"إن جوهر الرحمة لا يُفرض فرْضاً؛ بل ينزل كالمطر الهادئ من السماء على الأرض في الأسفل."
ويليام شكسبير، تاجر البندقية
قضت فالوري وإبي الساعة التالية في التدرب على أغنيتها الجديدة، حيث كانت إبي تُدندن باللحن مستخدمة [الطبقة المثالية] بينما تعلمت فالوري الكلمات عبر علامتها الفانية [الحفظ]. الكلمات، كما أوضحت إبي، لم تكن مهمة حقاً. كان اللحن الخالد يحمل نغمة مونولوج شاعري. كان الثقل مستقراً في كلمات الأغنية، التي تُروى من القلب لفتح الأبواب المغلقة قسراً. بفضل موهبة فالوري ومعرفة إبي المسبقة بأغنية ترددت في رأسها لأكثر من ثلاثة عقود، تحقق شيء قريب من الإتقان سريعا، وبعد ذلك كان على الفتيات إيجاد طريقة للعودة إلى الحفل بتكتم.
كان عائقهم الوحيد هو غناء فالوري وسط دموعها كل بيت ثاني أو ثالث. لحسن الحظ، استغرق الأمر نصف الساعة الأولى فقط لإقناع فالوري مرة أخرى بأن الأمر لم يكن خطأها. توقفن عند المرافق في طريقهن... وأقررن بأنه لا سبيل لإصلاح مكياجهن، ولا حتى تقريباً. بذلت إبي قصارى جهدها بدقتها المتناهية وبكل ما أحضرت فالوري في حقيبة يدها، واتفقت الفتيات متبادلتين على أنهن يبدون لائقات بما يكفي من مسافة بعيدة.
خرجن من المعرض رقم 918 ووجدن أنهن قد فاتهن بالفعل افتتاح معارض تيش، جناح المترو المخصص للمعرض الخاص في الطابق الثاني. من الخريطة القريبة من المدخل، رأين أن فون تكلف بتجهيز قواطع متعددة، الواحدة تلو الأخرى، مع أبواب مفتوحة بواسطة مرشدين بزي موحد حتى يقرأ العرض بأكمله كأنفاس واحدة محبوسة بدلاً من خمسة معارض منفصلة. أخبرتها لوحة نحاسية بجانب المدخل إلى أين ذهب الضيوف:
قطط هنري كيريتاني: حياة في التاريخ الحي.
أحنى المرشدون رؤوسهم بزيّهم الجنائزي عندما اقتربت الفتيات.
"الضيوف في المنتصف."
ابتسم الشاب بودّ للفتاتين المذهلتين بفستانيهما الأسود والأخضر.
"أصدرت الليدي فون توجيهات بالسماح لكما بالداخل. تعيد الغرف ضبط نفسها كل عشر دقائق، لذا لن تتمكنا من اللحق بهم حتى الغرفة الأخيرة. يرجى الاستمتاع بالمعرض، آنسة فونتين."
شكرت الفتيات الشاب بينما انفتح المعرض بصوت شفط الهواء. هامت الفتيات في الداخل وشعرن بالصغر فجأة. كن في مساحة بيضاء قاحلة. تم هندسة حواف الغرف بحيث اختفت مع تصميم داخلي سلس لخلق عالم برزخي. الحدود، التي كانت غير ملحوظة حتى يقترب المشاهد، كانت محددة بأوتاد مطلية باللون الأبيض، ومربوطة من نقطة إلى أخرى بخيوط عاجية. في وسط الغرفة، معلقاً من السقف، كان هناك بورتريه يبلغ ارتفاعه عشرة أقدام.
كان كيريتاني-سينسي، عاري الجذع تقريباً، وقد تجرد من الكورومونتسوكي والهاوري حتى واجهته الفتيات.
"يا للهول..."
استنشقت فالوري الهواء المكيف لا إرادياً. افتقرت إبي إلى الكلمات لأن حجم صدمتها كان أكبر بكثير من صديقتها الجديدة. كان البورتريه فوتوغرافياً لا مرسوماً، مع ظهور كل ضلع وعقدة في العمود الفقري تحت جلد شاحب جففته الشمس. تركت ندوب الأنسجة خارطة على كتفيها كأنها جغرافيا ثانية خاصة. خمسون عاماً من الأرصفة وملاجئ الإيواء والشتاء كُتبت على جسد كيريتاني المتقدم في السن كسيرة ذاتية فجة.
ومع ذلك، كان وجه الرجل دراسة في الصبر. كانت تجاعيد سينسي عميقة كصدوع الزلازل؛ وكانت عيناه نصف مغمضتين ومجهدتين. بقين هناك طوال الدقائق الخمس الأولى، فقط... يستوعبن ثقل ذلك الملمس البصري.
"كان هذا هو العجوز الذي أحضرته؟"
كان صوت فالوري عذباً ومتعاطفاً.
"السبب في ركضك في تلك الليلة؟"
أومأت إبي برأسها.
"أنت مذهلة..."
نظرت فالوري إلى يديها.
"أنا حمقاء."
"لا... لا تقولي ذلك،"
شبكت إبي ذراعها حول مرفق فالوري.
"هيا بنا."
عبرتن العتبة الوسطى، وشعرن بوخز في مؤخرة أعناقهن، واستدرن، و— كان بورتريه بوجهين! انتفض عقل إبي. استطاعتا رؤية ظهر كيريتاني-سينسي بنفس التفاصيل والدقة!
استطاعتا— "أهذه..."
ضغطت يد فالوري على ذراعها بقوة.
"آثار سياط؟"
لم تكن إبي تعرف الإجابة أيضاً. جاء في اللوحة هكذا:
خمسون عاماً (كيريتاني، وجهان) ريناتا فوس، 2008 طباعة صبغية أرشيفية، مثبتة على الألومنيوم تم التصوير في جلسة واحدة، قبل أسبوع واحد من افتتاح المعرض، وتلقت الآنسة فوس تعليمات واحدة فقط وهي "تصوير ما يتركه خمسون عاماً بلا مأوى خلفه، لا أكثر."
لم يتم إجراء أي تنقيح. طلب كبير أمناء المعارض عرض كلا الجانبين بإذن من صاحب الشأن. لم تُترك أي توضيحات للمشاهد، إذ عليه أن يشهد التاريخ بمعرفته وعينيه.
وشهدن التاريخ بالفعل. رأت إبي كيريتاني في الحمام، ومع ذلك، لم تتخيل قط... هذا. بعد دقيقة أخرى، انتقلت الفتيات، وقد تشابكت أيديهما بإحكام أكبر قليلاً. حينها فقط لاحظن المرشدة باللون الأبيض. ابتسمت لهن الشابة ابتسامة جادة وفتحت الباب للغرفة التالية.
تنفس الغرفة الثانية باريحيات اكبر. بدا ان فون قد اتقن الجانب الحسي والبصري معا اذ وظف فريقا لهندسة اصوات وروائح سنترال بارك شتاء تماما كما في معارض فان غوخ. انخفضت الحرارة بضع درجات ايضا وربما يعود ذلك لثيابهما الخفيفة. اختفت المساحة البيضاء. وحلت محلها محاكاة متكاملة لسنترال بارك بتقنية الاسقاط الضوئي لتغمر الزائر في احدى افخم حدائق نيويورك العامة. تحولت الغرفة ببراعة فائقة في الاضاءة من الربيع الى الشتاء.
تدلت على الجدران بصورة عشوائية تقريباً لوحات لقطط. مئات القطط وكلها تختبئ في سنترال بارك. بعضها برسم الحبر على ورق الحبوب. واخرى على كرتون. وقليل منها بقلم السبورة الابيض كفرشاة رسم. ونجا القليل النزير من تلف الماء طوال سنوات حملها كيريتاني في حقائبه الضخمة. القطت عيناه الحادتان لوحات التعريف: كيمي قطة مرقطة رفيقة منذ نحو عام ١٩٩٨. تاناكا قط برتقالي رفيق منذ نحو عام ٢۰۰١.
انتشرت مئات غيرها باسماء لم تسمع ابي قط كيريتاني ينطقها بصوت عال قطط لم تعش اطول من صورها في كل مكان. خمسون عاما من التشرد. وه ها هي ماثلة. خمسون عاما من القطط الرفيقة. اختفت تقريبا كل قطط كيريتاني وما بقي منها حيا في مكان ما من سنترال بارك لا يتجاوز دستين ورغم ذلك ه ها هي تعيش في التاريخ قطط سنترال بارك الضالة لهنري كيريتاني. بكت ابي من اجل القطط. بكت من اجل معلمها.
ربيع وصيف وخريف وشتاء مؤنسة معلمها ومدفئة اياه ايام البرد ومبلسمة اياه في ساعات اليأس. مانحة إياه البهجة اللازمة لمواصلة العيش في وطن مولد معاد. نظرت اليها فالوري بذهول.
"أَتَعرفين... هذه القطط؟"
"اعرف تلك وتلك."
تجرعت ابي حزنها. فتحت لهما المرشدة الباب وقد تأثرت هي الاخرى بتعبير ابي الباكي الشبيه بأميرات ديزني.
كانت الغرفة الثالثة سوداء كتلك المستخدمة لتخزين الافلام. واضطرت الزائرتان للبحث عن طريقهما بالانتقال من محطة الى اخرى حيث تمثل كل محطة ذكرى تخص كيريتاني. كان الفيلم القصير الاول ومدته نحو نصف دقيقة لهيروشيما في عشرينيات القرن الماضي قبل القصف. بدا المشهد منزلا عائليا. ولم تكن صلة القرون واضحة بين الاشخاص وكيريتاني الا انهم مثلوا ما ضاع في الحرب.
الذكريات 01 من شهادة هنري كيريتاني اعادة البناء والاخراج ناومي ايشيدا 2008 فيلم 16 ملم محول الى رقمي مع الصوت لم تنج اي صور لمنزل كيريتاني قبل السادس من اب 1945. واصبحت ذاكرته الان السلبية الوحيدة المتبقية للطباعة. تعيد كل محطة تجسيد شذرة واحدة من شهادته. المحطة 01 عبارة عن لقطات ارشيفية ناجية معارة من متحف هيروشيما للسلام.
ضمت المحطة التالية 02 فيلما قصيرا عن قصف هيروشيما. روى الفيلم القصير الذي لم يتجاوز اربع دقائق قصصا جمعها الصحفي الامريكي جون هيرسي في كتابه الوثائقي عن هيروشيما مفصلا الاحداث قبل سقوط القنبله وبعده من 1945 حتى 1985. بدأت المحطة 03 بتركيب ضوئي لصورة كيريتاني فنانًا شاباً وسيماً حالق الرأس كراهب. كانت تلك اخر مرة يطأ فيها اليابان إذ اندلعت الحرب واععيد الى الولايات المتحدة بوصفه مواطنا امريكيا تفاديا لتعرضه للفتك على يد القوميين اليابانيين.
تنقلت ابي وفالوري متشابكتي الايدي من محطة الى اخرى حتى وصلتا الى رقم 08 وهو تركيب عاري يضم ثماني رسومات خام لهيروشيما بحبر جاف احمر تتقاطع معها خطوط متقاطعة باللون الاسود. انجزت هذه على كرتون امريكي عتيق صنع قبل عصر الوعي البيئي وصنع ليدوم ابد الدهر. تراخت هذه الاعمال وتاكلت اطرافها على مر العقود. وكانت اعمالا مركبة من مواد معثورة متنوعة ايضا. صحف اصفر لونها حتى صارت كهرمانية.
كيس بقالة مسطح مرسوم عليه بالحبر الجاف ولا يزال شعار متجر ستوب اند شوب ظاهرا بوضوح خلف سحابة عيش الغراب المرسومة بخطوط الحبر المتقاطعة وحدها. انجز المعلم كيريتاني هذا من مخيلته لتدرك ابي امرا جديدا. لم تكن لديه إمكانية الوصول إلى التلفاز. ولم يكن يقرأ الانجليزية بطلاقة. لم يستطع سوى اعادة إنتاج ما في راسه.
هنري كيريتاني غير مؤرخ نحو ستينيات الى تسعينيات القرن الماضي حبر جاف على كرتون معثور وورق صحف وورق في ثمانية اجزاء لم يحتفظ كيريتاني باي تقويم طوال سنوات تشرده الخمسين ولم يؤرخ اي شيء صنعه تقريبا. نجت هذه القطع الثماني صدفة بقدر ما نجت قصدا. حُملت وطويت وبللها المطر وحُمِلت مجدداً. قبل زمن طويل من تفكير اي مؤسسة في الحفاظ عليها. وهي معروضة هنا تماما كما عُثر عليها متاكلة ومصفرة وكاملة.
شظايا انطباع وذكريات تاريخ حي.
مسكت فالوريكتفي ابي الصغيرتين هذه المرة بينما كانت تسيل دموعها. وجدتا مبررا جيدا على الاقل لمكياجهما شبه التالف.
فتحت الغرفة الرابعة على همس خافت من أححاديث الكبار. ودخلت الفتيات فوقعن على المرشدين أولاً—رجال يرتدون ذات لون الجنود الأميركيين المُرسلين لحراسة السجناء اليابانيين، لكن بتفصيل زي المتروبوليتان الرسميّ. وفي المنتصف جلست نسخة مصغرة من بحيرة تول تحت الزجاج، يمكن تمييزها فوراً بهضبتها البركانية. كان العرض الهائل للمخيم مجسمًا ثلاثي الأبعاد، أُعيد بناؤُه حتى أصغر دقيقة فيه.
وجُسّد كل برج حراسة بحجم مصغر، ورُقّمت كل كتيبة ثكنات، وصار محيط الأسلاك الشائكة خيطاً فضياً رفيعاً يلف المأساة برمّتها لتصير شيئاً يمكن التجول حوله ودراسته. وأحاطت العرض قائمة بالنزلاء حُجبت أسماؤُهم عدا كيريتاني. واستُنسخ دليل المخيم للزوار، شأنه شأن الأمر التنفيذي المشؤوم 9066 استبيان الولاء.
وهناك صورة «أولاد لا لا»
وهم يخضعون لعقوبة بدنية. وكان الكبار يتحدثون، والتفت معظمهم بنظراتهم نحو فالوري، إذ يستحيل عدم ملاحظتها. وانضمت فالوري إلى أبيها الذي رمق إبي بنظرة غريبة ومعقدة حين أمسكت يد الرجل واحتضنته. وانضمت إبي إلى كورون الذي لا يكترث بالمظاهر، فاحتضنته بطريقة تجعل الأمر جليّاً كأنه منافسة بين الأبوين. وتوقفت جوليانا فوهان عن تنسيق المعرض الأخير لحظة، ثم قدمت الجسدَين اللذين بجانبها لتحية إبي.
ووقف عن يمين فوهان شخص يرتدي كيمونو مونتسوكي أسود رسمياً صمّمته ميرابيل حول جلد وعظم فحسب. وعلى صدره، جلس قط برتقالي مطرز حيث ينبغي أن يكون شعار العائلة، إذ لم تتبقَ له عائلة ليدعي انتماءه إليها. ومد هنريكيريتاني يديه الاثنتين فأخذتهما إبي. وتعانقا. كان جسد معلمها عظاماً خالية من اللحم. وفي وقت متأخر كهذا، ما كان لأي كمية من الغذاء أن تعيده كاملاً. وقدمت جوليانا فوهان الرجل بجانبها بابتسامة باهتة.
وعرفت إبي السيد من خلال نشرات الأخبار اليومية للبلاد.
«سسيادة نائب الرئيس. هذه إيميفونتين. إبي، هذا نائب الرئيس جويل ليبرويتز. إبي تلميذتي. لقد وجدت أعمال المعلمكيريتاني، وجلبت المعلمكيريتاني إلى ملاذ. ولولاها لكان هذا المعرض مختلفاً للغاية حقاً».
«إنها. ملاكي».
تحدث كيريتاني بإنجليزية متكسرة بلهجة ثقيلة.
«ملاك».
كرر كلامه تحسباً لعدم سماع الآخرين.
«ملاك».
«هكذا قيل لي».
التفت نائب الرئيس ليخاطبها بلطف مصطنع ببراعة. وفي عيني إبي المتعلّمتين، بدا جويل ليبرويتز تماماً كسياسي مؤسسي أميركي. شعره رمادي فضي ممشوط بدقة، وعناية فائقة بمظهره، ونظّارات سميكة داكنة الإطار، وانحناءة طفيفة توحي بتواضع مدروس لا بالشيخوخة. وكانت بدلتة بحرية عادية، مفصلة ليبدو غير مؤذٍ. حمل وقاره بهدوء، مستخدماً صوتاً يعظ بلا خبث، ويبدو حكيماً بلا إساءة.
«يا لك من أكثر جمالاً على الطبيعة مقارنة بما كنت عليه في جوائز غرامي».
وهو كذب. استنتجت إبي. لم تكن هناك طريقة تجعل فستانها الممزق، وشعرها المثبت بإهمال، ومكياجها المتلطخ حرفياً، يبدون كأفضل أعمال مارتا.
«لا بد أن والديك فخوران جداً».
غمض ليبرويتز لكورون الذي لم يكتفِ بعدم التراجع عن التلميح بل منح نائب الرئيس إيماءة روبرت ريدفورد. ولمست فالوري شفتيها بيدها، هامسة في أذن السيناتور ساندرز بينما انتفض الرجل.
«أنا يتيمة الدولة»، أوضحت إبي بابتسامة باهرة حشرت الشعور بالذنب بالغالونات.
«أنا ممتنة جداً للحزب الديمقراطي على وجبات المدرسة، إن لم يكن لشيء آخر. ولولاها، لما كنت أرجح واقفة هنا الليلة».
وتحول وجه ليبرويتز من الهلع إلى الارتياح الواضح في غضون نفس، ثم تعافى من اللحظة بأن رمق كورون بنظرات حارقة، وبدو منه كأنه مصدوم لاتهامه بالكذب. هذا ما تجنيه حين تثق برجل يرتدي ثلاث علامات تجارية للأزياء. قرأت إبي التوتر بينهما.
«دعوني أعتذر...»
كان تعافي ليبرويتز شبه فوري. ولم تلم إبي الرجل. فقد كان تصديق أن أصغر كاتبة أغاني حائزة على غرامي ابنة محظوظة أسهل بكثير من كونها يتيمة. وقد صدق ذلك بطريقة ما. فأبوها الحقيقي الوحيد هو [النظام]، وكان يوزع الحزام والحلوى بحماس متساوٍ، وأحياناً معاً. وتساءلت إبي، من باب الكارما، عما إذا كان عليها إخبار السياسي المخضرم بأنه حين تضرب الأزمة المالية العالمية، يجب على الحكومة ألا ترسي سابقة البتة.
كانت عمليات الإنقاذ ضرورية لتجنب كساد تام، لكنها تمت بلا إصلاحات هيكلية كافية مرتبطة بها. عمليات التفكيك، ومساءلة التنفيذيين، ومتطلبات رأس المال الأكثر صرامة—فلم يُستبدل أي من الآليات التي وصفها محاضر وارتون مقابل عملية الإنقاذ. وقدمت دود-فرانك النقود، لكن بلا حدود. وإن كرر غور التاريخ، فهناك احتمال حقيقي بأن يمتلك الجمهوريون موجة الغضب ليصلوا إلى البيت الأبيض.
ورغم ذلك، وأثناء مشاهدتها للمسلك المتملق لـ«الوسطي»
المهني، رعدت إبي أنه من الأفضل ترك السياسة تأخذ مجراها الطبيعي. لقد ولدت من جديد لإنقاذ الفنون. لا العالم. أليس كذلك؟ ولم يُعقّب [النظام].
«لا إهانة مقصودة»، ردت إبي بالمهنية ذاتها.
«يُدفئ قلبي رؤيتكم هنا الليلة، سيدي».
أضفى عذوبتها البهجة على الجميع. وللأسف، كان الحديث قد مات سلفاً. وما زال يمسك بيدها اليسرى، شاهد معشوقها المعلمكيريتاني كل ذلك صامتاً. ثم انحنى بحذر داخل دائرة السلطة. وبصوته الياباني الهادئ والحذر الذي احتفظ به للغرف الأكبر منه، حدثها.
«قليلاً، أود التحدث وحدنا لو سمحت».
وانحنى برأسه مرة أخرى، «صاحب السعادة نائب الرئيس، أرجو المعذرة على وقاحة شيخ هرم».
هرم. لاحظت إبي. أراد هذا العجوز المتواضع التحدث إلى ملاكه وحدّه. وترجمت فوهان. وتمنى ليبرويتز لهما الصحة بالإنجليزية. وبمباركتهما، قادت إبي معلمها إلى الغرفة الأخيرة، بينما واصل معلمها الآخر الحديث بنبرة تنويمية وحكمية، آسرًا المتخصصين والسياسيين على حد سواء.
كانت الغرفة الخامسة فارغة عند دخولهما، إذ ظل ضيوف فون محتجزين في الرابعة. أومأ المرشد عند الباب برأس محترم، ثم أغلق الباب خلفه لينعموا بخصوصية تامة. كانت القاعة الأخيرة مساحة انتقالية دائرية، مصممة هندسياً بحيث يضطر الناظر إلى السير حولها. كانت الحرارة أدفأ قليلاً من بقية الغرف، وفاح من الأرجاء عطر خفيف يشبه أزهار الساكورا. علقت القطعة الفنية الأساسية في المنتصف، ضخمة، وهي الأكبر مما صنع كيريتاني قط.
بدت من بعيد وكأنها تركيب بالحبر الصيني، لكنها تبدت من مسافة عشرة أقدام مؤلفة من آلاف مؤلفة من ضربات القلم الجاف. كانت بحر تولي. فارغة. هادئة. الثكنات مرسومة بخفة، تكاد تكون معتذرة، وأبراج الحراسة رقيقة لدرجة تكاد تتلاشى. كانت الأبراج بلا حراس. والأسوار متداعية. لم يكن عمله الأخير رؤية لاعتقال، بل كان رؤية لبحر تولي، متهالكاً، مفتوحاً، مستسلماً للتاريخ. ولم يكن كيريتاني في أي موضع من الإطار، ولا في أي ركن منه.
ولم يعد هناك فتيان رافضون عند العتبة. كانت هناك مقاعد طويلة وناعمة. جلسا. لم ينظر المعلم كيريتاني إلى رسمه الخاص. لقد تخلى عنه بالفعل. نظر بدلاً من ذلك إلى إيفي. تحدث ببطء، بالطريقة نفسها التي يتحدث بها دائماً في الغرف الأكبر من حجمه. كانت يداه مططبقتين أمامه، ساكنتين كراهب يصلي وهو يخاطب قوة أعلى.
— أيتها السيدة الملاك، لدي دين أحمله.
فضل. نطق الكلمة بالطريقة التي نطق بها اسمها، بعناية، كأنها تحمل وزناً.
— امتنان أقدم وأثقل من أن ترفعه الكلمات وحدها.
— لا داعي لأن تقول شيئاً.
أمسكت إيفي بأصابع معلمها العظمية. عرف قلبها ما هو آت. لم تكن طفلة، لكن المعرفة كانت أسوأ من الجهل أو الساذجة. الرجل الذي يتحدث إلى مَلِك ليس رجلاً يملك فائضاً من الوقت. هز كيريتاني رأسه ببطء، محتفظاً بما تبقى له من طاقة لدفعة أخيرة من المشاعر.
— أنا فنان الآن.
من عالمين.
— كنت دائماً...
فناناً. أكدت له إيفي، كابحة دموعها.
— في العالمين كليكما.
+ السببية الكارمية
رفعت ذراعيها، وعانقها. لم يكن الأمر شيئاً يابانياً جداً، لكنه كان أمريكياً حتى النخاع. عانقته من كل قلبها، وأصابعها تحصي أضلاعه أثناء العناق، وشهقت باكية على عنقه.
— شكراً لك، أيتها السيدة الملاك.
تحدث كيريتاني بوضوح.
— لإيجادك إياي.
اعترفت إيفي: — وجدت القطط. وهي التي قادتني إليك. لكنك وجدت القطط. أنقذتها من البرد. ضحك كيريتاني بخفة: — وهكذا تسير الأمور. كارما الفضل.
+ السببية الكارمية
ضحكا معاً، جافين كورق. ثم تلاقى الفرح والحزن ليذوبا في شيء آخر. شيء أقرب إلى السرور.
— أنا مستعد للمضي في رحلتي، فاون-سان.
همس في أذنها، مطلاً على رسمه الأخير. لم تجب إيفي. لم يكن هناك ما يُجاب به ويستحق الأنفاس التي بقيت لمعلمها. لقد عاش على ذلك النفس الوحيد في سنترال بارك لأكثر من خمسين عاماً، نقياً وعنيداً، تدفعه المكابرة لمقاومة بلد غير مبال بمواطنيه. ذلك النفس، وحين أُطلق، اللحق بجسده كأنه مذنب. قال كيريتاني بهمس أشد خفوت كأنه يغرق في النوم: — لقد سامحت. ترك اثناهما الكلمات تستقر.
— أرجو أن تتمكني من المسامحة أنت أيضاً، إيفي.
أخبرني تاناكا ألا أكرهم، لكني تخلت عن ذلك الكراهية لحظة أخرجتني من البرد. تلك كانت بداية سكني. ابتسم لها بكل تجعيدة في وجهه.
— سلامي.
عرفت إيفي أن كيريتاني لابد قد سمع بتاريخها من فون، وربما حتى بخططها تجاه ويليام. فكرت في الثقل الذي لا تزال تحمله، عمداً وقصداً، وتساءلت، لا للمرة الأولى، عما إذا كانت تحمله لأسباب خاطئة. لم تكن تمتلك إجابات عن ذلك أيضاً. لذا أخذت يده، وقبلت جلده الرقيق كالورق، وقفت معه أمام المعسكر الخالي، عالمة أن الصفاء لن يدوم إلا بقدر ما يستمر شبه-المعلم في الكلام. لم تستطع إيفي أن تنطق بالمسامحة بالطريقة التي فعلها كيريتاني، لكنها تمنت أن يضع عرضها الأخير قلق معلمها الأخير في النوم.