"سيدي."
استلقى غارسيد على فراشه مستنداً بظهره إلى الجدار.
"يشرّف هذا الخادم أن تجتمني سيّدتكِ من وقتها لتقوم بزيارة."
"لا تهتم لأمر ذلك."
قالت سكارليت بعد أن دخلت الغرفة وهي ترمقه بنظرة لفترة قصيرة. كانت قلقة بعض الشيء بشأن حالته، ولهذا السبب قررت القيام بزيارة قصيرة للاطمئنان وحسب. بدا وجه الخادم العجوز شاحباً وهو يبادلها النظرة، وكان النصف العلوي من كتفه الأيسر مدعوماً بطبقة سميكة من الضمادات. وبناءً على طلب سكارليت، زارت روزا الرجل بضع مرات منذ هجوم العصابة لمعرفة ما يمكنها المساعدة فيه، لكن العازفة قالت إن السحر الشافي لا يستطيع فعل الكثير من أجل تعافيه في الوقت الحالي.
بدا أن هناك حداً لما يمكن أن يتحمله جسم الإنسان من شفاء دفعة واحدة، وكلما طال انتظارك، قلّت قدرتك على فعل شيء بالسحر وحدَه. وكان العمر عاملاً أيضاً فيما يبدو. ورغم أن سكارليت كانت تعدّ غارسيد نشيطاً للغاية بالنسبة لعمره — نظراً لأنه كان يواجه مشاكل أقل منها في تسلق جبل لعين — إلا أن القدرة على التحمل لم تكن تعني تعافياً أفضل في هذا السياق. لقد فعلت روزا ما بوسعها، لذا ترك الأمر برمته لغارسيد نفسه لاستعادة الرمق الأخير من التعافى.
وطلبت سكارليت أيضاً ممّن يُفترض أنه طبيب العائلة زيارته من المدينة، لكن الرجل قال الكلام نفسه تقريباً. ولم يكن متأكداً تماماً حتى ممّا إذا كان غارسيد سيستعيد استخدام ذراعه. عندما سمعت ذلك لأول مرة، أدهشها كمية الغضب الهائل الذي أشعله فيها. لدرجة أنها انتهى بها الأمر باستخدام جلسة تمرن كعذر لتنفيس بعض ذلك الغضب. وكانت لا تزال تجد عقله يشرّد أحياناً إلى تلك المسألة.
وإلى العصابة المقدسة. وخاصة ريا. فقد ترددت في ذهنها أفكار غضب غير متوقعة موجهة نحو تلك المرأة أكثر من مرة. وعلى العموم، كانت تحاول تجاهل الأمر قدر الإمكان. فالسماح لانزعاجها بالتسرب أمام الآخرين كان مزعجاً تقريباً مثل الانزعاج نفسه. لقد كان من المذهل أن يتطلب الأمر هذا كله لكي تدرك مدى تعلقها بهذا الخادم العجوز. بطبيعة الحال، لابد أن يكون هذا التوافق أثراً مخلفاً من سكارليت الأصلية.
ولكن حتى الآن، كان الأمر أكثر خفاءً بكثير من العديد من المشاعر الأخرى التي خلفتها تلك المرأة وراءها. وهذا يجعلك تتساءل عما إذا كانت سكارليت نفسها تدرك مدى اهتمامها بغارسيد على ما يبدو. وبالنسبة لها، ولأيمي، كان هذا شعوراً جديداً. أن تشعر بهذا القدر من القوة تجاه رفاهية شخص آخر. ولم تستطع تذكر شعورها بمثل هذه القوة حتى تجاه والديها أو شقيقتها. فهل تضحك أم تبكي من حقيقة أن شخصاً ملتوياً مثل سكارليت يبدو وكانه يمتلك تعلقات عاطفية أقوى بالآخرين مقارنة بها؟
وقعت عيناها على الطاولة المجاورة لسرير غارسيد، وعلى الأوراق المليئة بالكتابات الملقاة هناك.
"أرى أنك وجدت أنه من المناسب عدم التخلي عن واجباتك أثناء فترة نقاهتك."
"أنا الخادم الوحيد لهذا البيت يا سيدتي."
قال الرجل بنظرة يقين تناقض مظهره الشاحب.
"من الصواب فقط أن أحافظ على تلك الواجبات التي لا زلت أستطيع أداءها طالما أنني أتنفس."
عبست. ولم تكن الطريقة التي صاغ بها كلامه تروق لها.
"أنا متأكدة من وجود أشخاص آخرين في هذا البيت قادرين بما فيه الكفاية على تولي تلك المسؤوليات في الوقت الحالي."
وقالت: "ومع ذلك أخبرني مارلون أنك غادرت غرفتك هذا الصباح للإشراف على جهود البنائين وهم ينظفون الفناء."
والتقت بعينيه.
"لقد خدمت هذه العائلة بإخلاص لفترة طويلة. فلا تنسَ أن عافيتك المستمرة ضرورية إذا كنت تريد الاستمرار في القيام بذلك مستقبلاً."
منحها غارسيد نظرة طويلة، وبدت على وجهه تعبيرات يصعب فك شيفرتها. ولم تكن متأكدة مما كان يدور في ذهنها خلف تلك العينين المتغضنتين. وفي النهاية، خفض رأسه.
"أنت على حق يا سيدتي. لقد كنت طائشاً في أفعالي وأظهرت قلة احترام تجاهك وتجاه البارونية. ومن الآن فصاعداً، سأكون أكثر انتباهاً لحالتي."
"احرص على أن تكون كذلك."
أومأت سكارليت برأسها قبل أن تلقي نظرة حول الغرفة. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تزور فيها هذا المكان، لكنها كانت تفاجأ دائماً بالديكور إلى حد ما. فمن خلال شخصية غارسيد، يتوقع المرء أن تكون غرفة غارسيد تقشفية في أثاثها. ومع ذلك، كانت على العكس ممتلئة عن آخرها بالمزهريات والخزفيات المختلفة، وبدو بعضها وكأنها صُنعت بواسطة حرفيين حقيقيين. وباعتباره مجرد خادم، فإن المرء يتساءل كيف كان بإمكانه تحمل تكلفة كل هذا.
لابد أنه كان يدخر المال لفترة طويلة. أو ربما حصل على بعضها كهدية. ومهما يكن السبب، كان من المثير للاهتمام أن يرى المرء العجوز يحمل مثل هذا الاهتمام. توقفت عيناها عند مزهرية ذات نقوش زهرية غريبة تحيط بالعديد من الجداريات المعقدة على جانبها. وبدت الجداريات وكأنها تحكي قصة صياد يصارع مخلوقاً ضخماً يشبه القندس ذا رؤوس ثلاثة. منظر غريب حقاً. التفتت إلى غارسيد مجدداً.
"لقد أتيت إلى هنا لأنني رغبت في إعلامك بأنني والآخرين سننطلق مرة أخرى صباح الغد. سنقوم بالرحلة إلى الشمال الشرقي من فريبلوك."
"مرة أخرى يا سيدتي؟"
تحول تعبير الخادم إلى الانزعاج.
"ماذا لو حدث شيء ما؟"
"سنكون بخير. في الوقت الحالي، لا يوجد من لديه سبب لإحداث مشكلة لي، ولا أي شخص قد أمنحه الفرصة لذلك."
كانت العصابة المقدسة ستفعل شيئاً بالفعل لو كانت تخطط للتراجع عن اتفاقهما في وقت مبكر هكذا. وهي تشك في أن يفعلوا ذلك. ليس حتى تسلمهم الجزء الثالث من ختم ثاينيث أو يستيقظ الرجل الصياد. وبالنظر إلى كونهم التهديد الحقيقي الوحيد لها في الوقت الحالي، لم تكن خائفة من مغادرة القصر. فقد غادروا لتنظيف آخر زنزانة في منطقة فريبلوك قبل بضع أيام دون مشاكل على سبيل المثال. رغم أن غارسيد والآخرين كانوا معارضين لذلك أيضاً.
"الى متى ستبقين غائبة؟"
"لا أعلم. من المستبعد أن تستغرق الأمر أكثر من يوم. وحتى لو استغرقت وقتاً أطول، فلا داعي للقلق المفرط."
قالت سكارليت. لن تكون هذه الرحلة الوحيدة من نوعها في الأسابيع القادمة. ومع عدم تبقي أي زنزانة أخرى بالقرب من فريبلوك، فسيتعين عليهم البدء في السفر أكثر فأكثر، وحجز المزيد من الرحلات عبر شبكة كيْلنستون.
"أرى..."
تمتم غارسيد."
"سأفعل."
تبادلت سكارليت بضع كلمات أخرى مع الخادم، وانتزعت منه وعداً بأنه لن يغادر غرفته ليخرج ويعمل حتى الموت أو شيئاً غبياً كهذا، قبل أن تغادر الغرفة في النهاية. تحول عقلها إلى رحلة الغد وهي تشق طريقها نحو المكتبة في القسم الأمركزي من القصر. ومثلما أخبرت غارسيد، لم تكن تتوقع لهذه الرحلة أن تستغرق أكثر من يوم واحد — طالما أن كل شيء سار وفقاً لمعرفتها باللعبة. لكن الأمر قد يستغرق وقتاً أطول بكثير إذا اختلفت الأمور لسبب ما.
ولهذا السبب أجلت مغادرتها حتى الآن، لكي تتمكن من استقبال غافين والكونتيسة عندما زاروها في اليوم السابق. لم يبقِ الاثنان طويلاً بعد زيارتهما، وغادرا خلال الليل، بعد أن تحدثت سكارليت أكثر مع غافين بشأن مهامه وأجبرت نفسها على التفاعل أكثر بقليل مع الكونتيسة. قد يمر أسبوع قبل أن يعودا. ولم تستطع سكارليت القول إنها كانت متحمسة بشكل خاص لذلك. سواء الاجتماع القادم بحد ذاته، أو الأخبار التي سيجلبها.
وسواء كانت جيدة أم سيئة. مع ذلك، لم تستطع الشكوى كثيراً. فقد سار كل شيء تماماً كما خططت بالأمس. وكانت الكونتيسة سهلة الإقناع بشكل مخيف لتنضم إلى صفها. ولم تطلب المرأة شيئاً تقريباً في المقابل للعمل مع سكارليت. وبطبيعة الحال، دمرت عن طريق الخطأ طاولة أيضاً. لم تكن الأمور مثالية تماماً. سيتعين على سكارليت ابتكار تفسير لذلك. لم تكن قد جعلت الخدم يدخلون الغرفة بعد، لكن شخصاً ما سيتعين عليه تنظيف الفوضى هناك.
وبعد الانتهاء في المكتبة، سيتعين عليها العثور على مارلون وتوجيهها لإرسال بعض الخدم لتنظيف الأشياء. وعند وصولها إلى المكتبة، توقفت سكارليت عندما رأت شين وأليسا يغادران المكان معاً. وتوقف الحارسان الشابان وألقيا التحية عليها. وألقت نظرة على الباب خلفهما.
"هل كان اثناكما يتصفحان المكتبة معاً؟"
"حسنًا، كان شين يفعل ذلك."
أجابت أليسا.
"لقد رافقته وحسب."
"أرى ذلك."
التفتت سكارليت إلى الشاب المعني.
"آمل أنك وجدت شيئاً لفت انتباهك."
"لقد فعلت."
ورفع بيده كتاباً سميكاً مجلداً بالجلد.
"ماذا تفعلين الآن؟"
سألت أليسا. نظرت إليها سكارليت.
"أنا أستعد لرحلتنا غداً."
"أه..."
نما التردد على تعابير وجه الشابة.
"إلى أين نحن ذاهبون هذه المرة؟"
"إلى قرية صغيرة شمال شرق فريبلوك. الرحلة بحد ذاتها ليست طويلة للغاية، لذا سيتم شغل معظم وقتنا بما سنفعله هناك. أنصحك بإحضار ما يكفي من المعتاد لكي تكوني مستعدة لأي ظروف غير متوقعة."
رفع شين حاجبيه.
"هل سنغادر لفترة طويلة؟"
"ليس بالضرورة."
قالت سكارليت.
"لكن من الأفضل أن تستعد وكأننا سنفعل."
اكتفى بالإيماء لكلماتها.
"حسناً."
لكن أليسا أطلقت عليها نظرة مترددة.
"هل هناك ما ترغبين في قوله؟"
انكمشت الفتاة.
"لا، الأمر فقط... هل ينبغي لنا حقاً المغادرة مرة أخرى، بالنظر إلى الأمور؟"
درستها سكارليت للحظة. ورغم أن الأمر لم يكن خطيراً، إلا أنها شعرت أن أليسا كانت تتصرف بغرابة بعضشئ حولها منذ هجوم العصابة المقدسة. وعندما غادروا لتطهير الزنزانة، بدت معارضة للفكرة أيضاً.
"هل أنت خائفة ربما من أن نتعرض للهجوم مرة أخرى أثناء رحلتنا؟"
سألت. أوحى وجه أليسا بأنها أصابت كبد الوباء.
"أنا لست... خائفة."
قالت الفتاة.
"الأمر فقط أن... لا يبدو أنها أفضل فكرة، إذا كان الناس يريدون قتلك، أليس كذلك؟"
التفتت إلى شين، وضربته على ظهرها.
"وهو يظن ذلك أيضاً، حتى لو كان خائفاً جداً من قول ذلك."
فاكتفى بمنحها نظرة باردة.
"لم أقول أبداً إنها فكرة سيئة."
"لكنك كنت تفكر في ذلك! لا تفتعل أنك لم تكن تفعل!"
راقبت سكارليت الاثنين. لقد كانت غامضة للغاية عندما وصفت أحداث هجوم العصابة، وعزته إلى منظمة إجرامية تسعى للنيل منها. ورغم أنها شعرت بأن هذين الاثنين كانا يقبلان عادة معظم كلامها دون مشاكل كثيرة، إلا أن أليسا بالخصوص بدت غير مرتاحة لعدم معرفتها المزيد عما حدث هذه المرة. خاصة بعد أن سمح للمهاجمين بالمغادرة دون خوض معركة أكبر وجمع جميع قتلاهم. مع ذلك، وافق الحارسان على الإبلاغ عن جزء الهجوم الإجرامي فقط لنقابة الدروع، وهو ما كانت سكارليت ممتنة له.
واعتقدت أنها لا تستطيع لمهما حقاً على التساؤل حول بعض أفعالها في هذه المرحلة.
"حيث سنذهب، لن تضطري إلى القلق بشأن أي هجمات أخرى."
قالت.
"من المستبعد أيضاً أن تحدث أي معركة، لذا إذا كنت ترغبين في البقاء هنا في العقدي، يمكنك فعل ذلك."
قد يكون ذلك أفضل في الواقع، بالنظر إلى الظروف في هذا المكان.
"م-ماذا؟"
اتسعت عينا أليسا.
"لا، لا، أنا لا أقول إنني لن أذهب. كنت أتساءل فقط عما إذا كان ما نقف تفعله ضرورياً حقاً في الوقت الحالي."
"الحذر أمر جيد عندما يملك المرء ترف ذلك. لسوء الحظ، أفتقر إلى حرية تأجيل هذه الأمور إلى وقت لاحق، لذا فإن الحذر المفرط لن يخدمين."
"أه..."
جذبت أليسا بخفة خصلات الشعر الأشقر التي تدلت على كتفيها.
"إذن، أعتقد أننا ذاهبون إذن؟"
"نحن ذاهبون."
"متى سنغادر؟"
سأل شين.
"في أسرع وقت ممكن. تأكد من أنك لا تنسى شيئاً."
"سنجهز كل شيء الليلة إذن."
أمسكت أليسا بذراع شين وبدأت في جره معها.
"لن نواصل تعطيلك. نراك لاحقاً."
ودّعت سكارليت بإيجاز وهي تتابع الاثنين يختفيان في الممر، ثم التفتت نحو باب المكتبة. لقد حان الوقت لترى إن كانت ستتمكن من العثور على خريطة قديمة حقاً أم لا.