمل المعنى ذاته. فكونها تقبّلت الخسارة بصدر رحب لا يعني أنها ستشرع في تقبّل المديار.
"هكذا جرت الأمور. لا يعجبني أن ينتهي الأمر عند المباراة الأخيرة، لكنّني أعتقد أيضاً أنني لا أبالي كثيراً إن تأهّلت أم لا. على كلّ حال، لا تحتاجين إلى تهدئتي أو ما شابه. لنعد؟"
أعادتهما فيفي إلى مرفق التدريب بسلسلة من [الومضات]، واستمرّ اليوم كسابقه — ممارسة السيف وتجارب تعاويذ الفراغ بالنسبة إليها. أنهت سويين مباريات التصفية أولاً في مجموعتهن، محتفظة بسجلّ خالٍ من الهزائم في الأقواس الثلاثة جميعها. وسينكسر ذلك حتماً عما قريب؛ إذ سيشرع ذوو الألقاب في الظهور بانتظام ضمن قوس الميثريل، أو الأوريكالكوم على الأقل. وكان المفترض بسلسلة انتصارات سويين الخالية من الشوائب أن تنتهي بالفعل، لولا تنّين مغرور بعينه يسهل خداعه.
وفازت سافرا بمباراتها الخامسة أيضاً، ضدّ من يُرجّح أنه ميثريل، وكانت محتدمة. ولتزيد النتيجة رضا لنفسها، حسمت الاشتباك الأخير بهجوم فراغ موضوع في مكانه بدقة. أخبرت الانطباعات الأولى فيفي أن اختراع الطبقة الثالثة بقوة تعويذة مصممة بعناية من الطبقة الرابعة، وربما بلغ الطرف الأدنى من الطبقة التي تليها، وذلك رغم كونها نموذجاً أوّليّاً مبكراً. وما أُهمّ من مجرد القوة الاختراقية الخامة هو كيفيّة تفاعلها مع المهارات والتعاويذ وكلّ ما عداها.
لم يعتد المحاربون إلغاء مهاراتهم الدفاعيّة — وأحياناً الهجوميّة — بهذه الطريقة.
مع أن التعبير الأدق سيكون "أصيبت بالخلل"
لا "أُلغيت"، لأن تعويذة الفراغ الخاصة بس سافرا استخدمت شكلاً ضعيفاً ومخففاً للغاية من تلك الطاقة.
ومع ذلك، طالما جلب الهجوم لحظة ارتباك حتى أمام الخصوم من الفئة الذهبية فما فوقها، وعرفت سافرا كيف تتعامل مع الأمر — فاستغلت الفرصة في كلّ مرة. بدا الارتياح الهائل النابع من قطّة البشر بعد ذلك محبباً للغاية. وظنّت فيفي أن بلوغ تصفيات الميثريل كان السقف الذي وضعته سافرا لنفسها، إذ إن تجاوز ذلك سيكون مبالغاً فيه، لذا حقّقت سافرا إلى حدّ كبير أهدافها لهذه المهمة الجانبيّة في البطولة.
لقد "فازت"
بالقدر الذي يعنيها. وككرزة على القمة، كانت مباراة فيفي الخامسة والأخيرة ضدّ الرجل المدرّع الضخم الذي خسرت أمامه سافرا سابقاً. ودرت كم كان ذلك غير معقول، لكنّها ربما استمتعت بردّ الجميل بتقديم مبارزة غير متكافئة واقتلاع جولة منه. لا أنها تصرفت بفظاظة. وفيما كانت الأنشطة تهدأ بعد الظهر وعلى وشك أن تغادر سويين، ظهرت مشكلة إلى الوجود. أو بالأحرى، ظهر مشكلة بنفسه. أقبل شون في في وهو يصفر لحناً مبهجاً.
مرّ كأنه لم يرى مجموعتهن، ثم توقف، وألقى نظرة ثانية ببطء فاستدار على عقبه. ابتسم ببريق ولوّح — وتحديداً لفيفي.
"أه! يا للصدفة. أنتِ هي، فيانورا".
قالت له فيفي: "أظنّك ستنسجم تماماً مع حارس غابات معيّن أعرفه".
ارتفع حاجب أبيض.
"أأذكرك به؟ حسناً، لا تقلقي. بغضّ النظر عمّا أخبرتك به تلميذته عن شون في في — وسمعته مع السيدات — فليس لديه ورثة مفقودون يجوبون الشوارع، وهو يقسم بذلك. إنه فريد، لا نظير له. أنا شديد المسؤولية في هذا الصدد".
انضمت سويين إلى الحديث بنبرة جليديّة.
"حقّاً، لقد لاحظت هذه التلميذة مراراً النطاق الدقيق لمسؤولية معلِمها".
وضع يداً على صدره متأذّياً.
ناظراً إلى فيفي بما يُفترض أن يكون نظرات جرو بريء، قال: "تزداد الأمور سوءاً دائماً حين تكون الإهانات مهذّبة ومصاغة بعناية هكذا. أنا من علّمها ذلك".
أطلق تنهيدة عميقة.
"أفتقد وصفى بالزير وجهاً لوجه، فذلك أبسط بكثير. لقد نطقت الكلمة بشكل خاطئ لنحو ست سنوات، أتدرين؟ كانت ألطف شيء. 'فيل-ا-لاندير-ير'".
هتفت سويين: "معلِمي!"
تنقلت بنظراتها بسرعة بينه وبين فيفي، قبل أن تقع نظرتها — حدقتها — على العجوز مجدداً.
"أعتقد حقّاً أن علينا المغادرة الآن".
"ستكون مغادرة متسرّعة كهذه فظّة بعض الشيء، في ظنّي. لقد وصلت للتو!"
تنحنح ولوّح بإصبعه.
"أيضاً، للتسجيل، لست زيراً. امرأة واحدة في كلّ مرة بالنسبة إليّ، رغم كلّ عيوبي".
سألت فيفي: "أهناك ما تحتاجه مني، أيّها السيد شون في في؟"
مسرورة على مضض بمداعبته لسويين. رغم أن فتاة شابّة -يُفترض- تعرف كلمة زير نساء وتستخدمها في وجه أبيها كفيلة بالكشف عن الكثير بشأن سويين وموقفها تجاه الرجل، حتى وإن أُسيء استخدام الكلمة — جزئيّاً.
"في الواقع، نعم. أيمكننا التنحي جانباً لنتحدث، نحن الاثنين فقط؟"
لم تظنّ فيفي أنها رأت قطّ نظرة ارتياب تضاهي تلك التي علت وجه سويين في في. أما سافرا، فارتسمت على محياها تعبير رأت فيفي أنه بات مألوفاً أكثر مما ينبغي — كانت الفتاة تترقب عرضاً. فكّرت في رفض شون، لكنّه سيكون أمراً غير مهذب.
"لن تهاجميني مجدداً، أليس كذلك؟"
"لقد طلبت الإذن في المرة السابقة. لكن لا، حديث فقط".
أومأت، وابتعدا، ليس قبل أن تقول سويين بنبرة أشدّ جليديّة من ذي قبل: "أنا واثقة من أن معلِمي سيصرف الأمور بطريقة لائقة تجاه من ساعدت تلميذته بهذه الكبرى. فخترق واحد للآداب أبعد ما يكون عن الاحتمال".
قهقه شون في في رداً على ذلك: "وهذا المعلِم يشرفه أن ترفعه تلميذته إلى هذا المقام الرفيع، حتى بعد كلّ هذه السنين".
حرقت سويين ظهره بنظرات حارقة. على مسافة قصيرة، توقّفت فيفي وشون وواجه كل منهما الآخر. فّعل العجوز أداة خصوصية.
أخبرها بفظاظة: "لست هنا لإثارة المشاكل".
قطف شاربه الأبيض الطويل بتسلّت خفيف، وقد تلاشت معظم المشاكسة في نبرته لا كلها.
"لديّ طلب".
كدت فيفي تتلقى ضرراً نفسيَّاً من تلك الكلمات. ها نحن ذا. هنا أعلم أنه ملعون سرّاً من قبل العرافة المحطّمة، أو يعلم بأمر كارثة مخفية، أو ما هو أشدّ سخافة. لقد كان الجوّ هادئاً للغاية هذه الأيام الأخيرة. نعم، لقد أصابتها صدمة نفسيّة من ثبات ظهور المصائب من عدمه. ومع ذلك، لن تتجاهله أبداً؛ فقد يكون في ورطة.
أخبرته: "أنا أستمع".
"أودّ تناول بعض الشراب معك مساء اليوم".
توقّفت فيفي عند الطلب غير المتوقع — فقد توقعت ما هو أغرب بكثير إن لم يكن كارثيّاً. كادت تحاجبها تقطب.
"أهناك سبب معيّن لذلك؟"
تردد الرجل، وحدّق إليها، ثم ضحك. أدركت فيفي أنها فاتتها تلميح ما في ثنايا الكلمات، لكن شون استمرّ قبل أن تستغرق في التفكير في السبب.
"أريد التعرف إلى المرأة التي أبدت اهتماماً بتلميذتي. لا ألمّح إلى جدارتك بالثقة — فقد سمحت لك بالتحليق عبر المدينة معها، أليس كذلك؟ — لكنّني مع ذلك أفضّل مشاركة أكثر من محادثة قصيرة مع صاحبة اللقب المجهولة التي غدت جزءاً من حياتها. من المهم ألا نشرع في الفزع بسبب الأوهام، لكنّني واثق من أنك تعلمين أن القدر يحب التآمر، سيّما حين يتعلق الأمر بأمثالنا".
كان أمراً مثاراً للسخرية الإشارة إليه بالنظر إلى رد فعلها الأولي: المخاوف التي انتابتها.
كان غريزة فيفي الأولى هي رفضه، إذ إنها أبعد ما تكون عن اجتماعية تحب الخروج و"مشاركة الشراب"
مع غريب نسبيّاً. غير أن صحة منطقه هي ما أوقفتها. ظهر بعض ترددها في ردها الفاتر.
"أنا مشغولة للغاية، مؤخراً".
"بضعة أشربة، هذا كلّ شيء. ليس لقاء طوال الليل".
زمّت فيفي شفتيها. فكرت لفترة وجيزة في كشف هويتها للتخلص من هذا الالتزام، إذ قد تخفف سمعة الساحرة من مخاوفه، لكن لا. إنها ساعتان على الأكثر. أب قلق على ابنته. وكوني الساحرة قد يجعله أكثر قلقاً.
قالت فيفي: "حسناً".
"ممتاز! سأبقي المشاكسة في حدّها الأدنى، لكِ كلمتي".
"حدّ أدنى؟"
"ألا تتوقعين شيئاً؟ طبيعة المرء هي طبيعته".
تنهّدت، وباتت تندم مسبقاً على قبولها.
"أين تريد أن نلتقي؟ وفي أيّ وقت؟"
ناقشا التفاصيل، وبعدها انطلق شون في في يصفر لحنه المبهج مجدداً.
حين عادت فيفي إلى الاثنتين الأخريين، استفسرت سويين بذات نبرة الارتياب السابقة: "ماذا طلبت منكِ الليدي فيانورا؟"
أجابت فيفي بلا مبالاة، لا يزعجها التطور تماماً، بل قد تشعر بالتوجس: "أرادت معرفة إن كنت سأتولى تناول بعض الشراب معه".
بدت سويين وكأنها أُصيبت بسهم؛ فارتجفت وتراجعت خطوة للوراء. تحوّل تعبيرها من الصدمة إلى الرعب فالغضب ثم عبر كلّ منها مجدداً بسرعة فائقة حتى دقت أجراس الإنذار في رأس فيفي. حتى سافرا بدت مذهولة للحظة... لكنّ الوحشيّة اعتلت محياها واحدة من أوسع الابتسامات الساخرة التي رأت فيفي إحداهن، وسرعان ما أخفتها بيد مطبقة على فمها.
أدمدمت سويين: "سأبقره".
ثم بدت كأنها أدركت أمراً ما، فتصلّبت.
"أنتِ... أنتِ رفضتِ؟ أليس كذلك؟"
ردّت فيفي آلياً، جاهلة بما يدور.
"قلت نعم. ربما لن أطيل الجلوس، سنرى كيف تس الأمور، لكن..."
كان يمكن لنسيم عليل أن يطيح بالتلميذة شاحبة الوجه فجأة. لقد فقدت كلّ لونها في ومضة. بدأت كتفا سافرا تهتزان وهي تنفجر ضاحكاً، ولم تستطع الأصابع المطبقة على شفتيها كتم الصوت بالكامل. استدارت لتخفي نفسها. جمعت فيفي أطراف اللغز أخيراً.
قالت فوراً: "ليس شراباً".
انتظر، ألم يكن هذا ما يعنيه، أليس كذلك؟ تذكّرت رد فعل العجوز، وأدركت فجأة أنه كان يحاول إثارة حفيظتها بصياغة الأمر على النحو الذي فعله — ثم وجد الأمر مسلياً حين أخفقت فيفي في تفسير الطلب بالطريقة المعتادة. إنها ببساطة...
ليست ممن تعوّدوا على "دعوتهم للخروج".
بالطبع لم يتجه ذهني إلى هناك.
أوضحت فيفي على عجل: "يريد استطلاع أمر صاحبة اللقب المجهولة التي تقضي ابنته وقتاً معها. ليس شيئاً آخر، أنا واثقة. إنه أمر مفهوم لدرجة جعلتني لا أستطيع رفضه. لا أنوي قضاء أكثر من ساعة أو ساعتين، وسأكون مستعدة تماماً للمغادرة إن تسبب في إزعاج".
قالت سويين شبحية الوجه: "أنا... أرى ذلك".
تسرّب الارتياح إلى ملامحها، لكنّها بدت مهزوزة مع ذلك. واستمرّ ضحك سافرا، فرمزت فيفي بتبرّم نحو تلميذتها الخائنة. ولم تبدُ سويين ملاحظة للجلبة أصلاً.
قالت سويين بضعف: "يسرّني سماع ذلك. هذه التلميذة... ظنت أنها ستضطر لشرح سبب توصيتها بعدم الإقدام على خطوة كهذه. أبوها مزعج للغاية. لقد... لقد أرحتِها كثيراً بالحكمة التي أظهرتها".
ابتلعت ريقها، فضمت قبضتيها وانحنت.
"لقد كان يوماً مثمراً، ليدي فيانورا. أتطلع لرؤيتك غداً مجدداً".
أجابت فيفي: "وأنتِ أيضاً"، وشعرت بأن أذنيها تحترقان لوناً ورديّاً.
ولربما كانتا كذلك لمرة واحدة. مضت سويين مترنحة. صلبت فيفي ذراعيها حين التفتت إلى سافرا.
تمكنت الفتاة بالكاد من إخراج: "أ-آسفة. آسفة. لقد باغتني الأمر فحسب. تلك المظاهر على وجهها..."
هزّتها موجة ثانية من الضحك قبل أن تستعيد سيطرتها غير المستقرة. هزّت فيفي رأسها واستدارت ملوحة لتتبعها التلميذة.
تمتمت تحت نَفَسها: "لو كان لديك مخصصات مالية، لخصمت منها، للتسجيل".