اسمي جميل: وُلدتُ من جديد في جحيم زانكسيا الفصل 6 — المتدرب

اقرأ اسمي جميل: وُلدتُ من جديد في جحيم زانكسيا الفصل 6 — المتدرب باللغة العربية على مانجا تايم.

ألم تنتبهي لامتحان الاحياء الاربعاء القادم يا ميلي، هل نراجع معا؟ يا رجل يا آرلو، تلك الحركة التي قمت بها اليوم في لعبة كرة المراوغة كانت مذهلة حقا، لقد ذهل المدرب تماما ولم يطق صبرا لرؤيتها قادمة. أوه بالمناسبة، تقيم اختي الكبرى حفلة صاخبة هذا الاسبوع في منزلنا، هل تهتمين يا ميلي، انها بالفعل طالبة طب في جامعة ولستون واعلم انك مهتمة بالطب.

اه صحيح، سنذهب أنا وبضع رفاق لمشاهدة ذلك الفيلم الجديد "الحامي"

يوم الجمعة، إنه أمر جنوني، فقدرة الشخصية الرئيسية تشبه قدرتك جدا يا آرلو، وقد حجزنا لك تذكرة احتياطية إن رغبت في الحضور. لا أصدق أن تلك العاهرة الغبية حاولت تحديك، انها بالكاد في الفئة النخبوية ومع ذلك تظن نفسها شيئا مذكورا، يا للسخرية، بصراحة يا ميلي لا أدري لمَ يواجه كل هؤلاء الاطفال مشكلة معك، فأنت لم تفعلي شيئا قط. انتظر، أأصبح الأمر رسميا الآن يا آرلو؟ أأنت في قائمة العشرة الاوائل؟

يا الهول، هذا رائع جدا، قد تكون اول طالب مستجد يفعل ذلك في التاريخ، اشعر بالأسف تجاه ذلك الشخص الذي اطحت به، لكنه استحق ما حدث لغبائه الشديد بقبول تحديك. ... مرحبا يا آرلو. أهلا يا ميلي. كيف حالك يا آرلو. صباح الخير يا ميلي. ... آرلو... ميلي... آرلو... ميلي... . . . بينما كنا انا والدكتور دارين نتجول في المختبر على عجالة لنجمع مواد دفعة جديدة من العلاجات الشافية، لم أملك الا أن أبد إعجابي بمدى التقدم الذي أحرزه الطب في هذا العالم.

ربما جاء هذا نتيجة للضرورة مما جعلني اشعر بقليل من المرارة، لكن هذا الشعور بدا ضئيلا امام هيبة الدهشة التي لم تكن لتزول. اينما التفت وجدت مواد كيميائية ومكونات لم توجد في حياتي السابقة، من تلك التي لا تراها الا في عروض الخيال العلمي. منشطات اللحم، جاهزة. عشرون غراما من الاوكسيكودون، جاهزة. الكؤوس المخبرية، جاهزة. الصفائح الدموية الاصطناعية، جاهزة. هل جمعت مزيلات الالم ايضا؟

هكذا نادى. مزيلات الالم، جاهزة. اومأ موافقا فاسرعت عائدا نحو جناح الطب المركزي. وقع شجار بين مجموعتين من الطلاب الاكبر سنا المتكافئين في القوة في وقت مبكر من اليوم، وكانوا في حالة بالكاد تسمح لهم بجر أجسادهم المثخنة بالجراح إلى عيادة الاسرة قبل أن ينهاروا على الاسرة. يا للفظاعة، كمية كبيرة من الدماء حقا، اتساءل عن عدد ملاءات الاسرة التي نستهلكها في اليوم الواحد.

بعد تسليم المواد لدارين، لاحظت مرة اخرى انه لا يبدو افضل حالا من اليوم الذي التقيت به فيه للمرة الاولى. نفس الوجه الغائر، نفس البقع الداكنة تحت عينيه، ونفس الشعر الاشعث الذي صففه على عجالة. ورغم تحركه السريع، بدا إرهاق واضح في خطوته، نفس الإرهاق الذي رأيته في والدتي بعد نوبات عمل متتالية مدتها اثنتا عشرة ساعة في طوارئ المستشفى. لم يكن شهرا العام الدراسي الاول رائعين لتوازن حياته العملية والخاصة.

لذا شعرت بسوء أكبر لاقتحامي مكتبه ومحاولة إلقاء مشاكل حياتي على كاهله. كان شعوري بالذنب هو السبب وراء اختياري مساعدته في المقام الاول. ورغم دفاعي عن نفسي، فقد تخصص دارين ثنائيا في الطب النفسي، لذا لم يكن وكأنه غير مؤهل. المشكلة الكبرى باختصار هي أن طاولة طعامي أصبحت مزدحمة للغاية.

انها مشكلة تافهة حقا إن صغتها بمثل هذه لطافة، لكن- تمتمت بضيق مستغلا الفرصة للتنفيس الان بعد أن انتهيت من عملي: "ما اعتاد أن يكون ثلاثة أشخاص أصبح الآن مجموعة لعينة من تسعة عشر شخصا، ليس هناك مساحة كافية جسديا على الطاولة لتناسب وجبات طعامنا جميعا، لذا يسرق الاطفال مقاعد بلاستيكية من خزانة عمال النظافة ويجرونها إلى طاولتنا".

"لا أستطيع تذكر أسمائهم حتى".

تمتم دارين قائلا: "ما زلت لا أرى سببا للمشكلة، لقد كنت شخصا منبوذا خلال المدرسة الثانوية، وهذه مسألة تفضيل، ألا يظن الاطفال عادة أن الشعبية المفرطة امر جيد؟"

أطلقت نحيبا، صوتا طفوليا احتجاجيا. كان نصفه تمثيلا لفتاة في الرابعة عشرة من عمرها ونصفه الاخر جادا تماما.

تذمرت قائلة: "لكن هناك الكثير منهم، من الواضح أنهم يريدون جميعا شيئا مني، لقد اخبرتك بالفعل أن مسألة الفئة النخبوية هذه جديدة جدا لدرجة أنه حتى التحدث مع الناس يبدو غير مألوف".

قال دارين: "كل ما أسمعه هو تذمر مترف ناجم عن إرهاق القرار، أنت ذكية بما يكفي لتفهمي أن امتلاك خيارات كثيرة أفضل من امتلاك عدد قليل منها. قد تبدو الامور ساحقة الان، لكننا ما زلنا في بداية العام، وأمامك متسع من الوقت لتقرري من يعجبك من بين الاشخاص الذين يلقون بأنفسهم عليك".

تأففت: لست بهذه السطحية، أصحبت كذلك؟ ...ربما أكون كذلك. كان هناك عدد لا يحصى من الامور التي يمكن انتقادها في وضعي. مع وجود هذا العدد الكبير من الناس المحتشدين حولنا، بدا الامر أحيانا وكأن الطاولة حديقة حيوان، وأصبحنا أنا وشارلو مناطق الجذب الرئيسية. اضطررت أحيانا إلى كبح تقززي بوعي وانا أراقب نصف الطلاب المستجدين يتسابقون لنيل رضانا. في الوقت نفسه، ألم تكن تصرفاتهم مفهومة تماما؟

بالطبع، أرادوا مصادقة وريث العرش بينما كان لا يزال طالبا في السنة الاولى ضعيفا نسبيا. ألن يمنحهم هذا مصدر رأس مال اجتماعي سهلا وحماية من المتنمرين بمجرد صعوده إلى العرش خلال عام أو عامين؟ لقد اقتربت منه لاسباب أنانية مماثلة، فما الخطأ تحديدا في تملقهم؟ بدا مرجحا أيضا أنني سأرتقي في النهاية إلى منصبي جاك أو كوين في غضون بضعة أعوام، وربما اعتبروني أسهل في التعامل مقارنة بشخص مثل آرلو.

كانت صداقتي استثمارا منخفض التكلفة مقابل عائد جيد، فلماذا لا يفعلون ذلك؟ لم يكونوا خبيثين أو غير معقولين أو سيئي النية تجاهي، بل انتهازيين فقط. لربما فعلت الشيء نفسه تماما في مكانهم. فلماذا ما زلت منزعجا جدا من هذا إذن؟

بعد التفكير لبعض الوقت، وجدت إجابتي: "أظن... أظن أن المشكلة هي أنني لا أُعجب بأي منهم، كأشخاص أعني. ما فائدة أن يكون لديك خيار من القمامة إن كانت القمامة هي كل ما هناك؟"

رفع دارين حاجبا فاحصا وقال: "لست متأكدا من أنني أريد معرفة ما تعنيه بذلك".

"أه، امم، ليس على هذا النحو".

أدركت كيف بدا معنى كلامي: "لم يقولوا أو يفعلوا شيئا فظيعا حقا. الامر فقط... البهجة والسرور اللذان يحصلان عليها من العنف والقتال، الطريقة التي ينظرون بها بغطرسة إلى ذوي الفئة الدنيا لكونهم ضعفاء، يبدو الأمر مقرفا للغاية".

بشعور من الحرج، فركت مؤخرة عنقي وحدقت في الارض.

"لكنني أظن أنني كنت ساذجة بعض الشيء لتوقع أي شيء آخر. حتى بعد سنوات في هذا العالم، ما زلت لست معتادة على ذلك".

ابتسم دارين بمرارة وأطلق زفرة، رغم أنني لم أستطع تحديد ما إذا كانت بسبب وضعي أم بسبب ما اعتبره صياغة محرجة.

قال: "يا ميلي، لو كان بإمكانك مصادقة من يشاركونك مشاعرك تجاه العنف فقط، لانتهى بك الأمر وحيدة".

ترك الكلمات معلقة في الهواء لبرهة، مانحا إياني نظرة معقدة قبل أن يبدأ في إطعام مرطباته المصنوعة حديثا قسراً للمرضى فاقدي الوعي.

"أيمكنك الذهاب لإحضار النصف الاخر من الدفعة التي صنعتها؟"

أومأت برأسي مطيعاً أمره.

قال متوقفا بين المريض الثالث والرابع: "لن أنسى أبدا اليوم الذي اندفعت فيه إلى العيادة وبدأت تتقيأ في سلة المهملات. تخيل صدمتي عندما علمت أن السبب هو أنك أثخنت طالبا بالضرب... رغم أنه كراليك، نفس الشخص الذي ضرب صديقتك ذات الشعر الأرجواني. أي شخص آخر كان ليطير كبرياءً ورضى عن النفس".

شبكت ذراعيّ دفاعيا، متجهما بقسوة عند تذكر ذلك: "أعرف بالفعل. أنا ضعيف القلب وسأتعرض للاستغلال إن لم أصلب عودي. لقد قلتها من قبل. لكن تخيل فقط: عالما تكون فيه آرائي هي المعيار. ألن يكون ذلك لطيفا؟ لن تضطر للعمل يوما واحدا طوال حياتك تقريبا".

"بالتأكيد. لكني لم أجادل قط بأن مشاعرك خاطئة، بل قلت فقط انها غير متوافقة مع العالم الذي نعيش فيه".

استدار دارين ناظرا إلي بعينين ثاقبتين: "على مستوى ما، أنت توافقينني الراي. أليست هذه هي السباب التي جعلك تبذلين قصارى جهدك للتغيير؟"

أضفت: "آه، واجلب جهازي قياس نبض إضافيين أيضاً".

لم أكلف نفسي عناء الرد، والتزمت بصمت مطبق وأنا أنفذ أوامره. كنا نعلم نحن الاثنين أنه على حق تماماً. بدل الجدال، اخترت الحديث عن أمر آخر.

قلت بعد أن ناولتُه الجهازين: "من الناحية المشرقة، أعتقد أنني وجدت شخصاً غيرك لألقي عليه مشاكلي. اسمها آبي، قصيرة القامة قليلاً، بشعر رمادي متوسط الطول. كنت أريد أن أسال إن كنت رأيتها في العيادة الطبية من قبل".

قال: "أهي في السنة الأولى؟"

قلت: "نجل".

قال دارين: "إن كانت كذلك، فأعتقد أنني رأيتها مرّة أو مرتين. ربما قرأت ملفها في الواقع. أهي صاحبة المهارة المثيرة للاهتمام؟ نقطتان وواحد، التي تمكنها من السير على الجدران؟"

أكدت له: "تلك هي. أبحال جيدة هي؟ ليست قريبة حتى من القوة الكافية لحماية نفسها، وحين رأيتها للمرة الأولى كانت ترمى من نافذة".

هز كتفيه، وقال: "لم أر أي شيء خطير للغاية في تاريخها الطبي، مع أن ذلك كان منذ فترة... إن كنت قلقاً إلى هذا الحد، فلم لا تسألها بنفسك؟"

أجبت: "أريد أن أسألها. لكنني لا أستطيع تجاوز إلقاء التحية حين نمر ببعضنا في الرواق دون تعريض سلامتها للخطر. ما رأيك بما ستفعله حاشيتي من المعجبات لو رأينني أخوض حديثاً معها بدلًا منهن؟"

وما العظيم في فتاة ضعيفة مثلك، على أي حال؟ عليك احترام نفسك أكثر، يا ميلي! أطبقت شفتي بينما بدأت ذكريات الصف الخامس تطفو في ذهني؛ ولم تساعدني تدويناتي العديدة في ذلك الوقت على قمعها. ومع ذلك، وبسبب غريب ما، بدا دارين فجأة أكثر إزعاجاً مني.

تأوه قائلاً: "لقد استخرجت للتو ذكرى كنت أحاول دفنها. تباً لذلك. أحدثتك قط عن تلك الفتاة ذات الطبقة الرفيعة التي واعدتها؟"

هززت رأسري حائراً: "لا. لكن الأمر لا يمكن أن يكون قد انتهى على خير، وإلا لكنت تفاخرت بها أمامي بحلول الآن".

"ها ها".

رمقني بنظرة حادة، ثم تابع.

"تباً باختصار، التقيت امرأة تدعى نيلا أيام دراستنا الطبية، وانتهى بنا الأمر نتواعد لنصف عام تقريباً. كانت الأمور سارة بيننا، لكن حين سمع حبيبها السابق من الطبقة الفائقة بشأن علاقتنا..."

قلت كالمختنق تقريباً: "لا. لا يمكن أن تكون جاداً. أ حقاً نفذ روتين (تركتني لأجل هذه القمامة) برمته؟ ظننت أن ذلك لا يوجد إلا في روايات الرومانسيّة الرديئة!"

قال دارين بمرارة: "ظننت ذلك أيضاً. لكن يبدو أنه مقنع بما يكفي في الواقع ليدفع نيلا لإنهاء علاقتها بي من أجله. أو ربما كان راتبه الهائل الذي يتقاضاه لقاء العمل لدى السلطات، بينما كنت أنا طالب طب مفلساً بلا آفاق".

آه.

فرمقني بنظرة حادة أخرى، لكن بجدية أكبر: "لذا توقف عن إثارة الشفقة لنفسك وكن ممتناً، حسناً؟ لقد طلعت على فحوصك، وأنت في طريقك لتصبح من الطبقة الرفيعة في سنتك الأخيرة بالمدرسة الثانوية".

ولحظة أخرى، تطلع نحو الأفق متمتماً: "لا يمكنني إخبارك بكمية الهراء الذي كان بإمكاني تجنبه لو كنت أقوى ببضع نقاط فحسب".

انكمشت حزناً.

"هذا فظيع. أشعر الآن بسوء أكبر لتذمري بشأن حياتي أمامك".

سخر دارين: "يمكنك التعويض بأن تكون متدربي غير المتقاضي أجراً لهذا اليوم. لم لا تبدأ بمراقبة مرضاي بينما أخذ قيلولة؟ إنه لأمر عادل، نظراً لأنك ستتفوق على راتبي متى تخرجت في الجامعة".

"حسناً... كنت أفكر في الواقع بأن أصبح طبيباً، لذا قد يكون الحصول على بعض ساعات التطوع أمراً جيداً".

فتح عينيه بدهشة: "أحقا؟ أتحتذي بوالدتك؟"

مازحتُه نصف مازح: "بالضبط. سأكون مدير مستشفيات مدينة ويلستون، وحينها سأرد لك الج جميل بإنقاذك من هذه الوظيفة الجاحدة. لن يستغرق ذلك طويلاً حتى بمجرد أن أصير من الطبقة الفائقة... ربما خمسة عشر عاماً أو نحو ذلك؟"

(المغزى هنا، أن دارين قد أمضى خمسة عشر عاماً الخاصة به بعد المدرسة الثانوية ليصبح ممرض مدرسي ممجداً). ...لكن نكتة قاسية لعالمي السابق كانت أمراً طبيعياً بالنسبة لعالمي الجديد.

ابتسم بعدم تصديق: "ما زلت لا أستطيع استيعاب كيف تفهم فكاهة البالغين العاملين بالفعل. يبدو عقلك ناضجاً للغاية في بعض الأحيان لدرجة أنني أنسى أنك مجرد مستجد، يا ميلي".

قلت: "أرأيت؟ أنا صاحب طبقة فائقة مستقبلي وعبقري. ستناديني بالرئيس في غضون عقد".

***جميل***

كانت حصّتي الثالثة الدراسات الاجتماعية. الدرس الوحيد الذي أتعلم منه شيئاً.

قالَت: "كما تعلمون، نحن نعيش في القطع ١٠٧، المعروف أيضاً بقطع البحيرات الكبرى. هل يذكر أحدكم عاصمة القطع أو مدينتنا الأكثر سكاناً؟"

رفع الولد الواقع في الصفّ أمامي، ذو الشعر الأزرق والنظارات، يده على سؤال المعلمة.

قال: "عاصمة قطعنا هي تورنتو الجديدة. لست متأكداً إن كان سؤالاً مخادعاً، لكن أظنها الأكثر سكاناً أيضاً."

ابتسمَت السيدة إيتو له، مشيرة إلى الخريطة المعلّقة في مقدمة الصفّ.

قالت: "تورنتو الجديدة الواقعة على الشاطئ الجنوبي لبحيرة إيري، تضمّ نحو ستّة ملايين نسمة. تُعرف أساساً بكونها مركز الأعمال والثقافة في قطع البحيرات الكبرى، رغم أن البعض يرى أن مدينة ويلستون تملك حظوظاً وافرة لنيل لقب المركز الثقافي."

وقالت أيضاً: "نفتح الآن كتبنا على الفصل السابع لنتناول قطعنا المجاور، القطع ١٠٨. المعروف بقطع الأطلسي الشمالي، وهو يشبه قطعنا في وجوه كثيرة. فلنحاول تسمية بعضها معاً!"

رفعتُ يدي بعد ثوانٍ معدودات.

قلت: "عاصمتهم، بوسطن الجديدة، تقاربنا في عدد السكان. نحن قطعان متوسطا الحجم بنحو أربعين مليون نسمة لكلّ منا."

صاحَت السيدة إيتو بحماس: "هذا صحيح! من بين مائتين وعشرة قطع حول العالم، يحتلّ القطعان ١٠٧ و١٠٨ مرتبة الوسط تماماً من حيث عدد السكان. أضيف إنّ كلا القطعين شديد التحضّر؛ أي إنّ معظم السكان يعيشون داخل المدن الكبرى أو حولها. فماذا أيضاً؟"

عمّ الصمت جواباً، فخبا حماسها حين لاحظت أن نحو أربعة طلاب فقط ينتبهون.

قالت: "هذه أمور مهمة يا فتية! لا تبكوا أمامي حين تأتي هذه أسئلة قصيرة في الاختبار!"

لم ينطق أحد، وصلب نظرها قبل أن يتجول بين المقاعد. عرفتُ من خبرتي أنها تبحث عن تلميذ نائم لتجعله عبرة. كانت السيدة إيتو شغوفة بمادتها بارعة في شرحها، معلّعة ممتازة لمن يعير الأمر اهتماماً (أي أنا)، لكنها سيئة لمن لا يفعلون. نطحتُ فنتوس في ظهره ضاحكاً بهدوء؛ كان يغفو في المقعد أمامي. انتفض واقفاً في الوقت المناسب ليتفادى البقاء بعد الدوام.

قال هامساً وابتسامته ترتسم عليه: "شكراً."

لم يكن الحظ رفيق تلميذين آخرين. يبدو ركض طلاب الثانوية حول الصف في حالة بين اليقظة والنوام أمراً مضحكاً في أي عالم، لكن السيدة إيتو لم تشاركني الطرافة. أخذت توبخهما بقسوة. (وهو ما قدرت على فعله؛ فقد كانت من الفئة ٣.٧). ابتسمتُ في تلك الأثناء، شاعرًا بغرور غريب لكوني التلميذ الوحيد في الصف المستمتع بالتعلم. كانت حصة جغرافيا تاريخ قارة أمريكا الشمالية المفضلة لدي، بلا منازع.

لم أجد الجبر الثاني قمة الصعوبة قط، لا سيما وأنا أعيد تعلمه بعقل بالغ. لم تختلف علوم الثانوية كثيراً عما أذكره، وبدت قراءتي وكتابتي متقدّمتين لدرجة أنني أستطيع النوم خلال حصص الإنجليزية كافة مع الاحتفاظ بتقدير امتياز. (بعقاب طفيف؛ فقد كنت من الفئة ٣.٧). باختصار، بدت مواد السنة الأولى الثانوية باهتة بعد التقمّص. لذا كان طبيعياً أن أجد متعتي في مواد كالجغرافيا أو التاريخ، خاصة حين اختلف تاريخ هذا العالم تماماً عما اعتدته.

ذهلتُ إبان تقمّصي الأول حين علمت بانهيار أي تاريخ مسجل أقدم من ستّمائة عام. حرفياً، لا شيء البتة. لم تتبقَّ مستندات تخصّ حالة العالم ما إن تعود إلى تلك الحقبة. استعان المؤرخون بمصادر أحدث لتخمين ما جرى بالطبع، بلا سبيل لمعرفة الحقيقة يقيناً. ذهبت النظرية الأرجح إلى وحش فائق الجبروت يملك قدرة تحريف واقع بقوة ١٠.٠ أحرق منظومة قنوات هالة بأكملها لفعل أمر جنوني. بدا الأمر لا يصدق حين سمعته للمرة الأولى، إلى أن تذكرت أن مالك القوة ٨.٠ يستطيع إيقاف الزمن حرفياً.

راودت الإنترنت أفكار أخرى بطبيعة الحال. ضجّ الناس بنظريات المؤامرة. لكن فكرة مؤامرة التستر الضخمة بدت بعيدة المنال حتى بالنسبة لي. أولاً، استقلت سلطات القطع الإدمائية المائتين وعشرة إدارياً بالجملة، مما يتطلب إجماعاً تامّاً بينها كافة لضمان تعتيم المعلومات. وثانياً، احتمال ظهور وشاة منفردين في مناصب رفيعة لكشف كل شيء... تركت عقدي يهيم لفترة أطول، ثم أبعدته إلى العالم الواقعي.

قررت توجيه سؤال للسيدة إيتو. بعد أعوام المعاناة لفهم هذا الكون، لم أمانع ظنّ الناس بي متزلفاً إن كان ذلك يحقق لي تقدماً طفيفاً. رفعت يدي ببطء مستعداً للإجابة، قبل أن يقطعني صوت فتح الباب الأمامي.

قالت: "أيمكنني استعارة ميلي لحظة من فضلك؟"

تجمدت مذهولاً لرؤية الهيئة عند المدع. كان ري، ملك مدرسة ويلستون الثانوية.