مذكرات شريرة محلية مغمورة الفصل 54 — اعترافات

اقرأ مذكرات شريرة محلية مغمورة الفصل 54 — اعترافات باللغة العربية على مانجا تايم.

أعادت إيفلين قراءة المقطع ذاته من الأوراق الماثلة أمامها للمرة الخامسة على التوالي. أطلقت أزَّة خافتة وهي تقبض على جانبي رأستها، منحنية فوق مكتبها. بالكاد أنجزت أي عمل يذكر اليوم. فكل أفكارها كانت تعود دوماً إلى المشكلة نفسها. كان الأمس كارثة. بعد العرض الجنوني الذي قدمته سكارليت أمام ما يقرب من كل نبيل في الإمبراطورية، لم تدرِ إيفلين ما يجب عليها فعله. جعلها رؤية شقيقتها تفعل شيئا متغطرساً إلى هذا الحد أمام الإمبراطور تظن أنها على وشك الإغماء.

كان الوقوف هناك في قاعة إيليزيا لساعات، مع معرفة عشرات المحيطين بها لهويتها ونظراتهم إليها، إحدى أكثر التجارب إرهاقاً في حياتها. حين بدأ حفل إيليزيا، أملت على الأقل في إنقاذ بعض الموقف. راحت تجول محاولة الحديث مع أكبر عدد ممكن من الناس، سعيَة لستر كلمات سكارليت وبناء بعض الروابط، لكنَّ كثرة منهم اختلقوا أعذاراً واهية لتجنب الحديث معها إثر تعريفها بنفسها. حتى إن اثنين من شركائها التجاريين القدامى تجاهلوها.

كان أحد القلائل ممن بدا مهتماً بالحديث معها حقاً باروناً يشغل منصب عميد برج للسحر. قدمته سكارليت، من بين كل الناس. لأن شقيقتها بالطبع لم تكن تعلم بأنهما قد أبرمتا اتفاقيات مسبقة مع أبراج أخرى بخصوص المواد المعثور عليها في أطلال زوفري. لو لم يكن الأمر بالغ السخافة في موقف كهذا، لظنت إيفلين أن سكارليت تتعمد جعل كل شيء عسيراً قدر الإمكان بالنسبة لها. تسببت تصرفات سكارليت في تجميد مجتمع النبلاء لعائلتهما في أقل من يوم واحد.

لم يرغب أحد في الارتباط ببيت أهان علناً جميع الدوقيات وأظهر كل هذه الغطرسة السافرة. أغمضت إيفلين عينيها ووضعت رأسها على المكتب. كانت بالغة التعب. لقد استنزف الأمس كل طاقتها. ولم تمتلك حتى الروح لسؤال سكارليت عن أي شيء في طريق العودة من القصر. في الليلة السابقة، لم ترغب في شيء قدر رغبتها في الخلود إلى النوم والأمل في أن يكون كل ذلك كابوساً مزعجاً. لكنها لم تنل بعد ذلك سوى القليل جداً من النوم لعجزها عن التوقف عن التفكير في الأمور.

لفترة ما، ظعت إيفلين أن سكارليت تتحسن. وأملت أن يكون ذلك صحيحاً، رغم كل ما تشاجرتا حوله مؤخراً. لكن لا. أياً يكن العمل الذي تورطت فيه شقيقتها الآن، فقد صعد إلى رأسها بلا شك. وبدت الآن ظانة أنها قادرة على فعل ما تريد تماماً، وليجحيم العواقب. أأدركت سكارليت حقاً أنها طعنت كلتيهما في مقتل بهذا؟ أم أنها ظنت جادة أن هذا سيرفعها أعلى في سلم المجتمع؟ كان الأمر أشبه بالمهزلة للدرجة التي وصلت إليها شقيقتها لإيصال بيتهما إلى الخراب.

لقد كانا بالفعل في وضع مالي رهيب، وها هما توشكا أن تُشلا اجتماعياً بين النبلاء أيضاً. بقت إيفلين ممددة برأسها على المكتب لفترة، محاولة التهدئة بينما ترتب أفكارها. ثم أجبرت نفسها على العودة إلى المستندات التي كانت تراجعها، بنجاح طفيف. وأخيراً، دُق الباب.

سألت بصوت واه: "ما الأمر؟"

حدث توقف على الجانب الآخر من الباب، قبل أن ينطلق صوت.

"أعتقد أن علينا التحدث."

اتسعت عيناها. كانت سكارليت.

"...أنا مشغولة."

لم ترغب في خوض أي حوار يمثله هذا الكلام الآن.

رن صوت سكارليت: "قد يكون الأمر كذلك، لكننا ما زلنا بحاجة للتحدث. لا أظن أن بإمكاني تأجيل هذا أكثر."

انفتح الباب ودخلت سكارليت، بادية في قمة اللياقة والأناقة بالفستان الداكن الضيق الذي ترتديه. من المؤكد أنها لم تعانِ من مشكلات في النوم.

تمتمت إيفلين: "ما الذي لا تفهمينه في كلمة مشغولة؟"

نظرت سكارليت إلى الوثائق الموجودة على مكتب إيفلين.

"...أعتذر. لكن هذا مهم."

تقدمت وجلست في المقعد الوثير الواقع بين رفي الكتب في الغرفة، ووضعت كلتا يديها على ساقيها بينما انخفض رأسها. راقبت إيفلين بارتباك. لم يبد هذا كشقيقتها قط. لتووقعت منها أن تكون أسوأ من المعتاد حتى، بعد اليوم السابق.

بدأت سكارليت رافعة بصرها إليها: "أنا... أدرك أن ما فعلته بالأمس كان ضاراً بنا."

رمشت إيفلين مطملة في شقيقتها.

"وسأعترف بأنني..."

توقفت سكارليت مجدداً.

"...أنني لم أدرك تماماً التداعيات التي قد يخلفها هذا على بيتنا."

سألت إيفلين: "أنتِ... تعتذرين؟"

رأت كيف تحولت مفاصل أصابع سكارليت إلى اللون الأبيض من شدة قبضها عليها وتشابكها. التقت عينا شقيقتها بعينيها وأومأت ببطء.

"أنا كذلك."

صمتت إيفلين مطولاً.

سألت في النهاية: "لماذا؟"

"لأنني أرى أنه من الصواب علي وحدي الاعتراف بأخطائي قبل أن نبدأ هذا الحوار."

هزت إيفلين رأسها.

"لا. أعني لماذا فعلت ذلك؟"

حدقت في سكارليت.

"لماذا تفعلين شيئاً بغباء محاولة وضع نفسك في نفس مستوى دوق أمام الإمبراطورية بأسرها!"

نظرت سكارليت إليها بدورها. رأت إيفلين الحدة في عينيها. النظرة ذاتها التي كانت لشقيقتها كلما غضبت منها. لكن عوضاً عن الرد بالمثل، أغمضت سكارليت عينيها لثانية والتفتت نحو النافذة.

"أعتقد أن هذه بداية جيدة للانتقال إلى الموضوع الرئيسي الذي جئت لأتحدث بشأنه. الحقيقة وراء بعض الأحداث الأخيرة. مع أنه سيكون من الصعب بعض الشيء شرحها بالشكل الملائم."

"...ماذا؟"

"أتخيل أن لديك الكثير من الأفكار والأسئلة بخصوص تصرفاتي طوال هذا الشهر."

رفعت سكارليت يداً ونقرت بأصابعها. ظهرت كرة من النار في وسط الغرفة، تحوم على ارتفاع متر فوق الأرض.

"أعتقد أنك كنتِ فضولية أيضاً حيال قدراتي السحرية الحالية، فضلاً عن القطع الأثرية ذات الصلة."

فجأة ظهرت كرة من الماء الدوار بجانبها، وشرعت الكرتان في الدوران حول بعضهما.

"مع أنني ألمحت إلى ذلك مسبقاً، إلا أن الحقيقة وراء هذا هي أنه لا توجد أي قطع أثرية مسؤولة عن سحري."

أبعدت سكارليت شعرها الأحمر إلى الجانب وأشارت إلى القرط الكهرماني الذي تضعه في أذنها اليمنى.

"لهذا وظيفة منفصلة تماماً عن كل من سحر النار وسحر الماء. ومثلها بقية القطع الأثرية التي حصلت عليها. فمهارة تحريك الأشياء بالنار والماء التي ترينني أعرضها هي قوتي الخاصة وحدها."

حدقت إيفلين في الكرتين العنصريتين الدورتين، ثم التفتت إلى سكارليت.

"هذا مستحيل."

لم تكن مهارة تحريك الأشياء بالنار ولا بالتراب الخاصة بها قريبة حتى من بلوغ المستويات التي رأت سكارليت تعرضها لو كان ذلك صحيحاً. ما كانت تراه هنا، وما رأته قبل أيام قليلة في الحديقة، لابد أنه نتج عن قطع أثرية أو أشياء مسحورة من نوع ما. لم تكن هناك أي سبل لتفعل سكارليت ذلك. كانت إيفلين أعلم الناس بأن سكارليت كانت سيئة دائماً في السحر.

قالت سكارليت: "لن ألومك على عدم تصديقك، لكنها الحقيقة مع ذلك."

سألت إيفلين: "كيف يكون ذلك ممكناً؟ أتحاولين إخباري أنك كنت تخفين هذا طوال الوقت؟"

نقرت سكارليت بأصابعها فاختفت النار والماء.

"ترتبط الإجابة عن ذلك بالسبب الذي جعلني أتصرف على النحو الذي فعلته في الإعلان، لذا أظن أنني سأبدأ من هناك."

أخذت شقيقتها نفساً عميقاً، ثم واصلت الحديث.

"الحقيقة البسيطة هي أنني كنت..."

رأت إيفلين فك شقيقتها يتصلب.

"...قد نسيت التحية الملائمة. ولهذا، قلدت بدلاً من ذلك تصرفات الدوق تيندال."

اتسعت عينا إيفلين وهي تحدق في شقيقتها.

"نسيتِ؟!"

أومأت سكارليت برأسها.

"وتلك ليست الشئ الوحيد الذي نسيتُه."

"ماذا تعنين؟"

ظلت سكارليت صامتة لثوانٍ معدودات.

غيرت الموضوع فجأة: "أَتتذكرين زيارتك للقصر في بداية الشهر الماضي؟"

عقدت إيفلين حاجبيها. كان ذلك حين انضمت إلى كينسلي عندما سلم دفاتر المقاطعة. أرادت مواجهة سكارليت بشأن إلغائها مخصصات برج بروك.

تابعت سكارليت: "حينها بدأ الأمر."

"ما الذي بدأ؟"

"الأمر... معقد بطرق لا يمكنني وصفها بالكامل."

بدت سكارليت كمن يزن ما توشك قوله.

"أفترض أنك على دراية بمن يكون العراف؟"

"بالتأكيد أنا كذلك. لكن ما علاقة أتباع العراف بهذا؟"

"لا شيء. ومع ذلك، ليس هذا ما أعنيه."

هزت سكارليت رأسها.

"يُمنح العراف التوجيه والرؤى المستقبلية من السيادة. من إيتار بنفسه. ومع ذلك، لا تظهر العرافة الحالية غالباً. أتعرفين لماذا؟"

"لأن عمل العراف يمثل عبئاً على العقل. عليهم قضاء الكثير من الوقت في تفسير رغبات إيتار."

عبست إيفلين، مع أنها أرادت التنهد. لماذا كانت سكارليت تدور في حلقات هكذا؟ أومأت سكارليت برأسها.

"هذا صحيح، جزئياً. ومع ذلك، فهو يقلل بشكل كبير من جسامة المنصب وعواقبه. الحقيقة الكاملة هي أن العرافة نفسها ليست في حالة واعية بما يكفي لتكون قابلة للمثول طوال الوقت تقريباً."

رمقت إيفلين سكارليت بنظرة مشككة.

"كيف يمكن أن تعرفي ذلك أصلاً؟"

رسمت سكارليت على محياها ابتسامة مريرة تقريباً.

"لأنني في وضع لا يختلف كثيراً عن وضعها."

عمَّ الصمت الغرفة. تحدقت كل منهما في الأخرى. بدأت إيفلين تشك بجدية في سلامة عقل شقيقتها.

قالت سكارليت: "لم أكن أتوقع أن تصدقيني على ما أقول. مع أنني أتمنى حقاً أن تستمعي إلي."

"أستمع إليك بشأن ماذا؟ أتقولين إن إيتار يخاطبك؟"

رمقتها سكارليت بنظرة طويلة.

"ليس تماماً، لا."

سألت إيفلين: "إذاً ماذا؟"

"بينما لا يمكنني الجزم بمنشا الظاهرة، صحيح أنني تلقيت... وحياً، من نوع ما. من قوة تفوقني بكثير."

رفعت سكارليت يدها عارضة الخاتمين اللذين عليهما، ومشيرة إلى قرطها.

"معرفة بمستقبل لم يأتِ بعد. معلومات عن قطع أثرية وأحداث وأشخاص مهمين، يعجز المرء عن جمعها بالطرق المعتادة. وخبرة في السحر أفهمها بالغريزة."

نظرت سكارليت في عينيها.

"تساءلتِ أين عرفت عن أطلال زوفري، والقطع الأثرية الأخرى التي حصلت عليها؟ وكيف استطعت أداء سحر كالذي عرضته سابقاً دون الاستعانة بأغراض؟"

أومأت لها.

"تلك هي الإجابة."

عاد الصمت وساد بينهما مجرد سكون.

قالت إيفلين بصوت متعب أخيراً: "لنفترض أنني أصدقك."

لم تدرِ لماذا كانت سكارليت تحاول اختلاق كل هذه الأعذار الغريبة، لكن من الواضح أن شقيقتها قد فكرت في الأمر مطولاً.

"أتقولين إنك نسيت أشياء لأن ملكاً ما وضع رؤى في رأسك؟"

قطبت سكارليت حاجبيها مقاطعة: "لم أقل إنه ملك. بل مجرد قوة تتجاوزني. ولم أدعُ قط تلقي رؤى."

شدد فم شقيقتها...

"ربما يكون من الأفضل وصفها بذكريات. منفصلة عما كان موجوداً من قبل، ومرعبة بحق في تنبؤاتها، ومع ذلك فهي ليست موثوقة دائماً في دقتها. ولسوء الحظ، فقد جعلت التمييز بين بعض المعلومات وغيرها أمراً عسيراً داخل عقلي. بل ومستحيلاً أحياناً."

حدقت إيفلين فيها.

"أأنت جادة؟"

رمقتها سكارليت بنظرة ثقيلة.

"أشد الجد."

"...وبدأ الأمر قبل شهر؟"

"نجل."

"...وكنت ترين أنه من الجيد التزام الصمت حيال ذلك؟ حضور إعلان إيليزيا اللعين هذا دون معرفة ما ينبغي فعله?!"

انحنت إيفلين إلى الأمام ضاغطة على صدغيها، مهتزة برأسها مما تسمعه. بدا الأمر وكأنها مجرد كذبة تلفقها سكارليت، لكن لم يكن منطقياً أن تكذب بشأن نسيان أشياء إن لم يكن ذلك صحيحاً. أكان هذا الجزء صحيحاً بالفعل، وكانت سكارليت تحاول التغطية عليه بإضافة باقي هذه التررهات؟

سمعت سكارليت تتردد: "هذا..."

"قريب من الحقيقة."

ألقت إيفلين نظرة خاطفة عليها.

"تدرين أن هذا كله لا يمنح أي معنى، أليس كذلك؟ لمَ لم تتوقفي لتفكري للحظة فحسب، ولمَ لم تفكري في إخباري بالأمر؟ قبل أن تمضي قدماً لتغضبي نصف سكان الإمبراطورية!"

رفعت شقيقتها حاجباً في وجهها.

"هذا ما أفعله الآن. ومع ذلك، لم أكن أرَ، وما زلت لا أرى، أنه كان سيكون قراراً حكيماً مني فعل ذلك مبكراً."

"لمَ لا?!"

تحولت نظرة شقيقتها إليها لتصبح أبرد من المعتاد.

"أنا أدرك أنك كنت تجمعين الأدلة للإطاحة بي."

تجمدت إيفلين.

"أيمكنك القول، وأنت بكامل الصراحة، إنك كنت ستمدين لي يد العون ببساطة لو اقتربت منك قبل شهر بهذه المعلومات؟ لو أنني..."

تجهمت سكارليت.

"اعترفت... بأنني لست بكامل قواي العقلية، وعاجزة عن أداء كل واجباتي كبارونة؟"

"أ-أنا..."

ترددت إيفلين في قول أي شيء.

"لا أظن أنك كنت ستفعلين. لذا ارتأيت أن من الأفضل البقاء صامتة. ومع أنني أقر بأن ذلك كان متغطرساً مني، إلا أنني اعتقدت أنني قادرة على تدبر أمري بمفردي."

عبرت ذهن إيفلين أفكار شتى، ولم تدرِ على ماذا تركز. لكن شيئاً واحداً خطف عقلها.

سألت شقيقتها: "إذاً كنت تعلمين؟"

"لهذا قررت فجأة 'مساعدة' الكونت نوتلي في التعامل مع أولئك المجرمين. أردت فقط إخفاء أي آثار لتورطك معهم، لأنك خفت أن أعثر على ما يدينك."

ازداد تجهم سكارليت عمقاً.

"لا، لم يكن هذا السبب الوحيد لفعل ذلك."

أطلقت إيفلين ضحكة ساخرة: "ماذا، أستخبرينني أنك فعلت ذلك لأجل أولئك الأطفال حقاً؟ كلانا يعلم أنك لا تكترثين البتة بما يحدث لهم. تأسيسك لملجأ أيتام هو نكتة من أكثر من وجه وكل من يعرفك بحقيقتك سيرى من خلالها بوضوح تام."

"ليس هذا على الإطلاق ما كنت..."

"والآن، أياً يكن ما تورطت فيه هذه المرة، فإنه لا يهدد حياتك وحدك، بل بقاء بيتنا بأسره!"

انفجرت سكارليت حادة: "إيفلين، دعيني أتحدث."

شعرت إيفلين بقشعريرة باردة تسري على طول عمودها الفقري حين توقفت الكلمات في حلقها، لكنها هزت رأسها.

"لا، لن أتركك تتحدثين. أتعلمين كم كان الأمر قاسياً. كيف اضطررت، بعد وفاة أبي، لمشاهدتك وأنت تدفعين البارونية نحو الخراب تدريجياً عاماً بعد عام بسبب لا مبالاتك بأي شيء لا يهمك أو لا يعزز مكانتك؟ لمشاهدتك تدمرين حياة الناس، الأطفال، فقط لإشباع جشعك الخاص. لتقضية كل يوم في محاولة تنظيف فوضاها؟"

رأت ملامح سكارليت تزداد سوءاً ثانية بعد ثانية، لكنها لم تبالِ.

"إيف..."

"ماذا؟ أتقثنين أن الأمور ستتحسن لمجرد أنك تخلصت من بعض الهياكل العظمية في خزانتك؟ متظاهرة بأنك تساعدين الناس، وتنجحين في إيجاد بعض القطع الأثرية؟ الحقيقة أنك تخلتِ حتى عن كل ذلك بالأمس، ولا يمكنني حتى القول إن كنت سأ..."

صاحت سكارليت: "ألن تصمتي لثانية واحدة فحسب!"

تجمدت إيفلين، بعينين بلا رمش وهي تحدق في سكارليت. بدت شقيقتها أكثر دهشة، وقد اختفى كل الغضب تقريباً الذي كان يعتلي ملامحها. نظرت سكارليت إليها للحظة، ثم التفتت بعيداً وهي تعبس. نقرت بلسانها وهي تضع يدها على صدغها.

قالت بصوت أهدأ: "ليس لدي ما أقوله حيال الصعاب التي مررتِ بها. إنه لأمر مؤسف حقاً، لكنه ليس شيئاً يمكن لسكارليت الحالية الاعتذار عنه. حسبي أن أعلمك أنني، كما أنا الآن، لا رغبة لي في إلقاء أعباء لا داعي لها على عاتقك."

بقيت صامتة لبضع ثوانٍ أُخر، ثم التفتت مجدداً نحو إيفلين.

"كان تورطي في عصابة الكلب الرمادي خطأً ارتكبته النسخة القديمة مني بدافع التافه والطيش. قررت التعامل معهما لأنني عاينت المستقبل الذي كان سيقودني إليه ذلك المسار، ولم يكن مصيراً أتمناه."

باتت شقيقتها تبدو حاسمة الآن.

"مع أنني أسفة عليهن، فلن أطلب الغفران لكل الأفعال من هذا القبيل التي ارتكبتها. سأصلح الأخطاء التي أستطيع إصلاحها، لكن اعلمي هذا: لن أسمح للماضي بعرقلة مستقبلي."

استوعبت إيفلين كلمات شقيقتها في ذهول. وحدها الآن استقرت في نفسها دلالة ما قالته هي شخصياً، وعجزت عن فهم ما كانت شقيقتها تحاول قوله تماماً. لقد بدا الأمر متكلفاً، ومغروراً، وصادماً بصراحة في تخليها عن المسؤولية، لكنها شعرت أيضاً بوجود وعد في تلك الكلمات. وعد بالإصلاح. وبطبيعة الحال، بمعرفة سكارليت كان لا بد أن يكون مجرد حيلة أخرى لارباكها. في نواحٍ كثيرة، كانت كلمات شقيقتها شبيهة بسكارليت التي عرفتها، ومع ذلك كانت مختلفة جداً.

وأن تثور سكارليت هكذا... لم تستطع إيفلين تذكر أي مرة في حياتها حدث فيها أمر مماثل. أكانت هناك حقيقة وراء القصة التي روتها سكارليت عن الرؤى... الذكريات... أو أياً ما تكون؟ نظرت إيفلين إلى شقيقتها. أكان ثمة فرق بين سكارليت القديمة والماثلة أمامها؟ لقد بات جلياً لها أكثر فأكثر أن المرأة التي تقف أمامها لم تكن هي نفسها السابقة. المشكلة أنها لم تدرِ أي نوع من سكارليت كانت هذه.

ومتى فكرت يوماً في أن شقيقتها ستخرج لطلب مساعدتها... بصدق؟ أطلقت سكارليت تنهيدة من مقعدها، مما انتشل إيفلين من أفكارها.

"لم يسِر هذا تماماً كما خططتُ. أعتقد أن كلتينا ربما تأثرتا بمشاعرنا أكثر من اللزوم. لقد قلت جل ما جئت لأقوله، رغم أنني رغبت أيضاً في الحصول على تأكيدك بأنك ستساعدينني. لكنني أظن من الأفضل تأجيل مثل هذه النقاشات حتى تحظي بوقت أطول للتفكير فيما قلته."

نهضت من مقعدها، مانحة إيفلين نظرة أخيرة مطولة. ثم خرجت من المكتب دون كلمة أخرى. واصلت إيفلين مراقبتها وهي تغادر، دون تكبد عناء تلفظ أي عبارات وداع. لبعض الوقت، جلست هناك أمام مكتبها، مكررة الحوار في رأسها. وأخيراً، أطلقت ضحكة متعبة وأغمضت عينيها عاضة برأسها على المكتب مجدداً. كانت بحاجة ماسة للنوم.