"عذراً إن كنت أتدخل، ولكن ما الذي نفعله هنا بالتحديد؟"
انطلق صوت مشرق من خلف سكارليت بينما كانت تُحدّق في المظهر الخشن لمبنى خشبي ضخم. كان يقبع في نهاية شارع ضيق تكتظّ به الأزقة الخانقة والبيوت القديمة. مع أن الحي لم يكن ليُوصَف بالمتسخ، إلا أنه بدا مأهولاً حقاً. استدارت سكارليت لتنظر إلى الشابة قصيرة القامة التي طرحت السؤال. كانت أليسا ترتدي مزيجاً من الثياب زرقاء اللون ودعامات جلدية بنية تظهر جزئياً من تحت عباءة زرقاء داكنة، إلى جانب أغطية قوارير معلقة بحزام متقاطع تحت العباية.
امتلكت شعراً أصفر طويلاً التفت معظمه داخل قلنسوة عباءتها، فضلاً عن نظارات جلدية كبيرة استقرت فوق رأسها لسبب ما.
سأل شين، الشاب الواقف بجانب أليسا: "هل جئتِ للقاء أحد؟"
كان أطول من رفيقته بنحو رأس، بشعر أسود قصير، وبشرة سمراء عميقة، وندبة غليظة فوق عينه اليسرى بدت كأثر مخالب ما. على عكس أليسا، لم يرتدي سوى طقم خفيف من الثياب البنية في تلك اللحظة — إن استثنينا الترس الذي ربطه بظهره والسيف غريب الشكل المتدلي من خاصرته. تذكّرت سكارليت أن اللعبة كانت تضم هذا النوع من الأسلحة الذي يمكن العثور عليه غالباً في الجزء الشرقي من الإمبراطورية والسهوب الراكدة.
أجابت سكارليت وهي تتفحص درعيها الجديدين اللذين يعملان لحسابها: "يمكن القول ذلك نعم".
لم تكن قد التقت بهما سوى في اليوم السابق، لذا لم تكن تعرف الكثير عنهما. لكنهما بداا قادرين بالقدر الكافي، على الأرجح. لم يكن بصرها مدرباً بدقة على هذه الأمور، لكنها وضعت ثقتها في حكم كات والنقابة. كانا أصغر سناً بعض الشيء إن سألتها، لكنها لم تستطِع الانتقاد حقاً. كان المرء يُعد بالغاً في الخامسة أو السَادسة عشرة في هذا العالم على ما ترجّح. وهي نفسها كانت في عمرهما حين اضطرت لبدء رعاية نفسها وشقيقتها.
لم يضُرّ الأمر أن فتاة أليسا كانت ابنة شخصية مؤثرة في اللعبة على ما يبدو. تفاجأت سكارليت حين سمعت اسم أستري يتردد على لسان الفتاة لأول مرة، لكنها لن تمانع قط فرصة إقامة علاقة مع والد أليسا في المستقبل. كانت الفتاة المذكورة ترمقها بنظرة غريبة.
"ألا ترين أنكِ ستبرزين أكثر مما ينبغي؟"
أتبعت سكارليت نظرات أليسا إلى فستانها اللافندر الداكن الذي كانت ترتديه. كان أحد أقل فساتينها تكلّفاً، بقصة بسيطة نسبياً وخالٍ من الزخارف المفرطة. لكنه ظل فستان نبيلة.
امتلكت بعض الثياب «الأبسط»
— كأزياء السفر التي اعتادت ارتداءها حين تخرج مع كات — لكنها شعرت عموماً براحة أكبر في هذا النوع من الملابس حين لم تكن مضطرة للقيام بأي جهد بدنّي شاق.
ولا شك في أن ذلك كان نتاجاً لتأثير الشخصية الأصلية.
قالت: "قد يكون الأمر كذلك. لكني لا أرى سبباً لقلقي بشأنه. وحده الاحمق من يحاول الإقدام على حماقة، ولا رازع لدي في تلقين الحمقى درساً".
أقسمت أنه لو حاول أي سكران صباحي مضايقتها، لتضمنّن ألا يستطيع الجلوس باستقامة لأسابيع. وإن حظيت ببعض الحظ، فقد يكون شخصاً قوياً بما يكفي لامتلاك شكل من أشكال الدفاع السحري ولن تضطر للتحفظ. فقد باتت تستمتع حقاً باستخدام قدرات تحريك النيران والمياه بعد كل منازلاتها مع كات. أدارت وجهها نحو المبنى الماثل أمامها. كانت شمس الصباح لا تزال ترتفع تدريجياً في كبد السماء، مع أن القليل من ضوء الشمس المباشر كان يصل إلى هذا الشارع بسبب المباني المحيطة.
المبنى المحدد الذي كانت تنظر إليه كان الحانة التي دُلت عليها في اليوم السابق من قبل الرجل العامل في كشك المجوهرات، «السمكة الضاحكة».
أرادت التأكد من وصولهما إلى المكان مبكراً بما يكفي ليكون النزلاء — نظراً لكون المكان يُعرف في اللعبة بحانة لكنه كان يشبه نزلاً — قد استيقظوا دون أن يغادروا لقضاء شؤونهم بعد. ومع أنه كان بالإمكان العثور على المرافق في معظم أوقات اليوم داخل اللعبة، فلم تستطع افتراض انطباق الأمر ذاته هنا. لكن المغادرة مبكراً بهذا الشكل عَنت أن سكارليت فاتت عليها فرصة الحديث مع إيفيلين حول الأعمال المحتملة هنا خلال الصباح.
وكانت متعبة للغاية في الليلة السابقة لدرجة منعتها من إجبار نفسها على خوض محادثة أطول مع شقيقة هارتفورد الصغرى. بدا عليها إرجاء الأمر لوقت لاحق. شرعت في التقدم بخطوات حثيثة نحو الحانة ودفعت أبوابها المتهالكة. في الداخل، استقبلتها قاعة واسعة تعجّ بطاولات متعددة الأحجام والأشكال، وأضاء المكان بمعظمه شموعٌ وُضعت على ثريات خشبيّة بسيطة تتدلى من السقف بسلاسل حديدية. بدا النصف السفلي لجدران القاعة كلوحات جدارية من الحجار المتراصة فوق بعضها بطريقة عتيقة، مع عوارض خشبية تمتد على طولها.
أما الجزء العلوي فصُنع من حجر أبيض عكر وبسيط رأته على العديد من المباني في هذا الجزء من المدينة. وإلى جانب الطاولات والجلوس المتواجدين عليها، وُجد موقد ضخم غير مشتعل منغرس في أحد الجدران، فضلاً عن منضدة شراب في الطرف البعيد للقاعة أسفل درح خشبي. كان رجل قصير وبدين يدير المنضدة حالياً بينما كان ينحني فوق السطح متحدثاً مع أحد الضيوف. تفقدت القاعة بنظراتها، مستوعبة من فيها.
لم تكن متأكدة تماماً من صحة الأمر، لكن وكما أُخبرت، بدا هذا المكان نشطاً للغاية في الصباح بالفعل. شغلت الطاولات لنصفها على الأقل، وتواجد ما يربو على ثلاثين شخصاً موزعين في أرجاء القاعة. وبينما تجولت عيناها في الفضاء، رأت مجموعة من الرجال يشربون الخمر ويلعبون بالنرد، وامرأة ذات شعر طويل تعطي ظهرها للمدخل وتعزف لحناً خفيفاً على آلة بيديها، وزوجاً من الرجال بعباءات بنية سميكة يبدوان منشغلين بتناول الإفطار، إلى أن استقرت نظرتها أخيراً على هيئة شاب جالس بمفرده على إحدى الطاولات الأصغر في ركن القاعة.
ارتدى ثياباً رمادية بسيطة، وامتلك بنية نحيلة لكنها رياضية، وبدا إما شاباً بالغاً أو في أواخر المراهقة. ومع أنه بدا كمن ينكمش على نفسه بطريقة جلوسه، وكأنه يحاول جاهدًا بلا جدوى تجنب لفت انتباه أحد، إلا أنه تمتع بمظهر مميز للغاية بشعره الأشعث بطول العنق والذي كان أبيض ناصعاً. لقد وجدته. بدا أن دخولها قد استقطب اهتمام بعض رواد الحانة، لكنها تجاهلت ذلك تماماً واستدارت نحو الدرّعين اللذين دخلا خلفها.
قالت بينما نظر الاثنان إليها: "ابحثا عن طاولة واشتريا طعاماً إن لم تفكرا في ذلك قبل مغادرتنا. سأعوضكما عن أي تكاليف".
سألت أليسا: "وماذا عنكِ؟"
التفتت سكارليت بنظراتها نحو الشخص الوحيد في ركن القاعة.
"ديّن لي بعض المسائل لأناقشها مع ذلك الفرد".
لمحت أليسا وشين إلى حيث كانت تنظر.
"أه. حسناً إذن. فقط... أعطِنا إشارة إن احتجتِ مساعدة في أي شيء، اتفقنا؟"
وبقول ذلك، سحبت أليسا زميلها الدَّرّاع لتجدا مقعدين على إحدى الطاولات القريبة. عادت سكارليت بعدها لتركيز انتباهها على المرافق وبدأت تسير نحوه. لم تكن تتوقع بصدق أن تعثر عليه بهذه السرعة. نعم، كان يُعثر عليه هنا في أغلب الأوقات داخل اللعبة، لكن السبب لم يكن واضحاً قط. وحين كانت اللعبة مجرد تسلية، افترضت أن الأمر يعود لتصميم ملائم للعبة. بلا حاجة لسبب حقيقي. لكن خلفيته الدرامية نصّت على أنه — في هذه النقطة من الزمن — كان ينجز الكثير من الأعمال المختلفة هنا وهناك، باذلاً ما بوسعها لكسب بعض المال دون لفت انتباه كبير.
وعليه، كان من المنطقي في الواقع الا يُعثر عليه دائماً في هذا المكان. لكنه ها هو هنا. ربما كان عليها اعتبار نفسها محظوظة فحسب، إذ سيوفر ذلك عليها كل الوقت الذي كان سيستغرقه تتبع أثره بمفردها. حين اقتربت من طاولته، قفز رأسه فوراً عن صينية النقانق والبطاطس التي كان يتناولها ليطالعها. حدق بها بعينين صفراوين صافيتين بدا وكأنهما تضحيان ببريق خفيف. قابلت نظرته أثناء تقدمها نحو المقعد المقابل له، متأملة الفتات والغبار العالقين عليه للحظة، قبل أن تجلس.
سأل بحذر: "...من أنتِ؟"
لم يبذل حتى أي محاولة للتصرف بعفوية.
أقرت قائلة: "أنا صاحبة عملك المستقبلية"، مدّت يدها إلى الحقيبة السوداء المعلقة بخصرها وأخرجت [علامة العاصفة]، ووضعت الخاتم شبيه العظم على الطاولة بينهما.
اتسعت عيناه بفعل الحركة، مُسمراً بصره على الخاتم الأبيض. مرت عدة ثوانٍ دون أن ينطق بحرف واحد. فجأة، تحركت يده كالريح والتقطت الخاتم، وفمه فاغر بينما رفعه أمام وجهه. نقرت سكارليت بأصبعها على الطاولة بتمهل لتدعه يتفحص الخاتم حتى بدا، أخيراً، وكأنه تذكر حضورها. أعاد الخاتم إلى الطاولة فوراً واعتدل في جلسته، بادياً متردداً في قول أي شيء.
"هذا... هذا خاتم جميل".
رسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها.
"هذا هو".
رأت مشهداً مشابهاً لهذا في اللعبة، ورغم ذلك بدا مشوقاً رؤيته يتجسد على أرض الواقع. كان هذا أول مثال تراه لشيء متعلق بشخصية من اللعبة ينتقل بهذا التوافق المباشر إلى هذا العالم.
"لماذا تملوينه؟ أعني —"
حاش جانب وجنه بينما ألقى نظرة جانبية.
"لماذا قد تخرجين شيئاً كهذا؟"
"لأعيده إليك".
توقف، وارتدّت عيناه إليها.
"ماذا؟"
قالت سكارليت: "للإجابة عن سؤاليك. بحثت عنه كي أعيده إليك".
حدق بها لعدة ثوانٍ إضافية.
"ماذا؟"
"بحثت عن الخاتم لأعيده إليك".
"...لماذا؟"
لم يشكك في كلماتها، وهو ما لم تتوقع أن يفعله أصلاً. في اللعبة، استطاع معرفة متى يكذب الناس — إلى حد ما على الأقل، مع أنها لم تدرِ أين يكمن الحد — لذا خططت لهذا اللقاء بناءً على تلك الفرضية. كان مهماً أن تكسب بعض ثقته على الأقل.
أشارت نحو الخاتم وسألت: "ألسْتَ مالكه الشرعي؟"
سحب ذراعيه إلى الخلف من حيث اقتربتا من الخاتم.
"ل-لا، لا أعرف ما تتحدثين عنه. لم أره قط من قبل".
هزت رأسها ببطء.
"لم أقل إنك فعلت. لكني أظن أنه بات متأخراً بعض الشيء لتدعي أنك لا تجيد علمك بما يكون".
التقطته، ملاحظة ارتعاشه الطفيف حين لمسته، ورفعته حتى وجهها لتتأمل النقوش المحفورة في الداخل.
"'ذئاب غريهالير تعوي — العاصفة تجيب — ملك القمم — لا تطيقوا المنافسين'."
راقبت عينيه وهما تتسعان ببطء مرة أخرى بينما كانت تردّد ما تذكرت أن النقوش تقوله، رغم احتمال خطئها في كلمة أو كلمتين.
"يبدو لي الأمر وكأن ليس لأي كان أن يحمل هذه القطعة الأثرية ببساطة. أليس من الصواب إذن أن تمتلكها أنت؟"
نظرت إليه.
"فأنت، بعد كل شيء، لست أي شخص".
سأل بجدية أكبر بكثير: "...من أنتِ؟ كيف يمكنك قراءة ذلك؟"
"أنا البارونة سكارليت هارتفورد، ومثلما قلت، صاحبة عملك المستقبلية".
أدارت الخاتم بين أصابعها.
"أما عن سؤالك الثاني: الحقيقة هي أنني عاجزة عن قراءته بنفسي. ومع ذلك، فقد رأيت ترجمة له. رغم أنني لا أستطيع الجزم بدقتها تماماً".
قال بعد لحظة: "لم أسمع بك من قبل. ماذا تريدين مني؟"
رفعت حاجبها وأشارت نحو الخاتم في كفها.
"أعتقد أنني أخبرتك قبل لحظة واحدة أنني أعتزم إعادته إليك؟"
"هذا كل شيء؟"
"لا. ألم أوضح نيتي في توظيفك أيضاً؟"
رمش، وكأنما أدرك للتو مغزى كلماتها السابقة. بمعرفته، ربما فعل حقاً.
تابعت حديثها: "لقد مررت بالكثير من العناء للحصول على هذا. لكان خسارة حقيقية حقاً إن لم تقبله".
بدا انتباهه متردداً باستمرار بينها وبين الخاتم، كمن لم يتيقن أيهما الأهم. استقر تركيزه عليها في النهاية.
سأل: "أتعرفين ما هذا؟"
أجابت: "أعلم".
"كيف؟"
ابتسمت له.
"يكفي القول إنني اكتشفته خلال بعض أبحاثي".
طالعها لبرهة.
"أنتِ تكذبين".
أهوه؟ أستطاع تمييز ذلك القدْر؟
لم تكن كذبة تامة من جانبها — بل أقرب لنصف حقيقة بكونها مبهمة بشأن ما تعنيه «الأبحاث»
فعلاً — لذا لم تكن متأكدة مما إذا كان سيلاحظ أم لا. وقد أثار ذلك تساؤلها حول كيفية عمل تلك القدرة لديه فعلاً. كانت تفترض ارتباطها بالسمع أو الشم، لكن لا بد من وجود بعض السحر فيها أيضاً بالنظر لكون هاتين الحاستين لم تكونا مصدرين موثوقين تماماً. أطلقت تنهيدة منخفضة، كما لو كانت مترددة في الإفصاح عن المزيد، وتكلّمت.
"بينما أنني لا أكذب، فمن الدقيق القول إن كلماتي لم تكن الحقيقة الكاملة. تلك ليست أمراً يمكنني مشاركته معك في هذا الوقت، لأسباب تتجاوز مجرد السرية. لكنني أستطيع إعلامك بأنني على دراية بتاريخك، فضلاً عن وضعك الحالي".
نظرت إليه بهدوء لعدة ثوانٍ.
"يمكنك الاطمئنان إلى أنني لا أرغب في إيذائك. بل في الواقع، أود عرض صفقة تكون في صالح كللينا. أظن أنك ستجدها بديلاً أفضل بكثير من إنجاز المهام الهامشية بلا هدف هنا في إيليستيد".
أعادت الخاتم إلى الطاولة بينهما، فتحركت عيناه هبوطاً معه.
"إذن أنتِ تريدين توظيفي فقط؟"
أومأت برأسها إيماءة قصيرة.
"بالتأكيد".
"لأي غرض، بالتحديد؟"
قالت: "ببساطة لتكون تحت إمرتي. أنا بحاجة لشخص بمواهب مثلك. لن أجعلك تذوي في مكان كهذا بينما تكمن فيك كل هذه الطاقات. طاقات أنا مستعدة لتطويرها، لمنفعة كللينا".
أشارت إلى الخاتم.
"يمكنك ارتداؤه. اعتبره علامة ثقة من طرفي".
رمقها بنظرة مذهولة قبل أن يتحرك ببطء لالتقاط الخاتم مجدداً. حرّكه مرة أخرى بين أصابعه، بادياً كمن يُبدي تبجيلاً للقطعة الأثرية، قبل أن يلبسه في النهاية في الإصبع الأوسط ليده اليمنى. انكمش الخاتم فوراً في الحجم ليناسبه وهبت ريح قوية حول الطاولة، مبعثرة شعر كليهما. اضطرت سكارليت لإجبار نفسها عقلياً على تجاهل النظرات التي أثارتها الظاهرة بينما شرعت في تعديل شعرها ومراقبة عيني الشاب أبيض الشعر وهما تلمعان لفترة وجيزة.
ثم حدق مطولاً في الفراغ، غافلاً تماماً عما يحيط به. لم تكن سكارليت متأكدة مما اختبره فعلاً إثر تجهيزه بالخاتم — فلم يتضح ذلك أبداً في اللعبة — لكنها افترضت أنه أمر هام لخلفيته الدرامية. استغرق الأمر وقتاً، لكنه عاد للحاضر أخيراً، متحولا ببصره ببطء نحوها.
"ل-لم أكن أؤمن أبداً بأنني سأعثر على هذا. لقد تخلّيت عنه منذ زمن طويل. أنتِ..."
نظرت إليها، ثم إلى الخاتم.
"ش-شكراً لكِ".
كافحت سكارليت عبوساً كان سيترسخ بينما أصلحت آخر شعيرات رأسها غير المنضبطة.
"يسعدني أن هديتي كانت مرضية. وماذا تقول في عرضي؟"
تحول تعبيره من الامتنان إلى التردد مرة أخرى.
"أنا... أنا لا أعرف. لدي أمور يجب علي العناية بها. أشخاص...".
تلاشى صوته.
"لا أعرف إن كان بإمكاني الوثوق بكِ".
حسناً، لم يكن الأمر بهذه السهولة إذن. لكنها لم تتوقع ذلك أيضاً.
قالت: "في الظروف العادية، لن يتضمن العمل الذي ستؤديه سوى مرافقتي. وفي أحيان قد أطلب منك المساعدة في استكشاف الأنقاض وما شابه، وقتال وحوش معينة جنباً إلى جنب مع آخرين تحت إمرتي، فضلاً عن إنجاز مهام ثانوية أخرى أكلّفك بها. ومع ذلك؛ سيُوفّر لك الطعام والمأوى من قِبلي، إلى جانب أي معدات ضرورية. وإضافة إلى ذلك، ستتقاضى 500 سولار كل شهر".
هتف بصوت علا بالقدر الكافي ليدفع مجموعة الرجال الذين يلعبون النرد على بعد طاولات قليلة للالتفات نحوهما، منضمين إلى تشكيلة العيون التي كانت تراقبهما بالفعل. حسناً ليكن، لم يكن الأمر كأن أحداً هنا مهماً الآن.
"هذا ما قلته، نعم".
كان لديها حدس بأن ذلك سيقنعه بعض الشيء. رمق الخاتم بتردد، بادياً كمن يفكر فيه لعدة ثوانٍ. وأخيراً، أومأ برأسها إيماءة خافتة.
"حسناً. سأفعل".
ثم رمقها بنظرة حادة.
"لكن الأفضل ألا تكون هذه خدعة من نوع ما".
ضيقفت عيناها.
"أهذا تهديد؟"
توقف، فرمش للحبرة، قبل أن يرفع يديه فجأة في الهواء أمامه.
"أه، ل-لا لا، لم أكن أعني ذلك أبداً، قطعاً ليس هكذا"، قال باستعجال.
"قصدت فقط أن الأمر لو كان كذلك فلن أستطيع مواصلة العمل معك وسأضطر للاستقالة حتى لو كنتِ تدفعين جيداً حقاً وتعرفين هويتي وبشأن الخاتم لكني بالتأكيد لم أكن أعني تهديدك أو أي شيء أعدك".
بدا الأمر غريباً لرؤيته على هذه الحالة، مقترباً إلى هذا الحد في الواقع من حالته في بداية اللعبة. والتفكير في أن هذا الأبله سيركض ككلب مسعور مع نهاية اللعبة، مبرحاً الناس ضرباً يميناً ويساراً. أشخاص سيئين، نعم؛ لكنهم بشر مع ذلك.
قالت وهي تراه يهدأ: "إذن أظن أن لدينا اتفاقاً".
"ربما حان الوقت لتُعرّف بنفسك أيضاً، الآن".
"أه".
انطبعت ملامح الإدراك على وجهه.
"أنا فين. مجرد فين. سأكون، هه، تحت رعايتك؟ أم أن العكس سيكون صحيحاً؟"
"أتصور وجود حالات لكلي الامرين".
أدخلت يدها في حقيبتها لتخرج عشر قطع نفضية فضية بقيمة 100 سولار.
"هذه سلفة صغيرة يمكنك استخدامها حسب الحاجة".
حرصت على امتلاك بعض العملات بحوزتها لحل أي مشاكل ملحة إلى أن تتمكن من جني المزيد من عتاد العارف الخبيث أو جولة استكشاف قبو أخرى. وكان من المفترض بالتأكيد أن يحتاج فين المال في هذا الوقت. طالع القطع النقدية للحبرة، قبل أن يلتقطها ويضعها في أحد جيوبه.
"شكراً لكِ".
[اكتملت المهمة: تجنيد مرافق — فينتراوث غريهالدراي]
{نقاط المهارة الممنوحة: 5} حدقت سكارليت في النافذة التي ظهرت أمامها. والتفكير في وجود مهمة لهذا. ومنحت 5 نقاط مهارة أيضاً.
شكّل المرافقون جزءاً هاماً للغاية من جاذبية «سجلات العوالم».
حظي جميعهم بخلفيات درامية وسلاسل مهام مطولة للغاية، مع فئات وحوارات فريدة خاصة بهم قادرة على التأثير على مسار القصة في أوقات معينة. ومع أنه لم يكن بإمكانك سوى ضم أربعة منهم لفريقك دائماً، فقد تواجد عشرة مرافقين محتملين مختلفين — أو بالأحرى أحد عشر، لكن الأخير كان الشخصية التي يتعين عليك الحصول عليها في النهاية مهما حدث — ممن أمكن تقسيمهم إلى ثلاث فئات.
أولئك الذين يُعتبرون «أخياراً»
ولن يلتزموا سوى مع اللاعب في جولة «خيّرة»؛
وأولئك الذين يُعدّون «أشراراً»
ولن يبقوا إلا مع اللاعب في جولة «شريرة»؛
وأولئك الذين يمكنهم أن يكونوا «محايدين»، إن لم تمِل حقاً نحو أي من الخيارين في القصة الرئيسية.
بدا الانقسام بين المرافقين متساوياً جوهرياً، مع إتاحة خمسة مرافقين للجولة الطيبة وخمسة للجولة الشريرة. كما شُكّل ثلاثة من المرافقين من كلا الفئتين خيارات محتملة للجولات المحايدة أيضاً.
كان فين أحد المرافقين «الأخيار»
الخالصين، لكن ذلك ظل صحيحاً بالقدر الذي يجعله المسار الرئيسي الوحيد الممكن من بين ثلاثة مسارات تقاتل فيها الفيلق المقدس مباشرة.
سأل فجأة ملقياً نظرة تفقدية على الحانة: "إذن، أه, ماذا الآن إذن؟"
بدأت سكارليت تقول: "لقاء بك كان السبب الوحيد لزيارتي هذا المكان. تالياً، نغادر و..."
توقفت كلماتها وأدارت رأسها بسرعة نحو الجانب.
"نغادر وما—"
"اصمت".
رفعت يدها في الهواء وهي تتلفت، متفحصة الغرفة. وهه إنها تعيش، لقد فعلت ذلك~احترفت الاحتيال والنصب، وبقيت على طريقها~يا تيلد، لم تفِ بعهدها قط~كانت محتالة ومخادعة، لكنها أبعدتك عن طريقها~ انتشر الغناء الهادئ والناعم في أرجاء القاعة، دون أن يطغى تماماً على ضوضاء ضيوف الحانة، لكنه حمل نبرة مميزة مع ذلك. نبرة تعرفت عليها سكارليت. انقضت عيناها على مصدر الغناء في الطرف الآخر من القاعة الواسعة.
ظهر يغطيه شعر بني طويل ومجعد مع عنق آلة طويلة يبرز إلى اليسار. كانت تلك المرأة التي رأتها سكارليت تعزف عند دخولها المبنى لأول مرة. استدارت نحو فين.
"المحادثة الإضافية ستضطر للاستظهار"، قالت وأشارت نحو الطاولة قرب المدخل حيث جلس درّاعاها الجديران بالتعاقد.
"هذان الاثنان درّاعان متعاقدان معي. يمكنك تعريف نفسك بهما. لقد لفتت انتباهي مسائل جديدة يجب علي متابعتها".
"ماذا؟ لكنني لا أعرف م—"
نهضت وبدأت تسير عبر القاعة.
سمعت تمتمته أثناء ابتعادها: "أه حسناً، أظن أنني سأذهب لأقول التحية إذن؟"
كانت المهمة قد أُنجزت بالفعل على أي حال. حافظت على تركيز عينيها على ظهر المرأة التي كانت تغني، مركزة على عزل الغناء عن بقية الضوضاء حولها. حاولت تيلد يوماً أن تكون صادقة قليلاً~فطارت محاولاتها كلها من النافذة~ أيقنت سكارليت تماماً الآن. كانت هذه أغنية تُعزف أحياناً في الحانات داخل اللعبة. لقد سمعتها لا تحصى من المرات. التفتت عيون المجموعة التي كانت تستمع لعزف المرأة نحو سكارليت مع اقترابها.
لاحظ عدد منهم ملابسها واستداروا بهدوء نحو طاولاتهم. واعتلى وجه بعض الآخرين تعبيرات محرجة. تماماً حين توقف سكارليت خلفها، كفت المرأة عن موسيقاها واستدارت. ارتدت قميصاً أبيض بسيطاً مع صدرية بنية رقيقة فوقه، وإلى جانب شعرها الطويل والمتموج، امتلكت المرأة عيوناً بنفسجية صافية فضلاً عن نمش خفيف انتشر على أنفها ووجنتيها. بدا وكأنها كست وجهها بعبوس طفيف للحظة أول ما رأت سكارليت، لكن ما لبث التعبير أن زال بمجرد ظهوره، ليحل محله ابتسامة ترتسم على وجه المرأة.
قالت المرأة: "جئتِ للإعجاب بغنائي؟ دائماً ما توجد متسع للمزيد بين الحشد".
ثم التفتت إلى الأشخاص الذين كانوا يتظاهرون بعدم الانتباه.
"لا سيما الآن وقد بدا أنني فقدت بعضهم".
حدقت سكارليت فيها، مستوعبة مظهر المرأة. لم يكن ما يهم هنا هو تعرفها على الأغنية من اللعبة. ما همّ حقاً هو تعرفها على الصوت. كانت هذه المرأة مرافقة أخرى من مرافقات اللعبة.
هتفت المرأة فجأة، مطرقة بصرها نحو سكارليت بتعبير مبالغ فيه ويدها تغطي فمها: "لا معقول؟ هل أصبتك بالخرس؟ إذن، هذه سابقة حتى بالنسبة لي".
سألت سكارليت: "ألستِ روزالينا هيل؟"
ابتسمت المرأة باتساع بينما أسندت آلتها — التي بدت كنوع مشتق من آلة الهيردي غيردي بعنق أطول — إلى جانب مقعدها وانحنت إلى الأمام فوق مسند الظهر. حرّكت إحدى ذراعيها حركة دائرية في الهواء أمامها بينما خفضت عنقها في انحناءة تحية أنيقة ساخرة.
"يبدو أن سمعتي تسبقني. إنها أنا حقاً، روزالينا هيل، المغنية البارعة بامتياز".
رفعت رأسها لأعلى وبابتسامة عريضة على وجهها.
"رغم أن الناس ينادونني عادة بروزا وحدها. لكنها دائماً لمتعة لقاء معجبة أخرى لي".
أسندت مرفقها على ظهر مقعدها، مسندة ذقنها على راحة كفها.
"إذن، لِمَ أتيتِ إلى هنا؟ ألا يعقل حقاً أنكِ تريدين توقيعي؟ يجب أن أحذرك أنني لا أوقع على أجزاء الجسم، وليس لدي فرشاة كذلك".
عبست سكارليت.
"أهذا طلب يتقدم به الناس حقاً؟"
لم تكن تعلم حتى بوجود تواقيع هنا. رمقتها المرأة بابتسامة أخرى.
"ليس تماماً، لا. لكن لا بد أن يكون هناك شخص ما هو الأول، أليس كذلك؟"
رمقتها سكارليت لعدة ثوانٍ، شاعرة بفقاقيع الانزعاج وهي تتصاعد. لم تكن قد حسبت حساباً لذلك، لكن هذا... سيكون مزعجاً بالطريقة التي كانت عليها شخصيتها حالياً.
أردفت بجمود: "إذن فالأمر في الواقع أشبه بتعلق من طرفك، لا برغبة مشروعة من أي معجبين مزعومين. إن كان الأمر كذلك فأقترح أن تحتفظي بأي هوس مماثل لنفسك. لدي مسائل أخرى لأناقشها معك".
ظهر على روزا تعبير متسلٍ.
"حسناً، لوني بالدهشة. لم تتفطني لنواياي الدنيئة فحسب، بل لديكِ عمل معي أيضاً؟ أتمنى ألا أكون في أي ورطة".
في «سجلات العوالم»، كانت روزالينا هيل إحدى المرافقات الطيبات/المحايدات اللواتي ضمتهن سكارليت لفريقها في جولتها الأولى.
ومع أن روزا حضرت مع مشاكلها الخاصة، إلا أنها شكلت إحدى شخصيات سكارليت المفضلة في اللعبة وتملكت فئة دعم فريدة، ولهذا السبب اعتبرت سكارليت البحث عنها في المستقبل.
ولكن حتى وإن أمكن تجنيد روزا في أماكن عدة مختلفة داخل اللعبة، فلم تكن «السمكة الضاحكة»
واحدة منها أبداً. لم تتوقع سكارليت حقاً مصادفة هذه المرأة مبكراً إلى هذا الحد. في الواقع، ما هي احتمالات لقاء اثنتين من مرافقات اللعبة في نفس المكان هكذا؟ اثنتان من الأكثر عقلانية، علاوة على ذلك. لقد كانت تلك مصادفة عجيبة حقاً. أكان عليها اعتبار نفسها محظوظة فحسب؟ وضعت روزا يدها الحرة لتمسح وجنتها.
"أعلى وجهي شيء ما؟ ربما ما كان يجب علي تناول تلك الصلصة سابقاً".
تابعت سكارليت المرأة وهي تنفض يدها وكأنها أزالت بعض الصلصة غير الموجودة حقاً: "...لقد ذكرتني بشخص ما فحسب. لكن الأمر سيّان. وكما قلت، لدي ما أناقشه معك. اقتراح".
ارتفعت حاجبا روزا.
"اقتراح؟ يا للفضيحة. بالكاد نعرف بعضنا البعض".
أطلقت سكارليت نظرة مطولة على المرأة. صحيح، هذا تقريباً ما كان ينبغي لها توقعها.
"أرى أنك بالغة التحرر".
قالت روزا وهي تمرر إصبعها فوق مسند الظهر الآن: "أه، لست متأكدة من ذلك. أنا أفضّل المرح. تبدو رنانة أكثر".
أجابت سكارليت ببطء: "أرى".
شعرت بغرابة شديدة لرؤية روزa هكذا. أراد جزء منها توبيخ المرأة على أخلاقها، بينما لم يمانع الجزء الآخر في الواقع واستمتع برؤية روزا على أرض الواقع هكذا.
قالت في النهاية: "على أي حال. اسمي سكارليت، وأنا بحاجة لخدماتك. سأحرص على أن تُكافئي بسخاء إن دخلتِ تحت إمرتي في المستقبل القريب".
نظرت إليها روزا بدهشة طفيفة.
"تريدين توظيفي؟ لأجل ماذا؟ أعرف ما قلته، لكني لا أؤدي عروضاً فردية حقاً".
قالت سكارليت: "لن أطلب منك الأداء. أنا أعلم أن لديكِ صفات أخرى لتقدميها".
تخطّدت جبهة روزا.
"...لست متأكدة من أنني أشم ما تطبخينه هنا".
"إذن أقترح عقداً تجريبياً. يمكن الإجابة عن الأسئلة الإضافية في المستقبل، لكن إن وافقتِ على شروطي فستُعوضين بـ 500 سولار كل شهر، فضلاً عن عدة مزايا أخرى".
تفاعل العديد من الأشخاص القريبين عند ذكرها لمبلغ 500 سولار. لم تكن تتوقع توظيف شخص آخر بهذه السرعة لذا ربما كانت تبالغ قليلاً هنا — فإيفيلين لن يعجبها الأمر على الأرجح — لكن هذا القدر لا ينبغي أن يشكل مشكلة. ولم تترغب في إفلات هذه الفرصة للحصول على يدها في واحدة من مرافقات اللعبة الأخرى. وبمساعدة روزا، سيصبح إكمال أحد الأقبية قرب إيليستيد والتي احتوت على غرض تريده سكارليت أمراً أسهل بكثير أيضاً.
"500 سولار؟ لا يبدو ذلك سيئاً للغاية الآن".
نظرت إليها روزا لثانية.
"تجريبي، قلتِ؟ لست من نوعية الفتيات اللواتي يبقين في مكان واحد، لكني سأستمع لكل ما تريدين مني فعله هنا من أجلك. من يدري، ربما سيكون ممتعاً؟"
قالت سكارليت وبدأت تستدير: "جيد. إذن يمكنك اتباعي. سأشرح بمزيد من التفصيل ما سيستلزمه ذلك".
نهضت روزا والتقطت آلتها، مستديرة لتلويح بيدها للأشخاص الذين كانت تعزف لهم.
"عذراً، يبدو أن العرض قد انتهى. لكنكم كنتم رائعين يا شباب. كنت مندمجة حقاً".
ثم بخطوات وثابة نحو سكارليت، برق لمعان خفيف في عيني روزا.
"حسناً، لنرَ إذن ما هي الأشياء الممتعة التي تحملينها لي. فقط لا تحزني كثيراً عندما أقفز من السفينة لو تبين أن هذا نوع من طقوس عربدة الأرانب المرحة".
ارتعشت.
"لن أفعل ذلك مجدداً".
رمقتها سكارليت. كانت مإلَة بنصفها لسؤال ما إذا كانت تلك نكتة أم لا.
"...لا أتوقع أن يشكل ذلك مشكلة"، قالت بينما شرعت في السير نحو مدخل الحانة حيث بدا أن فين قد عرّف نفسه للآخرين على إحدى الطاولات.
"رغم أنني لا أستطيع أن أعد بأن الأمر سيكون ممتعاً طوال الوقت أيضاً".
ابتسمت روزا بجانبها، مسندة آلتها شبيهة الهيردي غيردي على كتفها.
"مقابل هذا القدر من المال؟ سأجعله ممتعاً".
[اكتملت المهمة: تجنيد مرافق — روزالينا هيل]
{نقاط المهارة الممنوحة: 5}