⟦1꒱ جالت لوسيا ببصرها في الشقة بكسل، وبدت ملامح وجهها خالية من أي تعبير.
وقالت: "هذا هو... فحسب؟"
شعرنا بشيء غريب سرى في المكان ما إن وطأنا الشقة. لم أكن متأكداً مماهيته، لكني أحسست بوجود الأثير في الهواء. شيء ما تحرّك بدخول لوسيا. كان خافتاً للغاية، لدرجة جعلتني أشكّ إن كنت قد شعرت به حقاً أم لا. أخامس تشيرنوبوغ؟ مستحيل أن يعرفوا مكاننا بهذه السرعة... إلا إن كانوا قد عرفوا بطريقة ما دخولنا المدينة؟ كيف إذن... أم هو أمر يخص كالي؟
أجبتُ ببرود وأنا أشير بإبهامي نحو غرفتي: "أجل. غرفتي."
اقتربنا من بابي ودفعته منزلقاً— تراجعت للوراء، وقطّبت حاجبيّ. عبث أحدهم بغرفتي منذ آخر مرة كنت هنا فيها. لمس أحدهم نيفيا. كالي؟ هي أعقل من أن تفعل ذلك... سحبت خنجر كفن الأبنوس.
قلت: "ابقي مكانك."
سألت لوسيا وهي تطل من خلفي ناظرة إلى الغرفة: "هل هناك خطب ما؟"
تقدّمت بخطوات متوجّسة، وأخذت أطوف ببصري في المكان. لا شيء—عذراً، يكاد لا يكون هناك شيء. هناك، تحت نيفيا، ترقد رسالة تلمض بآثار الأثير. رفعت الأرنب المحشو بحذر، وحضنته بحماية إلى ثنايا ذراعي، وتفحّصت الرسالة. استقرت داخلها ورقة سوداء، طُبعت عليها زهرة لوتس ذهبية.
وكُتب تحت الزهرة كلمتان: "نحن نعلم".
أيّ وغد تجرّأ على لمس نيفيا العزيزة؟ إن وجدته يوماً، لأنزعنّ ذراعيه جزاء تدنيسها. تُف—كيف جرؤوا—كيف جرؤوا! تفجّرت في داخلي موجات من الغضب بقوة كافية لجعل يدي ترتجفان. أطلّت المراهقة الفضولية من فوق كتفي.
وسألت: "ما هذه؟"
دستُ الرسالة في جيبي وسيطرت على مشاعري مجدداً.
قلت: "أرنب؟ نيفيا."
"أم... حسناً."
تثبّتت عيناها الفضيتان بي للحظة. سرى في نفسي شعور عارم تقريباً بالاعتراف بكل شيء. كم هي نظرة مألوفة... بدا أن قروناً من الولاء لا تزال تحتفظ بسطوتها. أبعدتُها بأكبر قدر ممكن من التكتم عائدين نحو الأريكة.
وسألت: "جائعة؟"
ردت لوسيا: "أم... لا. ليس حقاً... هل يمكنني—هل يمكنني قضاء بعض الوقت؟"
وأردفت: "بمفردي. أحتاج لإجراء بعض المكالمات الخاصة. للاطمئنان على الأمور. أنت تعرف..."
آه. لم يكن هناك مكان مناسب للوحدة هنا سوى الحمام... لكن لا بأس. يمكنني الذهاب والاختباء في غرفتي. سيتيح لي ذلك وقتاً لتفقد تلك الرسالة التي تلقيتها، على الأقل.
قلت: "أجل."
غادرتُ وأغلقت الباب خلفي، وأمّنت العزيزة نيفيا. الرسالة نفسها كانت مقلِقة بعض الشيء. للوهلة الأولى؟ لها صلة بخنجر سواغر. ذاك الرجل المحروق حمل بطاقة هوية اللوتس ذاتها—تلك الفاخرة المسحورة التي تتغير هيئتها كلما نظرت إليها. مع ذلك... لم تبد الرسالة تهديداً—هي تهديد بالفعل، فاللوتس تثبت قدرتهم على التتبع والاختراق—لكن التهديد يفترض أن يكون... أشد تهديداً؟
مثل "سنفعل كذا وكذا"
أو ما شابه؟ أم لعله فخ محكم؟ يصعب التعبير عن الأمر بالكلمات. اللوتس المطبوعة كانت غريبة أيضاً. أظنهم يدعونها رموز استجابة سريعة؟ بدت واحدة منها. أشياء أرشدني بورسيوس إليها في السابق. كان مفترضاً بي مسحها ضوئياً، أليس كذلك؟ ممم... قال بورسيوس إنه وضع مضادات تتبع عالية المستوى في نظارتي، لذا فالأمر المفترض أنه آمن. غالباً. قبل فعل أي شيء، بحثت عن اللوتس في منتديات الحراس لأرى إن كانت هناك معلومات سهلة.
لم تكن هناك دردشة تذكر. بدا الأمر وكأن الشبكة قد مُسحت تماماً من أي ذكر لها. من خلال ما عثرت عليه؟ كانت نوعاً من الجمعيات الخفية في معاقل البشر. جمعية ضخمة للغاية. إن كانوا يلاحقونني لأجل قتلي أحد قتلتهم المأجورين؟ فستتعقد الأمور. وإن كانوا يريدونني حقاً، فلربما أرسلوا أكثر من مجرد رسالة كهذه، أليس كذلك؟ مسحت رمز الاستجابة السريعة ضوئياً بنظارتي العرشية. كانت نظارتي الأخرى محطمة أكثر من أن تجدي نفعاً.
فتحت رابطاً مبهمللموقع على الشبكة. كان غريباً مع ذلك. أشبه بصندوق دردشة لا بموقع ويب حقيقي.
ومض الصندوق ووصلتني رسالة: "إذن أنت من قتل سواغر، هاه؟ لا تبدو بالمستوى المطلوب."
لم يكن ذلك لطيفاً جداً. بدوت طويلاً، ومهيباً، وفخماً. أفضل بكثير من ذلك القبيح. من المؤكد أن من كان على الجانب الآخر لا يستطيع رؤيتي حقاً.
كتبت: "ماذا تريدون؟"
"اللوتس تعتمد على بقاء الأفضل. أنت قتلت سواغر. تلقيتُ أُمرأً بعرض مكانه في المنظمة عليك."
هل كنت أتلقى عرض انضمام؟ هكذا ببساطة؟ لم تكن هذه أبداً مجرى المحادثة التي تخيلتها.
كتبت: "و؟"
"ماذا، تريد خطاب تسويق؟ نفذ المهام، واحصل على المكافآت. اعمل كيفما شئت ومتى شئت. بلا أسئلة. بسيط وسهل."
كانوا بائعين مهرة حقاً. لن يضر تفقد الأمر... غالباً. طالما أخبرتني كالي بأنني بحاجة للحصول على عمل بعيداً عن بورسيوس.
كتبت: "حسناً."
"ممتاز. استمتع—"
تعطلت نظارتي تماماً، وانغلق المتصفح تلقائياً. ظهر تطبيق جديد على شاشتي الرئيسية. بدا الرمز شبيهًا بتطبيق برج العرش، لكنه مقلوب تماماً. بلا اسم. هل يُعد هذا تنزيل لشيء مشبوه؟ ألم يقل بورسيوس إن برمجياته المضادة رفيعة المستوى؟ لم يكن هذا خطئي أبداً، حقاً. لستُ مسؤولاً بأي شكل... ولكن تحسُّباً للأمر، يجدر بي مواصلة التحري. نقرت عليه، فاتحاً التطبيق. ظهر صندوق في منتصف الفراغ.
"الاسم؟"
حدّقت في الصندوق مطولاً. هل أبتكر اسماً جديداً؟ تُف—لا، سيزيد هذا الأمر تعقيداً. من الأفضل أن أبقيه بسيطاً. نيكس كان اسمي كأناركي، أليس كذلك؟ ومن أفضل من أناركي يعمل لصالح جماعة خفية؟ أدخلت ذلك الاسم في الصندوق مباشرة. أومض بالأخضر وتبدلت الشاشة. انفتحت لوحة جوائز ضخمة، تكافئ المدافعين بالنوايت بشكل أساسي. وهناك مكافآت أخرى أيضاً.
كل شيء من عمليات اغتيال وطلبات "استحواذ"
على أغراض وحتى مرافقة شخصيات. لكن بعض المكافآت؟ مئات الآلاف من النوايت. أمر جنوني حقاً بالنظر إلى مدى سهولتها الظاهرة.
نادت لوسيا من غرفة المعيشة: "أم—أيلين؟ أحدهم على الباب!"
مزّقت الرسالة وألقيت بها في سلة المهملات. لعل السبب هو الاقتحام الأخير لغرفتي؟ شعرت ببعض التوتر. شق خنجر كفن الأبنوس طريقه عائداً إلى يدي بينما تحركت نحو الباب.
دستُه في جيبي وأطللت عبر العين السحرية— هتفت كالي من الطرف الآخر: "دعني أدخل!"
وحشت شيئاً ما في جيبها سريعاً.
"لقد نسيت مفتاحي!"
"... "
التفتُّ ببرصري نحو لوسيا. صحيح، إذن، لا بد أن هذه المحادثة واقعة عاجلاً أم آجلاً. فتحت الأقفال، مسموحاً لها بالدخول إلى الشقة. تفرّست في المكان شكوكة من حولها، متفحصة الشقة. كيف عرفت أن شيئاً ما لم يكن على ما يرام بهذه السرعة—ممم... هل وضعت نوعاً من التعاويذ؟ كالي حارسة هي الأخرى. لعل الأثير الذي شعرت به كان صادراً عنها. لم تستغرق وقتاً طويلاً للعثور على لوسيا. خطت كالي إلى داخل الشقة، والتفتت ببطء نحوي بملامح غريبة على وجهها.
قالت: "أيلين، يا رفيقي العزيز، من هذه؟"
هززت كتفي بخفة.
قلت: "لوسيا."
"لا—تباً..."
فركت جبينها، مطلقة تنهيدة عميقة.
"أنت تعرف ما أعنيه."
وثبت لوسيا نحونا مرتدية ابتسامة مشرقة. بدت كشعاع شمس متجسد في هيئة بشرية. تمايل شعرها الذهبي مع حركاتها الطفولية.
وقالت: "مرحباً! أنا لوسيا... أنقذ أيلين حياتي هناك في الأراضي الرمادية."
سقط فك كالي. وأدارت رأسها ببطء، ناظرة نحوي من جديد. أمر مرعب نوعاً ما.
قالت: "قلتُ اخرج من الشقة! لا تخرج من معاقل البشر! بحق الجحيم كيف لك أن تخلط بين الأمرين بهذا الشكل?!"
"... "
حقاً، لا يمكن لومي على هذا.
[تتساءل نايت آي إن لم تكوني أنت فمن تكون]
أنا؟ ضوء القمر الهادي الخاص بك هو ما قادني خارج باستيون. كنت بريئة. إن كان لا بد من لوم أحد فهي أنت بالتأكيد. أممم. ليس الأمر أنني لمتك. كانت هناك فرصة كبيرة لأن تموت لوسيا أو ما هو أسوأ.
[تومئ نايت آي بزهو. هكذا إذن انظري كم هي رائعة الآن]
أجل أجل. كانت نايت آي أسطع وأفضل نجمة في سماء الليل بأسرها. يا لها من روعة. تنهدت رفيقتي بعمق ووضعت يدها على كتفي.
"حسناً أنا سعيدة لأنك بأمان".
"أمم. هل بأس إن مكثت هنا بضعة أيام؟ ف-فقط حتى أستعيد قواي!"
ذبل تعبير لوسيا المشرق قليلاً واكتسي بمسحة من الهشاشة. خبا ضوء عينيها وهي تنظر إلى الأرض وتعيث بيديها.
"أنا- أمم- ليس لدي حقاً أماكن كثيرة أستطيع الذهاب إليها".
تلاشى تعبير كالي الشرس. أترين؟ كما قلت. قلب من ذهب. بحق الجحيم لقد تحاملت علي ألم تقم بذلك؟
"بالطبع. لست بالوحشية التي تطرد طفلة محتاجة. أنا كالي. رفيقة هذه البليدة".
"ححقاً؟"
أشرق وجهها مرة أخرى.
"بالطبع".
ضحكت كالي بخفة.
"إن لم تاعتني بك آيلين فأخبريني وسألقنها درساً".
"هه. أشك في أن يكون ذلك مشكلة. لقد بدت قادرة حقاً هناك".
تعبير لوسيا لم يكن- حسنًا لم يكن مفعماً بالثقة تماماً لكن عينيها لم تبدوا مظلمتين ومتحفظتين عندما نظرت إليّ. أصدرت كالي صخرة من أنفها وهزت رأسها.
"المظاهر خادعة. لا تسأليها عن أي شيء يخص التقنية أو الطعام. أسوأ من طفل صغير في كل ذلك".
"...!"
أخرجت لِساني لها وهززت رأسي. إن كان هناك طفل بيننا فهو... نيفيا؟ أجل.
"المفاتيح؟"
"صحيح".
توجهت كالي إلى غرفتها. بعد لحظة شعرت بطبقة رقيقة من الأثير تعود لتستقر على الشقة مرة أخرى. واقية من نوع ما بالتأكيد. كيف لم ألاحظ ذلك قط؟ لكنني لم أُلقِ بالاً. عادلت ومعلّقة في إصبعها تدور المفاتيح. أمم. إن كانت تمتلك واقية مفعلة لكنها كانت لتتفعل إن دخل أحدهم لترك تلك الرسالة أليس كذلك؟ وآثار الأثير على الرسالة. أهي خدمة توصيل سحرية؟ لا فكرة لدي كيف تعمل تلك الأمور لكنه بدا منطقياً.
وإن كانوا يستخدمون ذلك أفلم تكن لوتس لت "تعرف"
حقيقتي إذن؟ أمر شيق. أهي لعبة تضليل ومراوغة إذن؟
"أغادرة أنت الآن يا كالي؟"
سألت لوسيا. تنهدت كالي متوقفة عند الباب.
"علي العودة إلى العمل. يوجد طعام في الثلاجة إن جعتِ. وهذه الآيلين لا تحسن صنع أي شيء سوى القهوة لذا أخبريني إن احتجت لأي شيء".
حنت لوسيا رأسها بخفة.
"شكراً لك".
"لا تقولي شيئاً. أراك لاحقاً".
حركت كالي شفتيها لي دون صوت.
"سيكون لنا حديث مطول عن المسؤولية فور عودتي يا آيلين".
سرت قشعريرة في أسفل ظهري ولم تهدأ إلا بعد أن غادرت الشقة. لم أكن متحمسة لذلك على الإطلاق. بينها وبين بيرسيوس اكتفيت من المحاضرات.
"المكالمات؟"
"انتهيت للتو. لدي شخص واحد آمل أن أتمكن من الوثوق به..."
تنهدت وهي تمرر يدها بين خصلات شعرها.
"فقط للاحتياط هل بأس أن أبقى هنا حقاً؟ سألت رفيقتك ولكن ماذا عنك أنت؟"
"ممتاز".
بإمكاني مراقبتها على الأقل. والتأكد من أنها بأمان. وربما محاولة معرفة الرابط بينها وبين سيرهيمن. كانت هناك مصادفات أكثر من اللازم في هذه القصة برمّتها. هززت رأسي وجلست على الأريكة بجانب لوسيا. ضغطت زر الاستئناف على ما كانت تتابعه. بدا وكأنه نوع من برامج المسابقات؟ كان مربكاً للغاية بالنسبة لي. عدت إلى زجاجي دون تفكير ثانٍ. البحث لن يجري نفسه للأسف. بعد بضع ساعات اتصلت ببيرسيوس.
تماماً كما أوصى الراية الراسخة حقا كنت بحاجة لبدء العمل على مهاراتي. رن الهاتف بضع مرات قبل أن يلتقطه الهر.
"مرحباً؟"
ألقيت نظرة خاطفة على لوسيا. كانت غارقة في النوم وقد تكوّرت على نفسها وهي تئن بخفة. وضعت يدي على كتفها. مالت نحو اللمسة وهدأت.
"أريد. فجوة".
"أه؟ أي نوع؟"
في الخلفية تمكنت من سماع فرانسيس يتحدث بصوت خشن. وإلى جانب ذلك... أصوات شجار؟ لا. الضربات كانت غليظة للغاية. أتعذيب؟ أهو ملاكمة؟ أمم. أيمكنني اجتياز فجوة من الفئة د وحدي؟ ربما. بغض النظر ستكون القتالات ممتعة أكثر في فجوة ذات مستوى أعلى أليس كذلك؟
"مزعجة. فردية".
"إذن سأرسل لك قائمة قريباً. وفئات و أيضاً بينما أنا بصدد ذلك. فقط أخبريهم أنني أرسلتك ولن تواجهي أي مشكلة مع أي فجوة في القائمة".
صمت بيرسيوس لبرهة.
"كوني حذرة حسناً؟ العمل الفردي ميدان مختلف تماماً".
"أجل".
لقد اعتعت على الوحدة على أي حال لذا سيكون الأمر على ما يرام. على الأرجح. سأتمكن من إطلاق العنان لنفسي على الأقل. لقد مضى وقت طويل منذ أن تمكنت من القتال دون خوف من التعرض للكشف أو الكاميرات. انقطع الخط. بعد حوالي ثلاثة أباع الساعة وبينما كنت أصنع كوباً جديداً من القهوة أرسل لي بيرسيوس القائمة. كانت طويلة وتتضمن مواقع في جميع أنحاء إيجيس. وبعضها كان في المقاطعات المحيطة أيضاً.
ألقيت نظرة سريعة عليها واستبعدت تلك التي بدا أنها قد تشكل مشكلة. وتحديداً أي شيء يستخدم تكتيكات الحشود. كان بإمكاني التدبر لكن التعامل معها مزعج. ربما عندما أمتلك بعض مهارات الضرر واسع النطاق سأجد الأمر أكثر تسلية؟ في النهاية ضيقت خياراتي إلى واحدة في داركهولد بالذات. ستكون هذه المرة الأولى منذ فترة طويلة التي أتجه فيها إلى هناك. ينبغي أن تكون ممتعة بما يكفي.