غَنَّت روزا: "إنه تمثال ضخم حقاً—"
وتجاوزت مجموعتهما الحافة الأخيرة، لتسيرا على الدرب الصخريّ الممتدّ بمحاذاة التلّ. وقف أمامهما تمثال صخريّ طويل لفارس غامض، يرتفع نحو ثلاثين متراً على الأقل، حاملاً درعاً عملاقة أمامه. انكسرت الرأس وبدت شقوق وندوب عميقة في الحجر الأملس كشفت عن قِدم التمثال، لكنه ظلّ مشهداً مهيباً. من المرجح أن هذا المكان لا يلقى روّاداً كثر، نظراً لعزلته، لكنه ظلّ بارزاً بما يكفي ليوسم بوصفه معلماً ثانوياً على الخريطة التي اشترتها سكارليت.
حدّقت عبر المشهد القريب. تلال متموجة لا غير، تكسوها تكتلات صخرية وأعشاب مصفرّة. حتى مع علوّ التمثال، لاستغرق العثور عليه وقتاً لو اضطررن للبحث في الإقليم بأسره. لقد كانت محظوظة لعثورها على خريطة بهذا الاتجاه السليم. باتباع توجيهاتها، استطعن قطع ثلاثة أرباع الطريق على الأقل بالمركبة. أما البقية فلم تتطلب سوى ساعتين سيراً على الأقدام. ومع تعزيز التحمل الذي تمنحه [علامة الراسخ]، لم يعد العبور الشاق كهذا مشكلة لسكارليت.
حين شققن طريقهن نحو قاعدة التمثال—التي تناثرت حولها حجارة عشوائية ربما كانت يوماً جزءاً منه—توقف البقية في المجموعة. التفت الجميع يرمقون المحيط.
سألت أليسا: "وما العمل الآن؟"
التفتت سكارليت نحو الفتاة. صحيح. باستثناء موقع زوفري النائي قرب منزل فين القديم، لم يسبق لأحد منهم ارتياد أطلال زوفريّة المرة الأخيرة التي عثرتُ فيها عليها. لن يكونوا دراية بما ينتظرهم. ألقت نظرة أيرة على المحيط، مترقبة أي حركة. لا أنها كانت تتوقع رؤية شيئ. لو تعقّبهم أحد، لكانت هي آخر من يفطن. لكن فين كان قد تحقق بالفعل من خلو الجوار من آخرين، وهي تثق بقدراته ثقة كافية.
غالباً لم يكن الذيل الذي وضعه التحالف خلفها قريباً في هذه اللحظة. ربما ساعد عبورهن عبر فرن الحجارة من فرايبروك إلى شور المظلم بغتة في ذلك. ثم غادرن شور المظلم فوراً لبلوغ هذا المكان، لذا استبعد تماماً أن يدركهم أحد. وعلى أي حال، فحتى لو اختبأ أحدهم بالجوار، فلن يظلّ مشكلة طويلاً على الأرجح. اقتربت سكارليت من التمثال، متوقفة بضع خطوات أمام الدرع الحجريّة الضخمة وتحتها.
حفرت على وجه الدرع ثماني رسوم دائرية، انتظمت في شكل شبيه بعملة الروبي. وصلت خطوط بين جميع الأشكال، لكنها لم تبدُ سوى زخرفة على الحجر. لتشهد إن كانت ستتذكر هذا بوضوح أم لا. رفعت يدها واستحضرت خمسة ألغام مائية صغيرة أمام الدوائر المحفورة. فجّرتها بترتيب محدد، ثم انتظرت ثوانٍ معدودات. لم يحدث شي. حسناً، لم يكن هذا صحيحاً. أخرجت دفترها من [كيس الاحتواء]، مممررة إسبعها فوق الصفحة بينما استعملت طاقة النار لشطب أولى الرسوم التي خطّتها.
ثم تفحّصت الرسم المجاور. كررت العملية، مستحضرة المزيد من الألغام ومفجّرة إياها بترتيب آخر. ومجدداً، لم يحدث شي.
صدح صوت روزا من خلفها: "أتمرحين؟"
ألقت سكارليت نظرة خاطفة إلى المرأة، ثم عادت ببصرها إلى التمثال.
"أرجو ألا تزعجيني ريثما أكون منشغلة بهذا. لا يعلم المرء كم من الوقت سيستغرق."
خفضت بصرها إلى دفترها والرسومات الثالثة. أسوأ الاحتمالات، سيتطلب الأمر بضعة آلاف المحاولات لتبين الترتيب الصحيح. عجزت عن تذكر الكثير من رياضيات الثانوية، لكن مع ثمانية أزرار مختلفة وتسلسل خماسيّ الخطوات، كانت الاحتمالات كثيرة للغاية. ظنت أنها تتذكر الصحيح—أو ما يقاربه على الأقل—لكنها لم تتيقن تماماً. تابعت الرسم التالي، شاطبة إياها واحداً تلو الآخر بينما هبطت في قائمة البدلاء.
كانت قد ملأت صفحات بضع بالتركيبات التي طابقت ذكرياتها أكثر. بعد تجربة نحو اثني عشر منها، هزّت رأسها وأعادت الدفتر إلى الكيس بعبوس. من الواضح أنها بالغت في تقدير ذاكرتها. لا جدوى من إهدار مزيد من الوقت في هذا. ثمة بديل آخر متاح لها الآن. فقط لم يكن مرضياً بالقدر ذاته. أخرجت الكتاب الذي اشترته من التاجر في شور المظلم آنفاً. حكايات وعهود شور المظلم — السبل القديمة. كان مجموعة من الحكايات القديمة للإقليم، تُروى للصغار على الأرجح حسبما يبدو.
تفاجأت سكارليت حقاً لرؤيته في المتجر، إذ إنه كتاب داخل اللعبة. أحد السجلات المعرفية الثانوية الكثيرة التي يمكن العثور عليها هنا وهناك. في اللعبة، خدمت في إثراء العالم وأحياناً مكافأة أولئك اللاعبين المتفرغين لقراءتها. قلبت صفحاته حتى عثرت على المعنيّ بها. حارس الوادي وحرّاسه، هكذا نصّ العنوان في الأعلى. وتحته قصة قصيرة عن محارب عظيم قيل إنه حرس يوماً الإقليم المحيط بشور المظلم برفقة خمسة من حرّاسه.
روت كيف ردّوا معاً جيشاً عرمرماً من العمالقة الوافدين من الشمال الشرقي، مانحين السلام للأرض. وإلى جانب القصة ظهرت رسوم توضيحية بسيطة، رُبط كل حارس فيها بعلامة تخصّه. لم تدرِ سكارليت أكانت القصة تحمل قدراً من الحقيقة. فهي حكاية شعبية قديمة، بعد كل شيء. لكن بلا شك، ثمة جزء لم يُستمدّ من الفراغ. رفعت ناظريها، متفحّصة الرموز الدائرية الماثلة على درع التمثال الحجرية. تشابه بعضها علامات الكتاب.
رفعت يدها مجدداً، مستحضرة مجموعة أخرى من خمسة ألغام مائية. وُضع كل منها أمام الرموز الواردة في الكتاب. ثم فجّرت الألغام بالترتيب الذي قُدّم به الحرّاس في القصة. حدث سكون وجيز، تلاه طحن مزعج. خطت سكارليت خطوة سريعة إلى الوراء حين هوت الدرع فجأة على الأرض، ناشرة حفر التراب والعشب في الهواء. سعلك أليسا بجانبها، باصقة بعض التراب الذي بدا وكأنه تسلل إلى فمها. وقف شين بجوارها، نافضاً الغبار عن عباءته.
صاحت أليسا بتقطيب وجهها: "ما هذا!؟"
ابتسمت روزا وهي تخرج من خلف فين حيث كانت تختبئ. علقت بقعة تراب كبيرة بشعر الشاب الأبيض.
"تلك الرموز... زوفريّة، أليس كذلك؟"
قالت سكارليت وهي تنفض بعبوس بعض التراب الذي علق بها: "هذا صحيح."
"وكنت أحسب أن أولئك الشيوخ الخرفين لا يملكون هذا."
تقدمت روزا ومررت يديها على الدرع التي غرقت في الأرض الآن، متفحّصة إياها لبضع ثوانٍ. ثم التفتت إلى سكارليت، مشيرة بإبهامها نحو التمثال.
"كل ما ينقصه الآن هو أن يشرع في الرقص."
"أستبعد أن يكون الزوفري قد أضاف ميزة كهذه."
توقفت سكارليت حين لاحظت فين يرفع يده اليمنى. أضاءت [علامة العاصفة] عليها بلون أخضر خافت بينما احتدم الهواء من حوله. تموج شعره وتناثر التراب فجأة، ورمشت سكارليت حين حدث الشيء ذاته لها. كان هذا ملائماً.
قالت: "شكراً لك، فين."
ثم تقدمت بجانب روزا لدراسة الدرع. لم يكن حل ألغاز كهذه مرضياً حقاً إن استطاع المرء تبيّن الإجابة الصحيحة مباشرة. مع ذلك، لم تكن لتُهدر ساعات عديدة مجرد تعنت. يُعد العثور على هذا الكتاب ضربة حظّ، مما يعني امتلاكهن وقتاً أطول يُصرف في أمور أخرى. فضلاً عن ذلك، لم تستطع حتى تخيل مبلغ الضيق لو اضطرت للتجربة والخطأ خوضاً لطريقها. انتقلت إلى الجانب الآخر من الدرع. وهناك، حُفرت على جانبها الداخلي بوابة مستطيلة ذات سطح أسود حالك بدا وكأنه يمتص كل الضوء المحيط.
بدت شبيهة بفرن الحجارة حين يستعد لنقل الأشخاص.
أشارت إلى البوابة قائلة: "هذا مدخلنا."
تبعتها أليسا خلف الدرع وحدّقت في المدخل مليّاً.
"...يبدو معقّداً بعض الشيء، أليس كذلك؟"
عقب شين: "ليس إن كان مقصوداً ألا يُعثر عليه. أظن أن هذا المكان أُخفي لسبب ما."
"ملاحظة فطنَة، سيدي ثورنتون."
رأت سكارليت فين يلتف ليكون أول من يمشي نحو البوابة. التفت الشاب إليها بنظرة، فأومأت له برأسها. وضع يده على السطح الأسود واختفى. انتظرت سكارليت ثوانٍ معدودات، ثم تبعته. وحين لمست البوابة، التوى محيطها. وبعد لحظة، وجدت نفسها أعلى درج حجريّ. عُلقت على الجدران مشاعل صغيرة ذات بلورات خضراء داكنة، مضيئة المكان بضوء شاحب. وقف فين على بعد درجات قليلة منها، ولحق به بقية الفريق قريباً.
تمتمت أليسا بعد وصولها وهي تلتفت حولها: "إذن هذه أطلال زوفريّة..."
تقدّم شين ليتفحص أحد وجوه زوفري المحفورة في الجدران الحجرية. بدأت سكارليت النزول على الدرج.
"رغم أن للمرء تسمية هذا أطلالاً، إلا أنه سرداب في الواقع."
حسناً، تقنياً، كانت آخر أطلال زارتها سرداباً أيضاً. لكن هذا حمل التسمية في اسمه.
سأل شين: "ما الفرق؟"
"أظنه الموقع. نحن تحت الأرض حالياً."
حين بلغت سكارليت قاع الدرج، انفتح على حجرة واسعة. رفعت ذراعها لتمنع الآخرين من الدخول حين اقتربوا بجانبها. في قلب الحجرة نصب صلب ضخم من فولاذ رمادي باهت تنساب عليه خطوط زرقاء منبعثة كالعرُوق. شكلت أطرافه مجموعة مترابطة من الكتل الكبيرة الضخمة، واستقرت قبضتاه على الأرض بينما انحنت للأفل العقدة البارزة التي تُعدّ رأساً له. امتدت الخطوط الزرقاء المنسابة على جسده وصولاً إلى الأرض، حيث جرت من النصب إلى جدران الحجرة.
وهناك، اتصلت بأربع بلورات مختلفة عند كل طرف من الغرفة. رفعت يدها واستحضرت أربعة ألغام مائية بجانب كل بلورة. تشققت حين فجّرت ألغامها، وخفت الضوء الأزرق المار بالنصب فوراً. عقدت حاجبيها. لم تستطع لعمرها تبين سبب وجود عيب تصميمي فاضح كهذا خارج اللعبة. ومع ذلك، فقد وفر ذلك عليهن عناء كبيراً.
سألت أليسا: "امم، أأطفأتِ للتوّ ذلك الشيء؟"
"يبدو ذلك، نعم."
نظرت سكارليت إلى فين.
"أتتفضل بالتأكيد؟"
تقدم الشاب بلا تردد. لم يتحرك جبل الفولاذ الساكن قيد أنملة حين مشى نحوه، ممدّاً يده لملامسة سطحه. إذ اكتفت بهذا القدر، خرجت سكارليت إلى الحجرة بدورها. تجاوزت النصب بسرعة، متجهة نحو الطرف الآخر من الغرفة. وهناك، فوق منصة مرتفعة، استقر مذبح حجري صغير. صعدت سكارليت درجات إلى المذبح، حيث استقر جسم صغير بحجم اليد على شكل مثلث مستدير. حُفرت على وجهه خطوط ورموز معقدة وبدا وكأنه ينسجم مع قطعتين أخريين.
[ختم ثاينيث (1/3) (فريد)]{ثُلث الكلّ.
ختم على ما استكان} توقفت. كان هذا... وصفاً غريباً.
لم تدرِ ما تعنيه بعبارة "استكان"
في هذا السياق. لم يتناسب ذلك حقاً مع ما عرفته من اللعبة. أم لعلّه فعل، بطريقة تجهلها؟ هزّت رأسها. لم يكن الارتباك بالنظام شيئاً جديداً تماماً. محولة بصرها لأعلى، تأملت الجدار خلف المذبح. اكتظ تماماً بالرموز ذاتها الخاصة بالختم، لغة الزوفري القديمة. وإلى جانب ذلك، ظهرت خريطة كبيرة حُفرت في مركز الجدار. بدت خريطة طبوغرافية للإمبراطورية والمناطق المحيطة بها، مع مواقع عدة موسومة عليها.
حدقت فيها للحظة أخرى، ثم أعادت انتباهها إلى المذبح. لم تكترث كثيراً بما تقوله الخريطة. فهذا لشغوفي العظمة والمجانين. التقطت الختم، ووضعته داخل كيس الاحتواء الخاص بها.
[اكتملت المهمة: تجميع ختم ثاينيث (1/3)]{نقاط المهارة الممنوحة: 4} أه؟
حصلت على نقاط لمجرد نيل قطعة واحدة من الختم؟ كان هذا رائعاً.
التفتت إلى البقية قائلة: "لقد انتهينا هنا."
رمقوها بنظرات متفاجئة.
سألت روزا: "هذا كل شيء؟"
"نعم، هذا كل شيء."
نزلت سكارليت من المذبح.
"كنت أتوقع أكثر بقليل بعد ذلك المدخل المهيب."
"لم يتعدَّ غرض هذا المكان حماية كنزِه. لا حاجة لأن يتجاوز هذا."
بدت روزا محبطة بعض الشيء حيال ذلك، لكن لم يكن ثمة الكثير لفعله بشأنه. همّت سكارليت بقطع الغرفة للمغادرة، لكنها توقفت حين تجاوزت النصب السحري في المنتصف. حدقت فيه ههنية قصيرة. بلا شك، سيُجن جنون سحرة ومشعوذين معينين لاحتمال وضع أيديهم على شيء كهذا. للأسف، لم تستطع اصطحابه معها تماماً. كما أن كشف هذا المكان للغرباء قد لا يكون أفضل الأفكار. ورغم أنه ليس مؤكداً، قد يثير تصرف كهذا التحالف المُقدَّس.
التفتت حول الغرفة ناظرة إلى المشاعل الموزعة على الجدران. لم يصدق الأمر ذاته على جميعها، مع ذلك.
قالت: "على رويّتي. قبل أن نغادر، أود منكم جميعاً جمع تلك البلورات ووضعها داخل حقيبة التخزين."
تُباع تلك بثمن باهظ، إن كانت تتذكر صواباً. فقط بعد التأكد من جمع كل الأنوار—بما فيها البلورات السحرية التي غذت النصب—غادرت سكارليت برفقة البقية. خارجين عبر البوابة ذاتها التي دخلوا منها، وطأ الجميع أسفل التمثال الحجريّ الكبير.
[اكتملت المهمة: تطهير سرداب أوسين ألانار]{نقاط المهارة الممنوحة: 5} قرأت سكارليت رسالة إتمام المهمة.
كانت أكثر مما توقعت. لعل السبب عودته لكون الزنزانة مرتبطة بخط المهمة الرئيسي للعبة؟
هتف صوت رقيق وناضج فجأة بالقرب: "أه؟ لستُ ممن توقعته تماماً. هذا محبط."
التفت الجميع. على مسافة قريبة، بجانب القدم الحجرية للتمثال، وقفت امرأة. كانت طويلة وفارع القوام يغطي معظمه رداء أصفر ذهبي يبرز أحمر فاقد على جانبها الداخلي. التفت قلنسوة حول رأسها، بينما اختفى النصف العلوي من وجهها خلف قناع مرمر أبيض تتبعه حليات ذهبية سميكة على الحواف والأمام، مع ياقوت قرمزي يحجب العينين. بدت بشرتها تحت القناع شاحبة، بيضاء تقريباً، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها شديدتي الحمرة.
أطلق فين هديراً خافتاً وهو يهبط في وضعية قتال.
قالت المرأة: "مهلاً، مهلاً."
وأمسكت في يدها اليمنى عصا رمادية طويلة، تُوّجت برأس ملتف من البرونز الملتوي مع جوهرة أزرقاء صغيرة في قمتها.
"اهدأ، يا فتى."
حين نطقت الكلمات، أضاءت الجوهرة بلون أزرق فاتح. تجمد فين، مكاشراً عن أنسانه بينما أُطبق عليه مكانه. جهرت أليسا بهيئة فين الساكنة.
"ماذا... !؟"
هزت المرأة رأسها.
"أولئك الغريالدريون سواسية حقاً، أليس كذلك؟ كل ذلك الهواء الطلق. لا بد أنه يفعل أفاعيله برؤوسهم."
سحب شين سيفه وتقدم بجانب فين. ورفع درعه ليحجب البقية. رمقته المرأة المرتدية الرداء بنظرة مستمتعة.
"أه، ماذا لدينا هنا؟ تلاه الكيرق. واثقة أن ذلك سيمضي أفضل بكثير من صديقك الصغير."
أضاءت بلورة عصاها مرة أخرى. وبعد لحظة، غلفت مسحة بيضاء شاحبة درع شين حين هُوي بالشاب إلى الأرض ككيس حجارة.
صرخت أليسا: "شين!"
أبقت سكارليت الفتاة بيد على كتفها. راكعاً على الأرض، حاول شين—وفشل—أن يحرر يديه من الدرع.
سألت المرأة: "أيشعر أحد برغبة في اختبار أفكاره البارعة؟ أنا سعيدة للغاية بالتلبية، حقاً. ربما سأضيف مفاجأة أو اثنتين هذه المرة أيضاً."
ثبّتت كل من روزا وأليسا أنظارهما على المرأة، لكن لم تتكلم إحداهما.
"ألا؟ خسارة. لقد بدأت آمل ألا أكون غادرت فراشي صباح اليوم بلا فائدة."
التفتت المرأة بنظرتها نحو سكارليت.
"فمن تكونين يا ترى؟"
سرت نبرة آسرة تقريباً في صوتها وهي تبدو كمن يتفحص سكارليت.
"كنت أظن شخصاً... أكثر قليلاً. لا..."
حركت يدها الحرة في الهواء.
"حسناً، ربما أحتفظ بهذا لنفسي. أملك قدراً ضئيلاً من اللياقة على الأقل. أنا واثقة."
حافظت سكارليت على تعبير متبلد. انظر إلى هذه المرأة، تتصرف وكأنها لا تدري من تكون وكأن هذه أول مرة تراها. لكن هذا ما يمكن توقعه تقريباً.
"أنا البارونة سكارليت هارتفورد."
وأشارت إلى البقية.
"وهؤلاء هم خدمي."
"نبيلة، هممم؟ لم أترقب وجود إحداهن هنا. خصوصاً من تعبث بخططي."
أخرجت سكارليت ختم ثاينيث من كيسها.
"أفترض أنك تقصدين استحواذي على هذا؟"
"نعم، نعم. ذلك."
لوحت المرأة بيدها.
"ليس ثمة الكثير المتبقي في ذلك القبو العتيق الكئيب، سوى ذلك العذر البائس للحارس وما يتبعه من توابع الآخرية."
عقدت سكارليت حاجبيها. الآخرية...؟ أه، صحيح. تواجدت أشباح حين قاتلت ذلك الزعيم في اللعبة. لقد نسيت ذلك الجزء تماماً.
"الآن، كوني نبيلة طيبة وسلميني ذلك الختم لأمحوَ ذكرياتك وأعيده حيث ينتمي."
مدت المرأة يدها.
"أعدك ألا أخلط الأمور كثيراً. سأحاول، على الأقل."
...لم تتيقن أكانت المرأة جادة أم لا.
"لدي اقتراح آخر."
أعادت سكارليت الختم إلى الكيس.
"أثق بذلك. ويصادف أن لدي شهوة لبيض تنانين مسلوق مع طبق جانبي من العشب. للأسف، لا يتواجد الكثير من ذلك يحلق حولنا."
"أعتقد أن هذا الاقتراح مما سترحبين به."
فحّصتها المرأة المرتاضة الرداء ثوانٍ معدودات.
"يا لكِ من واثقة! أثق أنه سيكون ممتعاً للغاية، وعادة ما أحب امرأة ذات اعتداد بالنفس، لكني بخيلة جداً على الصدقات. إذن، أستعطيني إياه؟ أُفضل ألا تجعليني أقوم بالعمل كله."
"تملكين جوهر زينثاس، أليس كذلك؟"
توقفت المرأة. وارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيها.
"سأتراجع عن كلامي. ربما أستطيع تحمّل ذرة من الكرم، هذه المرة فحسب. اعتبري نفسك مُشرّفة."
ألقت سكارليت نظرة خاطفة على فين وشين.
"قبل أن نمضي... أمن الضروري حقاً معاملة خدمي بهذه الطريقة؟"
"إنهما شابّان نشيطان. أثق أنهما سيكونان بخير. لا تتركي فتاة معلقة وتبدلي المواضيع."
قالت المرأة.
"لقد أثرتِ قدراً من فضولي يبلغ إصبعاً على الأقل، تعلمين. وهذا أكثر من أي نبيلة أخرى قابلتها في هذا المكان الكئيب."
صمتت، محملقة فيها للحظة.
"لستِ من قوم ذلك الوغض العتيق، أليس كذلك؟ مع أنني لن آخذ غريالدرياً لينضم إليهم. ولساءني الأمر الآن إن كنتِ."
"أنا لستا تابعة لأحد."
"ممم، أجل. إنه لمملٌّ مروّع، أليس كذلك؟"
أشارت المرأة نحو سكارليت بيدها.
"الآن، افصحي عنه. أخبريني بأي خدعة تافهة طبختِها هنا. لا تقلقي، فلن تكون أبسط وأكثر ابتذالاً مما اعتدتُ عليه."
حدقت فيها سكارليت. في اللعبة، كانت هذه المرأة شخصية مسلية. لكنها لم تكن فاتنة إلى هذا الحد حين كنتَ المتلقي لشخصيتها.
"الأمر بسيط. ستمنحينني جوهر زينثاس، وبالمقابل، سأعطيك الختم."
"آه، لقد تسرعت في كلامي."
تحولت نبرة المرأة إلى الجمود.
"وها أنا أطوف حامية التوقعات. كان على المرء دراية أفضل في مثلي عمري."
رفعت عصاها.
"الآن، سألقي نظرة سريعة على تلك الحقيبة البعدية الخاصة بك. لن أتطفل كثيراً، مع ذلك. فالسيدة حريصة على أسرارها."
"أظنك تفهمين خطأ."
نظرت سكارليت في الياقوت الذي حجب عيني المرأة.
"لم أقل إنني سأمنحك قطعة من ختم ثاينيث. بل قلت إنني سأمنحك الختم."
توقفت العصا، معلقة عالياً فوق الأرض.
"...هذا ادعاء ضخم تطلقينه. ألم يكن الأجدر بك ألا تطلقي وعوداً لا تستطيعين الوفاء بها؟"
"هذا صحيح. ربما كان علي التوضيح."
أخرجت سكارليت قطعة الختم مجدداً.
"في الحقيقة، هذه القطعة الوحيدة التي أستطيع منحك إياها. لكن ما أعرضه ليس الختم ذاته. بل أعرض موقع قطعة أخرى، وإمكانية استرجاع الثالثة. ألا يختلف هذا كثيراً عن خططك الخاصة، أليس كذلك؟"
خفضت المرأة عصاها ببطء.
"يبدو أنكِ تدرين الكثير، أليس كذلك؟"
"أجعل من أولوياتي أن أكون مطلعة قبل الإقدام على أي مساعٍ مجدية."
"oh، أثق أنكِ تفعلين. وأنا أحب العمل مع كفوئين."
بقيت المرأة صامتة برهة. أضاءت البلورة على عصاها حين تحرر فين فجأة من جموده. سكن لحظة، ثم أهدر في وجه المرأة.
"قولي، يا فتى الكلاب، ما رأيك في كلام سيدتك هذه؟"
رمش، مذهولاً نحوها.
"حسناً؟"
وضعت يدها على خصرها.
"ليس لدي اليوم كله. فبعضنا لديه أمور للعناية بها. أو التظاهر بالعناية بها على الأقل."
التفت فين إلى سكارليت، فأومأت له.
"...إنها تقول الحقيقة"، قال.
"أهكذا إذن؟"
أعادت المرأة المقنعة انتباهها إلى سكارليت.
"هممم. حسناً، أظن أن هذا سيفي بالغرض الآن. لحسن حظك، طالما امتلكت ميلاً لعقد صفقات كان الأجدر تركها وشأنها."
سألت سكارليت: "إذن ستسلمينني الجوهر؟"
"ليس وكأن لدي فائدة تذكر بذلك الشيء المتعفن بعد الآن. لكن ذلك سيتعين انتظاره قليلاً."
بدت المرأة مقطبة الوجه تحت قناعها.
"لو علمت أنني سأحتاجه، لما ألقيت به في ذلك المكان."
لم تدرِ سكارليت أين يكون "ذلك المكان"، لكنها ارتابت أنها لا ترغب في المعرفة.
"بعد أن تسترجعيه، سأفي بنهايتي من الصفقة. حتى ذلك الحين، أظن أنك لن تعارضي احتفاظي بالختم؟ لا ينبغي أن يشكل الأمر مشكلة لك لاسترجاعه، إن رغبتِ في ذلك."
عادت الابتسامة إلى وجه المرأة.
"تعرفين تماماً ما تقال لإثارة اهتمامي، أليس كذلك؟ أموت لتفقد عقلك."
صمتت، ناظرة إلى الجانب للحظة.
"للأسف سيتعين تأجيل ذلك حتى وقت آخر. فمعلف الدجاج ينادي."
نقرتب عصاتها على الأرض، وظهرت بوابة متلألئة في الهواء بجانبها. ألقت نظرة أيرة أخيرة على سكارليت والبقية.
"حين لقاء آخر."
وحين عبرت البوابة، اختفت معها. واللحظة التالية، سقط شين على ظهره بينما ارتطم درعه بالأرض. حدق البقية في الفراغ حيث كانت المرأة.
سألت أليسا في النهاية: "...من كانت تلك؟"
أعادت سكارليت الختم إلى الكيس.
"احتياطي."