غبار النيون الفصل 40

اقرأ غبار النيون الفصل 40 باللغة العربية على مانجا تايم.

31 - أشخاص يستحقون الاهتمام حين بلغت الاثنتان الشاحنة والتفتت أدي نحو غليتش من وراء الكونسول الوسطي بتردد واضح، نزعت خبيرة الشبكات قناعها المسلوب وقطّبت حاجبيها.

"ما الأمر؟"

"أنا، أم..."

قلدت أدي صديقتها فخلعت القناع عن رأسها ومررت وجهها على كم سترتها قبل أن تتابع: "أريد العودة عاجلاً لأمرّ بأزمة أبي، وبالتأكيد أريد أن تأتي معي، لكن لا يمكنني إخفاء هذا عنك".

"ماذا؟"

مالت غليتش إلى الأمام.

"حين أخذوا أبي، حاولت الاتصال بك. وبالطبع انتابني الذعر حين كان نظامك الشخصي مقطوعاً، فتواصلت مع بيف..."

اتسعت عيناه غليتش ذهولاً.

"يا للهول! بيف! ما العلة، أدي؟"

"حاولا الإمساك به..."

رفعت أدي يديها على عجالة مقاطعة قصتها لتضيف: "أولاً، سيكون بخير".

استرخَت غليتش ظاهراً، غير أن ركبتها أخذت ترتجف صعوداً وهبوطاً، وأدركت أدي أنها تريد الهرولة نحو بيف أينما كان.

"إنه في العيادة؛ تخلص من المرتزقة الذين أرسلهم دوكينز، لكنهم آلموه".

لمست غليتش مؤخرة رأسها.

"أحتاج إلى نظامي الشخصي، لكنهم سحبوه من بيتي. أيمكنني..."

"سأبعث إليه برسالة، أختي".

ابتسمت أدي.

"أتريدين الذهاب إليه الآن؟ بوسعي التدبر في أمر أبي..."

"لا! لنرتب أمر أبيك أولاً ثم نذهب إلى بيف. أنا مهشمة أكثر من أن أجد طريقي — ليس بلا نظام شخصي لدفع أجرة سيارات الأجرة وما شابه".

"بوسعي تدبير..."

"قودي فحسب، أختي. أوصلينا إلى بيتك".

راحت تنقر بأصابعها على الصندوق الذي أخذته.

"بإمكان إعادة ضبط مصنع لنظام ذلك المرتزقة — وضعه في رأسي، لكنه يثير قشعريرتي. ليس لدينا رذاذ معقم، أليس كذلك؟"

هزت أدي رأسها.

"فقط ذلك الشيء الذي أحضره بيف لمحو آثار الحمض النووي".

"آه، لن أضع ذلك في مخي".

ضحكت.

"يبدو وصفة لعملية فصل فص دماغي كيميائي".

"نعم".

دفعت أدي جي في عقلياً لتحريك الشاحنة.

"على أي حال، سأراسل بيف الآن".

لمحت غليتش فابتسمت.

"شكراً لك".

"على ماذا؟ لقد أنقذتني!"

"أعني، لبقائك معي. و..."

ترددت أدي ثم هزت كتفيها بعد وقفة قصيرة.

"لعدم خيانتك إياي. ربما لا يجدر بي الاعتراف بهذا، لكن للحظة هناك..."

تلاشت كلماتها. مدت غليتش يدها فوق الكونسول.

"تباً، أدي! امتلكت معظم الأغراض. لابد أنك ذعرت حين لم تستطيعي الوصول إلي! اسمعي، أقول لك هنا والآن: أنا لا ألعب هذه اللعبة. لن أخون صديقاً قط".

ابتسمت أدي.

"المثل بالمثل".

"نعم، أدرك".

غمزت غليتش بإحدى عينيها ذواتي القزحية الوردية.

"لماذا ترين أنني أحب العمل معك؟"

حين اقتربتا من المستودع، كانت الشاحنة الغريبة ما زالت مصفوفة خارج السياج. ومضت أدي بأضوائها نحوها بضع مرات ثم انعطفَت إلى ساحة الانتظار. وما إن هبطت أدي وغليتش على الوحل الأسود المتأتي من الجليد الذائب وبقايا الإطارات، حتى كان الرجل الأكبر سناً صاحب العنزة يسير داخل الساحة ويداه محشوتان في جيبي معطفه.

استهل كلامه قائلاً: "أفترض..."

لكن غليتش قاطعته: "غالباً ما يكون ذلك خطأً جسيماً".

عبست في وجهه ثم حولت اهتمامها إلى أدي.

"جئت إلى هنا بكل برود، أظن أنك سويت الأمور مع مخدومي؟"

هزت أدي كتفيها.

"لك أن تقول ذلك".

عبست والتفتت لتتأمل المستودع — أول أمارة على التوتر تبدو عليه.

"اسمعي، لدينا أوامر لـ..."

قاطعته أدي.

"أوامر من من؟"

"من مخدومنا".

قالت غليتش وهي تتكئ على الرفرف الأمامي للشاحنة: "شيء ما يخبرني أن حظك سيء في الوصول إليها".

سأل العنزة أدي: "من صاحبتك؟"

تنهدت أدي وقالت: "اسمع، أم، سيدي. أنا متعبة جداً للقيام بهذه الرقصة. لقد رحلت مخدومتك. أعني، نهائياً. لن تسمع منها. ولن تدفع لك. سأحول خمسة آلاف إلى خزنة بتكوين من اختيارك إن أخذت مرتزقتك وغادرت".

"لا يمكنني فعل ذلك. لدي عقد أوفيه. وكانت الأوامر..."

قالت غليتش وهي تنقر على صدغها: "أنت لا تستمع، يا صاح. عقدك باطل ولاغ، وصديقتي هنا تحاول أن تكون لطيفة. ما لم ترغب أنت وفريقك بأكمله في الموت بسبب هذا العقد الملغي، أنصحك بقبول عرضها".

تأفف العنزة وتنحي جانباً ناظراً من خلف أدي باتجاه غليتش.

"أتهددينني أيتها الفتاة؟"

هزت غليتش كتفيها.

"مجرد تحذير".

لوحت أدي بيدها في الهواء.

"لنكبح التروس، أليس كذلك؟ لا حاجة لمزيد من العنف الليلة".

حدقت بقوة في عيني الرجل.

"لقد اكتفيت. حقاً. لقد انتهى عقدك. خذ دقيقة أو دقيقتين للتأكد إن أردت، لكنني ذاهبة إلى الداخل، ومن الأفضل أن يبقى أبي مستلقياً على تلك الأريكة ويحرسه مرتزقتك، بكل لطف وسرور".

وحين شرعت في التوجه نحو باب المستودع، قال الرجل: "انتظري..."

التفتت أدي إليه، لكن عينيه كانتا زائغتين. كان أحدهم يبلغه بالوضع. لربما كانت لديه نسخته الخاصة من غليتش جالسة في تلك الشاحنة تحاول التواصل مع دوكينز. وبعد هنيهة، هز رأسه.

"لا عجب. اجعلها عشرة آلاف وننسى أمر ما حدث".

سألت غليتش وهي تتبختر نحو جانب أدي: "ما رأيك أن نجعلها بلا آلاف؟"

"خمسة آلاف لمراقبة رجل لبضع ساعات تبدو عادلة".

تركت أدي الكلمات معلقة في الهواء لبضع ثوانٍ، ثم نقرت بلسانها وهزت كتفيها.

"لكنني سأبعث لك بسبعة. أرسل لي العنوان برسالة".

وعندها، استدارت ودخلت المستودع. وحين بلغت الممر المرتفع، كان الرجل الذي رأته في لقطات المراقبة ينزل حاملاً حقيبة سوداء ضخمة على كتفه. وقفت أمامه وأشارت بذقنها نحو حقيبته.

"أي شيء في الداخل مما لا ينبغي وجوده؟"

حدق إليها بغضب وقد غطى النظار الأحمر المنتفخ معظم وجهه.

"عدتي فحسب".

سألت غليتش: "أتركت أي كاميرات خلفك؟ إن وجدغت أي..."

"لا شيء. أأبدوها هاوياً؟ الآن ابتعدي عن طريقي".

تنحي أدي جانباً فهبط الدرج بخطى مدوية تردد صداها عبر الهياكل المعدنية. وقفت أدي تراقبه حتى رأت ظله ينسل خارج الباب وسمعتد يرتد مغلقاً من ورائه. تخحرت غليتش.

"أعني، نعم، تبدو كذلك قليلاً يا صاح".

ضحكت أدي بخفة مهرولة صعوداً إلى المكتب، يغمرها الارتياح لأن الأمور سارت تماماً كما تنبأت غليتش. وحين وقفت في غرفة المعيشة الصغيرة الخاصة بأبيها ورأته ممدداً على الأريكة ويغط بخشوع، انفلتت منها شهقة مرتعشة بينما تهاوى مليون كلوغرام من التوتر عن كتفيها. سارعت غليتش لاحتضانها عוصرة إياها برفق بينما استجمعت أدي نفسها ببطء.

هامسة: "شكراً".

"كفّي عن شكري. امضي الآن، تفقديه كي نتمكن من الذهاب إلى بيف".

أومأت أدي وهارعت نحو أبيها. بدا مرتاحاً تماماً. لمست معصميه حيث قُيّد، لكن آثار رباطات التضييق لم تكن مجروحة أو متهتكة. بدا أنه لم يقاوم على الإطلاق، وأدركت أدي السبب: كان مغيباً عن الوعي.

حاولت إيقاظه فنقرت على وجنته وهمست في أذنه: "أبي؟ استيقظ دقيقة".

تمتم وتمحك ثم استدار على جنبه مولياً إياها ظهره.

قالت غليتش: "إنه مخدر تماماً. سيشعر إما بشعور رائع أو بصداع مدمر حين يستيقظ — بناءً على نوع المخدرات التي استخدموها".

"أتمنى لو أنني أعرف إن كان مدركاً. أعني، أخدروه عن بعد؟ أمسكوا به أولاً؟ لا أرى أي كدمات أو ما شابه".

"أظن كان حرياً بنا سؤال ذلك الرجل".

"هيا".

توجهت أدي نحو الباب وتبعته غليتش.

"يا جي في، اترك رسالة لأبي. أبلغه بالتواصل معي فور استيقاظه".

"تم".

في الخارج، دفعت أدي الباب الخارجي ليغلق وهي تعبس.

"أظننا بحاجة إلى أقفال جديدة".

"كلا، أختي. لن تحصلي أبداً على أقفال جيدة بالقدر الكافي لإيقاف فريق مصمم. جلّ ما بوسعك فعله هو إعداد بعض التدابير الأمنية التي تبطئهم بالقدر الكافي لتستجبي... إن كنت في المنزل".

نكزت أدي.

"يمكنني مساعدتك لاحقاً إن أردت".

أومأت أدي.

"نعم. أنا فقط أمتعض من تورط أبي، أتعلمين؟ أعني كان يجب أن أتوقع هذا".

"نعم، أدرك ذلك".

صعدت أدي إلى الشاحنة وحين ركبت غليتش، حركتها.

وبعدما قطعت بضع كتل سكنية، قالت: "سيحتاج بيف إلى يد جديدة".

"ماذا؟ أخذوا يده؟"

تأففت أدي نافثة بلسانها.

"على ذكر التخدير، كان الرجل الضخم يضحك من الأمر — يتباهى بكيفية جعلهما يدفعان الثمن، أتعلمين؟"

لم ترد غليتش، لكن نظرة زائغة علت عينيها، متلبدة بأفكار جسام تخصها وحدها.

"أليس سيئاً أن الاهتمام بالناس يجعلك عرضة لمزيد من الألم؟"

رمقتها غليتش بنظرة خاطفة رامشة بسرعة.

"بهذه الشفافية؟"

"حسناً، لما لاحظت ذلك لولا مراودتي الأفكار ذاتها. لكنه أفضل من الوحدة، أليس كذلك؟ أفضل من مجرد علاقات عابرة مع الآخرين".

أومأت غليتش شامةً.

"نعم. قبل بضع أشهر، مُحي طاقم كنت أعمل معه أحياناً. لعلّك سمعت؟ حدث ذلك قرب نقطة تفتيش الحي السادس عشر؟ قبضت عليهم أمنيات شركة بوكسر محاولين سرقة شحنة جل-تك؟"

أومأت أدي.

"نعم، سمعت. سبعة قتلى؟"

"نعم. كان ثلاثة منهم أصدقائي، لكن..."

هزت كتفيها.

"سمعت الخبر، وأخذت دقيقة للتفكير في آخر مرة عملت معهم، ثم عدت إلى كودي — لا أذكر حتى ما كنت أعمل عليه. المغزى..."

وحين توقفت، خمنت أدي: "أدركت أنك لم تكوني مقربة جداً؟"

"نعم. لم أكن مقربة من أحد منذ وقت طويل يا أدي. بيف... مختلف. ظننت أنني سأمرح قليلاً مع عقل اللحم الضخم في الطاقم، أتعلمين؟ لكنه..."

"أعمق مما ظننت؟"

أطلقت أدي ضحكة خافتة من أنفها.

"نعم، أنا مذنب بالتفكير ذاته".

"من السهل جداً رؤية... نمط ما، أتعلمين؟ من السهل رؤية نمط والظن بأنك تعرف كل ما يمكن معرفته عنهم".

ضحكت غليتش بخفة.

"ظننتك مهووسة مظهر بحت حين التقينا".

"مهووسة مظهر؟ أنا لا أضع المساحيق حتى نصف الوقت! أنتِ المهتمة بالمظهر الرائع أكثر مني بكثير!"

"نعم، لكنكِ، مثل، جميلة ولطيفة للغاية، وتلك العينين الواسعتين الجميلتين..."

هزت غليتش كتفيها.

"أخطأت التقدير، حسناً؟ قاضِني. ما زلت لا أصدق أنكِ أطحتِ بذلك الطاقم بأسره الليلة. يا للهول، أود سؤالك عما فعلتِه بتلك الملكة العاهرة، لكن... لا أريد. أتعلمين؟"

تلاشت ابتسامة أدي وأومأت.

"نعم، لا بأس. ليس بالأمر الذي أرغب بالتفكير فيه على أي حال".

مسحت غليتش أنفها بكمها وهزت رأسها مغيرَة مسار الحديث.

"كيف حال صدرك؟"

جسّت أدي اللحم المكدّم حول ترقوتها وعلى عظمة صدرها.

"مؤلم. سأكون بخير".

عمّ الصمت وغرقتا في أفكارهما لبرهة. وحين وصلتا إلى منتصف مسافة حيّ أدي القديم تقريباً، رن جهاز الاتصال الخاص بها برسالة جديدة. كانت من أبيها. وبعد قراءتها، بدأت تضحك ناظرة إلى غليتش.

"يقول أبي إنه حصل على أول قيلولة جيدة منذ أدهار. لا يدري كيف يفسر الأمر، لكن ظهره يبدو أفضل مما كان عليه منذ سنوات".

مالت غليتش برأسها رافعة حاجبها.

"حقاَ؟"

أومأت أدي.

"يقول إنه آسف لفوات العشاء معي".

"يا للهول. ذلك المسكين! الأفضل أن تطلبي له طعاماَ".

"نعم. أفعل الآن".

حين وصلتا إلى عيادة الطبيب بيترز، كان بيف بالفعل في سرير تعافي. أدخلهما بيترز متذمراً من غرفة انتظاره الممتلئة رغم تأخر الوقت. وما إن رأت بيف حتى هرعت غليتش نحو جانبه قاطعة على الطبيب كلامه بحماستها. تتبعت أدي وبيترز نظراتهما وهي تعانق الرجل عريض المنكبين، قابضة على معصمه بالقرب من الجذع المضمّد ومغدقة القبلات على رأسه الأملس الضخم.

همس بيترز: "إنه يعجبها حقاً، أليس كذلك؟"

أومأت أدي.

"وأنا أيضاً، فلا تكن ظريفاً يا طبيب بيترز".

هز رأسه رافعاً يده لتعديل نظارات العمل متعددة العدسات.

"لن أكون كذلك. بيف شخصية غريبة، لكنني شعرت دائماً، على قدر ما يتعلق الأمر بالجلادين للعصابات المتعطشة للدماء، أنه كان رجلاً طيباً. أكد أفتقده في هذا الجانب. الرجل الجديد..."

تلاشت كلماته فهز رأسه.

وحين رفعت أدي حاجبها أضاف: "إنه لا شيء. مجرد أنه ليس بيف، أتعلمين؟ على أي حال، لدي مرضى كثر لأقف محادثاً".

وحين غادر الطبيب، مشت أدي نحو سرير بيف متجنبة التقاء العيون بالمرأة الضخمة ذات المظهر الغاضب في السرير المجاور له.

وحين رأت وجهه عن قرب — بنفسجي بالكدمات، وعيناه منتفختان إلى شقين ضيقين، ونصف دزينة من الجروح الملصقة — قالت: "ما القصة يا بيف؟ لا يد جديدة بعد؟ أتحاول التكاسل؟"

تمتم من خلف شفتيه الغليظتين: "آه، اخرجي من هنا".

مالت أدي إلى الأمام وقبلت لحمه الساخن عند جبهته.

"لقد جعلتني قلقة يا رجل يا ضخم".

"تباً. يبدو أنك تصبحين رقيقة دائماً حين أصاب بمكروه".

التفت بوجهه المنتفخ نحو غليتش.

"احذري يا عزيزتي. إنها تحاول سرقة رجلك —"

"لا تمازحه!"

وضعت غليتش يدها الحرة على فمه لتؤكد كلامها.

"أنت لا تعلم ما مرّت به الليلة. لم تكونا الوحيدين اللذين قصدهما أولئك الأذناب".

حاول تقويس حاجبيه لكن وجهه كان منتفخاً أكثر من اللازم، وجعل التعبير أدي تضحك.

"توقف!"

"حاولوا تصفيتك أنتِ أيضاً يا أدي؟"

هزت أدي رأسها.

"حاولا استعبادنا".

وأومأت نحو غليتش.

"لكننا كنا أدهى مما حسبا".

شرعت غليتش تقول: "ليس أنا —"

لكن بيف قاطعها.

"تباً نعم! فتياتي!هاه! أولئك الأنذال من جرذان الشركات! لقد اخترتن الطاقم الخطأ لتعبثن معه الليلة".

كان يصرخ فعلياً مع نهاية ثورته الصغيرة، فتأففت المرأة خلف أدي وحاولت إسكاته.

صارع بيف جهود غليتش وأدي الكابحة محاولاً الجلوس بينما كان يزمجر في وجه المرأة: "أتريدين إسكاتي؟ لا أظن ذلك! الأفضل أن تسكتي أيتها المرأة!"

دفعت أدي ضاغطة عليه لتتحرك محجبة عنه رؤية المرأة.

"هيا يا بيف. أتريد أن تتخدر؟"

شدت غليتش ذراعه المصابة.

"توقف يا كعكتي المعسولة!"

ضحكت أدي، لكن بيف استجاب لكلمة التحبب؛ وبأنّة وتنهيدة ارتمى مجدداً على وسائده.

"انس الأمر. مجنونة حمقاء؛ كانت تحدث نفسها طوال الساعة الماضية على أي حال".

مال بوجهه نحو غليتش محاولاً بوضوح الرؤية بشكل أفضل بعينيه المنتفختين.

"أآلماك؟"

"لا، أنا بخير. مجرد صفعة أو صفنتين".

"فعلوا ماذا بحق الجحيم؟"

حاول النهوض مجددًا.

"سأقتل —"

مالت أدي بحذر مسّرة: "تم الأمر يا رجل يا ضخم. والآن — اهدأ".

دفعت كتفه فرضخ.

"هيا. أخرجاني من هنا. الطبيب لا يملك أي أيدي أريدها على أي حال".

أجابت غليتش: "محاولة جميلة يا سكر".

"أخبرنا الطبيب أنك لا تستطيع المغادرة لفترة. النانوثات التي أعطاك إياها ما زالت تكافح لاحتواء نزيفك الداخلي".

تذمر، لكن عينيه المشقوقتين بدا عليهما الثقل، ومع استمرار غليتش في مسح جبهته الساخنة المتعرقة، انغلقتا تماماً. راقبت أدي وجهه لفترة خلسة تنظر إلى غليتش. لقد بدت مغرمة به حقاً.

وحين بدأ بيف بإصدار شخير عميق ومنخفض، همست: "أتريدين البقاء معه؟"

هزت غليتش رأسها وما زالت تحدق في وجه بيف المكدم المنتفخ.

"أريد استعادة نظامي الشخصي ومنصتي ثم أعود. على كل حال هو محق. يجب أن نأخذه إلى مكان آخر — مكان يحصل فيه على ترقيات ملائمة".

لقد تحدثتا بالفعل عن إحاطة بيف ببعض الكروم الأفضل من أجل "المهمة الكبرى".

هكذا كنّ يشرن إلى وضع توني، رغم أن غليتش وبيف كانا ما زالا في الظلام بشأن ما يترتب على ذلك كله. وكانت أدي كذلك للأمانة بغض النظر عن معرفتها على الأقل بمن وراء الأمر وأسبابه.

"بوسعنا الذهاب إلى الدكتورة كاتز. أنا أثق بها".

"تلك المرأة التي التقينا ابنتها؟"

أومأت أدي.

"بوسعها توفير ما يحتاجه دون الاحتفاظ بأي سجلات".

مررت غليتش يدها على جبين بيف للمرة الأخيرة ثم دفعت نفسها مبتعدة عن سريره.

"إذن فقد حُسم الأمر. أيمكنك إيصالي للمنزل؟ سأعود إلى هنا وأبعث لك برسالة حين يصبح مستعداً للتحرك".

"نعم، لنذهب".

ألقت أدي نظرة أخيرة على وجه بيف المنتفخ ثم غادرت غرفة التعافي. كانت الرحلة من العيادة إلى منزل غليتش قصيرة. ورغم ذلك، بحين عانقت صديقتها مودعة إياها وجعلتها توعد بمشاركة موقعها والاطمئنان عليها صباحاً، كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل حين انطلقت أدي عائدة لمنزلها. كان هناك أمر ما يدور قرب مبنى إن جي تي، وكانت طائرات الشركات الأمنية من دون طيار تضيء السماء لعشرات الكتل السكنية مغلقة حركة المرور في عشرات الطرق.

وطبيعي أن هذا حشر السيارات والشاحنات في طريق أدي، لذا فإن رحلتها للمنزل التي كان يجب أن تستغرق أكثر من عشرين دقيقة بقليل، تحولت إلى محنة استغرقت ساعتين ونصف الساعة. وحين دحرجت شاحنتها إلى ساحة المستودع وتعثرت هابطة من مقعد السائق، كانت منهكة، منزعجة، وأكثر من مستعدة لحمام طويل ونام مطول. حينها، ومض رمز الرسائل للعنوان المشفر الذي تشاركه مع توني، فتبدد إهاقها بأسره.

تسللت إلى المستودع، مهرولة عبر أكدا السلع الخافتة الإضاءة الخاصة بعمل أبيها، ثم أغلقت على نفسها داخل الشقة الصغيرة التي صنعتها هي وتوني. وما إن هوت على الأريكة حتى قرأت رسالته:

أدز، الأمور تتحرك أسرع مما ظننت. أفسد إيريك وجين الأمر، ويبدو أن نافذتنا ستفتح الجمعة القادمة. هل يمكنك أن تكون جاهزاً؟ إن استطعت شق طريقك إلى المقاطعة الأولى قبل ذلك الحين مع العتاد الذي يحتاجه غليتش، فأعلمني. وإلا فسيتعين عليّ إيجاد طريقة للمماطلة. أكاد أجن لرؤيتك. -ت

"يا للهول، جي جي!"

أرادت أدي أن تخبر أحداً، وكان جي جي "الشخص"

الوحيد المتاح لها في هذه اللحظة.

"ما الأمر يا أدي؟"

"إنه يحدث أخيّراً. سنراه قريباً. خذ هذه الرسالة إلى غليتش. علينا البدء بالاستعداد."