"ألا توقفين معاملتها كأنها شلة خيوط زجاجية؟"
تذمر الصوت من الجانب. انتفضت سكارليت. تكومت كتلة سحر النار الصغيرة التي قضت الدقائق العشر الأخيرة تحاول فك تشابكها بحذر من جديد. تلك المئات من خيوط المانا التي بالكاد نجحت في فصلها إلى حزم امتزجت مرة أخرى في حشد كثيف بالكاد تستطيع تمييز جزء فيه عن الآخر. أغمضت عينيها وأطلقت نفساً طويلاً بينما تودع النار اضمحلالها. هذا أقصى ما بلغته تلك المحاولة. التفتت إلى يمينها نحو الرواق حيث كانت المرأة ذات الشعر الغراب تنظر إليها.
"كنت تحت انطباع أنك لا تنوين إعطائي أي إرشادات".
قالت المرأة: "لم أكن أنوي. ولا أخطط لتبني متدربة أو تعليمك التعاويذ. لكن هناك فرقاً بين ذلك وبين الجلوس هنا لمشاهدتك وأنت تسخرين من حرفتي ليوْمين. أقل ما يمكنني فعله هو الإشارة إلى الأساسيات. أمور يجب أن يعرفها حتى الساحر المبتدئ".
رفعت سكارليت حاجبها.
لم يسبق لغارسيد أو كات أن قالا أي شيء عن هذه "الأساسیات"
عندما شاهدا سحرها. بدا أنهما متأثران بمهاراتها أكثر من أي شيء آخر. وكلاهما كان ماهراً جداً في مَدرستيه السحريتين المقابلتين، لذا لم يكونا مبتدئين.
"إذن، بماذا تقترحين أن أعدّل؟"
"أنا لا "أقترح" شيئاً".
هزت المرأة رأسها. وبنفضة من يدها ظهرت شعلة بجانب سكارليت.
"أنا أقول إن الطريقة التي تستخدمين بها المانا معيبة أساساً إذا كان تحسين تحكمك هو ما تهدفين إليه. إنه يعادل ربط حبل بفرز جميع خيوطه الفردية أولاً ثم محاولة ربطها معاً دفعة واحدة. مهما فعلت فلن تنمو مئة يد أخرى من ظهرك هكذا ببساطة".
ألقت سكارليت نظرة خاطفة على الشعلة التي كانت ترقص بجوار رأسها. أكان عليها ملاحظة أي شيء مميز فيها؟ كانت الشعلة تظهر وتختفي في دورات كأنها ضوء متلألئ. لكن هذا كل شيء.
"إذا كنت تريدين تحكماً أكبر فتعلمي استخدام الأدوات التي تمتلكينها بشكل صحيح".
اختفت الشعلة تماماً مع كلمات المرأة. التفتت سكارليت إليها.
"...لست متأكدة من أنني أفهَم تماماً".
"إذن فكري في الأمر دقيقة".
أدارت المرأة ذات الشعر الغراب وجهها عنها وعادت بانتباهها إلى الكتاب الموضوع على حجرها. عقدت سكارليت حاجبيها. لكن ألم تشعر بأنها تحرز تقدماً؟ لقد أصبحت أفضل بالتأكيد في التمييز بين خيوط المانا المختلفة التي يتكون منها سحرها. ولم تكن تعمل على ذلك لفترة طويلة جداً. رغم أنها ستعترف بأن التحكم الفردي في عدد كبير من تلك الخيوط بدا مستحيلاً. ومع ذلك تصورت أن الأمر سيصبح أسهل مع الممارسة.
كانت فضولية بشأن كيفية عمل سحرها في الواقع وبدا هذا السبيل الأكثر منطقية لمعرفة ذلك. لكن أكانت هذه الطريقة في مقاربة الأمور خاطئة إذن؟ ماذا كان يفترض بها أن تفعل بدلاً من ذلك؟ أتتخلى عن فهم الأمر وتعتمد ببساطة على غريزتها كما فعلت من قبل؟ بدا ذلك ناقصاً بطريقته الخاصة. لابد أن تكون هناك طريقة أفضل للقيام بذلك. ما كانت تفعله حتى الآن بدا أقرب لاستخدام مطرقة ثقيلة لضرب مسمار.
بدا تحكمها المائي بالذات بحاجة إلى شيء أكثر إذا أرادت الوصول إلى درجات التحكم التي تستهدفها. إذن ما البديل الذي أشارت إليه المرأة؟
ما الأدوات التي امتلكتها سكارليت بخلاف مجرد "تشكيل"
المانا تحت سيطرتها بالغريزة التي تمنحتها إياها مهاراتها؟ أكان عليها أن تسلك الطريق الوسط؟ بدلاً من محاولة التركيز على خيوط المانا التي يتكون منها سحرها ألعبرها أن تركز على الحزم التي تبدو أنها تخلقها بشكل طبيعي؟ بدا ذلك أكثر قابلية للإدارة على الأقل. لكن ألم يكن ذلك نفس محاولة التحكم في خيوط المانا ولكن على مستوى آخر من المقدار؟ درست المرأة الجالسة على الرواق. لكان من الجيد لو أنها أعطتها شيئاً إضافياً تنطلق منه.
بينما كانت سكارليت على وشك الالتفتات إلى سحرها تذكرت الشيء الآخر الذي كانت تعزم سؤاله.
"هل لي أن أطرح سؤالاً آخر؟"
رفعت المرأة نظرتها إليها.
"نعم؟"
"ما اسمك؟ لم أتمكن بعد من فرصة معرفته بعد أن حييتك بالأمس".
بدت وكأنها تفكر في أمرها لبرهة.
"يمكنك مناداتي بأرلين".
"أرلين؟"
"نعم".
"أرى..."
التفكير في أنه كان من السهل جداً الحصول على اسمها. ربما بالغت سكارليت في التفكير في الأمر. مع أن المرء كان ليظن أن شيئاً كهذا سيُطرح في اللعبة. ...لا يمكن أن يكون اسماً مزيفاً أليس كذلك؟ حسناً وسواء أكان كذلك أم لا فإنه لم يكن يهم كثيراً في الوقت الحالي. عادت بانتباهها إلى سحرها مستعدة لبدء تدريبها الواجب مرة أخرى تماماً مثلما فعلت طوال اليوم ونصف اليوم الماضيين.
بعد كلمات أرلين تخلت عن محاولة فصل خيوط المانا الفردية في الوقت الحالي محاولة بدلاً من ذلك معرفة ما ألمحت المرأة إلى فعله. للأسف لم تحقق تقدمام يذكر. حتى مع قيام روزا بإعادة شحن قلادتها باستمرار وعند دفع سحرها إلى أقصى حدوده لم تشعر بحلول وقت غروب الشمس أنها اكتشفت شيئاً جديداً. كما لم تشارك أرلين أي كلمات أخرى حول هذا الموضوع.
أعلنت المرأة أخيراً: "لقد أصبح الوقت متأخراً. ربما كان عليك المغادرة".
أوقفت سكارليت ما كانت تفعله مذيبة ما تبقى من سحرها بينما سقطت إلى الوراء في كرسيها. إن كانت قد شعرت بالتعب بالأمس فإنها تشعر وكأنها على وشك الموت اليوم. مثل الأمس سيجعل مغادرة هذا المكان كل التعب والإرهاق العقلي يختفيان. لكن ربما لم يكن ذلك تماماً مثل عدم حدوثه على الإطلاق. لقد شعرت وكأنها ظلت مستيقظة لعدة أيام متتالية الآن رغم أن هذا كان اليوم الثاني فقط. قد لا يكون تكرار هذا غداً ممكناً تماماً.
ربما سيتعين عليها الحصول على راحة لائقة إذا تمكنا من العودة غداً. انتظرت حتى تقترب روزا. بعد أن شاركت المرأة بعض سحرها الإنشادي المنعش دفعت سكارليت نفسها خارج الكرسي والتفتت إلى أرلين. حدقت في المرأة لبرهة ثم نظرت إلى روزا وشين.
"اتركانا. أرغب في التحدث إليها على انفراد".
أعطتها روزا نظرة فضولية لكن أياً منهما لم يتذمر وهما يبدآن المشي نحو مركز ساحة القرية.
سألت أرلين: "هل هناك شيء آخر أردته؟"
أبقت سكارليت نظرتها مثبتة على ظهريهما المغادرين لبرهة أطول قبل أن تعيد تركيزها إلى المرأة الكبيرة. مما رأته لم تغادر أرلين ذلك الكرسي ولا ثانية واحدة منذ وصولهما. لقد قضت معظم وقتها في قراءة ذلك الكتاب الموضوع على حجرها. أما عن الكتاب الذي كان عليه فلم تكن لدى سكارليت أي فكرة. كان مصنوعاً من الجلد الرمادي الداكن ولم يكن له عنوان على الغلاف. تفصيلة صغيرة كهذه لم يتم توضيحها أبداً في اللعبة.
سألت في النهاية: "...ألا تلفتك الفضول لمعرفة سبب رغبتي في أن أُقبَل تحت إشرافك؟"
"أنا متأكدة من أن لديك سبباً وجيهاً. لكن هذا لا يعنيني في شيء".
جعلت نبرة المرأة الأمر يبدو وكأنه مسألة لا علاقة لها بها تماماً. ربما كان ذلك معقولاً بما فيه الكفاية لكن...
قالت سكارليت: "يمكنني تحقيق أعمق رغباتك".
تجمد تعبير أرلين. قابلت سكارليت نظرتها.
"إذا علمتني فسيكون ممكناً لي الوصول إلى حالة أستطيع فيها تنفيذ أمنيتك".
حدقت فيها المرأة بنظرة ثقيلة. كان الأمر وكأن كلماتها أثارت شيئاً تم التخلص منه منذ زمن طويل. مرت عدة ثوانٍ دون أن تبطق أي منهما ببنت شفة. في النهاية هزت أرلين رأسها.
"أنت تبالغين في تقدير قدراتك الخاصة. لقد راقبتك بما فيه الكفاية في هذين اليومين الأخيرين. سحرك ينطق بموهبة استثنائية لكن ليس هناك ما هو أكثر من ذلك. إنه يذهب سدى. يجب أن تكوني حذرة مع تلك الطموحات التي لديك لكي لا ينتهي بك الأمر باحتراق نفسك".
قالت سكارليت: "أنا أقول هذا مع إدراك تامل للقيود والحواجز التي تقف في طريقي. وأنا على معرفة جيدة بعيوبي. ومع ذلك ما زلت أقول لك هذا: يمكنني تنفيذ أمنيتك".
"إذن أريني ذلك بمهارتك".
قطبت حاجبيها. لقد حاولت ذلك بالفعل. ولم تكن لدى المرأة أي طريقة لمعرفة النظام أو أنها تستطيع ترقية مهاراتها. كما لم تستطيع إخبارها عنه. لذا فإن إقناعها هنا والآن سيكون صعباً.
قالت: "...إذن سأفعل. حتى ذلك الحين انتظري. شاهدي وانتظري وأعدك أنني سأريك ما ترغبين في رؤيته. أعدك بأنني سأحقق ما تتمنينه. ولك مني كلمة بذلك".
النظرة في عيني المرأة وهي تستمع إلى كلماتها لم تكن نظرة تستطيع سكارليت فك طلاسمها. ربما كانت منزعجة. أو حزينة. ربما كانت تشفق على سذاجة سكارليت الظاهرة. مهما كان ما اختفى خلف تلك النظرة فإنه لم ينبئ كثيراً بثقتها في سكارليت. درست المرأة لبضع ثوانٍ أطول قبل أن تستدير.
"إذن سأغادر. سنلتقي مرة أخرى".
ستثبت كلامها بالأفعال. حتى وإن استغرق ذلك وقته.
لم تبادل أرلين سكارليت الكثير من الكلمات حين عادتا في اليوم التالي، واكتفت بتحية مقتضبة. لم يكن هناك ما يتقال على أي حال، فقد أمضت سكارليت معظم اليوم غارقة في نوم عميق. عرضت روزا خدماتها على أحد القرويين، وكان طيباً بما يكفي ليسمح لسكارليت بالاستراحة في بيته لفترة. وما خططت له ليصير استراحة قصيرة، تحول بطريقة ما إلى أكثر من اثنتي عشرة ساعة. اقتربت الشمس من المغيب حين استيقظت، وما كادت تكمل شيئاً من تدريبها حتى حان وقت الرحيل.
خشيت في تلك اللحظة أن تكون تلك فرصتها الأخيرة لدخول فريدميدو لوقت طويل، لكن البوابة ظلت مفتوحة لليوم التالي لحسن الحظ. لم تكن أرلين كثيرة الكلام عند عودتهما هذه المرة أيضاً، لكن ذلك لم يمنع سكارليت من قضاء ساعات طويلة في ممارسة سحرها أمام المرأة، محاولة فهم ما تلمح إليه تلك المرأة بكلماتها السابقة. بدأت تظن مع حلول المساء أنها وصلت إلى شيء. غلب على ظنها في البداية أن أجدى طريقة للنظر إلى سحرها تكمن في التركيز على التفاصيل الدقيقة وإدارة الأمور جزئياً، وكلما توغلت في ذلك الاتجاه، أدركت أكثر فأكثر أن أرلين ربما كانت محقة بشأن عقم تلك المقاربة.
أو لعل كلمة عقم لم تكن التعبير الأدق. ومع عدم وجود ما يمنع سكارليت من محاولة التحكم في كل خيط سحري بمفرده، ظهرت مشكلة أخرى سوى الصعوبة الكامنة في محاولة التلاعب بالكثير من العناصر دفعة واحدة. مشكلة بدت بديهية نوعاً ما بنظرة ثانية. لم تكن تملك أدنى فكرة عما يجب فعله بتلك الخيوط حقاً. حين كانت تستخدم مهارة إثارة الحرائق الكبرى أو إثارة المياه الكبرى تباعاً، بدت الأمور بالغة البساطة.
فهي تعرف غريزياً بالفعل ما يجب عليها فعله لخلق تلك الظواهر، ويتحرك السحر وفق رغباتها لتجسيد مرامها. لكنها وبعد قضاء كل هذا الوقت في تحديد وعزل بعض خيوط السحر تلك — وهي نسبة ضئيلة مقارنة بما تتطلبه صناعة لغم مائي أساسي — عجزت تماماً عن تبين كيفية عملها فعلياً. حتى بعد إزالة بعضها تماماً عن مصدرها، والحفاظ على السيطرة بينما تطفو الخيوط في الهواء فحسب، لم توجد أي إفادة أخرى.
وخلافاً لما يحدث حين تستخدم مهاراتها بشكل طبيعي، لم تكن هناك معرفة غريزية أو حدس يساعدها على فهم هذه الخيوط أو طريقة تشكيلها. حاولت مقارنتها بتلك التي تستطيع مراقبتها داخل سحرها العامل الخاص، لكي تكتشف بدقة ما تفعله لتنتج التأثير المطلوب. لكنها لم تستطع تحديد أي نمط. وصحيح أن الأمر بدا بالغ الصعوبة مع قدرتها المحدودة فقط على مراقبة هذه الأمور — معتمدة على صلتها الملتبسة نوعاً ما بسحرها — إلا أن كل شيء بدا لها عشوائياً تماماً.
وكأن طريقة انتظام الخيوط لم تكن هي الأمر المهم على الإطلاق. بدأت تفكر جدياً في تلك النقطة أنه ربما من الحماقة قضاء كل هذا الوقت فيما حذرت منه أرلين بالفعل. لكن سكارليت ستلعن حظها إن عجزت عن فهم سبب عدم عمل هذه الأشياء على الأقل. لذا ولغرض الاختبار، أمضت ما يناهز خمس ساعات في إعادة شحن طوق العزلة الفاسدة مراراً وتكراراً بينما تجري تجارب حول هذا الموضوع. تمثلت اختباراتها أساساً في صنع كرة نار عادية، مملوءة بتكتلات متكونة طبيعياً من خيوط سحرية لم تكن تفهمها تماماً، ثم تحويل بعض سحرها تدريجياً وبصورة مزعجة للغاية إلى الهواء المجاور لها، حتى يصل إلى حجم يمكنه من خلق لهب خاص به.
لكن بغض النظر عن عدد مرات محاولتها، أو طريقة تكوينها للخيوط، لم ينجح الأمر. إلى أن بدأت تدع الخيوط تندمج في تكتلات. وهو ما يعني وجود شيء جوهري في تكتل خيوط السحر يسمح لسحرها بالعمل من الأساس. ولم يبدو أن الأمر يتعلق بكيفية انتظام السحر داخل التكتلات، إذ إنه عمل حتى حين حاولت إجبارها على التشتت. حقاً، لم يظهر أي مسار منطقي وراء طريقة عمل هذا. أو على الأقل ليس مساراً يمكنها فك شفرته.
لم تكن تعرف السبب الكامناً وراء هذا التكتل، ولا ما يعنيه ذلك لسحرها بشكل عام. إن كان يعني شيئاً من الأساس. لعل محاولة معرفة هذه الأمور بلا فائدة تذكر. ربما حان الوقت لتعود إلى الطريقة التي كانت تتدرب بها سابقاً. لم يكن الأمر وكأنه لم يكن مجدياً. ولافتقارها المتعلق بسحرها، سيشكل ترقية مهاراتها في المستقبل تعويضاً كبيراً لا شك فيه عن جزء منه على الأقل. لكن... لقد توغلت في جحر الأرنب هذا إلى أبعد الحدود.
لقد وجد السحرة في هذا العالم منذ آلاف السنين حرفياً. وباعتبار السحر حرفة، فمن المؤكد تقريباً أن عدد لا يحصى من البشر قد درسوه واكتشفوا كيف يعمل. أو أجزاء منه على الأقل. ولا بد أن ذلك تضمن طرقاً لتحسين سحر المرء. وحتى لو كانت مهارات إثارة الحرائق وإثارة المياه صعبة نسبياً مقارنة بالتعاويذ العادية، فلا بد أن هناك من اكتشف كيف يستفيد منها بكفاءة أكبر. وانطلاقاً من كلمات أرلين، كانت تلك المرأة واحدة منهم.
وكان من الطبيعي أن ترغب سكارليت في الاستفادة من مهاراتها بأفضل صورة ممكنة. وأن تتحسن بأسرع ما يمكن. كان ذلك أحد الأسباب التي جعلتها هنا من الأساس، حتى وإن لم يكن السبب الرئيسي حتماً. وإن استمرت الأمور على هذا النحو، فسيتعين عليها في النهاية تحمل الخسائر والتخلي عن محاولة فهم هذه الأمور ريثما تتمكن من إقناع أرلين بمساعدتها حقاً. فرغم امتلاكها وقتاً طويلاً في هذا المكان، إلا أنه لم يكن لانهائيّاً.
وأتى الوقت الذي أعلنت فيه أرلين أنه حان وقت رحيلهما في هذا اليوم أيضاً. وبمجرد سماع الكلمات، اختفت كل الأفكار المتعلقة بسحرها من عقلة سكارليت وهي تلتفت نحو المرأة. ...صحيح. لقد كان ذلك اليوم الرابع هنا بالفعل. بقيت عيناها معلقتين بأرلين بينما أعادت المرأة اهتمامها بكتابها. وسرعان ما أقبلت روزا وشين مشيين من وسط ساحة القرية. استخدمت العازفة سحرها لتستعيد سكارليت طاقتها على الحركة مجدداً، وساعد شين في حمل الكرسي عودة إلى الشرفة.
أمضى المرافقان الأثنان الأيام الأربعة الأخيرة مع سكارليت في هذه القرية من دون شكوى واحدة. وفي حين بدا أن معظم القرويين يبتعدون عن الساحة حين كانت سكارليت تمرين سحرها، شرع اثناهما في التعرف إلى الأطفال وبعض الآباء. لقد وجهت إليهما تحذيراً موجزاً في البداية، لكن كان عليها حقاً أن تضع حداً فورياً للأمر بمجرد وصولهما. ألم تكن هي من أخبرت نفسها بأنها لن تسمح لهما بمواصلة المجيء معها؟
لكنها لم تفعل شيئاً يذكر في النهاية. لأن ذلك كان أسهل حين كانت تجهد نفسها بهذه القوة طوال الأيام القليلة الماضية. كما أنها أرجأت ابتكار عذر جيد يمنعهما من الحضور. وما كان لها أن تركز هذا القدر على تدريبها. لقد كان ذلك منها إهمالاً. وكان كسلاً. وإن لم تقفل البوابة المؤدية إلى هذا المكان هذه المرة أيضاً، فسيكون عليها اختلاق شيء على الفور. ليس وكأنها تستطيع ابتكار ما يُصدق على المدى الطويل بشكل خاص.
...تباً لذلك. سيتعين عليها فعل الأمور بالقوة وحسب. إنها الرئيسة، لذا لا يهم الأمر كثيراً. إنه درس للمستقبل. منحتهما روزا وشين نظرات متوقعة بينما استعدا للرحيل. التفتت سكارليت عائدة إلى أرلين.
قالت: "سنغادر إذن".
وتوقفت للحظة.
"...سنتقابل مجدداً".
رفعت المرأة ذات الشعر الأسود نظرها عن كتابها نحوها.
قالت: "أنا متأكدة من ذلك".
الرد ذاته في كل مرة التقت فيها عيناهما، لكن تعابير وجه المرأة ظلت مبهمة كالمعتاد. استدارت لتغادر. وانضمت إليها روزا وشين في صمت وهما تغادران فريدميدو، متبعتين الطريق الترابي المؤدي إلى حدود الغابة التي تحيط بالمرج المسالم القابع في حضن القرية. وربما لاحظ الاثنان أن إرهاقها لم يكن السبب الوحيد لعدم تجاوبها هذه المرة. وصلوا في النهاية إلى الساحة حيث يوجد مدخل هذا المكان.
وكالمعتاد، غلف لون أحمر المكان في هذا الوقت من اليوم، مع غروب الشمس فوق الأفق.
سألت روزا بينما اقتربن من وسط الساحة: "إذن، كم مرة سنفعل هذا؟"
توقف سكارليت أمام البوابة المتموجة المؤدية إلى العالم الحقيقي.
وقالت: "...لا أعلم".
الأمر خاضع للصدفة فيما إذا كان بمكانهما الدخول مجدداً فوراً أم لا. وحتى لو استطاعتا، فلن تقضي سكارليت أي وقت في التدريب هذه المرة.
قالت: "ومهما بلغ عدد المرات، فلن ينضم أي منكما في المرة القادمة".
عبرت البوابة. وكالعادة، اختفت كل أعباء التعب والإرهاق المتراكمة لتعود الأمور إلى طبيعتها، ويستعيد الخريف سيطرته على العالم مجدداً. لكن الآن، وإلى جانب رائحة الغابة الرطبة المعتادة، هبت في الجو رائحة رمادية خافتة. كان أليسا وفين جالسين على الأرض على بعد خطوات قليلة، حيث نشرتا غطاء كبيراً للحماية من أوراق الشجر والعشب الرطبين. جعد فين جبينه وهو يرفع رأسه مستنشقاً الهواء.
والتفت لينظر إلى الفضاء خلف سكارليت. التفتت هي الأخرى لتنظر. ما زال الهواء يتموج بموجات خافتة كما كان من قبل، لكن صبغة حمراء باهتة لحقت به الآن أيضاً. وبدا الأمر وكأن هناك آثار دخان على الجانب الآخر.
قالت أليسا: "هاه؟ ما الأمر يا فين؟"
بعد لحظة، خرج كل من روزا وشين من البوابة. راقبت سكارليت الهواء المتموج عن كثب. لم يختفي. مما يعني بقاء استخدام واحد على الأقل.
سألت روزا وهي تنظر إلى سكارليت: "هي, ما الذي كنت تعنيه قبل قليل؟"
توقفت المرأة وعقدت أنفها.
"ما هذه الرائحة؟"
قطبت روزا حاجبيها. والتفتت هي وشين لينظرا إلى البوابة خلفهما.
"...ما الذي يحدث؟"
قالت سكارليت: "لا شيء يخصك. وما عنيته هو ما قلته بالضبط قبل قليل. لن ينضم أي منكما إلي حين أعود إلى فريدميدو هذه المرة".
التفت شين إليها.
"لماذا لا؟"
"لانه لم تعد هناك حاجة لذلك. وكما رأيتم، الأمر آمن تماماً. ليس هناك ما تقومون به هناك بعد الآن".
بدت النظرات التي تلقتها من روزا وشين مشككة.
تحدثت أليسا: "أنا لا أعرف حقاً ما تفعلونه أنتم الرفاق على الجانب الآخر طوال الوقت".
التفتت سكارليت إليها.
"لكن هل ستعودين إلى هناك الآن حقاً؟"
"أنا فاعلة، نعم".
أشارت الشابة نحو البوابة.
"حسناً، لكن هل من المفترض أن تبدو هكذا؟"
"...هكذا ينبغي".
أومأت سكارليت ببطء. ثم استدارت، وهمّت بالمرور عبر البوابة المتموجة. وقبل أن تستطيع فعل ذلك، تقدم كل من روزا وشين إلى الأمام. حدقت في الاثنتين، وتصاعد تلميح من الانزعاج.
قالت: "تراجعا".
تفحصتها روزا بنظراتها.
"...أعتقد أنه من الأفضل أن نرافق البارونة العجوز بعد كل شيء".
"هذه ليست مسألة قابلة للنقاش. ستنتظران هنا كلتاكما".
تبادلت العازفة نظرة مع شين.
"آسفون، لكن ذلك لا يمنحنا الكثير من الثقة بالضبط".
"هذا لا يهم—"
أعلن فين: "سأذهب أنا".
التفتت سكارليت لتنظر إليه. وارتسمت على وجهه ملامح العزم.
"لن تفعل".
كان انضمامه سيئاً بقدر مجيء أليسا.
سأل شين: "لماذا لا يمكننا الانضمام إن كان الأمر آمنًا؟"
التفتت سكارليت إليه مجدداً.
"لأني أقول ذلك. ستبقيان. تلك أوامر".
عم الصمت البقية على وقع كلماتها. أطلقت روزا سعفة خفيضة في النهاية.
وسألت بصوت أبدو أكثر جدية من المعتاد: "أمتأكدة أنه ليس هناك أي خطر مفاجئ هناك هذه المرة؟"
التفتت سكارليت لتلتقي بعينيها.
"...أنا متأكدة، نعم".
ارتد بصر العازفة إلى فين.
قالت: "إنها تكذب".
حدقت فيه سكارليت بغضب.
وقالت: "أنا لا أفعل. هناك خطر ضئيل، لكنه تافه ومن المستبعد أن يؤثر علي إن لم أبحث عنه بنشاط".
صمت عند ذلك.
قالت روزا إذن: "ما رأيك بهذا إذن؟"
وحين حولت سكارليت انتباهها إلى المرأة مجدداً، توقفت. بدت على وجه العازفة ملامح ثقيلة لكنها مألوفة نوعاً ما. وكأنها تقول إنها اخترقت جزءاً من منطق سكارليت.
"سأذهب معك، ويبقى البقيّة هنا. إن لم يكن هناك خطر، فذلك رائع! سنعزف بضع ألحان ونهز بعض المؤخرات، نحن العجائز فقط. ولن تكون هناك مشكلة حينها. وإن وُجد تنين ينفث النار بانتظار التهامنا على الجانب الآخر، حسناً، فعلى الأقل سنرحل معاً، أليس كذلك؟"
رسمت العازفة ابتسامة تناقض الأجواء المحيطة.
"بهذه الطريقة، لن يشعر البقية بأنهم يتخلون عنك تماماً، أتعلمين. بالطبع، يمكنك الوثوق بي كي ألا أثرثر بشأن أية كنوز لا تقدر بثمن تحاولين إخفاءها سراً هناك حقاً".
قالت كلماتها بطريقة مرحة، لكن سكارليت أدركت أنها لم تظن أن ذلك هو سببها الحقيقي لإبقائهما بعيدين. حدقت في المرأة طويلاً.
"...أمتأكدة أنت؟"
ابتسمت روزا عرضاً.
"متى لا أكون كذلك؟ أنا أكثر الناس تأكداً على الإطلاق. اليقين هو اسمي الأوسط، مباشرة بعد إثارة القلوب".
سألت سكارليت وهي تنظر إلى البقية: "وهل سيناسب ذلك بقيتكم؟"
أومأ الجميع ببطء، رغم أن فين لم يبد معجباً بالفكرة. التفتت سكارليت إلى روزا.
"فلنمضِ إذن".
أومأت المرأة.
"لنقم بذلك".
تحرك شين إلى الجانب ليسمح لها بالمرور، وخطت سكارليت متجاوزة إياه عبر البوابة. التوت محيطها وتمددت وتغيرت بينما خرجت إلى النسخة الأخرى من الساحة مجدداً. لكن الأمور قد تغيرت. فقد صار الجو مظلماً الآن، وعلقت رائحة الاحتراق في الهواء. وفي الأفق، فوق الأشجار التي أمامها، تدلت غيوم كثيفة منخفضة في السماء، عاكسة لوناً أحمر داكناً بينما تصاعد الدخان نحوها.
ظهر صوت روزا القلق إلى جوارها: "ما الذي يحدث؟"
التفتت سكارليت لتنظر إلى المرأة.
وقالت: "كابوس".