قالَت سكارليت وهي تتفرَّس في وجه ريموند: "دعوة؟ ولماذا، تكراراً، تظنّني الشخص المناسب لسؤاله؟".
قال: "أقلتُ يوماً إنني أظنّ ذلك؟".
قالَت: "أنت تسألني".
قال: "بدا الأمر فاتحة حديث لطيفة".
قالَت: "ليس كذلك".
قال: "أحقّاً؟ إذن لا خيار أظنّه أمامنا سوى التظاهر بأنني لم أذكر شيئاً، لئلا نجلب بعض الحرج المروّع فيفسد هذه المعرفة العزيزة علينا لولا ذلك".
نظر ريموند إلى الأمام ويداه مغلولتان خلف ظهره. تركت سكارليت وراءها بينما واجه الممرَّ بخطىً متؤدة، وكأن النقاش لم يَمسس شيئاً ذا بالٍ حقاً. أرادت أن تتنهَّد. تفعَّلت [ملابس الهيئة] الخاصة بها، فنقلتها آنياً بجانب ريموند. ارتفع حاجب الكاهن هُنيهةً، لكنه اكتفى بالابتسام وظلَّ بصره مُسمَّراً إلى الأمام.
قال: "آمل أن تغفر لي هذه الحماقة، لكنني لم أستطع إلا أن أسمعك تذكرين شيئاً عن قتل تنين معيّن للآنسة ليڤي. لا بدّ أنها كانت مغامرة عظيمة. وغنيمة عظيمة أيضاً".
قالَت سكارليت: "لقد كانت كذلك".
قال: "أكان عليّ ألا أتوقع أقلّ من بارونتِنا الجليلة؟".
قالَت: "لا".
قال: "متواضعة كعهدك دائماً".
قالَت سكارليت وهي تقود الرجل حول منعطف وظلَّت نبرتها باردة: "كنتَ أنت من أطنب في المديح. أَتتجاهل الأمر اليوم عادةً منك في التخفي، أم أن هناك سبباً سليماً لذلك؟".
رمش ريموند وقال: "همم؟ أظنّني لا أعرف ما تعنينه".
تفحّصته سكارليت من جانبها وقالت: "أهو متصل بوحي العرَّاف؟ أَعليكَ أن وعدتَ الشماس سولنايت بألا تشارك محتوياته أو تتحدث معي بشأنه؟".
تحوَّل تعبيره إلى البراءة، برغم أن الابتسامة على شفتيه حدّت.
أقبلت سكارليت بوجهها إلى الأمام مجدداً وقالت: "ذكّرني ألا أرجو منك يوماً احترام روح الوعد الذي تقطعه".
قال: "أفضل ألا تفعلين".
قالَت: "همف".
تضايق حاجباها. وبينما كان الوضع مع العرّاف يمثّل فرصةً، فقد أثار أيضاً تساؤلاً حول مدى معرفة ملوكٍ مثل إيتار بخططها. أَعمدَت المعلمة إلى إعلامهم بشيء؟ وإن يكن، فماذا تحديداً؟ تقنياً، لم تأتِ سكارليت على تأكيد تلك المرأة بأنها ستعمل معها، رغم علمها بأن المعلمة كانت تتصرف على افتراض أنها ستفعل.
تمتم ريموند قائلاً: "أهلاً؟"
وهما يمران بإحدى النوافل المطلة على باحة القصر الداخلية. توقفت سكارليت بجانبه وتفرَّست عبر الزجاج فيما استرعى انتباهه. جلس على المقعد في وسط الباحة تنين وهمي، ودار حوله الطائر الخرافي —غائصاً إياباً وذهاباً بين باقة الزهور المزهرة المتجمعة حول المقعد في نطاق مترين— وكانت أجنحته الزرقاء الشفافة نصفياً تلمع كشظايا زجاج ملون.
قال: "أيتها البارونة، ذلك...؟".
قالَت سكارليت: "تجربة".
قال: "في ماذا؟".
قالَت: "سيتعين علينا أن نرى".
لقد "طلب"
اللوسي، وفي الوقت الحالي، كانت سكارليت تدع الأمر يمضي تلقائياً فحسب. لكن الزهور لم تكن هناك في اليوم السابق. واصلت سيرها في الممرّ.
تمتم ريموند من خلفها قائلاً: "أرى ذلك"
قبل أن يلحق بها.
قال: "وفي موضوع آخر، ما الذي حدث لتلك الشابة المقنعة؟".
قالَت: "أتعني نولڤيز؟".
قال: "نعم".
قالَت: "أطلقت سراحها".
قال: "ولماذا هذا؟".
قالَت: "أكنتَ ستفضل لو قتلتها؟".
قال: "العكس تماماً".
التفتت سكارليت إليه وقالت: "قايضتُ بإطلاق سراحها. ربحتُ بما يكفي لأسمح به".
اعتبرها ريموند وقال: "ألستِ قلقة من أنها ستعود لتقاومك؟".
قالَت: "هذا احتمال".
قال: "لكن لا أكثر؟".
قالَت: "لا".
انتظرت سكارليت حتى واصلا سيرهما بعد أن مرَّا بخادم يحمل صينية بياضات مطوية. انحنت المرأة انحناءة خفيفة، وقدمت سكارليت إيماءة طفيفة رداً على ذلك.
قالت ما إن دخلا امتداداً أهدأ من الممر: "أَتنوين حضور الاحتفال باكتمال الحاجز السماوي؟".
أجاب ريموند: "أفعل. بل سيحضر عدة أعضاء من النصاب بالفعل".
قالَت: "أويشمل ذلك الشماس دافنبورت والشماس تاونسند؟".
قال: "يشملهم".
مرَّ صمت وجيز بينهما.
قالت سكارليت: "أحرزتَ أي تقدّم في التعامل معه؟".
أظهر ريموند ابتسامة شاحبة وخالية من المرح وقال: "قليلاً. اعتماداً على من تسأل".
قالَت: "سعدتُ لك".
قال: "تبدين وكأن الأمر بالكاد يهمك أيتها البارونة".
قالَت: "لا يهمّني".
قال: "يا لك من قاسية".
قالَت: "بال بالكاد. لديّ همومي الخاصة، وقد قدمتُ بالفعل مساعدة أكثر من كافية على تلك الجبهة. علاوة على ذلك، أشكّ بإخلاص في أنك لستَ على دراية بتنحية المشاعر جانباً لصالح الاستعداد لما قد تثبت ضرورته".
قال: "ربما. لا أقول إنك على خطأ، لكنني أتسااءل عمَّا قد تعنينه بالتحديد بذلك".
توقفت سكارليت مجدداً واستدارت لتنظر إليه مباشرةً.
قالت: "أنت هنا اليوم كصديق، أأنا محقّة؟".
درسها الرجل لحظةً ثم أومأ: "بطبيعة الحال".
قالَت: "حين ساعدتنا في بيلد ثيليليون، أكان ذلك كصديق؟".
قال: "كحليف. وكصديق".
قالَت سكارليت: "هذا غير صحيح. لم أترك لك خياراً في ذلك الوقت. وسواء أعتبرتَ نفسك صديقاً أم حليفاً فلم يكن ذا صلة".
ظلَّ تعبير ريموند هادئاً، لكن وقاراً هادئاً استقرّ في ثناياه.
قالَت سكارليت وهي تشير إلى الطريق الذي أتينا منه: "أَتستطيع النظر في عينيَّ وتدّعي أنك تقترب مني كصديق فحسب؟ وأنك، ما لم أُكره يدك بتحية السلطة والمعلومات الخطيرة، ستظل بهذه المرونة؟ وأنه لم تكن لك إعدادات لو ثبتُ أنني خطر أكبر من اللجوء إليه؟ بلا تدابير لو تجاوزتُ أياً كان الخط الذي رسمته؟".
لم يقل ريموند شيئاً لعدة ثوانٍ.
سأل في نهاية المطاف: "ما الذي أثار هذا الخط من الأسئلة أيتها البارونة؟".
أجابت سكارليت: "استفسرتَ عن المهرجان. أَتتوقع إجابة؟".
قال: "أفضل واحدة، نعم".
قالَت: "إذن أتوقع إجابة صادقة".
بدا أن ريموند يمعن النظر في كلماتها لبعض الوقت، ثم أطلق نفساً هادئاً.
قال: "حسناً جداً".
هبط بصره برهةً إلى لوحة على الجدار تصور حقولاً مزهرة تماماً: "لا. لا يمكنني الادعاء بأنه ليست هناك تدابير كهذه".
راقبت سكارليت بينما اقترب من اللوحة رافعاً يده إليها ودارساً ضربات الفرشاة.
واصل حديثه قائلاً: "أحاول حقاً الاقتراب منك ومن مجموعتك كصديق. أودّ لو كان ذلك صحيحاً على الأقل، بصرف النظر عن الظروف أو الانتماء. أظنّه ثبت مراراً وتكراراً أن بمقدورنا إنجاز الكثير معاً. لكنني أيضاً شماس لإيتار، وعضو في النصاب، ورجل لديه عدد كبير جداً من البشر الذين يتوقعون منه ملاحظة متى يبدأ العالم بالصرير في مفاصله، كما يبدو أنه يميل إلى فعله مؤخراً. سيكون من غير المسؤول مني ألا أستعد لاحتمالات مزعجة".
شبكت سكارليت ذراعيها وقالت: "أأنا احتمال مززعج؟".
قال: "نعم".
جاءت الإجابة بلا زخرف هذه المرة. وبلا حتى محاولة ابتسامة.
نظر ريموند إليها مجدداً وقال: "آمل أن تغفري الصياغة، لكن أيتها البارونة، أنتِ التجسيد الحرفي لمجهول متقلب. وفي حين أنه أمر مؤسف، فقد أظهرتِ أيضاً استماتة مقلقة للعمل مع قوى خطيرة لا يمكن التنبؤ بها".
أنزل يده عن اللوحة وقال: "صحيح أيضاً أنك أكرهتِ يدي في بيلد ثيليليون. لا أحمل ذلك ضُغناً شخصياً لك. بل أؤمن صدفةً أن لديك أسباباً وجيهة لتصرفك على النحو الذي تفعلينه، حتى وإن لم تشاركيها قط. أظن أنكِ نفسك ستندهشين لمعرفة مقدار الإيمان الذي أحمله تجاه هذا الجانب منك. ولا ينبغي التقليل من شأن الدور الهام الذي لعبتِه في ضمان ألا تتحقق عدة احتمالات مزعجة أخرى بعد. لكن ذلك لا يخدم سوى تعقيد الأمور إلى حد ما".
قالَت: "أتخيل ذلك".
بقيت عيناها عالقتين بها وأفلتت منه ضحكة خفيفة.
قال: "أتعرفين أنك شخص مزعج للغاية للمودة، أليست كذلك؟".
قالَت سكارليت: "تم تلميح ذلك من قِبل أفراد معيّنين".
قال: "أنا متأكد".
قالَت: "ومع قولي هذا، ماذا تظنين أنني أرغب فيه مقابلاً لإخبارك بهذا المهرجان الذي تهتم به كثيراً؟".
قال: "أهذا سؤال جاد؟".
قالَت: "نعم".
تشكّل طي متأمل بين حاجبي ريموند. شبك يديه خلف ظهره مجدداً وتغير السقوط الساطع لرداءيه وهو يستدير ليواجهها كلياً. لبرهة، تسرّبت الخفة منه كلياً. في غيابها، تذكّرت سكارليت أن الرجل يستطيع، حين يختار ذلك حقاً، أن يحمل نفسه بكل ثقل وكرامة يوحي بها منصبه.
قال: "حكمآً مما تطرقتِ إليه في هذا الحديث حتى الآن، يمكنني تخيّل مطلبين محتملين".
رفعت سكارليت حاجبيها الاثنين وقالت: "وهما؟".
قال: "سيكون الأول ولائي. صراحة تامة، وتعاون ترحيبي، ووعد قلبي بمساعدتك في جهودك بلا تحفظ. أأنا محقّ في التفكير بأن ذلك سيرضيك؟".
اعتبرته لضع ثوانٍ ثم انحنت برأسها وقالت: "سأكون على استعداد لقبول ذلك، بافتراض وجود وسيلة لضمان كلمتك".
التقى ريموند بعينيها وقال: "للأسف، ليس ذلك شيئاً يمكنني تقديمه حقاً على الإطلاق. سيظل ولائي دائماً لإيتار أولاً وقبل كل شيء، ولمبادئ تعاليمه وإرشاداته. لقد صدق ذلك في بيلد ثيليليون، وما زال يصدق الآن. لا أظن أنك ستعارضين تلك التعاليم ما لم تتخلي كلياً عن أي مبادئ لا تزال تقودك، لكنني لا أستطيع الوعد بأي شيء من هذا القبيل".
قالَت: "أهكذا إذن؟".
لم تكن سكارليت متفاجئة للغاية بالإجابة، رغم أن القناعة في صوته باغتتها قليلاً. كانت هناك أوقات تساءلت فيها عما إذا كان ريموند مُخْلِصاً بما يكفي لملكه ليصبح كاحناً حقاً، لكنه بدا جلياً كذلك.
قال ريموند: "أظن أن المطلب الثاني سيكون الطمأنينة. تريدين مني كشف التدابير التي جهزناها لك".
قالَت: "أريد ذلك".
بدا أن نظرة ريموند تفحصت مظهرها بالكامل، ثم عاد أثر من راحته المعتادة في منحنى ابتسامته.
قال: "ألا تستطيعين إظهار شذر من الرحمة لي؟ لستُ أكذب حين أقول إن أڤا ستغضب مني بشكل لا يصدق لكشف هذا القدر الذي قلته بالفعل".
قالَت: "يبدو ذلك عناءً لك لتحله. لا أرى أنه من غير المعقول توقع ألا يحتفظ حلفائي بخطط لإخضاعي، مهما كانت تلك الخطط مفهومة".
تحولت الابتسامة إلى محرجة بعض الشيء، لكنها تلاشت بعد ذلك مع عودة وقاره.
قال: "قابليني مع أڤا. يمكننا مناقشة الأمر ملائماً. بصراحة تامة، لستُ ملماً بالتفاصيل بالقدر الذي هي عليه".
قالَت سكارليت: "متى ستكون متاحة؟".
قال: "إنها خارج إليستيد في الوقت الحالي، لذا يجب أن يكون ذلك في يوم الاحتفال".
أمعنت سكارليت النظر في ذلك لفترة وجيزة ثم أومأت: "حسناً جداً. لا ينبغي أن يشكل ذلك مشكلة. فالمهرجان لن يعقد إلا بعد الاحتفال على أي حال".
ظهر الاهتمام في عيني ريموند وقال: "متى بالتحديد سيُعقد المهرجان، إن كان لي أن أسأل؟".
قالَت: "يمكنك معرفة ذلك بعد أن نخوض نقاشنا مع الشماس سولنايت".
استدارت سكارليت وبدأت تسير في الممرّ مجدداً، لكنها توقفت بعد خطوتين فقط.
نظرت إلى ريموند خلفها وقالت: "آه. نسيتُ أن أذكر. لقد كنتَ بارع الدهاء في رغبتك في أن أبحث عن العرّاف سابقاً، لكن ليس لديّ صبر خاص للتمثيليات المستمرة. أيمكنك ببساطة تأكيد ما إذا كانت في صالون غريس؟".
حكّ ريموند ذقنه، وتلاشى كل أثر للوقار الذي نجح في استزراع هيبته من مظهره.
قال: "أوه، لا أعرف. صالون غريس؟ لم أسمع به أبداً".
هبط بصر سكارليت إلى يده الأخرى، التي كان يستقيم بها طية على جانب رداءيه ويعطيها إبهاماً مدبراً للغاية. كبحت ضحكة مزعجة ثم استدارت لتواصل المسير في الممر.
«حسناً، جربي هذه. أإصبعية من المخمل أم مِخْرازٌ من عظم الإصبع؟»
«أنتِ لا تحاولين حتى يا روزا. المخراز، بالطبع.»
«ماذا؟ ولماذا؟»
«بأي شيء قد تستخدمين الإصبعية أصلاً؟ لتدفئة إبهامك؟ يمكنك استخدام المخراز بوصفه خِلالة أسنان على الأقل.»
رمقت روزا كات بوجنتين ممتلئتين مقرفتين.
«كنت لأنظّفه أولاً بالطبع»، قالت المرأة.
هزّت روزا رأسها وأدارت وجهها إلى الأمام مجدداً وانزلت جانباً في اللحظة المناسبة لتفادي رجل عريض المنكبين له أنف يبدو وكأنه خسر شجاراً مع باب قبل لحظة لا أكثر. اندفع عبر الأزقة الموحلة وبطونت حذاؤه في أوساخ قذرة، لكنّه وجد نفسه أمام صحوة وقحة حين اصطدم كتفه بكتف كات. وعوضاً عن الإطاحة بحارسة الشعر الأشقر إلى الجانب، تردّد صدى رنين أجش قبيح حين ارتدّ ليسقط على الحجر الرطب لجدار المبنى إلى يساره بينما كانت كات تحدق فيه ببرود.
ترنّح الرجل للحظة وحدق فيها بوجه محمرّ، لكن عينيه ارتدتا بعد ذلك إلى الزقاق خلفه باختلاس وتلعثم. لكانت روزا راهنت برهان ونيف على أنه أجرى ما يشبه عملاً بطولياً من الحسابات في عقله وقرر بسرعة أن هذه المرأة التي تحمل ندبة حرق تقطع أحد جانبي خدها لا تستحق العناء. فسبّ بصوت خفيض وتابعة التعثر في الزقاق مختفياً عند المنعطف. تبعته روزا بنظراتها ثمّ أمالت رأسها بفضول نحو زوج من الرجال ضخمي البنية اللذين اندفعا في الزقاق التالي.
تجاهلاهما تماماً وهما يهرولان نحو المكان الذي اختفى فيه الرجل الأول. نظرت إلى كات التي كانت تقطب حاجبيها نحوها الآن.
«أحقاً نحتاج للتسلل في هذه الأزقة الخلفية؟»
سألت المرأة.
«بالطبع نفعل. أين يتسلل المرء غير هنا؟ في الشوارع الرئيسية؟ لا أظن ذلك.»
ابتسمت روزا مشيرة إلى كم كات الأيمن.
«بالمناسبة، أتمتلكين دعامة حديدية تحت ذلك أم أن الرجل كان سراً أحد تلك الأشياء المعدنية المصنوعة التي تنتشر بغزارة في الأنقاض المهجورة هذه الأيام؟»
بقيت عينا كات عليها واستقر ثقل واضح من الحكم فيهما، لكن الحارسة رأت الصواب بلا شك وأقبلت بمنطق روزا متنهدة. تحركت بجانب روزا بينما استمرتا في السير بالزقاق.
«ألقيت صفيحة الجمر فور أن رأيته قادماً نحونا. خلافا للبعض، أنا مهتمة حقاً بمكان وجودنا.»
تأففت روزا ملوحة بيدها.
«مهلاً مهلاً. لنبقِ التعليقات اللاذعة بعيدة عن سكارليت. لا يمكنها المساعدة إن كانت لا تعرف كل حصى وخطوة لنا. فحتى هي بكل معرفتها المطلقة الرهيبة لا يمكنها ملاحقة سوى عدد محدود من البشر في آن واحد.»
«لم أكن أتحدث عن سكارليت.»
«ألا؟ همم. حسنًا، لا يمكنني تخيل من قد تقصدين غيرها ولو لإنقاذ حياتي. أنا عديمة الحيلة في الألغاز.»
«أنتِ كذلك حقاً.»
«خارج الموضوع تماماً، أتعرفين لماذا رفض الحبل العمل في المشنقة؟»
«روزا، أتساءل بصدق أحياناً كيف تمكنتِ من البقاء حول سكارليت طويلاً لدرجة تجعلها تبدأ في الإعجاب بك حقاً. كيف نجوتِ من التحول إلى رماد محترق؟»
«أوه، احترقت كثيراً.»
«من الواضح أن ذلك لم يكن كافياً.»
«هذا لئيم حقاً.»
«أقوله لمصلحتك الخاصة.»
«آآآه. صار الأمر طاهراً الآن. ومع ذلك، لا يسعني إلا أن ألاحظ أنكِ تهربتِ من سؤالي الجاد للغاية.»
ساد صمت لحظة بجانب روزا قبل أن يرتفع صوت كات.
«لأنه كان مربوطاً مسبقاً.»
«أوه، ذكية تلك.»
«سمعتها من قبل.»
«لا يمكن ذلك. ألفت هذه للتو. كنت أفكّر في أن الجواب هو كونه ملّ من التعليق مطولاً.»
ابتسمت روزا وهي تخرج من الزقاق إلى شارع جانبي معوجّ، يكاد يكون بنفس الضيق والنظافة ذاتها. تدلت مصاريع ملتفة فوق نوافذ كدرة ومالت أبواب معوجة في إطاراتها وانحنت الجدران بقرب شديد فوق الرؤوس لتبدو الشارع بأسره وكأنه يتآمر لينهار. ولم تكن هناك روح تذكر بالأفق إن احتسبت قطط الشوارع الرثة تتشجار في برميل مطمر مقلوب عند فم زقاق آخر أبعد. وعلى العموم، بدا تماماً مثل ذلك النوع من الشوارع التي يتسلل فيها اللصوص من المداخل في قصة تحذيرية رخيصة ليقعوا ضحية لصوص أكبر بسكاكين أفخم.
لا يبدو مكاناً تجد فيه سيدتين ساحرتين باعتدال – كانت روزا تمارس التواضع بعد «الحادثة»
– تتنزهان في ظهيرة رمادية وشبه خالٍ من الشهود.
لكنهما هنا بفضل إحدى «مهام»
سكارليت. حقاً، كانت مُشغِّلة روزا نصباً تذكارياً للقسوة والتوقعات غير المعقولة. انتبهي، لم تطلب سكارليت منهما القدوم إلى هذا الحي تحديداً – ولو فعلت لأصرت على الأرجح أن يرافقهما فين أو شين – لكن إن دلّ ذلك على شيء فهو يدل ببساطة على كيف بدأت النبيلة المرهوبة الجانب التي تفوقت على الفايلز بالاستسلام لضروس الزمن والضغط والإفراط الإداري. طلبت من روزا لقاء بعض معارف ميراج في إليستيد لترتيب تسليم سري لمواد معينة، لكن كان عليها حقاً التنبؤ بأن روزا ستستجوب أولئك المعارف بحثاً عن طريق مباشر أكثر لتذهب إلى المصدر بنفسها مباشرة.
أكان ذلك غير معقول؟ على الأرجح، نعم. لكن سكارليت شاركت روزا أن هناك كواشف نادرة للغاية ومشكوكاً فيها بشدة متضمنة في هذه الشتسليم تحتاج لتجهيزها قبل أن ترغب في تورط نفسها أكثر مع أمثال مالاكي والمستيدة، وعرفت روزا أن المرأة تمتلك وقتاً محدوداً فقط لجمعها كلها. أقل ما تستطيع روزا فعله هو تخفيف بعض عبئها وتقليل خطر حدوث خطأ في سلسلة الإمداد. وعلاوة على ذلك، لم تكن غريبة على الزوايا الأقل نظافة في مدن مثل إليستيد.
قضت أكثر من أسبوعين تنجرف في شوارع تماماً كهذه في سنوات طفولتها. لم تكن سيئة حقاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. خصوصاً إن قضيت نصف وقتك خائفة من ظلك الخاص أكثر من الأشخاص حولك. استمرتا هي وكات في السير بالشارع. تحرك قطيع القطط مع مرورهما وارتفع جوقة باهتة من المواء الجائع من البرميل، وراقبتا كات وهي تتوقف لاستيعابهم، لتحدق بالمخلوقات الصغيرة بتعبير متضارب. مدت روزا يدها إلى طيات رداء سفرها لتسحب سحرياً بضع لفائف لحم بقري ملفوفة بورق مشمع وسلمت واحدة للحارسة.
نظرت إليها كات ثم إلى اللفيفة قبل أن تركع وتطعم القطط.
«أتم اتهامك يوماً بأن قلبك رقيق أكثر من اللزوم؟»
سألت روزا وهي تمزق قطعة من لفتها بأصابعها وتضعها في فمها عرضاً. التفتت كات إليها ثم عادت لتحدق بالقطط.
«لا أود سماع ذلك منكِ.»
«لم لا؟ ليس لدي حتى قلب ينزف بعد الآن. أنا شخص سيء للغاية أتدرين.»
«أعلم.»
«أتعلمين؟»
«أعلم أنكِ تظنين ذلك. أخبرتني سكارليت.»
«...أتنكليّن بي من خلف ظهري؟»
«تحب الشكوى منكِ أحياناً.»
قسمت كات اللفيفة إلى حصة أكبر وأخرى أصغر حين تسلت أم القطط – قطة مخططة نحيلة ذات فرو ممزق وأذن ممزقة – خارج الزقاق مطلقة مواءً خافتاً. مدت كات القطعة الأصغر للأم وتركقت البقية للقطط ثم نفضت يديها على سروالها ووقفت. استقرت عيناها على روزا.
«إنها تعتقد أنك طيبة أكثر من اللازم لصالحتك.»
راقبت روزا المرأة ثم قدمت ابتسامة ملتوية.
«حسنًا، إنها منحازة.»
التفتت مارّة بيدها عبر شعرها لتجرفه فوق كتفها.
«من يلومها؟ سينبهر أي كان بسحري الماكر. ولكن بما أنها مولعة بي هكذا، أفترض أنني أستطيع غض الطرف عن زلة الحكم الغريبة. لا خيار أمام شاعر محبوب سوى مساماة لعنة الصمت غير الإنسانية العرضية من حاميها.»
«لا أظن أنها تحتاج لمسامحتك»، قالت كات.
التفتت روزا إلى الوراء ولمست إصبعها جانب أنفها.
«هنا حيث لا تعرفينها جيداً مثلما أعرفها.»
رفعت كات حاجبيها.
«موآ؟»
«إنها فرنسية.»
«ماذا؟»
«عذراً. زل لساني. قصدت فونيينية.»
درستها كات لعدة ثوانٍ.
«أحقيقاً هي كذلك؟»
«طبعاً كذلك.»
واجهت روزا الأمام مجدداً.
«تعلمتها من فم الحصان. حصان فونييني بالطبع. مخلوق راقٍ جداً.»
«لا يمكنك أبداً معرفة ما يمكنك الوثوق به حين يتعلق الأمر بكِ.»
«قاعدة جيدة هي كل شيء.»
«مم - همم.»
«بالحديث عن القواعد والإبهام – كيف جرت رحلتك إلى النقابة هذا الصباح؟»
تلقت كل من روزا وكات تعليمات من سكارليت لمقابلة معارفها المشبوهين اليوم، لكن ذلك كان في الظهيرة فقط. وقبل ذلك، تُركتا لأهوائهن، ومن يبدو، فإن ثلاثي الحارسات الجريء المعروف أحياناً بالثلاثي الشجاع – كانت روزا ما زالت تطور شيئاً بسجع أفضل لملحمتها – قد انتهزن الفرصة لزيارة سريعة وتحية أصدقائهن في فرع النقابة المحلي بإليستيد. سمعت روزا أن أليسا وشين لم تفعلا أكثر من تبادل بضع كلمات، لكن يُقال إن كات سحبت إلى غرفة خاصة وخضعت لاستجواب أشد دقة.
«لا علاقة لذلك لا بالقواعد ولا بالإبهام»، قالت المرأة المعنية.
«لكن –»
«آه، عذراً، أكرّه قص خيطك، لكن أعتقد أن هذا هو المكان.»
توقفت روزا لتتأمل مدخلاً ضيقاً نصف مغمور بدا وكأنه حشر هناك عرضاً بدل أن يكون مبنياً في المبنى. اسود الحجر المحيط بفعل القدم والرطوبة، وحتى ألواحه كانت طموحة بما يكفي لتلتوي وتنتفخ بفعل المطر وتتقشر في شرائط دفعة واحدة، مع خدوش قديمة محفورة حول ثقب المفتاح وكأن شيئاً حاول بجهد كبير الدخول أو الخروج.
«نعم. يمتلك هذا مظهر باب يعرف تماماً أين دفنت الجثث»، تمتمت روزا لنفسها.
«أرجوك لا تمزحي بشأن ذلك»، قالت كات.
التفتت روزا نحو اللوحة المنحنية فوق الباب حيث ربما كانت بقايا الطلاء المتقشر تقرأ شيئاً شبيهاً بعلاجات غرين. أو ندم الماعز. قدرت الاحتمالات بخمسين بالمائة. كان هناك حرف G مؤكد في المزيج وشيء طمح يوماً لأن يكون R. توقفت كات بجانبها محدقة باللوحة والباب لحظة قبل أن تنظر إلى روزا بقلق مسطح.
«...أمتأكدة أنك تريدين الدخول إلى هناك؟»
ابتسمت روزا ببراقة.
«أجل. ألا يبدو دافئاً؟»
«لا.»
«عليك التحديق بقوة أولاً. هذه هي مشكلتك.»
خطت خطوة واحدة نحو الباب الملتوي، لكنها توقفت مجدداً ويدها تبعد عرض إصبع عن المقبض.
«صحيح. كدت أنسى.»
«ما الامر هذه المرة؟»
سألت كات.
«حسنًا، لدينا صحب. وبما أننا انتهينا تقريباً من التسلل، فسيكون من الوقاحة تركها مستمرة في ذلك بالمجاري، أليس كذلك؟»
ومضت عيناها إلى جيب من الظل تحت مظلة خشبية بارزة.
«ما قولك؟ أدخلة معنا بشكل صحيح، أم أنك مصممة على ترويع الرصيف؟»
مرت لحظة، ثم تجمع الظل وشكل هيئة ملثمة. ارتعشت يد كات نحو روزا، لكنها توقفت فجأة حين عرفت هوية الشخص. رمشت عيون نولفيز الثلاث الفضولية الصغيرة حين استقرت جميعها على روزا معاً وأملت رأسها جانباً.
«رأيتِنا.»
«فعلت»، قالت روزا وهي تومئ برأسها بجدية.
«الآن، ما رأيك؟ أترغبين في إلقاء نظرة صحيحة، أم نظل نتظاهر بأنك لست جزءاً من النزهة؟»