يوميّات ميلي التدوينة رقم 24: أيتها النفس في المستقبل، أكتب هذه السطور وأنا في الخامسة عشرة من عمري، بعدما قضيت أكثر من خمس سنوات في هذا العالم. إن لم تقومي بحسابات التواريخ، فتدريبي بلغ ذروته، وأنا أتعلم شتى الخصال المرعبة والمفزعة عن حياة الطبقات العليا وثقافتهم. لعل هذه أمور استوعبتها بالفعل، أو لعلّك تنتفعين بتدوينة لمراجعتها. بغض النظر عن ذلك، أرغب في فعل شيء مختلف في هذه التدوينة، بادئة بمثل قديم عن الكذب.
أنا متأكدة من أنك ما زلت تذكرين المقولة، وكيف ينبغي للمرء النظر إلى أفعال أحدهم ليحكم أكان صادقاً لا أقواله. لست من أشد المعجبين بها. فالكذابون المهرة ينسجون أكاذيبهم داخل أفعالهم أيضاً، كحركات الجسد وتعبيرات الوجه، وأحياناً أمور أعظم إن كانوا بارعين حقاً. لكن لعلّها قاعدة حسنة إجمالاً، لأن معظم الناس ليسوا كذابين مهره، ولا بانتظام، وغالباً ما تكشف أفعالهم عنهم.
وعليه، حين توقفت أليسيا عن مراسلتي بآخر مستجدات تجسسها قبل نحو أسبوع (أو أي شيء لا نود أن تقرأه السلطات)، كان حريّاً بي أن أفطن للأمر لكنني لم أفعل. قبل نحو شهرين من كتابتي هذه، اتفقنا على أن التواصل عبر الرسائل النصية آمن ومضمون. وكان مبررنا أن حفنة من مزودي الشبكات تسيطر على العالم، وتقدم تغطيتها في كل قطاع من كل قارة. وليست تلك بالكيانات التي تستطيع سلطات البحيرات الكبرى، مثلاً، مطالبة برسائل نصية خاصة منها.
كما أن القيادات العليا لأبرز المزودين تتمتع بمستويات قدرات تتراوح بين 8.2 و8.4، وهي أقوى من متوسط رؤساء القطاعات. وهم يقدمون ضمانات بالخصوصية، واعتبرنا مسلّماً به أنهم أقوياء بالقدر الكافي للحفاظ عليها. …وبالنظر إلى بعض الاكتشافات الأخيرة، يبدو مرجحاً للغاية الآن أن هؤلاء المزودين كافة يخضعون لسيطرة السلطات المركزية المباشرة. وقد أدركت أليسيا هذا، ولهذا توقفت عن مراسلتي بمعزل عن النكات ومقاطع الإنترنت المضحكة، مغيرتاً الموضوع كلما رغبتُ في الحديث عن أمر جدي.
تطلب الأمر رحلة عبر القطاعات لتنقل إليّ الحقيقة. في الواقع، كان وجود كيانات تبدو متفوقة على سلطات القطاعات ليثير شكوكي (أو يرشدني إلى مستوى أعلى من الحكم)، لو أنني كنت أملك قدراً يسيراً من الملاحظة. الاستنتاج البديهي هنا هو أنني غرقت في التفكير الموجه بالرغبات طوال الفترة الماضية. كل ما أريد فعله يصبح أسهل وأكثر أماناً إذا كانت البحيرات الكبرى، وشمال الأطلسي، والساحل الغربي، وسواها مستقلة بذاتها، وقادرة على المضي في اتجاهاتها الخاصة دون الانصياع لأجندة أوسع.
ناهيك عن مئوية القطاعات في آسيا، ومئوياتها الأخرى في القارات المختلفة. لا أود العيش في عالم تضطر فيه فاليري لينغارد ذات المستوى 7.5 إلى تلقي الأوامر كبيضة ذليلة، لما يعنيه ذلك للبليارات الثمنية من البشر الأضعف منها. لذا لم أسمح لنفسي بالعيش في ذلك العالم. ولم أفكر ملياً لأدرك شيئاً لم أكن أود معرفته. أنا أصدق أليسيا. وهي تعلم ما رأتْه. أنا ممتنة لها لأنها أخبرتني مبكراً، بينما ما زلت على الأرجح يافعة وضعيفة بالقدر الكافي لأكون بمنأى عن أنظار السلطات.
إن كان ثمة من يحتاج إلى تحذير فهو ري، فلتكن هذه التدوينة تذكرة لفعل ذلك إن لم يكن لشيء غيره. وأخيراً، حتى وإن لم نكن في خطر داهم، فدعيني أقر بصدق أن طريقنا بات أضيق بكثير. أظن أن ذلك لا يحتاج إلى قول. كل ما أرجوه هو أنك وجدت بديلاً، لأن تسخير قدرة جين البالغة 9.1 يبدو مراراً وتكراراً السبيل الوحيد للنجاة. لعل في الأمر شيئاً طيباً عنا، وهو أن تفكيرنا الموجه بالرغبات يجنح نحو الأمل، نحو عالم أجمل وأقل صعوبة.
ولعل هذا الحكم في حد ذاته مفعم بأمل مفرط، والدرس الوحيد هنا هو أننا لا نملك ترف ارتكاب خطأ آخر.
***جميل***
قال ماركو: "أتزوجتم بالفعل؟"
قال ليو: "ميلي مخطوبة. هناك فرق، وإن كنت لا أرجو أن تدركه."
قال: "…ما اللعنة التي يعنيها هذا؟"
"أنت تعلم، هيا. التباكي لا يجدي نفعاً إلا إن كنت ذكياً حقاً."
"غاية الخطبة هي أن تَعِد بالزواج. الأمر سيّان تقريباً."
هزّ ليو كتفيه وقال: "حسناً. إذن أعدك بأن أشتري لك منزلاً جديداً. والآن ابدأ بشكري."
"…"
"حسناً، هذا ليس جيداً البتّة-"
كنت أفتح فمي وأغلقه طوال هذا الحديث، محاولةً إيجاد فرصة لأدسّ إجابتي. هزجت برأسي ويئست، متسليةً وأنا أتابع حديثاً وُجِد لأجلي فانقلب صراع غرور. كانت تلك جمعتي الثالثة فحسب في نيكسجين، لكن المشهد كان مألوفاً بالفعل. كنا في استراحة الغداء وقد فرغنا من الأكل، وكالعادة جلسنا على مقاعد مرتفعة حول طاولة طويلة، نتبادل أطراف الحديث لملء الساعة. كان بعض الموظفين الدائمين أبطأ منّا في الأكل، متفرّقين في مجموعات أصغر حول مطبخ المكتب، وكنت ألاحظ بين الحين والآخر أحدهم يرمق مجموعة المتدربين بنظرة فاحصة.
وكنت أفعل المثل. لقد مرّ وقت طويل بما يكفي لأكوّن فكرة عن سلوكياتهم، وبعض التفسيرات لأسبابها، وتساءلت عما إذا كان الباحثون والأطباء الأكبر سنّاً ليوافقوني الرأي. بعد حين، تنازل ماركو عن موقفه الحواري الهشّ على مضض.
قال: "حسناً. إذن أنت مخطوبة يا ميلي."
ورمق ليو بنظرة سريعة تحمل معنى 'أأنت سعيد؟'.
"لا أستطيع تخيّل كيف يبدو ذلك، وأنت في الخامسة عشرة."
هززت كتفي.
قلت: "كان جزءاً من اتفاق تعاون بين العشائر، أولاً وقبل كل شيء. لم يركع أحد على ركبته في ساحة اللعب وقت الفسحة."
ضحك ماركو. فابتسم من حول الطاولة فهماً، واقعين في فخ الكذبة، وممّا ساعد بطبيعة الحال أن بعضهم كان 'يعلم' مسبقاً من الشایعات السابقة.
قال: "فهمت. لا أعرف كل شيء عن العشائر، لكنني أخمّن أنه قويّ إذن."
أومأت برأسي.
"إنه كذلك. وأنا معجبة به حقاً، لحسن الحظّ."
انكمشت على نفسي وافتعلت احمراراً في وجهي، متحدثة بصوت خافت.
"لكنني لا أعظِّم ظنّ أحد في رغبته بسماع ثرثرتي حول خطيبي الرائع القويّ لمدة خمسة عشر دقيقة…"
أنا أصير بارعة حقاً في تصغير نفسي، أليس كذلك؟ كانت جورجيا (الفتاة التي تشبثت بي بوصفها طالبة الثانوية الوحيدة غيري) جالسة بجانبي، فهزّت كتفيّ بعنف في حسد مبالغ فيه.
وتذمرت: "ميلي~"، ممطرةً حرف المد.
بقيّة المجموعة كانت تراقب بوجوه تعلوها درجات متفاوتة من التسلية. وباعتبارنا الأصغر سناً، كنا أنا وجورجيا وسيلة الترفيه الخفيفة بحكم الأمر الواقع. وحين توقفت، كنت قد أثرت نقاشات عديدة حول المواعدة — فقد بدأت المجموعة للتوّ تستأنس بمناقشة جوانب أكثر شخصية من حياتهم، لذا كان هناك الكثير لمشاركته. قررت الاكتفاء بالمراقبة، مفكرةً في نظرياتي الاجتماعية الجديدة المتنوعة حول يانعي الطبقات العليا الشباب، رغم أنني ظاهرياً لم أكن سوى فتاة في الخامسة عشرة تحاول فهم التعقيدات غير المألوفة لعلاقات الكبار.
(وحقّاً كانت غير مألوفة، ليس بسبب عمري فحسب). بشكل غير مبتكر أبداً، أطلقت على أهم أفكاري اسم 'تأثير البركة الصغيرة'. وجاء الإلهام من ملاحظة في حياتي السابقة، كيف يمكن لطلاب آيفي ليغ المتواضعين أو متوسطي الأداء أن ينتهوا بسهولة مكتئبين أو محبطين من أنفسهم.
فقد يقول قائلهم: "أنا غبيّ جداً الآن، لكنني كنت عبقرياً في المدرسة الثانوية"، في حين أن تدني مستوى المنافسة هو ما أتاح لهم الشعور بالاستثنائية في الثانوية حقاً.
وكان ذلك الشعور ذاته أصعب بكثير عندما يحيط بهم آلاف الطلاب الذين لا يقلّون عنهم بريقاً أو اجتهاداً، حين انتقلوا من بركة ضئيلة إلى محيط. وبالمثل، يقضي يانع الطبقة العليا معظَم سنوات الثانوية بين حفنة الطلاب الأوائل. ولكن ما إن يتخرجوا، حتى يتزاحم يانعو الطبقة العليا في القائمة القصيرة ذاتها من الجامعات، تلك التي يشغلون فيها مقاعد أكثر من غيرها في كل صف، مما يجعل الكلية المرة الأولى في حياتهم التي لا يكونون فيها استثنائيين بحكم الأمر الواقع.
أن تنتقل فجأة من ملك أو ملكة إلى المرتبة 2394 من أصل 7850… كان هذا النوع من التحول المفاجئ قادراً حقاً على زعزعة هوية يانع الطبقة العليا، محولاً كبرياءهم السابق ورؤيتهم لأنفسهم إلى عبء. لم يكونوا غير متأقلمين بمعزل عن المعنى، ليس لهذا العالم. لقد لاحظت مستوى من التوقعات لنمط صراعهم. كان 'يانع الطبقة العليا الذي لا يزال يتعلم كيف يعيش' نموذجاً ثقافياً معروفاً. ومما رأيته، تميل الطبقات العليا الأكبر سنّاً إلى التسامح، وغالباً ما يبحثون عن فرص لتعليم نظرائهم الأصغر سناً كيفية الانسجام مع مجموعة أكبر من الأقران، بدلاً من الأتباع أو الصغار أو أي شيء آخر.
مع ذلك، لو راقبت مجموعتي لفترة طويلة بما يكفي، للاحظت الآثار.
كان ماركو يقول: "…أنا أكرره. أكرره بشدة. حين تقرر الفتاة الموعد والوقت مسبقاً، ثم تتأخران مع ذلك على أي حال؟ لماذا؟"
قالت كينسلي، إحدى الفتيات الأكبر سنّاً: "يبدو منطقياً لي. أعني، ربما هن سيئات في تنظيم المواعيد فحسب، ولكن ماذا لو ظنن أنك ستتأخر أنت؟ لا فائدة من الحضور في الموعد والاضطرار لانتظارك حتى تصل."
رمقتها كينسلي بنظرة خالية من التسلية.
"هذا لا يحدث أبداً. أُوضِح تماماً أنني سأصل في الموعد أو قبله، وأفعل."
"هذا لا يعني أنها لا تستطيع ظنّك كاذباً أو مستهترًّا أو ما شابه. وأنا واثقة أن لديك أوقاتاً تعلم فيها أنها ستتأخر، أليس كذلك؟ لا أظن أن هناك سبباً للوصول في الموعد عند تلك النقطة أيضاً."
شاركت جورجيا قائلة: "لا أدري… قد يكون هذا كله صحيحاً، لكنني لا أظن أن هناك بديلاً عن الحضور حين تتفق على الحضور."
قالت كينسلي: "يمكنك فعل ما أفعله. خطط للوصول حين تظن أنهما سيصلان."
نقرَت على جمجمتها بإسباعها.
"تصل متأخراً بمدى ما تظن أنهما سيتأخران به. وحين تفعل ذلك مرات كافية يمكنك عادةً إصابة الأمر، وحينها لا يضطر أحد لانتظار أحد."
تخاطر ماركو وجورجيا النظرات، ثم أعاداها إليها.
قال ماركو: "هذا جنون يا كينسلي. هذه مجرد طريقة ملتوية لجعل الأشخاص الانضباطيين ينتظرونك."
وفي غضون ذلك، بدا تعبير وجه جورجيا دالاً على خيبة أمل مبهمة في حال الكون.
قالت لي: "لكن هذا هو السبب ذاته وراء تحديد الناس لموعد وقْت بعينه من الأساس، أليس كذلك؟ ينبغي على كلا الشخصين معرفة متى سيصل الآخر مسبقاً، هذه هي غاية الجدولة بأكملها…"
أومأت برأسي.
"صحيح."
إن أعجبتك أحدهم لدرجة إخراجه في موعد، فلا ينبغي أن يكون انتظار عشر دقائق أو نحو ذلك أمراً جللاً. كان هذا حلي للمعضلة، وإن ربما كان ساذجاً قليلاً. والأكثر أهمية بقليل، انقسمت مجموعتنا المؤلفة من عشرة إلى ثلاث مجموعات متحاورة، وكانت إحدى المجموعتين الأخريين تتجادل حول شيء ما أيضاً. وهذا يعني أننا خضنا ستة عشر نقاشاً بالمجمل في عينة من خمس وجبات غداء هذاسبوع. والآن بعد أن زال معظم حذر الوظيفة الجديدة، ارتفع المتوسط سريعاً.
بدا الأمر نتاجاً ل'تأثير البركة الصغيرة' الخاص بي. كان هؤلاء ملوك مدرسة ثانوية سابقين، مما يعني خبرة في قيادة مدرسة واتخاذ قرارات بشأن السياسات، ربما مع حاشية بأكملها من الأتباع المتملقين والمنافقين لهم. كانت مجموعتنا عشرة من هذا النوع المحدد من الأشخاص، مضروباً في استثنائية ذاتية متأصلة في كل من هم في قمة التسلسل الهرمي، والنتيجة كانت ما رأيته. مواجهات بمعدل أكثر تكراراً مما أتذكره في أي مكان آخر.
لم يكن سير الأمور لينجح لولا ندرة وجود تبعات شخصية للمشاحنات في هذا العالم. لقد أُطلعتُ على هذه الغريبة الخاصة قبل بضع أشهر. مرّات عديدة، شاهدت نقاشاً محتدماً حقاً يصير تاريخاً سحيقاً بعد ليلة واحدة.
قالت كينسلي: "أعظّم ظنّي أنكم المجانين هنا. الوقت أسوأ شيء يمكن للمرء التضحية بنفسه من أجله."
سحبت هاتفها من جيب بنطال بدلتها عالي الخصر. وبعد النقر على الشاشة بضع مرات، أظهرت سجل محادثة لجورجيا.
"انظري."
وأشارت إلى رسالة نصية.
"إن كان الأمر سيئاً إلى هذا الحد، فإن المشكلة برمتها تختفي إن واعدت نخبوياً فحسب. فهم لا يمانعون الانتظار أبداً."
قرأت جورجيا الشاشة وبدت مذهولة، متلفتة منّي إلى كينسلي مراراً وكأنها تؤكد أن هذا ليس هلوسة.
"أهلاً لا. كينسلي، لم تفعلي حقاً…"
"حقاً! لقد جربت ذلك بضع مرات. إنه ممتع. النقطة المثالية هي فارق نصف مستوى، وحينها لا يشعرون أبداً بأي استحقاق لأي مطالب. لا يحاولون المجادلة في كل شيء، ولا يشيرون إلى أشياء فيك يتمنون رؤيتها تتغير. وهم أكثر مرونة بكثير."
عبس ماركو، ولم يخفِ استياءه حقاً.
"أتظنّين أن هؤلاء الرجال يظهرون شخصياتهم الحقيقية، لا يحاولون التملق لشخص خارج نطاقهم؟"
ردت كينسلي: "بعض الناس سلبيون بطبيعتهم. علاوة على ذلك، ليس الأمر كأنني سأتزوجهم وأنجب أطفالهم."
"وما هي خطتك إذن عندما تكبرين؟ تزوج رجل لا يعجبك حقاً، والاحتفاظ بحفنة من الألعاب الصبيانية منخفضة المستوى جانباً؟"
"لا أرى مشكلة في ذلك. يمكن لزوجي الحصول على مجموعته الخاصة من الفتيات للعب معهن."
هزّ ماركو رأسه مقموعاً باشمئزاز واضح. وارتجف فمه وكأنها يقرر إن كان سيقول شيئاً أم لا. كان نموذج كينسلي واضحاً لي منذ فترة. ذلك النوع الذي لا يرى الناس بشراً حقاً ما أن يتجاوزوا نقطة معينة نزولاً، ولا يتردد في استخدام هؤلاء الناس بأي شكل لتعظيم متعتها. أما ماركو فكان أصعب مراساً، وكنت أدرك ذلك، وتساءلت عما وضعه في مواجهتها. أهو لمجرد أنه وجد فكرة العلاقات عبر الطبقات مقرفة؟
أم لعلها احتمالية أن تكون الطبقات العليا أدنى من 'أقل منها' في شيء ما، حتى لو اقتصر الأمر على توفير صحبة أكثر استرخاءً. كنت أبذل جهداً شاقاً لأكون عقلانية. كان صعباً تجاوز كراهيتي الغرييزية لكليهما.
قال ماركو: "يمكنني أن أريك مثالاً حياً لماهية المشكلة. هناك امرأة في جناح المستشفى ربما راودتها الفكرة ذاتها. فائقة القدرة، أظن أن اسمها كيوكو. سمحت لشخص منخفض المستوى بأن يحبِها."
جعلت اللقطة الأخيرة حاجبيّ يثبان دهشة. وبدت كينسلي مباغتة هي الأخرى، لكنها تمالكت نفسها، وارتشفت رشفة من شرابها.
فسألت: "أهذه من المفترض أن تكون قصة تحذيرية؟"
فقال: "فقط استمعي. أن تحملي بطفل شخص منخفض المستوى في جوفك هو جزء فقط. أحياناً تحدث مضاعفات صحية أثناء الحمل إن كان فارق المستوى كبيراً. وهذا ما حدث هنا، لذا عليها البقاء هنا على المدى الطويل، حتى ينتهي الأمر."
"…ماذا، ألن تجهض؟"
أومأ ماركو برأسه وقال: "بإمكانها. رغم أن الأمر اقتراب بالفعل من الثلث الأخير، تحافظ قيادة الشركة على الإجهاض كخيار. لقد ظلوا يرسلون أشخاصاً ليخبروها بأن بإمكانها سلوك طريق السهولة."
التفت ماركو مسترقاً النظر وانحنى نحو وسط الطاولة، متحدثاً بصوت هادئ.
"لكن الأمر لا يجدي. تقول الشؤون إنها مصرّة على الاحتفاظ بالطفل، بغضّ النظر عما يقولونه لها."
كانت جورجيا تستمع بصمت إلى جانبي، فالتقلت عيناها بعينيّ، مذعورة. ولثانية واحدة صمت ربعنا صمتاً تاماً.
قالت كينسلي بحنق: "هيا. هذه المرأة، كيوكو، مجنونة بحق اللعنة بالطبع — لن أضع نفسي قط في موقف يقترب من هذا."
شعرت بإحساس بالارتياح، كأن أجواءً متوترة أو ضاغطة كانت تتبدد، ووحده حينها أدركت أنني قد غفلت عن قدومها. سكب أحدهم قليلاً من الماء على الطاولة. ضحك اثنان. ومضى كل شيء كالمعتاد. إنها مصرّة على الاحتفاظ بالطفل، بغضّ النظر عما يقولونه لها. يا للهول، فكرت. . . . جلست إلى مكتبي في وقت متأخر من بعد الظهر، محدقة في الشاشة الكبرى من شاشتيّ دون أن أطرف. كان من المفترض أن أقضي ساعاتي الأخيرة يوم الجمعة في إعداد تقرير أسبوعي، لكن خافير، مرشد مجموعتي، قرر جلياً أن بإمكاني تأجيله.
وبدأ يرسل إليّ سلسلة رسائل. خافير: ### أخبار مؤسفة. يبدو أن قيادة الشركة تشدد الإجراءات الأمنية حول الخاضع JCM91. لقد آمنت من كل قلبي بقدرتي على منحك إمكانية الوصول بحلول يوم الاثنين من الأسبوع القادم، على الأقل في الوقت الذي وعدت فيه بذلك. التقدير الواقعي الجديد هو عدة أشهر. ولا أُبدي ذلك لإثارة هلعك، لكن التقدير الأسوأ هو عدة سنوات. ومن المرجح جداً أن تتغير البروتوكولات لتصير أشد صرامة، بحيث لا تتوفر الإمكانية إلا لعدد قليل من كبار الباحثين المتفرغين المحظيين بتقدير خاص.
وعند تلك النقطة، حتى مكانتي الخاصة ستكون موضع تساؤل. ### تنهدت. أثار الرمز 'JCM91' إحباطاً متأصلاً حين قرأته. 'J' لـ جين، و'CM' لـ سيّد القناة، و'91' لمستوى القدرة 9.1. وكان هو الرمز ذاته الذي التقطته أليسيا قبل بضع أشهر بينما كانت تتجسس على عشيرة لينغارد، لكني لم أدرك ذلك إلا أثناء النقاش الطويل الذي دار بعد قدوم أليسيا إلى نيو بوستون. وكنت لا أزال أوبخ نفسي لعدم ملاحظتي ذلك مبكراً.
بطبيعة الحال، كنت أعد الأيام حتى أتمكن من رؤية جين، لكن العملية برمتها بدت مباشرة وبسيطة أكثر من اللازم لشخصية بحجم أهميتها. وكانت هناك أيضاً شؤون أخيرة عن تشديد الأمن وحراس مأجورين إضافيين، لذا فإن بلادة التوقعات خففت من خيبة أملي. واصلت القراءة. خافير: ### وفي سياق متصل، سمعت جزءاً من نقاشك مع ماركو والآخرين. ما قاله ماركو صحيح. هناك امرأة — كيوكو أولبرايت، المستوى 6.1 — نؤويها حالياً في غرفة شخصية بجناح المستشفى.
لست متأكداً مما أخبرتِ به بالفعل، لكن زوجها السابق كان منخفض المستوى بالفعل، وستعيش (حسب المتوقع) في المجمع للأسابيع الأربعة عشر الأخيرة من حملها بسبب المخاطر الصحية المرتبطة بذلك. الأغلبية الساحقة من النساء في وضعها تجهضّن. بصراحة، لا أستطيع تذكر حالة واحدة لشخص عنيد مثلها بقدر طفيف. لقد وضحنا لها أن النتائج المتوقعة للجنين سيئة بشكل لا يصدق، مقارنة بنتائجها الخاصة بالتأكيد، لكنها ترفض اتخاذ أي مسار مستقبلي سوى تربيته كابنها.
إن جميع الموظفين المطلعين في حيرة تامة إتماماً، بمن فيهم أنا. ولأكون شفافاً تماماً، يرى طاقم العمل هذا الأمر بشكل أساسي كمشكلة محيرة ولكنها طفيفة في نهاية المطاف. وبشكل منفصل، فإن نظرة قيادة الشركة هي نظرة السلطات؛ فهم يعتقدون أن تقليل التزاوج بين الطبقات هو أولوية قصوى، سيما في الحالات التي يوجد فيها فارق متعدد الطبقات. في أعينهم، هذه معركة غير قابلة للتفاوض يجب الفوز بها كمسألة مبدأ، رغم أنه لا ينبغي لي شرح السبب.
بصفتي مرشدك، لا يمكنني سوى نصحك بالبحث والتعلم بشكل مستقل. النقطة الأهم، وسبب كتابتي لهذا، هي كالتالي. أي شخص ينجح في إقناع كيوكو أولبرايت بالإجهاض سينال قدراً هائلاً من الحظوة لدى قيادة الشركة. لقد حاولت بالفعل وفشلتُ. وأنت واحدة من متدربين قليلي الحجّم أُتيحت لهم فرصة التجربة، وقد يكون النجاح هنا طريقتك الوحيدة لضمان الوصول إلى الخاضع JCM91 هذا الصيف. ### حين فرغت، قرأت كل شيء للمرة الثانية، تقريباً كأنني كنت أؤمل أن تتغير الرسائل.
وظلت على حالها. غطّيت عينيّ وجبهتي بيدي، مستخدماً إياها كعصابة، واستنشقتُ الهواء لأطول فترة أستطيعها. ما عساها تكون إن لم تكن هذه؟ وبخت نفسي. ألم تكن واضحة بالفعل؟ إنها مصرّة على الاحتفاظ بالطفل، بغضّ النظر عما يقولونه لها. أخذت نفساً آخر. ملأت الأسئلة والإجابات المحتملة، والتكهنات، والخطط المبدئية أفكاري. حاولت البدء بفك تشابكها، وظهرت رسالة جديدة على شاشتي بنغمة الشركة.
خافير: ### أعتذر، ميلي. عند قراءة ما أرسلته مرة أخرى، أعتقد أنه ربما أعطاك انطباعاً بأنه يجب عليك النجاح، وهو ليس الحال على الإطلاق. أنت صغيرة جداً. مع ذلك، أُتيحت لك الفرصة دون غيرك. وهناك احتمال أن ينعكس الأمر سوءاً عليك إن لم تقومي بمحاولة، لذا أنصحك شخصياً بزيارة. كيوكو في الغرفة B-74 بجناح المستشفى — لا تتوقعي إقناعها ولا تستزيديها. إن قمتِ بمحاولة، فأرسلي لي تقريراً مكتوباً عما حدث بعد انتهائك.
نأمل أن يكون هذا كافياً لتبرئة من رشحك بين قيادة الشركة. ### إذن من المهم على الأقل الظهور بمظهر من حاول، فكرت حين أنهيت القراءة. للإشارة إلى أنني متوائم. قضيت وقتاً غير محدد عالقاً في الوضع ذاته، أعيد قراءة الرسائل وأحاول تبين كل شيء، لكني في النهاية استندت إلى الخلف وتأوهرت. لا خطة تصمد أمام الاحتكاك بالعدو، هكذا كانت المقولة. لقد سمحت لي معرفتي المسبقة بـ'الاحتكاك' بشخصيات القانون الأساسي مسبقاً، لكني كنت أطير أعمى مع أشخاص لم يكونوا كذلك، تماماً مثل أي شخص آخر.
بدأت بالكتابة. ميلي: ### شكراً لتوضيح كل شيء، سيدي. ما زلت مرتبكة قليلاً بشأن الوضع، لكن هذا مفيد جداً. لدي بضع أسئلة، متى ما استطعت الإجابة. 1: ما هي خلفية كيوكو أولبرايت؟ اسمها الأول، على الأقل، يجعلني أفكر في أحد القطاعات الشرقية الثلاثة البعيدة. 2: هل لدينا كاميرات أو مسجلات صوت في غرفتها؟ 3: هل حاول أحد… ### . . . كان مساء الاثنين من الأسبوع التالي حين تمكنت من الطرق على باب كيوكو أولبرايت.
وبينما كنت أنتظر بصلابة عند المدخل، كانت أمامي رؤية كاملة لشمس آخذة في الأفول وسط أفق فضي، حيث طغت النوافذ على ممرات جناح المستشفى.
وبعد دقيقة، أجابني صوت أجش ومكتوم: "تفضل."
فتحت الباب، فوجدت غرفة معتمة ذات ستائر مسدلة. بسيطة ومجردة. وبصرف النظر عن رف كتب صغير في الزاوية، لم يكن هناك شيء شخصي فيها، ولا دليل على أن أحداً يقيم فيها على المدى الطويل. كانت كيوكو مستلقية على السرير، تقرأ ما بدا رواية، رغم أنها وضعتها جانباً وأشارت إلى كرسي مجاور للسرير حين دخلت. جلست عليه. كان لها شعر طويل ومستقيم يبدو فضياً حتى يصيبه ضوء الشمس، ليتحول حينها إلى أخضر داكن.
انحنت ببطء متكئة على كومة من الوسائد وعدلت نظارتها، مقلصة عينيها وهي تحدق في وجهي.
"عذراً، كم عمرك؟"
قلت: "خمسة عشر عاماً."
ورفعت بطاقة هويتي.
"أنا ميلي، يسعدني لقاؤك."
أطلقت كيوكو نباحاً أو ضحكة مخنوقة، وكان صوتها أجشاً يصعب تفسيره.
"طالبة ثانوية؟ وها أنا، أعد نفسي لـ…"
هزت رأسها.
"حسناً، أنا كيوكو، والمثل بالمثل."
ألقت عليّ نظرة فاحصة أخرى، لتترك نظراتها مطولة هذه المرة على بطاقة هويتي.
"يمكنك إخباري أنني أسيء فهم شيء ما، لكني أجد صعوبة في تصديق أنك تدرك ما جئت من أجله."
أجبت: "أعرف ما حاول الآخرون فعله. خمسة منهم، أظن، وأنا رقم ستة."
وأدركت أنني كنت أختلس النظر إلى بطنها المنتفخ. فأجبرت نفسي على التوقف.
أوضحت: "أنا هنا لأنني أريد معرفة ما يؤمنون به وتخالفينهم فيه. مثلما قلت، أنا طالبة. وأنا صغيرة. لقد أعطوني بعض الخلفية، وأعتقد أن بإمكاني التعلم منك. لن أُحاول إقناعك إلا إن اتضح حقاً أن هناك شيئاً تظنين أنني لم آخذه في الاعتبار."
جعلني تعبير الحيرة على وجهها أظن أنها تراني كنوع من الألغاز. لكان تقديراً منصفاً بما فيه الكفاية لو فعلت. مررت يدها خلال شعرها، ممهدة إياه، وفركت عينيها من تحت نظارتها.
قالت بتشكيك: "حسناً. أظن أنه عندما تصل إلى الجوهر، فالفرق ليس معقداً لدرجة تعجزني عن شرحه. أهبة أن سمعت أناساً يدعون أن هالتك القدرية هي روحك حقاً؟"
قلت: "سمعت."
أومأت كيوكو وفعلت قدرتها، متوهجتين بعينيها بلون أخضر رمادي، وأشارت إلى الضوء المتموج.
وقالت: "لا يستطيع أي نوع سوى البشر فعل هذا. هذا ما يقولونه، وهذا مبلغ أدلتهم. وهو صحيح جوهرياً. لكن دعني أسأل: لو كان هناك حيوان شاذ جينياً، لقل شمبانزي، يمتلك هالة متوسطة المستوى، كيف ستتعامل معه؟ لنقل إنه يمتلك نفس الذكاء والسلوكيات التي للشمبانزي الأخرى."
لم أقل شيئاً، متظاهراً بالتفكير. أوقفت كيوكو قدرتها.
قالت: "مثل حيوان. هذا ما أظن. لو مات، لشعرت بالانزعاج لموت عينة اختبار شامبانزي مهتمة بشكل خاص. ولو أُخذ على حين غرة وأكله نمر جاغوار، لهززت كتفي وقلت إن الطبيعة أخذت مجراها. من جهة أخرى، لو أُكل شمبانزي شاذ بعقل بشري-"
أكملت: "لشعرت بالحزن. تقريباً كأن الأمر حدث لشخص."
"صحيح. إن كانت هناك روح بشرية حقاً، فأقول إنها في العقل. يعتقد زملاؤك في العمل أن الهالة هي روحك، وأهم سماتك، لذا يرون أنه يجب أن أشمئز من طفل أدنى. وتسمى الفكرة بنظرية سيادة الهالة."
وتابعت كيوكو: "خلافي معهم هو أنني أظنها هراءً. يسمون أنفسهم علماء وأطباء لكنهم يختارون تصديق ما يناسبهم كأصحاب طبقات عليا فقط. أنا أبحث في بيولوجيا البشر. وأنا أعرف عن هذا الطفل — وعن كل إنسان — أكثر من كل من أتى ليقنعي. ومهما كان المستوى، أظن أنه من الخطأ قتل دماغ بشري."
تذكرت أن كيوكو كانت باحثة في بيولوجيا الرئيسيات أيضا، كما أخبرني خافير. مما ترك فرضيتها قريبة بشكل مشبوه من مسيرتها المهنية. مع ذلك، أجبرت نفسي على عدم التحرك أو الكلام، لا إيماء ولا اختلاج أو ما شابه. لم أكن أريد تعبير وجهي أن يتحول إلى ما علمت أنه سيكون ابتسامة منفرة. كانت هناك دراسات تقدر أن 95 في المائة من أبناء الطبقات العليا يؤمنون بصيغة ما من نظرية سيادة الهالة، مما يعني أن كيوكو كانت راسخة في منطقة الغرباء.
تماماً مثلي. كان الشيء الآمن والذكي هو بذل جهد رمزي لإقناعها. كان النجاح مستبعداً حتى لو جربت أسوأ أفكاري وأكثرها لؤماً. ولم أكن أرغب في ذلك، والأهم من ذلك. وجدت نفسي أقدر هذه الغريبة أمامي، أكثر من محاولة فعل شيء وجدته مقرفاً لهذه الدرجة. لكن فرصة رؤية جين لم تكن شيئاً يمكنني التخلي عنه بسهولة. كنت أعلم عدم وجود أي كاميرات أو مسجلات صوت في الغرفة، لذا قررت تجربة شيء ذكي.
قلت: "لا أعتقد أنني أؤمن بنظرية سيادة الهالة أيضاً. وأعتذر لكون الجميع يزعجونك بإلحاح — لكني سأضطر لمكاتاتهم لفترة، إن كان ذلك مقبولاً."
أعطتني نظرة مستسلمة ومتوقعة فحسب.
وأخذت ذلك كإذن فقلت: "نيكسجين هي امتداد للسلطات. كل هذا سياسي. إنهم يريدون محو أدلة التزاوج الطبقي، وسيعني طفلك وجود زوجين من طبقات متداخلة. هذا هو دافعهم الأساسي."
"أنا أعرف هذا بالفعل. أنا فائقة القدرة. أستطيع تحمل ضربة لموقعي السياسي."
"أقول إنهم قد 'يشخصون خطأً' عيباً خلقياً. عن قصد."
توقف فمها في منتصف نطق الرد، عالقاً مفتوحاً جزئياً. وبدت مذهولة بدرجة أكبر بكثير، أكبر بكثير، مما كانت عليه حين أخبرتها بعمري.
"…أظن أنني لم أفكّر في ذلك."
أجبت: "عليك أن تكوني مريضة بالبارانويا بشكل لا يُصَدَّق لتفعلي. لكن… لكن مع 'العيب الخلقي' المناسب لن يكون قرارك. ولاحقاً، إن اتضح أنه لم يكن هناك عيب بعد كل شيء، فيمكنهم القول إنه كان خطأً نزيهاً ودفع تعويضات. أنا أعمل هنا. لا أظن أنه أمر مستحيل."
وبينما كنت أتكلم، اتسعت عيناها بنظرة فهم مقززة. وكانت تحدق بي. كنت أتألم من الداخل بالطبع، لكن مع إلقاء القنبلة التي لا رجعة فيها الآن، لم يكن بإمكاني سوى الالتزام بأن أكون مقنعاً.
قلت بإخلاص: "لا يزال بإمكانك إبعادهم عن ظهرك. لا أقول لكِ أن تستسلمي. إنهم يريدون جعلك تجهضين للتخلص من علامات التزاوج الطبقي، لكن التبني سيلبي رغبة قيادتنا بالقدر نفسه. فتى متوسط المستوى عشوائي يطفو في نظام الرعاية ليس علامة على علاقة عابرة للطبقات حتى تضعيه مع أم فائقة القدرة."
قالت أخيراً: "هذا جنون."
وهزت رأسها مراراً، وقد رفعت نفسها كلياً ضد مسند السرير.
"أنتِ انظري، أنا… أنتِ تسئين فهم شيء ما. لا بأس إن كان سيكون فتاً من النخبة في أحسن الأحوال. حقاً. لست أبحث عن عذر للتخلص من طفلي، إن كان هذا ما تحاولين إعطائي إياه."
قلت: "لست أفعل. أنت فائقة القدرة. يمكنك بسهولة استعادته من عيادة التتبني لاحقاً. والأفضل من ذلك، غيري المستشفيات! اذهبي إلى عيادة صغيرة لا تستطيع تحمل تكاليف فعل أي شيء بك."
كانت كيوكو لا تصدق محاولة تهدئة نفسها. فركت كلا الصدغين بمفاصل إبهاميها، محدقة للأسفل نحو قمة بطنها المنتفخ. ودار الغثيان والشك في جوفي. لم تكن لدي أي فكرة عما كانت عليه الفرصة، في الحقيقة، لقيام نيكسجين باتخاذ إجراءات قاسية معها، وعلى حد علمي كان الأمر أقل من خمسة في المائة. ربما تسبب إجهادها والبارانويا بالقدر ذاته من الخطورة على حملها. ولم يكن واضحاً أيضاً كم من الوقت وقفت هناك في الصمت، أراقبها، وأحاول تخمين ما كانت تفكره.
أكانت مقتنعة بأي شكل؟ أم كانت تبحث ببساطة عن سبب خطئي؟ وفي النهاية، أطلقت كيوكو ضحكة. وكانت آخر عاطفة كنت أتوقعها. وضعت يديها على فمها محاولة كبح نفسها، لكن ذلك فشل، وانفجرت أخيراً في ضحكة صارخة ومترددة.
"أنت رائعة."
كان صوتها لاهثاً حين تحدثت.
"رائعة حقاً. أنت أفضل بأضعاف مضاعفة من أي شخص آخر — لقد جعلتني أفكر في الأمر حقاً! وفي الخامسة عشرة أيضاً!"
وسقطت ابتسامتها إلى مظهر حسابي.
"لكن لو كنت أكبر سناً، لدركت أن الأشرار الكرتونيين غير موجودين. بالتأكيد ليس في السلطات، وليس لأناس مثلي."
وألقت نظرة غير حصيفة على بطاقة هويتي.
"ابتكار قصة كهذه، في اللحظة التي أدركت فيها أن أياً من الحجج العادية لن تجدي. ستصلين بعيداً. وأراهن أنك في طريقك لتكوني فائقة القدرة، بتلك 4.2…"
تنهدت. هذه هي الطريقة التي يمكن أن تبدو بها، أليس كذلك؟
"شكراً لك، أظن."
قلت.
"أنت محقة على الأرجح في رفض شيء مجنون وغريب إلى هذا الحد. لعلني غير ناضجة للغاية."
ابتسمت كيوكو مجدداً.
"لقد أديتِ عملاً رائعاً."
وأضفت: "لكنني رقم ستة فقط. ستحصلين على المزيد من الزوار، وسيستمرون في أن يصبحوا أكثر عدوانية، يوماً بعد يوم. بحلول الوقت الذي يأتي فيه الزائر رقم عشرة، أعتقد أنك ستتذكرينني بشكل مختلف."
توجهت نحو المروج، مشية ببطء.
"أتمنى لك يوماً سعيداً."
كنت أحاول استدراجها — لمواصلة الحديث بإرادتها الحرة — عازلاً بذلك نفسي عن كل من فرضوا وجهات نظرهم عليها من طرف واحد. وبحلول الوقت الذي كنت فيه في منتصف المدخل، كنت قد استسلمت في منتصف الطريق.
نادتني قائلة: "انتظري."
كانت الثقة في صوتها مهتزة قليلاً.
"ما الذي يعرضونه كمكافأة، إن كنت متأكدة لهذه الدرجة من أن عشرين شخصاً سيحاولون؟"
هززت كتفي.
"الحظوة لدى الكبار مفيدة دائماً. ستكون هناك ترقيات لبعضهم، أخمّن."
رددت كيوكو: "أختبرين؟ أنت واحدة منهم؛ لم عليك التخمين؟"
لفترة وجيزة، فكرت في فكرة الذهاب حتى النهاية وشرح كل شيء على الفور. قصة جين ستكون بلا شك واحدة تتعاطف معها كيوكو. مع ذلك، كانت خطتي هي زرع بذرة في عقلها والانتظار حتى تنمو، إلى أن تطلبني مرة أخرى.
"لن تصدقي ما أريد إخباري به."
قلت.
"لكني مختلفة قليلاً عن زملائي في العمل."
. . .
"سيفقد الناس كل احترامهم لك يا كيوكو. أعني ذلك. ما إن يعلموا أنك حملت طفل شخص منخفض المستوى في جسدك، فلن ينظروا إليك بالطريقة ذاتها."
. . .
"أيمكنك مساعدتي على الفهم فقط؟ أمامك حياتك بأكملها. يمكنك إنجاب أي عدد من الأطفال الحقيقيين. لماذا تفعلين هذا؟"
. . .
"كيوكو — استمعي إليّ. استمعي إليّ! لن يكون ابنك؛ سيكون حالة خيرية ملعونة. سيعيش لأنك أشفقت، لأجل الملك، وليس لأنك تحبينه."
. . .
"أنا فقط لا أظن أن الأمر صحيح، أتعلمين؟ ليس صحيحاً ببساطة. على الأقل، لا تخادعي نفسك باعتقاد أن الطفل سيكون سعيداً."
. . . طلبت كيوكو رؤيتي بعد أيام قليلة فقط، رغم أنني كنت هذه المرة الزائر رقم أحد عشر. وكانت تبدو وحيدة لا شك فيها. كنت الزائر المتكرر الوحيد، وبدا أنها طلبتني لأجل أن يكون لديها شخص تتحدث إليه، لذا جلست على كرسي بجانب سريرها واستمعت بصمت وهي تتحدث عن حياتها وعملها. وكما هو الحال مع جميع القدرات فوق المستوى 5.0، منحت سيطرة كيوكو النباتية تأثيراً كامناً يعمل بغض النظر عن تفعيل القدرة.
ومن خلال النظر إلى كشيء حي، كانت تمتلك حدساً دقيقاً بشكل فوق بشري حول أعماله الداخلية. وكان ذلك مفيداً في القتال، لاستنباط كل نقاط الضعف لخصومها، لكن كامنها منحها أيضاً فهم فيما يتعلق بالشفرة الوراثية وحتى بنى الدماغ — مما أفاد عملها هائلاً. وكان تماماً نوع الكامن الذي أردته لنفسي. وعندما تعلق الأمر بوضعها، كان العكس هو الصحيح. هددت عائلة كيوكو زوجها بضراوة وعناد شديدين لدرجة أن الرجل لم يعد يتصل حتى، خوفاً من أن يتمكنوا بطريقة ما من الإمساك بالاتصال واستخدامه لتعقبه.
ولم ترغب عائلة كيوكو في أي شيء معها بعد الآن، واتخذ زوجها الغائب الآن القرار الذكي الحافظ لنفسه بالهرب عبر المحيط. لو أرادت عائلة بأكملها رأسي، وكانوا جميعاً أقوى مني بخمس مراتب من حيث الحجم، لهناك احتمال كبير أنني لكنت فعلت الشيء ذاته. وانتقل الحديث في النهاية إلى ما قلته لها سابقاً، وأدركت أنها طلبت رؤيتي لأسباب متعددة.
فسألتني: "ما الذي ستناله إن وضعت ابني للتبني يا ميلي؟ لقد فكرت في الأمر، وأعرف أن بإمكاني استعادته، وأريد فعل شيء لأجلك. أنت الشخص شبه الصيد الوحيد الذي تحدثت إليه في هذا المستشفى بأكمله. كيف سيكافئونك؟"
فكرت في الأمر مطولاً.
"سيتعين عليكِ أولاً التصرف وكأنك تتخلين عن ابنك حقاً. تمثيل مقنع حقاً. كأنك حريصة على إبعاد أي شيء يتعلق بزوجك عن نظرك."
أومأت برأسي.
"بالطبع. أعرف كيف أكذب."
"ثم بافتراض أنهم يصدقون ذلك،"
قلت، "سينظر الكبار إليّ بشكل أكثر تفضيلاً. وهذا يعني الوصول إلى المرافق، وبعضها أحتاج حقاً إلى دخوله."
"لماذا؟ ما الأهمية البالغة فيها؟"
"أتذكر قول شيء على غرار 'لن تصدقيني'. وهذا لم يتغير."
فأصرت: "أخبريني على أي حال."
تبادلنا النظرات. وقيمت فرملتي.
ابتسمت وقالت: "لن تصدقيني. لكن كل شيء يبدأ بهذا الصديق الذي لدي، جون. أمه فائقة القدرة، وأبوه منخفض المستوى، وقد فرّقتهما السلطات عندما كان صغيراً. إنهم يحتجزون أمه في إحدى المرافق كعينة بحثية."
بطبيعة الحال، كانت أوجه التشابه بين وضع جين وكيوكو صارخة فوراً. وحدقت بي بعدم تصديق.
"أنت لست جادة."
"صدفة مذهلة، أليس كذلك؟ لكنها حقيقة. يمتلك جون وأمه قدرات مفيدة بشكل لا يصدق لأبحاث الهالة. التحكم بالهالة وسيد القناة. وهذا بالضبط سبب…"
. . . استغرق الأمر ساعتين من الإقناع وصورة لملف قدرة جون الرسمي، لكني جعلت كيوكو تصدقني في النهاية. وحتى حينها، طرحت أسئلة لا نهائية وجعلتني أكشف تفاصيل لا تحصى — وصولاً إلى الطريقة التي أردت بها استخدام الأبحاث المعدلة للقدرة إن استطعت وضع يدي عليها. وبدت متفكرة ومتأملة بحلول الوقت الذي غادرت فيه، ولم تقدم أي ضمانات بأنها ستساعدني في الحصول على 'مكافأتي'. وحين جئت للعمل في اليوم التالي، ناولني أحد موظفي الاستقبال عند الباب الأمامي بطاقة مفتاحية فضية براقة.
كنت أعرفه. كان صاحب طبقة عليا طويل وقوراً عمل سابقاً كباحث، رغم أنه انتقل إلى عمل أقل إرهاقاً ذهنياً بدلاً من التقاعد تماماً.
وقال لي: "ارتفع مستوى وصولك من D-2 إلى C-3. عمل جيد."
لنصف ثانية وقفت متجمد، مندهشاً من السرعة. وتمكنت من مبادلته بابتسامة محرجة قليلاً.
قلت: "شكراً لك. البطاقة الجديدة تبدو رائعة."
بدأت التوجه نحو مساحات عمل المتدربين، لكني شعرت بموجة مؤلمة من الوعي الذاتي، بما كنت أفعله، وكدت أسقط البطاقة. كان أمراً مخزياً. كم كنت أرغب بقوة في تلويح بقبضتي والتهليل، أو القفز في دوائر مبهجة حول المبنى، حين بدا ظاهرياً أنني فصلت أماً عن طفلها. لكني فكرت أيضاً في العديد من مقالات مجلتي، ومخططاتي وخططي التي لا تحصى. حقيقة أن جين كانت الطريقة الوحيدة لتعني أي شيء على الإطلاق.
تراجعت بضع خطوات لأواجه موظفي الاستقبال مرة أخرى.
"عذراً — الآن بعد أن أصبح لدي وصول أفضل، هل أعلم متى سأتمكن من دخول مرافق الخاضعين الخاصة؟"
قال: "من الجيد أنك حريص على استخدامها. دعنا نرى… لا أظن أن الأمر سيتجاوز أكثر من أسبوع بكثير."
رددت: "أسبوع؟ هذا سريع، أليس كذلك؟"
رفع بصره عن شاشته وابتسم لي.
"إنه كذلك، ويسعدني أنك متحمسة، أيتها الفتاة الصغيرة. جزء كبير من هذا العمل هو الانتظار حول الوصول؛ أعتقد أنك أدركتِ ذلك بالفعل. قد يمتد الانتظار حتى لنصف عام، أحياناً، لذا ينبغي عليك أخذ كل ما يمنحونه لك."
أومأت برأسي بحماس. نصف عام، فكرت. تحدثت مع الرجل قليلاً، متمسكاً بدوري كفتاة مراهقة متحمسة. وحتى عندما تحدثت، كانت لدي رغبة لا يمكن السيطرة عليها لفرك البطاقة بين أصابعري، مستمتعاً بإحساس الجهد المتصلب ضد جلدي. أكثر من نصف عام، فكرت بينما كنت أمضي مبتعداً بالمفتاح. جرب خمسة.