هل يمكن للمرء سلق البروكلي أكثر من اللازم؟ زمّت السيدة مور شفتيها بتفكّر. يعلم الجميع أن البروكلي غير المطهو يحتوي على أشياء خطيرة كالزرنيخ، لكنني ربما بالغت في سلقه أكثر من المعتاد. من باب الاحتياط فقط. وعندما حاولت تدارك الأمر الليلة وتقليد طبخ تابيتا الصحي، كانت النتائج… مخيبة للآمال. أياً كان الخطأ الذي ارتكبته في طهي الدجاج والبروكلي، فقد كان طعماً باهتاً. لم يكن صعباً تخيل أن زوجها كان يقيس وتيرة وجبة العشاء غير الشهية برشفات مستمرة من الماء لإضفاء القليل من النكهة.
لم يمسّ أحد تلك الخضروات المائية المظهر، والتي بدا أنها بدأت تذوب وتتحول إلى معجون أخضر بشع. تشاركت العائلة اتفاقاً ضمنياً على التظاهر بعدم وجودها، وتجنب ذكر زهرات البروكلي بالغة الطراوة وتلك السيقان التي تتدلى كالمعكرونة المترهلة.
قالت السيدة مور موبخة وهي تشير بشوكتها نحو ابنتها بحنق: "حسناً، لا تكلفي نفسك أكلها إن لم ترغبي في ذلك".
كانت تقصد أن تبدو خفيفة الظل وممزحة — فقد كان الطعام سيئاً بحق — لكنها شعرت بصراحة ببعض الانزعاج. لم تكن السيدة مور غريبة عن الطبخ، لكنها اعتادت أيضاً إعداد وجبات بالطريقة التي أرادها السيد المسيح، بالطريقة التي يفعلها الشخص الطبيعي. باستخدام الميكروويف.
قالت تابيتا وهي تعقد حاجبيها بعزم: "لا، أظن… أظن أن عليّ ذلك".
بدت الفتاة وكأنها تعاقب نفسها عبر تقطيع الدجاج غير المتبل إلى قطع صغيرة بشكل عبثي وتناولها واحدة تلو الأخرى. أرادت شانون مور أن تبدو متجهمة، لكن حتى بعد القيلولة التي غطت فيها تابيتا في منزل الجدة لوري، بدت الفتاة المراهقة مترنحة وواهنة وتفتقر تماماً إلى الطاقة. المحن المستمرة التي مرت بها تابيتا في الأيام القليلة الماضية كانت توتر أعصاب السيدة مور، ولم تستطع إلا أن تلقي نظرات مقلقة نحو طريقة احتضان ابنتها لتلك الجبيرة البشعة على جسدها.
أعلن السيد مور وهو يأخذ رشفة طويلة أخرى من الماء: "سأقود السيارة إلى المدرسة غداً لأرى ما يقولونه عن أنفسكم. لقد فعلتِ الصواب بمغادرتك حين فعلتِ، وأنا فخور بك. أريدك فقط أن تركزي على الراحة والشعور بتحسن لبضعة أيام، يا عزيزتي".
قالت تابيتا بصوت خافت: "عليّ القيام بجميع تماريني".
بدا آلان وكأنه على وشك الاعتراض، لكن السيدة مور أخرسته بنظرة حادة.
تحدثت السيدة مور برفق: "تابي، يا حبيبتي… أنا أفهم، أففهم حقاً. لكنك بحق تحتاجين إلى الراحة، احصلي على بضعة أيام عطلة دون إرهاق نفسك حتى الموت. لن تفقدي قوامك لمجرد تخطي روتينك لفترة قصيرة كهذه، يا عزيزتي. جسدك بحاجة إلى التعافي".
قالت تابيتا وهي تحدق في طبقها بعيون غائمة بينما تعبث بطعامها: "أنا… أنا أعتذر، أخفقت في توضيح نفسي. غياب التمرين المناسب كان يؤثر على جودة نومي. الليلة الماضية، أنا…".
تلاشت كلمات تابيتا وهي تعقد حاجبيها وترمش، بدا وكأنها فقدت تسلسل أفكارها، وتبادلت السيدة مور نظرة قلق مع زوجها. لم يكن هذا طبيعياً بالنسبة لابنتهما البتة. لم تكن تعود مجددًا إلى ما وصفه آلان ذات مرة بتابيتا ذات الطيار الآلي، حيث تبدو وكأنها تنسحب إلى أعماق عقها وتعيش حياتها بحركات ميكانيكية — بل بدا أن حتى ذلك كان على وشك التوقف.
قال السيد مور وهو يسحب كرسيه وينهض من المائدة: "تبدين متعبة للغاية بالنسبة لي. لمَ لا نأخذك إلى السرير، يا عزيزتي؟".
اختنقت تابيتا قائلة: "أنا… أنا آسفة".
كانت عيون الفتاة رطبة، ونهضت باهتة وبدأت تجمع طبقها بيدها الوحيدة المتبقية.
"سأضع هذا في علب حافظة".
أخذ السيد مور تابيتا من كتفيها وقادها برفق بعيداً عن المائدة: "ليس عليك الاعتذار عن شيء — اتركي الأمر. سنقوم بالتنظيف نحن. اذهبي لتنظيف أسنانك وسنجهزك للنوم، أمتفقون؟".
اعتذرت تابيتا مجدداً: "آسفة"، متراجعة نحو الرواق.
راقب آلان ابنتها وهي تغادر، ثم استدار وقبض على مسند كرسي حتى صرير الخشب، محدقاً بفراغ عبر المائدة في لا شيء. وعندما جلس مجدداً، فعل ذلك بثقل، كأنه قد هرم عشر سنوات خلال مدار الأسبوع.
أبعدت السيدة مور طبقها بظهر يدها عاجزة عن الحفاظ على أي تظاهر بالاهتمام بالوجبة: "آسفة بشأن العشاء".
تنهد آلان مانحاً إياها ابتسامة ضعيفة: "لا تبدئي أنتِ أيضاً. ليس هناك ما يُعتذر عنه. كان جيداً".
هزت السيدة مور رأسها بخيبة أمل: "أنت مليء بالهراء. يوضح هذا حقاً كم أصبحنا مدللين بطبخ تابي، أليس كذلك؟".
ضحك بخفة، قبل أن يرفع يديه مدافعاً بينما منحته نظرة محرقة: "حسناً، حسناً. كان الدجاج… جافاً بعض الشيء".
قالت السيدة مور مقدرة الصراحة إن لم يكن صدق الشعور: "شكراً لك. كان يجدر بي على الأرجح سلق صدور الدجاج مع البروكلي بدلاً من وضعها في الميكروويف. هكذا كانت لتفعلها على الأرجح. ماذا سنفعل بشأن تابيتا؟".
تأمل السيد مور كلماته للحظة: "حسناً… إن كانت مصرة على الانسحاب من المدرسة نهائياً، فلدي النية لأتركها تفعل. كنت قلقاً من أن تتعرض للمضايقات عندما تبدأ المرحلة الثانوية، لأنها… مختلفة جداً، لكن هذا الهراء الدائر برمته هو ببساطة… خارج عن المألوف تماماً. هؤلاء الأطفال الآخرون، إنهم حيوانات ملعونة. من يدري ما قد يقدمون عليه لاحقاً؟".
تحركت السيدة مور بعدم ارتياح في مقعدها، متذكرة تلك الشوكة الجليدية من الرعب الخام التي شعرت بها عندما سمعت عن دفع تابيتا في المدرسة وحاجتها للذهاب إلى المستشفى. ضرب هذا الرعب بعمق ثم بدأ يتخمر طوال الأيام القليلة الماضية، محركاً كل تلك الذكريات المدفونة منذ فترة طويلة لصدمتها الخاصة من تلك السنوات السضت — عندما أصر منتج الأفلام على… لمسها. كانت طريقة معاملة أقران تابيتا لها سيئة بالفعل، لكنها كانت تنمو لتصبح فتاة صغرى فاتنة — الفكرة المروعة بأن التنمر في المدرسة قد يتصاعد إلى أمور كهذه جعلت السيدة مور تريض من الغظب.
لم يكن ما حدث في استوديوهات التصوير تلك قبل كل تلك السنين شيئاً مستعدة لمناقشته مع زوجها أبداً. كانت تقلق نفسها حتى نوبات العصبية حول كيفية شرح خوفها الحالي وجنون العظمة له دون أن تبدو مجنونة.
اعتترفت السيدة مور أخيراً: "لا أريدها في تلك المدرسة".
فرك السيد مور بيده اللحية الخفيفة على فكه: "علينا التحدث معها حول هذا الأمر غداً. لديها أصدقاء هناك. أعتقد أن القرار يجب أن يكون قرارها، وعلينا دعمها بغض النظر عما تقرره. إنها… إنها ذكية لدرجة لعين تثير رعبها، وأكره التفكير في وجودها هنا في المنزل بدلاً من تلقي تعليم مدرسي مناسب".
عضّت السيدة مور على لسانها. أرادت أن تجادل بأن تابيتا ستزدهر بوجود المدرسة أو بدونه لمجرد تركيزها أحادي التوجه ودفعتها نحو التحسن، لكنها علمت أن هذا الشعور كان على الأرجح مجرد انحيازها كأم.
تنهد السيد مور: "هناك… هناك شيء آخر لم أخبرك به. وعدت تابي ألا أفعل، لكن… أعتقد أنه جزء من كل هذا الجاري، وأعتقد أنه مهم".
شعرت شانون مور بتصلبها خوفاً، وشددت قبضتها على حافة المائدة حتى اصفرت مفاصلها تماماً.
كشف زوجها: "في الصيف الماضي، لم تسقط تابي من تلك النطاطة. تلك الفتيات من عائلة تايلور، هن من دفعنها. هدّدنها بجعلها تدفع الثمن إن أخبرت أحداً، وأثارتا رعبها حقاً. لكنها أخبرتني. جعلتني أقسم ألا أقول شيئاً. كانت تجهش بالبكاء والعويل وفاقدة لصوابها تماماً — وكان عليّ أن أعدها".
قالت السيدة مور باقتضاب: "ماذا".
حاول السيد مور الشرح: "كنت لا أزال أنوي التحقق من الأمر على أي حال. ربما للحديث إلى آباء أولئك الفتيات. لكن، حينها…".
هز رأسه بعدم تصديق.
"ثم كان الأمر كما لو أن تابي بلغت هذه الكتلة الحرجة، هذه… هذه النقطة البعيدة بعد هيستريتها وانهيارها وتغير شيء ما بداخلها. ما زلت أرغب في الاعتقاد بأنه كان… لا تملك الكلمات المناسبة لذلك. مثل هذا التحول، لدرجة أنه أوقف جهاز الرنين المغناطيسي، وكأن الجهاز لم يكن يعرف ما يصنع بما يدور في رأسها تلك الليلة على الإطلاق. ربما لا أحد سوى تابيتا يعلم. أغمي عليها تماماً هناك. وعندما أخرجناها واستعادت وعيها، لم تكن تجهش وتولول مثلما فعلت عندما دخلت. خرجت، وكانت هادئة للغاية، باردة، ومتباعدة، كان هناك هذا… هذا الشعور الصبور بالـ… لا أعرف، بالهدف بداخلها. أنت تعلمين كيف كانت، تلك الليلة التي أردتها فيها إلى البيت من هناك. كيف أصبحت. إنه وكأنه أياً ما حدث، وأياً كان القرار الذي توصلت إليه تلك الليلة، فإنها تنظر حولها الآن وترى كل شيء بهذه العيون الجديدة، بهذا المنظور المختلف تماماً".
تذكريت السيدة مور تلك التابيتا الجديدة الغريبة وهي تلقي نظرة عبر مائدة العشاء بمفاجأة قبل كل تلك الشهور. 'أه؟ ألم تكوني تعلمين؟ الجميع ينادونني تابي البدين. دائماً فعلوا ذلك. لقد سُخر مني لكوني سمينة ورائحت طفيلية طوال حياتي'.
أدركت السيدة مور، ممتلئة بالعواطف إزاء مدى غباوتها: "كان يتم التنمر عليها، طوال الوقت. طوال هذا الوقت. محاولات لإخبارنا — محاولات لإخبارنا، ولم استطع حتى الاستماع. قلت إنهن كن ينادينها بتابي البدين، في ذلك الحين. ألم تفعل! ".
طوال هذا الوقت، ظننت أنه لا بد أن يكون الجدة لوري. لكن، لم يكن الأمر كذلك — لقد دُفعت تابي إلى هذا، دُفعت إلى هذه النقطة، غطت السيدة مور وجهها وهي تبدأ بالبكاء، منهارة للأمام فوق مائدة العشاء. كيف بحق الجحيم كنت متمسكة بنفسي حتى أظن أنها كانت تحاول إغاظتي بطريقة ما؟! كل هذا، لم يكن أبداً حول رؤيتها للألبوم، أو ظني أنني أمنعها من إمكاناتها. لقد احتاجت إلى التغيير، فالعيش بمن كانت عليه كان يحطمها.
شهقت شانون مور: "تماماً مثلما حطمني كوني من أكون. هذه القصة التراجيدية السبيبة بأكملها لُعبت من أجل حياتي، والآن تُعاد على نفسها بالمقلوب لتابيتا. لماذا لا يمكن لكل هذا — ماذا يجب أن أفعله لوقف هذا؟".
كانت تابيتا تطبخ البروكلي على البخار دائماً. لماذا حاولت سلقه؟ عندما اعتدلت شانون مور فجأة عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل وسط صمت مطبق يلف البيت المتنقل، بدا لها عقها أنقى من أي وقت مضى طوال حياتها — كان الأمر أشبه بما تخيلت أن تابيتا شعرت به عندما عات من تلك الإصابة بارتججاج الدماغ في الصيف الماضي. كأنها ولدت من جديد. اجتاحتها الإدراكات المربكة والرؤى المفاجئة وسوء الفهم طوال ساعات الليلة الماضية عصف الإعصار، مزيحة ومقتلعة وحتى محطمة لنمط التفكير الراسخ والجامد الذي أصبح سجنها الخاص.
كل ما حدث بعد الجلوس إلى مائدة العشاء بدا غائماً — تذكرت أنها بكت وبكت لدرجة عجز زوجها عن مواساتها، ولم تتوقف دموعها الخانقة وشهقاتها إلا بعد فترة طويلة من نجاحه في اصطحابها إلى السرير. متى كانت المرة الأخيرة التي ذهبنا فيها جميعا إلى مكان ما، لمجرد الابتعاد عن كل هذا؟ ألقت السيد مور نظرة متفحصة حول المساحة المظلمة والمخنقسة باطراد لغرفة النوم الرئيسية في البيت المتنقل.
التقطنا صوراً عائلية معا، وصنعنا ذكريات جديدة؟ ماذا كنت أفعل هنا، بخلاف كوني تعيسة وتافهة وأنتظر الموت؟ ما المغزى من ذلك؟ يمكنني الخروج والبدء في البحث عن عمل — يمكننا الاستفادة من الدخل الإضافي. لماذا بقينا طوال هذه المدة اللعين في مجمع البيوت المتنقلة هذا؟ أريد أن نذهب جميعا إلى مكان ما غداً، لنفعل شيئاً معاً. تابي تكتب تلك القصة الخاصة بها — أريد قراءتها. ذلك الألبوم الأزرق الذي أخفيته...
لقد نسيت، لكن كانت هناك ذكريات جميلة فيه أيضاً. الكثير منها — أريد حقاً تصفحها ومشاركتها كلها معها. كيف كنت أعيش؟ أزاحت الأغطية بعناية لكيلا تيقظ زوجها، وتسللت خارج السرير. خلال الأربعة عشر عاماً التي قضتها محبوسة في هذا البيت المتنقل، لم تشعر قط بمثل هذا القلق، وبينما كانت تتقدم بحذر في الممر الضيق وعبر مطبخهم الصغير وجدت نفسها تملق بجميع القطع والأغراض المألوفة سابقاً والنفايات العشوائية المتناثرة لوقتهم هنا ولا ترى سوى حياة لم تعش قط.
كانت تابيتا تقوم بتمارين الإطالة في البداية. تخرج في نزهات على الأقدام. تمارين معدة وما شابه ذلك، كان لديه جدول كامل مرسوم. أتراها ما زالت تحتفظ به؟ لم يبدو الأمر كافياً. استدارت شانون مور في مكانها بحركة دائرية، متأملة الجدران التي أصبحت خانقة بإحساس من الرهبة. السبي الوحيد في أن هذه الغرفة الضيقة تشبه بالكاد منزلاً يكمن في أن تابيتا قامت بإزالة البطانيات التي تحجب ضوء الشمس، ثم فركت العفن عن السق، وأعادت ترتيب الأثاث المتقادم، ونظفت السجاد بعناية فائقة.
كيف كنت غبية إلى هذا الحد، طوال هذا الوقت؟ أريد إيقاظ تابيتا، لمجرد إخبارها بمدى حبي لها.
استيقظت تابيثا مرتبكة وتائهة تماماً. احتاجت إلى لحظات من ترميش عينيها لتستعيد وعيها الكامل وتدرك أين هي ومن تكون، وما زالت بحاجة إلى الجلوس في السرير والتشبث بالقيد الصلب للجبيرة في يدها اليسرى لتتأكد تماماً. كان حلماً غريباً آخر — أو ربما يمكن وصفه بدقة أكبر بالكابوس الباهت للغاية. كانت جالسة عند صف محطات خياطة الغرز في مصنع معدات الأمان، تعمل على طلبية ما، لكنها غارقة في نوع غريب من الرعب القارص.
كانت خائفة من أن يلاحظ أحد أنها لا تنتمي إلى هنا، وأن يكتشف أحد أنها تكذب بشأن قدومها من المستقبل. لم يكن لذلك أي معنى منطقي، لأنها لم تعمل في المصنع إلا في منتصف لُّجَة الثلاثينيات ونهايتها، وهو ما كان في المستقبل. وأيضاً — هي لم تكن تكذب على نفسها بشأن قدومها من المستقبل. لو كانت تخترق كل ذلك، فكيف كانت ستملك أصلاً ذكريات عن مصنع معدات الأمان؟...أليس كذلك؟ مررت تابيثا يدها على وجهها ببلادة.
للأسف، الأجزاء المنطقية من عقلها التي كانت ستستنتج ذلك فوراً كانت نائمة على ما يبدو، تاركة عقلها الباطن يختبر ذلك الحلم الكئيب مجرداً من العقل. تبا، مصنع معدات الأمان… تذكّرت تابيثا، وهي ترسم تعبير مقزز على وجهها. منذ عبورها إلى الماضي، بالكاد كرست أي تفكير لوقتها الذي أمضته في المصنع. ربما كانت هناك جوانب يمكنها الاستفادة منها هناك مستخدمة معرفتها وخبرتها المستقبلية — لكنها أصبحت بلا جدوى، لأنها لم تكن ترغب في العمل هناك مرة أخرى أبداً.
كان أجره جيداً، لكن أرضية الإنتاج كانت صاخبة، ورائحتها فظيعة، وتجميع أحزمة الأمان لورديات مدتها ثماني ساعات كان عملاً رتيباً ومملاً بشكل لا يصدق. إضافة إلى ذلك، أنا كرهت كل شخص هناك، تأملت تابيثا، وهي تتسلل خارج السرير. وهم كرهوا بعضهم بعضاً. كانت أرضية غرفتها الصغيرة باردة بشكل لا يصدق أثناء ارتدائها ملابسها — جوارب صوفية زغباء، وسروال رياضي، والقميص الداخلي الذي نامت فيه، وكنزة ضخمة استعارتها من أبيها.
شعرت بضياع يتجاوز قليلاً التخلي عن كل من استعداداتها العادية للمدرسة وروتين تمارينها الصباحية المعتاد. الآن وحتى بدون مخطط غوبلينا الخاص بها للتركيز عليه بحثاً عن تشتيت مرحب به، لم تستطع إلا أن تشعر بالإحباط وفقدان البِجْهة. كانت بحاجة إلى كل وسائل التشتيت التي يمكنها الحصول عليها، في الوقت الحالي. حسناً. مصنع الأمان. أحزمة الأمان. أنا… بصراحة أحاول جاهدة ألا أفكر فيها.
ساحبة كم الكنزة الكبير عن جبيرتها، حاولت بلا جدوى حفر وتحريك طرف إصبعها أسفل مؤخرة جبيرتها نحو حكة لا تلين. استفزتها الحكة، وبقيت بعيدة المنال بفارق ضئيل. مثل العديد من ذكرياتها المستقبلية، بدا أن وقتها في العمل بمصنع الإنتاج لا يفيد شيئاً هنا في عام تسعة وتسعين وتسعمائة وألف — فقد اكتسبت عدداً من المهارات هناك، لكنها لم تكن ذات صلة بالحياة التي أرادت أن تعيشها الآن.
عرفت تابيثا كيف تستخدم طاولة القطع لقياس وتحديد خامات نايلون، والسكين الساخن المضغوط لفصل قطع النايلون وكي أطرافها لمنعها من التنسيل. كانت بارعة في تشغيل عدة أنواع مختلفة من ماكينات الخياطة الصناعية لخياطة قطع الجلد بأحزمة النايلون، ويمكنها استخدام ماكينات البرشام لتثبيت قطع الجلد ببعضها. وهو أمر رائع، حسناً، تمتمت تابيثا لنفسها بكل سخط. ولكن ماذا أفعل بكل ذلك؟
بوصفها كاتبة قصص — وخاصة كشخص يختبر شيئاً خرافياً كالإرسال إلى الماضي — كانت تجد نفسها أحياناً مهووسة بكل شيء من حيث المعنى السردي. كل جانب من حياتها السابقة، حتى وقتها في مصنع الأمان، كان يجب أن يكون عنصراً يساهم بغاية في قصتها الشاملة ككل. أكل هذا مجرد تمني، أو… قطبت تابيثا جبينها، متعثرة في خروجها من غرفتها ونزولاً إلى الحمام. ربما مغالطة التكلفة الغارقة، تدفعني للبحث عن غاية، حيث لا توجد غاية؟
لأقول لنفسي إن الأمر لم يكن برمته تضييعاً تاماً للحياة؟ أُمضِيَ ما يقرب من خمس سنوات من حياتها السابقة في عشرينيات الفين ونيف في تلبية طلبيات لنماذج مختلفة من الأحزمة لعمال الخطوط — ولكن، لن يكون لأي منها المواصفات ذاتها هنا في أواخر التسعينيات. كانت القياسات الدقيقة وطرق تجميع جميع الأحزمة تتحدث باستمرار، وغالباً ما تطلبت منها تبديل صحائف بيانات المواد في دفاتر محطات العمل لكل منها.
مرات عديدة، كل عام. ابتكارات الأمان المستقبلية المقدمة هنا ستنقذ على الأرجح الكثير من الأرواح، لكنها اعتمدت إلى حد كبير على تطورات تكنولوجية لم تكن تملك أي سيلة لنسخها: مواد محسنة صنعت حياكات أنسجة نايلون أكثر إحكاماً وقوة، وتكوينات جديدة مختبرة بدقة لأحزمة الأمان، وماكينات خياطة غرز مبرمجة لبصق أنماط خياطة معقدة في ثوانٍ، بدلاً من الحاجة إلى خياطتها يدوياً — وبمشقة — بماكينات الخدمة الشاقة.
كانت الوظيفة مملة بشكل مستحيل، ومع ذلك فإن أي هفوة لحظية في التركيز، أو تعطل الماكينة منتصف الغرزة، أو أي خطأ بشري بسيط آخر يمكنه بسهولة إفساد العملية لتصبح انتكاسة مزعجة. يمكنني ربما تقديم المفهوم الأساسي وراء غرزة امتصاص الصدمات لأحد المهندسين هناك، فكرت تابيثا وهي تغسل وجهها ثم شرعت في تنظيف أسنانها. إنه بسيط بشكل لا يصدق، وتم إدخاله في جميع الأحزمة أثناء وجودي هناك.
ولكن، في أي عالم سيستمع رجل يحمل شهادة هندسة إلى أفكار فتاة غبية في الثالثة عشرة من عمرها؟ خاصة فيما يتعلق بمنتجات الأمان التي سيعتمد عليها العملاء. أشك في أن السيدة كرو — أمه، السيدة ماكنتاير ستكون موجودة حتى في المكتب هذه الحياة.
لماذا تفعل ذلك، إن عاش زوجها الأول، هذه المرة — "تابيثا؟"
صاحت والدتها من الطرف الآخر من المقطورة.
"أسمعك استيقظتِ وتتحركين؟"
كان هناك شيء… مختلف في صوت والدتها، وتوقفت تابيثا في منتصف تنظيف أسنانها، محدقة ببلادة في نفسها في المرآة لبرهة بينما كانت تحاول تبين ما الذي كان غير مألوف. تبدو تقريباً… مبتهجة؟ مستشعرة بالقلق، بصقت تابيثا بسرعة في الحوض وغللت فمها.
"أنا مستيقظة"، نادت تابيثا.
"أيمكنك الخروج إلى هنا من فضلك؟"
"أه"، ترهلت تابيثا لتتوقف عند نهاية الممر مباشرة.
"مرحباً."
"صباح الخير"، كانت هناك امرأة جالسة على طاولة المطبخ مع والدتها، ونهضت بالفعل من مقعدها لتقدم نفسها.
"أنا باميلا كريْب، وأنا هنا نيابة عن مجلس المدرسة."
"إنه... من دواعي سروري لقاؤك"، وجدت تابيثا نفسها تتحرك آلياً إلى الأمام لتصافح المرأة.
"أيمكنني مناداتك بالسيدة كريْب؟"
"أه، أي شيء يناسبك"، ضحكت السيدة كريْب ملوحة بمهل.
أهذه… ليست زيارة رسمية؟ ربما توقعت تابيثا واحدة بسبب مغادرتها المفاجئة للصف البارحة — لكن ذلك لم يبدو واقعياً تماماً بناء على مدى عفوية المرأة.
"أعتذر — هل أُقاطِع؟"
سألَتْ تابيثا بحرج.
"أم هل جعلتك تنتظرينني؟"
"لا هذه ولا تلك"، أكدت لها المرأة.
"رجاءً، تعالي اجلسي معنا، متى كنتِ مستعدة. أنا سعيدة لأنك تمكنتِ من نيل بعض الراحة، والدتك كانت تخبر للتو—"
توقفت السيدة كريْب في منتصف جملتها، مستنشقة نفساً قصيراً لدى رؤيتها ليد تابيثا.
"يا للهول، أنتِ — عزيزتي، هل أنتِ بخير؟"
"آسفة"، قالت تابيثا بسرعة وبحرج، باذلة جهدها لإنزال كمها مرة أخرى على جبيرتها ويدها.
"أنا — لم أكن أتوقع أن يكون لدينا ضيوف."
"هراء، تعالي دعينا نلقي نظرة على ذلك"، سارعت السيدة كريْب لإيقاف تابيثا ثم قادت الفتاة إلى الطاولة، مسحبة لها المقعد بنفسها حتى.
"أيمسكك ألم، أم، آه، هل لديك دورة دمويّة كافية؟"
"إنه... بخير"، أوضحت تابيثا، متململة تحت الفحص المفاجئ والشديد.
البارحة، أصبحت درجات لونية مرقطة وباهتة نوعاً ما من الصفرة ملحوظة على طول إصبعيها الخنصر والبنصر المشلولين في الغالب، ولكن بحلول الآن أصبحت درجات الأرجواني المزرق الداكن واضحة على جلدها.
"الكدمة تنتشر فحسب."
"يبدو هذا ضيقاً للغاية — أصابعك متورمة بأكملها"، تذمرت السيدة كريْب، مقلبة جبيرة تابيثا بحذر لفحصها.
"أهذا مؤلم؟"
"إنه… امّم"، حاولت تابيثا إخفاء انزعاجها.
"لدي أقراص كودايين لثلاثة أيام أخرى. سأتناول واحداً مع الإفطار. أنا فقط... بحاجة إلى إبقاء يدي مرفوعة قليلاً بعد الاستيقاظ — وألا أصطدم بشيء."
"بالطبع، بالطبع"، سحبت السيدة كريْب يديها، بادية بمظهر القلق.
"أنا آسفة لأنك اضطررتِ لرؤية ذلك"، لفت تابيثا الكم بحذر فوق جبيرتها ويدها مرة أخرى.
"لا، لا، إنه…"
بدت السيدة كريْب وكأنها فاقدة للحيلة.
"أيمكنني تقديم أي شراب لك؟"
سألت تابيثا.
"أمي، بما أن لدينا ضيفاً — أيمكنني رفع منظم الحرارة إلى ستين؟"
"أه لا، أنا بخير"، قالت السيدة كريْب.
"لا تقلقي بشأني."
"ستون تبدو مثالية"، منحت السيدة مور امرأة مجلس المدرسة نظرة معتذرة.
"عادة، نحن—"
"رجاءً، رجاءً، لا تقلقي بشأني"، رددت السيدة كريْب.
"لا أقصد فرض نفسي البتة. تابيثا، أنا — أنا متأكدة أنك تعلمين سبب وجودي هنا؟"
"نعم"، أومأت تابيثا بحزن، منزلقة أخيراً إلى مقعدها على الطاولة.
"كنتُ… منزعجة بالامتداد عندما غادرت المدرسة، ومقصرة في الحصول على أي أوراق قد تكون ضرورية لانسحابي من النظام المدرسي. أنا مستعدة لتبرير أي غياب على المدى القصير ريثما أنسحب، وأود طلب الاعتماد للتعليم المنزلي قبل أن يتم اعتمادي كمتغيّبة. أتخيل أنك، أو شخصاً آخر في مجلس المدرسة، يمكنكما المساعدة في تسريع تلك العملية."
عاجزة عن الكلام، حولت السيدة كريْب نظرتها واسعة العينيْن من تابيثا إلى السيدة مور.
"تكون هكذا عندما تكون تحت الضغط، و… لقد كانت تحت الكثير من الضغط"، تنهدت السيدة مور.
"أنا أتفق معها مع ذلك."
"حسناً، قبل أن أقول أي شيء على الإطلاق، أود إعادة هذا إليك"، قالت السيدة كريْب، مادّة يدها إلى حقيبة بجانب محفظتها ومخرجة — ملاحظات قصتي!
جفلات من المفاجأة والارتياح جعلتها تقف بغتة لدرجة أن كرسي تابيثا كاد يتقلب، وعنما سلمته إياها السيدة كريْب، وجدت يدها السليمة تتدلى تحت الوزن المألوف لمجلدها الأزرق. هبط الارتياح عليها كستار من الإפיاض، وسقطت مترجحة مرة أخرى في مقعدها بقوة، حاضنة المجلد بقوة إلى صدرها. كان من السخف البدء في البكاء بسبب شيء تافه كهذا، لكنها فعلت على أي حال. أصبح مخطط القصة في مرحلة ما كنزاً أخذته كأمر مُسلَّم به، دون أن تقدر أبداً ما كان يعنيه لها إلى أن اختفى فجأة وبشكل غير متوقع.
كانت غوبلينا وأميرة الغول جيدتين لكنهما لم تكونا رائعتين أبداً، في حياتها السابقة. أصبحت إعادة زيارتهما في هذه الحياة مسعىً يجمع بين منظور جديد وإلهام متحمس بأجزاء متساوية — أجزاء عديدة شعرت بثقة ضئيلة في محاولة إعادة إنشائها أثناء حالتها العقلية الحالية.
"شكراً لك"، اختنقت تابيثا قائلة، غير جارية على رفع رأسها.
"شكراً لك."
"حسناً"، تحدثت السيدة مور بصوت متكلف البهجة في نبرته.
"دعينا نُدخل بعض الطعام إلى جوفك — ماذا يمكنني أن أصنع لك للإفطار؟"
"أ-أي شيء تبقّى لديّ من الليلة الماضية سيكون جيداً"، تمكنت تابيثا قائلة، محاولة ألا تبدو مذعورة.
أمي… تصنع الإفطار؟
"أه"، أبدت والدتها حدا أدنى من اللياقة للبدو محرجة.
"أنا آسفة، يا عزيزتي — أنا ووالدك — أنهينا كل ما تبقّى."
إما تم إلقاؤه باعتباره غير قابل للأكل تماماً، أو أنها خجولة للغاية لدرجة لا تسمح لها بجعل هذه السيدة من مجلس المدرسة ترى حالة بروكليها، استنتجت تابيثا، مكبتة ضحكة عابثة.
"هذا… هذا جيد"، أومأت تابيثا.
"إذا كان النصف الآخر من موزي لا يزال على باب الثلاجة، فسيكون أكثر من كافٍ بالنسبة لي."
"أمتأكدة أنتِ؟"
بدت السيدة مور محبطة وهي تقف وباب الثلاجة مفتوح.
"أنا متأكدة أنني استطيع خفق… شيء ما؟"
"إنه جيد، ولكن شكراً لك."
لإمتاع تابيثا، بدا تبادلهما بأكمله يجعل زائرتهما السيدة كريْب تبدو غير مرتاحة بوضوح. خاصة عندما وُضع نصف الموز — الذي اكتست قشرته باللون البني لدرجة السواد على أحد الجانبين — فوق منديل أمامها، جنباً إلى جنب مع كوب صغير من الماء وزجاجة حبوبها.
"أخذت إحدى زميلاتك كتابك هناك بينما كنتِ مشتتة"، كشفت السيدة كريْب.
"كلاريسا دول — لقد هربت به عندما طلبت استراحة للحمام، وألقته في سلة المهملات بدورة المياه النسائية المجاورة. لقد تم إيقافها، في انتظار جلسة استماع للطرد يوم الاثنين القادم بعد الهالوين — جنباً إلى جنب مع كريس تومسون، وكايلي ميندولسون، وبريتاني تايلور، وإريكا تايلور."
"أنا —"
رمشت تابيثا بينما كانت محاولة مسح آخر دموعها بيدها السليمة.
"أنا آسفة، لا أعرف من هن كلاريسا أو كايلي."
"كلاريسا في صفك الخامس، اعترفت بسرقة دفتر ملاحظاتك. وكانت فتاة كايلي مذنبة بنشر تلك الشاعة الخبيثة بخصوصك وأنت ومستر سيمونز."
"إشاعة… خبيثة؟"
أظلم تعبير السيدة مور.
"نعم، نظراً للنية الكامنة وراءها — كان يمكن لمستر سيمونز أن يفقد وظيفته — وفي ضوء الظروف الحالية، ستكون كايلي الآن عرضة للطرد، أيضاً"، قطبت السيدة كريْب جبينها.
"تابيثا… أنا آسفة جداً جداً لكل ما مررت به. سيكون لدى مجلس المدرسة أيضاً اعتذار رسمي لك بعد جلسة الاستماع، أتوقع ذلك. تصرفت إدارة مدرسة سبرينغتون الثانوية بقليل جداً، متأخر جداً، أو لم تتصرف على الإطلاق في مواقف كان يجب معالجتها فوراً بكامل اهتمامها. أنتِ فتاة صغرى لامعة للغاية، وقد أوصى العديد من معلميك بأن نرفعك مرحلة دراسية واحدة إلى الأقدم. قيل لي إن منهج السنة الأولى ببساطة لا يمثل تحدياً لك. نحن نرغب بشدة في أن تستمرّي في مدرسة سبرينغتون الثانوية، ونحن نبذل قصارى جهدنا للتأكد من أنها تصبح بيئة آمنة تماماً لك لتتعلمي فيها. أستكونين مهتمة بالعودة بعد استراحة قصيرة، ربما كطالبة في السنة الثانية؟"
"لا، أنا — لا، أنا لست لامعة"، أنكرت تابيثا، هازّة رأسها برفض قاطع.
"الأمر هو فقط أن —"
"تابيثا"، قاطعت السيدة كريْب بنعومة، "قرأت ما لديك في ذلك الكتاب — لقد فوجئت جداً عندما اكتشفت أن السيدة ألبرتسون لم تكن على دراية بمشروعك. صدقيني عندما أقول إنك، في الواقع، لامعة."
"أنتِ… قرأتِهِ؟"
بدت تابيثا محرجة تماماً.
"نعم، أنا آسفة إن بدا الأمر وكأنها انتهاك للخصوصية، ولكن…"
هزت السيدة كريْب رأسها.
"بصراحة، ما زلت مذهولة تماماً. ما جمعته هناك يتجاوز بكثير ما كنت قادرة عليه كخريجة جامعية — وتخصصت في التربية. إن سمحتِ بذلك، أود حقاً منك مشاركته مع بعض العقول الأفضل في قسم اللغة الإنجليزية بمدرسة سبرينغتون الثانوية، حتى نتمكن من العثور على المعلم الأفضل لك — أياً كانت المرحلة الدراسية التي سينتهي بك المطاف فيها."
"أنتِ… امّم. ما رأيك؟"
سألت تابيثا بصوت خجول، مقطبة حاجبيها.
"عندما قرأتِهِ."
"أه، أترغبين في مناقشته؟"
ابتسمت السيدة كريْب.
"هناك الكثير مما أود التحدث عنه، إن كان لديك وقت."
"أنا…"
توقفت تابيثا وحدقت في سطح الطاولة لفترة طويلة.
"أحتاج إلى التفكير في ذلك، أنا آسفة. لست متأكدة مما إذا كنت تستطيعين معرفة ذلك، ولكن… أريد تحويل هذا إلى خيال."
"نعم، إنه أحد أبرز —"
"لا، لا. أعني"، قاطعت تابيثا بسرعة.
"بعض ما هو أكثر أهمية للقصة هو... ما لم يُكتب هنا. ما مررت به، والطريقة التي عاملني بها الناس، إنه ليس خيالاً، لكني كنت، أنا أحاول، امّم. هذا المشروع هو تحويل كل ذلك إلى خيال. إنه... مشروع شخصي للغاية."
"أنا آسفة جداً!"
غطت السيدة كريْب فمها بصدمة وفزع، ملتفتة إلى السيدة مور لتري فقط الارتباك والقلق على ملامح المرأة.
"لم أكن أفكر حتى في النظر إلى سرديتك من هذا المنظور. بالطبع، من المنطق جداً أن... أه تابيثا أنا — أنا آسفة جداً."
"شكراً لإعادته إليّ"، قالت تابيثا بصوت بطيء، قابضة على المجلد بإحكام أكبر.
"أنا… لم أكن أعرف حقاً ما كنت سأفعله بدونه. هذا الكتاب، إنه أكثر من مجرد آلية تأقلم، إنه… لا أستطيع شرح مدى أهمية هذا بالنسبة لي."
"أنا سعيدة جداً لأننا تمكنا من العثور عليه!"
اعترفت السيدة كريْب، واضعة يدها على صدرها وبادية أكثر قلقاً من أي وقت مضى.
"ما رايك أن تبقي في إجازة غياب — ارتاحي قدر ما تحتاجي، اقضي بعض الوقت في التعافي — إلى ما بعد جلسات الاستماع للطرد هذه، وبعدها يمكننا الالتقاء مرة أخرى ومناقشة ما ترغبين في فعله؟"
"من فضلك"، أومأت تابيثا موافقة.
"يسرني ذلك. شكراً لك مرة أخرى لإعادته."
"امّم"، تردد السيدة كريْب.
"أكاد أكرره بسؤال، ولكن… العديد من هؤلاء الفتيات اللاتي كن يتنمرن عليك، كان لديهن… عداوة خطيرة بشكل غير متوقع تجاهك وجدْت نفسي محتارة فيها ببساطة. تابيثا… ألديك أي فكرة عن المكان الذي بدأ فيه كل هذا؟"
بدا طين الإثم الراسخ عميقاً في عقلها الباطن يمتص قدمي تابيثا مرة أخرى، داعياً إياها إلى العمق، لكن كان عليها المحاولة. ربما كن ليصدقنها، ربما كانت هناك خطورة كافية للظروف تجعلهن ينقبن حقاً في هذا، وربما، ربما فقط، لن يرتد كل هذا على فتاة بريئة في انتقام فظيع. لم تستطع تابيثا حتى تذكر وجه صديقة الطفولة التي تخلت عنها، لكن رؤية تغير اللون المتسرب من تحت جبيرتها الخاصة جلب بالتأكيد إلى الذهن ما تذكره حقاً.
لقد حان الوقت منذ زمن طويل لابتلاع مخاوفها والاعتراف بالحق، سبعة وأربعين عاماً مضت. لم أعد خائفة من التنمر بعد الآن. حتى لو تعرضت للأذى مرة أخرى، كانت أفكار تابيثا تدور الآن، وبدأت واجهة هدوئها المتكلف تنفك بينما غلت الأشياء المكبوتة من أعماقها. ما يرعبني الآن هو… فكرة العيش مع ما فعلته — مع ما أخفقت في فعله — من جديد. المقطورة التي عشت فيها، كيف بدوت، كيف عاملني الناس — لا شيء من تلك الأشياء هو ما جعلني قمامة.
في صميم داخلي، عرفت دائماً ما الذي جعلني قمامة.
"هناك…"
دمعت عيناه تابيثا، وبللت شفتيها بينما كانت تصارع الكلمات التي تحتاجها.
"هناك أخت ثالثة لآل تايلور."
"أخت ثالثة لآل تايلور؟"
"نعم"، أومأت تابيثا، غير قادرة على رفع نظرها إلى المرأة.
"أشلي تايلور. كنت صديقتها. كنت صديقتها. أنا — لا يمكنني اللعنة على نفسي بأن أسمي نفسي كذلك بعد الآن. هي — تحتاجين إلى العثور عليها، من فضلك، أعتقد أنها كان يجب أن تكون طالبة في السنة الأولى معي لكنها ليست كذلك، لا أعرف أين هي. لا أستطيع حتى تخيل وجهها بعد الآن. كنت صديقتها. كانت في الصف السادس والسابع معي. نفس صفي. كان يجب أن تكون. هي، هي —"
"تابيثا، عزيزتي —"
"اعثري عليها، من فضلك، و — تحققي من تحت ملابسها"، شهقت تابيثا باكية.
"تحت ملابسها، ظهرها، امّم، تحت قميصها. ابحثي عن — ابحثي عن كدمات. أ-أنا لا أعرف إن كان الأمر لا يزال جارياً، ولكن —"
"عذراً"، انطلقت باميلا كريْب على قدميها بتعبير مرعوب، دافعة كرسيها للخلف ليفسح الطريق.
"السيدة مور — أحتاج إلى استخدام هاتفك، الآن."