كانت بقية الرحلة نحو قرية ويسلكريك، لحسن الحظّ، أهدأ بكثير من الساعات الأولى منها. مضى اليوم الأول سريعاً نسبيّاً، رغم قضاء سكارليت معظمه في مراقبة النافذة بلا انقطاع ترقباً لأي كمائن أخرى. زادت شخصية الحارسة المنفتحة عادة هدوءاً بوجود غارسيد، ممّا جعل العربة أكثر مللاً بعض الشيء. لكنّه منح سكارليت وقتاً إضافياً لبعض التدريب الأساسي على سحرها، وإنْ بقيت مقيدة بسعة مانا الحالية طويلاً.
اغتنت الفرصة لتستخدم خمس نقاط مهارة من أصل سبع حازت عليها بعد الكمين لترقية [التحكم الطفيف بالماء] إلى [التحكم بالماء]، وهي رغبتها منذ فترة. رغم عدم توفر الفرصة لتجربة المهارة المُرقّاة حقّاً خلال السفر بالعربة. ولمزيد من إبادة الوقت أخرجت سكارليت كتباً من [جيب الاحتواء] تناقش تاريخ الإمبراطورية، والجزيرة الصاعدة، والبرج المنسي، وحاجز الغبار الدائم، وغيرها من الأماكن المثيرة للاهتمام المعروفة لديها من اللعبة لمقارنة معرفتها.
أرسلت خادماً لشراء الكتب من متجر في فريبْرُوك، وهو التوقيت ذاته الذي لمعت فيه في رأسها فكرة —متأخرة نوعاً ما— بإخبارهم شراء أوسع قدر ممكن من الكتب ذات الصلة بالأصول واللياقة النبيلة، «نيابة عن الحارسة الجاهلة في خدمتها».
لم يُثمر العثور على أي شيء مفيد في هذا الأمر بالذات حتى الآن، غير أنها امتلكت الآن عذراً مقبولاً حال سأل أحدهم. للأسف، لم يتسع وقتها لقراءة تلك الكتب المحددة بعد، ولا سبيل لقراءتها أمام الآخرين. ربما كات، لكن غارسيد قطّاً لا. سوء تقدير من طرفها. بعد قضاء معظم اليوم الأول في مطالعة تاريخ إمبراطورية غرينال، بلغت عربتهما بلدة صغيرة تدعى كراوبيل قبيل الليل. سُرَّت كات بذلك خصوصاً بعد تلف أغلب أمتعتها رفقة العربة الأولى —بما في ذلك جزء من درعها، ممّا بعث شعوراً بالذنب في نفس سكارليت.
وجب عليها تعويض تلك المرأة بطريقة ما— واضطرت لاستعارة طقم من ثياب السفر الخاصة بسكارليت التي وضعتها الخادمات في الأمتعة. تلفت ثياب كات الأصلية جراء المعركة، لكن كات فاقت سكارليت طولاً وامتازت ببنية أكثر تناسقاً فلم تكن الثياب المستعارة ملائمة تماماً. أضف إلى ذلك الإصابات التي لم تتعافَ منها الحارسة تماماً بعد، ممّا جعلها متحمسة للغاية للتوقف في الليلة الأولى بغية نيل قسط حقيقي من الراحة واستبدال الثياب.
كانت كتف سكارليت قد التئمت إلى حد بعيد بحلول ذلك الوقت —بعد استخدامات متكررة لـ[نبض الأرض] من كات طوال اليوم— فلم تواجه المشكلة ذاتها. استأنفتا التحرك صباح اليوم التالي عقب الاستراحة في تلك البلدة. بدا ذلك اليوم أهدأ حتى من النصف الثاني من سابقه. أفلحت سكارليت في إتمام كتاب عن إمبراطور إمبراطورية غرينال الأول —غالراوث العظيم— وبضعة أبطال إمبراطوريين آخرين، فضلاً عن الشروع في كتاب آخر، بحين وصولهما إلى بلدة صغيرة أخرى للمبيت فيها تلك الليلة.
لم تبلغا وجهتهما إلّا عشية اليوم الثالث من رحلتهما عبر رقعة الغابات الشاسعة المتمثلة في الجزء الجنوبي الغربي من الإمبراطورية. لم يبدو الطريق المؤدي مباشرة إلى قرية ويسلكريك والخارج منها مستخدماً بكثافة. غطى العشب والأعشاب الضارة معظمه، ولم يظهر عبر الأحراش سوى اثر عجلات وعابرين. استقرت القرية ذاتها في مساحة منجلية بجوار بحيرة صغيرة زاخرة بالنباتات. لم تكن المستوطنة ضخمة —لو خمنت سكارليت، لدار السكان حول المئات، ودون الألاف قطعاً.
اتخذت غالبية المباني شكل هياكل خشبية بسيطة من طابق واحد، مانحة منظراً مغايراً تماماً لما اعتادت عليه في شوارع فريبْرُوك. مع اقتراب العربة تدريجياً من القرية، تجلّت الرؤية بوضوح للمساحة التي تحتضنها. على مقربة من قلب القرية، وفي الطرف المقابل للمساحة من موضعهما الحالي، لمحت سكارليت حقولاً مترامية تطوف بها أشكال بعيدة. بدت شاسعة لقرية بهذا الحجم، مقارنة بالعديد من الأماكن الأخرى التي عبرتاها.
وأبعد من ذلك، فوق حزام الأشجار المحيط بالمكان، علت قمم جزء من جبال وايتستون المشرفة على المستوطنة الصغيرة، مانحة إياها ظلالاً واقية مع بدء الغروب. لم تلبث العربة أن ولجت حدود القرية ذاتها فطلت برأسها تتفرس المباني. خلا الشارع تماماً، غير أنها رصدت بشراً يحدقون بهما من النوافذ. غاب عن المجمل شعور الترحاب الحقيقي. ورغم ذلك، فقد وصلت لتوّها في عربة نبيل ودون سابق إنذار.
افترضت تحليق الحذر في نفوس الغالبية بموقف مماثل. حين بلغتا قطاعاً من ويسلكريك يشبه ساحة قرية —رغم تعسف التسمية لكونه مجرد بقعة ترابية واسعة تخلو من الإنشاءات— كبح السانح حِراك العربة. تطلع غارسيد من النافذة، مقطباً حاجبيه قليلاً.
"سيدتي، أأكون مصيباً إن ظننت نيتكم المكوث هنا لفترة؟"
التفتت إليه سكارليت.
"أنت مصيب، نعم"، رددت، محولة بصرها للخارج.
"أظنني تحدثت عن أعمال تتطلب عناية. وهنا حيث توجد".
حاولت كبح ظهور الاشمئزاز المترسخ بداخلها حيال فكرة الإقامة بمكان كهذا. حتي في حياتها السابقة، لم تمِل قط لمعسكرات الخلاء وقضاء الوقت في العراء. وتضاعف ذلك الشعور أضعافاً مضاعفة الآن. اتسمت الأماكن التي نزلتا بها الليلتين الماضيتين بكونها نُزُلاً مقبولة على الأقل، بيد أن هذا المكان افتقر حتى لذلك. تمثل المبنى الأكبر المشاهد في قاعدة حجرية على حافة هذه الساحة الصغيرة، ولم يتجاوز حجمه حظيرة ضئيلة.
استبعدت توفر أي مرافق تذكر فيه. امتلك هذا العالم مراحيض —رغم افتراض كونها سحرية بطريقة ما والمخصصة للطبقات الأرقى— ولم يفاجئها انعدامها هنا. وبينما تقبلت ضرورة التعامل مع ظروف مماثلة أحياناً، ورفضت التحول لنبيلة متعجرفة يعجزها احتمال منغصات طفيفة دون بكاء، ظل الأمر مزعجاً للغاية لاحتماله. لم يقتصر العبء على مجرد مواجهة المنغصات ذاتها —وليست بالهينة لمن اعتادت أسلوب حياة عصري— بل امتد لمعايشة الضيق المضاف والجهد الذهني الناجم عن خصال سكارليت الأصلية.
صادقت فتاة بعالمها القديم دأبت طوال تجربتهما الجامعية على التذمر حيال تعكر مزاجها طوال اليوم إن حرمت فنجان قهوة صباحي. عجزت سكارليت حينها عن إدراك الأمر، رغم تواجدها بالطرف المقابل لعواقبه مراراً. أما الآن؟ باتت تدرك تماماً الآن.
"أنازلة أنتِ؟"
انتشلت نبرة كات سكارليت من تأملاتها بينما غادرت الحارسة العربة بالفعل —مرتدية أثواب قماش بنيّة بسيطة اقتنتها من محطتهما الأولى— ومطّت بصرها نحو سكارليت. كان غارسيد قد ترجل لتوه ممسكاً الباب مفتوحاً. تناولت جيب الاحتواء من المقعد المجاور وربطته بخصرها، فنهضت سكارليت مغادرة المركبة برشاقة. مع ملامسة قدماها للطين الرطب نسبياً المفرود على معظم الأرض محيطهما، سرّها انتعال زوج جزمات سفر سميكة وعالية لهذا اليوم.
"سيدتي، سأتحرى إمكانية العثور على عمدة أو شيخ قرية"، نطق غارسيد.
"أعتقد خضوع هذه القرية لسيادة البارون غريشام. وعليه، سأضمن تنظيم استقبال لائق وتوفير أفضل سكن يليق بكم".
رفعت يدها باتجاهه.
"لن يلزم ترحيب. فحسب حددا مَكاناً للإقامة واجعلوا المسؤول ماثلاً. أرغب بمحادثته".
أومأ برأسٍ خاطف.
"بالطبع، سيدتي".
وعقب ذلك، سار نحو السانح الشاب —الذي تبيّن أن اسمه ديكنز— وتبادل معه كلمات معدودة قبل التوجه صُعُدَاً نحو البناء الأكبر الذي لحظته سكارليت قريباً من مكانهما.
"إذن... ماذا الآن؟"
تساءلت كات جانباً. كانت المرأة صفراء الشعر تُعيد خصلات من شعرها لضدلتها المعتادة مستعرضة المنازل حولهما.
"حسب"، أجابت سكارليت.
"على ماذا؟"
"على مدى استعداد السكان للتعاون. علاوة على عوامل أخر."
شكت سكارليت حقاً في معاونة القرويين بخصوص الأمر. تمنت فقط عدم الاضطرار لانتظار الهجوم القادم مطولاً.
"تعاون؟"
ارتسمت الحيرة على محيا كات.
"ما الذي جئنا لنفعله هنا تحديداً؟"
حدقت بها سكارليت.
"بل لنساعدهم، بالطبع".
ضيقت الحارسة عينين بنظرة شك.
"أجل، ما رأيك بإعادة ذلك. ولكن بشيء من المشاعر هذه المرة".
اكتفت سكارليت بهز رأسها.
"نحن هنا لمعالجة علة تنخر هذه المنطقة، ولاستعادة أثر مرتبط بتلك العلة".
تعمقت حيرة وجه كات.
"لماذا يرفض القرويون مساعدتنا في هذا؟"
"تلك، في تقديري، مسألة هم أقدر على إجابتها مني".
رفعت كات حاجباً.
"...حقاً. وما هي هذه ’العلة‘ تحديداً؟"
"أتساءل."
التفتت سكارليت نحو ديكنز، السانح، بينما كان يربت على عرف حصان العربة مطعماً إياه تفاحة.
"ظننتك ستطلعينني على هذه الأمور مسبقاً"، قالت كات، ولاحظت سكارليت تقليب المرأة لعينيهما.
"كنتُ"، أقرت سكارليت.
"لكن، عقب التشكيك بنواياي الطيبة قبل لحظات معدودات، بدأت يراودني تفكير ثانٍ بشأن المسألة".
رمشت كات بعينيها.
"للآلهة، تحبين الظهور بمظهر الغامض والعالم بكل شيء، أليست كذلك؟ هذا هو، أليس كذلك؟"
التفتت سكارليت نحو المرأة مجدداً، متفكرة لبرهة.
"ربما. قد لا يكون ذلك خاطئاً تماماً في الواقع".
تملكها شعور مسكر، ذاك الإحساس بمعرفة ما يدور أفضل من أي شخص آخر. ابتسمت بخفة بالغة.
"لا تقلقي. سأحطك علماً بالوضع وهدفنا الدقيق لاحقاً. رغم أنه ليس بالأمر الذي ستجدين عناءً كبيراً في معالجته".
تفرستها كات لبرهة إضافية قبل أن تهز كتفيها بكلمة «حسناً»
هادئة بانتظار عودة غارسيد. لم يطول انتظارهما حتى أقبل غارسيد ماشياً، ويتلوه مباشرة رجل بشعر رمادي آخذ بالصلع. تنحى الخادم جانباً بينما وقف الرجل بإزاء سكارليت مظهرًا قلقاً جلياً بوجهه، مؤدياً انحناءة مترددة.
"أ-أهلاً بكِ، سيدتي. أنا ديتر، مختار هذه القرية. أعتذر لسوء الاستقبال، لم نكن نعلم بزيارتكم".
منحته نظرة عابرة. ارتدى ثياباً بسيطة علق الطين بساقيه وأكمامه وغطاها العرق. بدا مشغولاً بالعمل طوال النهار. حولت وجهها نحو غارسيد، الذي أومأ إليها. عجزت عن التيقن من مغزى تلك الإيماءة.
"لم تكن لي رغبة بالاستقبال من قِبل رعاعكم أثناء زيارتي على أي حال، لذا فلا ضير"، تكلمت، مراجعة بصرها نحو الرجل.
"أفترض وجود مأوى متاح لإقامتنا؟"
أومأ شيخ القرية بحماس محموم.
"بالطبع، بالطبع".
وأشار ناحية المبنى الذي سار إليه غارسيد قبل قليل.
"يمكنكم المكوث في منزل العزبة".
رمقت المبنى. أيسمون هذا منزل عزبة؟ لم يكن مهجوراً أو ما شابه، لكنه بدا بوضع يتسق مع قرية بُنيت غالبيتها بخشب بسيط. حسناً، بدا مركزاً للمستوطنة، على الأقل.
"تقدّم"، أمرت.
أومأ الرجل مجدداً وقادهما باتجاه منزل العزبة ودخوله، حيث ولجوا مساحة مقبولة المساحة تضم مدفأة بأحد الأطراف إلى جانب كراسي وطاولات منثورة هنا وهناك. جاور المدفأة ركن صغير يرجح عمله كمطبخ. وبرزت أربعة أبواب افتُرض إفضاؤها لغرف نوم ومخازن وما شابه.
"سنجهز الغرف لسموكم بأسرع وقت ممكن، همم، سيدتي"، نطق الرجل، متطلعاً لكات وغارسيد الوافدين رفقة سكارليت.
وانشغل ديكنز بإيجاد موضع لحفظ الحصان والعربة.
"إن أردتم يمكننا إعداد طعام لكم أيضاً".
تحرك بصر سكارليت في أرجاء الفسحة.
"نعم، أظن ذلك مناسباً"، نطقت بينما تقدمت لإحدى الطاولات وجلست بقرب المدفأة.
لم تكن النيران مشتعلة فاستخدمت تحكمها بالنار لإشعال الحطب الصغير، وهو ما بدا كأنه أثار فزع شيخ القرية قليلاً.
"والآن"، قالت، ومقضي بصرها مثبت على الرجل المتوتر حيث يقف.
"لدي بعض الأسئلة لك".