وقَف جِيفُورد نُوتْلِي عِندَ نافِذَةِ مَكْتَبِهِ العَرِيضَةِ، وشَبَكَ يَدَيْهِ المُتَخَشِّبَتَيْنِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُسْتَعْرِضاً عَلاماتِ الدَّمارِ الطّارِئَةَ التِي تُشَوِّه فْرَيْبْرُوك. انعكَسَ وَجْهُهُ الخَشِنُ، المَحْفُورُ بِخُطوطِ الإِعياءِ والقَلَقِ، على الزُّجاجِ، وهُو يُحَدِّقُ في السُّطوحِ المُتَحَطِّمَةِ مُتَفَرِّقَةِ المَواقِعِ، والمَساكِنِ المُتَفَحِّمَةِ، والشَّوارِعِ المَشْطورَةِ في الأَسْفَلِ.
اخْتَرَقَ صَوْتُ الكُونْتِ هَايْدُن الصَّمْتَ الثَّقِيلَ الصّادِرَ مِن جِهازِ الاتِّصالِ العَمليّ عَلى مَكْتَبِهِ.
"تَوَصَّلْنا إلى إجماعٍ بَيْنَنا نَحْنُ النُّبَلاءَ. يَجِبُ أنْ نَرْفَعَ عَرِيضَةً إلى جَلالَةِ المَلِكِ دُونَ إبْطاءٍ. لا يُمْكِنُ السَّماحُ لِهذَا الوَضْعِ بِالتَّدَهُوُرِ أكْثَرَ".
اشْتَدَّ فَكُّ جِيفُورد، ولَم تُفارِقْ عَيْناهُ مَدِينَتَهُ. الخَرابُ الّذِي حَلَّ بِها كانَ كافِياً لِإغْلاي دَمِهِ. بَعْدَ لَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، استدارَ وخَطا نَحْوَ مَكْتَبِهِ، فَصَدَحَ صَوْتُ حِذائِهِ الخَشَبِيِّ عَلى الأَرْضِيَّةِ القَدِيمَةِ.
أجابَ بِصَوْتٍ عَمِيقٍ: "فَرْضُ أَعْباءٍ إضافِيَّةٍ عَلى مُواطِنِينا في هَذِهِ المَرْحَلَةِ قَدْ يَكُونُ خُطْوَةً غَيْرَ حَكِيمَةٍ. وفي حِينِ أُوافِقُ عَلى أنَّ مَرْسومَ أَمْنٍ إمْبِراطُورِيّاً يُعْتَضادُ بِهِ، إلّا أنَّ إعانَةَ المَمْلَكَةِ يَجِبُ أَلّا تَكونَ عَلى حِسابِ تَحْمِيلِ مَنْ ضَحُّوا وخَسِرُوا الكَثِيرَ أَعْباءً أُخْرَى".
قالَ الكُونْتُ هَايْدُن بِحِدَّةٍ: "لَنْ تَتَسَنَّى لَكَ هذِهِ الرُّوحُ إلّا لأنَّ فْرَيْبْرُوك تَجاوَزَتِ العاصِفَةَ بِحَسَنِ حالٍ مُقارَنَةً بِكِلْسْفِيل وغَيْرِها مِنَ المُدُنِ. أُرْواحٌ ومَنازِلُ لا تُحْصَى ضاعَتْ تِلْكَ الهَجَماتِ. والكَثِيرُونَ جِدّاً بَقُوا عَلى غَيْرِ هُدًى ومُعَرَّضِينَ لِلْخَطَرِ، ومِنَ الواضِحِ تَماماً أنَّ مَوارِدَنا الحالِيَّةَ لا تَكْفِي لِوَقايَتِهِم مِن هذا الخَطَرِ. نَحْاحُ إلى حَشْدِ الأَمْوالِ والأَيْدِي العاملَةِ لِشَنِّ هُجُومٍ مُصادِمٍ فَعّالٍ ضِدَّ هذا العُدْوانِ السافِرِ. حَتَّى مَعَ دَعْمِ البَرْلَمانِ الإمْبِراطُورِيِّ، لا يَمْلِكُ أمْرَ إقْرارِهِ سِوَى جَلالَةِ المَلِكِ".
قَبَضَ جِيفُورد يَدَهُ كُتْلَةً واحِدَةً إلى جانِبِهِ.
زمجَرَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ: "لا تُحاضِرْنِي في حَجْمِ المَخاطِرِ يا رَوْلِينغ. لَقَدْ عایَنْتُ الدَّمارَ بِنَفْسِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى".
رَدَّ الكُونْتُ هَايْدُن بِبُرودٍ: "إِذاً، لَمْ يَبْقَ بَيْنَنا ما نَتَكَلَّمُ فِيهِ. سأَنْصَرِفُ يا جِيفُورد. يُمْكِنُنا المُحادَثَةُ لاحِقاً".
عِنْدَما خَمَدَ صَوْتُ الجِهازِ، هوى جِيفُورد عَلى مَقْعَدِهِ، فَأَطْلَقَ الجِلْدُ صَرِيرًا تَحْتَ بِنْيَتِهِ الضَّخْمَةِ. عادَتْ عَيْناهُ لِلتَّسَرُّبِ نَحْوَ النّافِذَةِ خَلْفَهُ، بَيْنَما استعادَ عَقْلُهُ الفَوْضى التِي اجْتاحَتْ فْرَيْبْرُوك قَبْلَ يَومٍ واحِدٍ فَحَسْبُ. تَأَوَّهَتْ مَسانِدُ الكُرْسِيِّ تَحْتَ قَبْضَتِهِ المُتَشَدِّدَةِ. أَشارَتِ التَّقارِيرُ الوارِدَةُ مِنَ الكُونْتِ هَايْدُن وغَيْرِهِ الكَثِيرِينَ إلى أنَّ فْرَيْبْرُوك أبْلَتْ بَلاءً حَسَنًا أكْثَرَ مِن أغْلَبِ المُدُنِ خِلالَ الهُجُومِ.
لَكِنَّ فِكْرَةَ أنْ يَشْعُرَ جِيفُورد بِالامْتِنانِ أَوْدَعَتْ في صَدْرِهِ غَضَبًا عارِمًا. لا يَجِبُ عَلى المَرْءِ قَطُّ أنْ يَشْعُرَ بِالتَّمْكِينِ فَقَطْ لأنَّ الأَحْوالَ كانَتْ لِتَكونَ أَسْوَأَ. الظُُّلْمُ يَبْقَى ظُلْمًا مَهْما صَغُرَ، وقَبُولُ العَكْسِ لا يَدْعُو إلّا لِمَزيدٍ مِنَ الظُّلْمِ. بَيْنَما ظَلَّتِ العامَّةُ تُعاني مِن وَقْعِ الهَجَماتِ وتَعْجِزُ عَنْ فَهْمِ السَّبَبِ الكامِنِ وراءَ هُجُومِ الوُحوشِ المُباغِتِ، لَمْ يَبْقَ أَدنى شَكٍّ لَدَى أهلِ النُّفوذِ فِي مُرْتَكِبِي الجُرْمِ.
الدَّلائِلُ كُلُّها تُشِيرُ بِلا لَبْسٍ إلى قَبيلَةِ الخَطِيئَةِ — ومِنْ ثَمَّ العِصابَةِ المُقَدَّسَةِ — باعْتِبارِهِم مُهَنْدِسِي هذا الدَّمارِ. اللُّغْزُ الحَقِيقِيُّ يَكْمُنُ في الكَيْفِيَّةِ التِي اسْتَطاعُوا بِها حَشْدَ والسيطَرَةَ عَلى هذا الحَشْدِ الهائِلِ مِنَ الوُحوشِ، بِمَا في ذَلِكَ التَّنانِينُ، لِتِلْكَ الضَّرَباتِ المُتَناسِقَةِ فِي جَميعِ أَنْحاءِ الإمْبِراطُورِيَّةِ.
الدَّمارُ المُرْتَكَبُ في يَومٍ واحِدٍ يُضاهِي دَمارَ هُيوجِ تِنِّينِ الخَرابِ قَبْلَ ثَمانِي سِنِينَ. لَقَدْ مَضَتْ أكْثَرُ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ مُنْذُ أنْ وَقَفَ جِيفُورد آخِرَ مَرَّةٍ عَلَى الخُطوطِ الأَمامِيَّةِ داخِلَ إحْدَى مُدُنِ الإمْبِراطُورِيَّةِ نَفْسِها. بَعْدَ يَومٍ شاقٍّ مِنَ الجُهودِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الفِصائِلِ — كَنائِبِ الفُرْسانِ، أبْراجِ السَّحَرَةِ، المَجْلِسِ، نقابةِ الدُّروعِ، مَجْموعاتِ المُرْتَزَقَةِ، وحاشِيَةِ النُّبَلاءِ — صَدَّتْ أغْلَبُ المُدُنِ الأخطارَ الفَوْرِيَّةَ مَعَ حُلولِ الظَّلامِ.
وفي حِينِ تُشِيرُ الأَنْباءُ إلى أنَّ وايلْدْسْكار وأَمْبِرْكْرَسْتَ لازالَتا تُصارِعانِ الوُحوشَ الباقِيَةَ، فإنَّ إعادَةَ تَشْغِيلِ أَحْجارِ الأَتُونِ هذا الصَّباحَ تَعِدُ بِحَلِّ ذَلِكَ قَرِيبًا. لَكِنَّ جِيفُورد لا يُخادِعُ نَفْسَهُ بِأنَّ هذِهِ هِيَ النِّهايَةُ. عَلى حَدِّ عِلْمِهِ، لَمْ تَكُنْ هُناكَ رُؤىً مُباشَرَةٌ لِعُمَلاءِ القَبيلَةِ أوِ العِصابَةِ، مما يَدُلُّ عَلى أنَّ هذِهِ الهَجَماتِ لَمْ تَكُنْ سِوَى تَمْهيدٍ لِما هُوَ أَعْظَمُ خُطورةً.
تَفَلَّتَتْ مِنْهُ زَفْرَةٌ ثَقِيلَةٌ بَيْنَما أمَرَّ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ الأَمْلَسِ. بَدا لَهُ أنَّ الحالَةَ الرّاهِنَةَ تَعُودُ بِالإدراجِ إِلى ما كانَتْ عَلَيْهِ أَيّامَ شَبابِهِ، حِينَ خاضَتِ الإمْبِراطُورِيَّةُ آخِرَ حَرْبٍ مَفْتوحَةٍ مَعَ القَبيلَةِ. في تِلْكَ الأَيّامِ، أَوْرَطَ مَجْلِسُ المَوْتى الحُدودَ الشَّرْقِيَّةَ فِي نِزاعٍ مُتَزامِنٍ، تارِكًا إيَّاهُ وأقْرانَهُ دُونَ لَحْظَةِ سَلامٍ واحِدَةٍ.
لَكِنْ حَتَّى في ذَلِكَ الحينِ، لَمْ تَتَأَذَّ قُلوبُ المُدُنِ الإمْبِراطُورِيَّةِ إلى هذا الحَدِّ. وَقَعَتْ عَيْناهُ عَلى صورَةٍ زَيْتِيَّةٍ صَغيرَةٍ عَلى مَكْتَبِهِ تُصَوِّرُ عائِلَتَهُ، حَيْثُ يَبْسِمُ هُو وزَوْجَتُهُ الراحِلَةُ وُقوفًا خَلْفَ طِفْلَيْهِمَا الصَّغِيرَيْنِ. مَدَّ جِيفُورد يَدَهُ، وتَتَبَّعَتْ أصابِعُهُ حافَّةَ الإطارِ، بَيْنَما ارْتَسَمَ طَيْفُ ابْتِسامَةٍ خَفِيفَةٍ عَلى شَفَتَيْهِ.
تَساءَلَ عَمّا كانَتْ رِيلّا لِتَفْتَرِضَهُ تِجاهَ هذِهِ الفَوْضى. لا شَكَّ في أَنَّها كانَتْ لِتُصابَ بِالذُّعْرِ مِنَ الدَّمارِ، لَكِنَّها رُبَّما شَعَرَتْ بِالفَخْرِ أَيْضًا جَرّاءَ جُهودِهِم في الدِّفاعِ عَنْ مَنْزِلِهِم. لَقَدْ تَوَلَّى جِيفُورد بِنَفْسِهِ تَدْرِيبَ العَديدِ مِنْ حُماةِ فْرَيْبْرُوك، وقَدْ أَبْدَوْا شَجاعَةً بالِغَةً فِي مَعارِكِ الأَمْسِ.
أَبْدَى ابْنُهُ غَارِين شَجاعَةً مُثيرَةً لِلْإعْجابِ أَيْضًا، تَليقُ بِمَكانَتِهِ كَوَريسٍ. عَلى الرَّغْمِ مِنْ قُصورِهِ، شَعَرَ جِيفُورد بِفَخْرٍ جامِحٍ تِجاهَ الشّابِّ. أَخِيرًا، اسْتَقَرَّتْ عَيْناهُ مَلِيّاً عَلى صورَةِ ابْنَتِهِ لِيفِي في الإطارِ. عِنْدَما رُسِمَتْ وَقْتَها كانَتْ تَبْلُغُ حَدَّ خَصْرِهِ بالكادِ، وشَعْرُها البُنِّيُّ الطَّوِيلُ يُؤَطِّرُ زَوْجًا مِنَ العُيونِ الحادَّةِ التِي بَدَتْ كَأنَّها تَرُمُّ بِانْتِبارٍ مَهِيبٍ يَرُدُّ نَظَرَهُ.
القَلَقُ عَلى سَلامَتِها أَرْهَقَ عَقْلَهُ بِحِمْلٍ ثَقِيلٍ. لَمْ يَتَلَقَّ أيَّ تَحْديثٍ عَنْها مُنْذُ الهَجَماتِ، وباتَ مَجهولًا أَيْنَ تَحُطُّ بِها مَهاامُ النِّقابَةِ حالِيًّا. ورَغْمَ محاولاتِهِ تَهْدِئَةَ نَفْسِهِ بِأنَّها عَلى الأرجَحِ مَحْمِيَّةٌ جَيِّدًا وأكْثَرُ مِنْ قادِرَةٍ عَلَى حِمايةِ نَفْسِهِ بِعَقْلِهَا الحادِّ، بَقِيَ القَلَقُ جاثِمًا. أَغْمَضَ جِيفُورد عَيْنَيْهِ، ودَلَكَ قَصَبَةَ أَنْفِهِ، مُسْتَشْعِرًا ثِقْلَ مَسؤولِيّاتِهِ كَكُونْتِ فْرَيْبْرُوك ونَبِيلٍ في الإمْبِراطُورِيَّةِ.
جُزْءٌ مِنْهُ تَمَنَّى لَوْ يَسْتَطِيعُ تَرْكَ كافَةِ الواجِباتِ الأُخْرَى والوُقوفَ عَلى سَلامَةِ لِيفِي بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ عَلِمَ اسْتِحالَةَ ذَلِكَ. مَعَ ذَلِكَ، هُمومُ الآباءِ لا يسهُلُ طَرْدُها، مِنْ عِدَّةِ وُجوهٍ.
ولِمَازِهِ، انْحَدَرَتْ أفكارُهُ حَتْمًا نحو إحدى «أقْرَبِ»
صَديقاتِ ابنتِهِ ومَصْدَرِ إِزْعاجٍ دائِمٍ لَهُ — البارُونَة سكارليت هارتفورد. ما زَالَ يُدْهِشُهُ أنَّ المَرْأَةَ القاسِيَةَ كانَتْ سَبّاقَةً في تَنْفيذِ العَديدِ مِنَ المُبادَراتِ الطّارِئَةِ حَوْلَ فْرَيْبْرُوك، كَأَنَّها تَتَوَقَّعُ الأَزْمَةَ عَيْنَهَا التِي يُواجِهونَها الآنَ. ورَغْمَ أنَّهُ دَعَمَ بَعْضَ هذِهِ الجُهودِ بَدْءًا انْطِلاقًا مِنَ الواجِبِ تِجاهَ أَبِيها وتَعاطُفًا مَعَ أُخْتِها، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّعْ حَقّاً أَنْ تُثْبِتَ جَدْواها بِهذِهِ السُّرْعَةِ.
خَرَجَتْ مِنْهُ نَخْرَةٌ ساخِرَةٌ. هُناكَ مُفارَقَةٌ مُرَّةٌ في حقيقةِ أنَّ شَخْصًا مِثْلَ البارُونَةِ هارتفورد مُسْتَعِدٌّ بِهذِهِ الجَودَةِ لِلْمُساعَدَةِ في مِثْلِ هذِهِ الظُّروفِ.
لَقَدْ تَمَكَّنَ سَلَفًا مِن تَمَثُّلِ المَلامِحِ المُتَلألِئَةِ لِـ«الصَّحيفَةِ الإمْبِراطُورِيَّةِ»
ومَدْحِ المُُواطِنِينَ لِبَصيرَتِها وكَرَمِها — وكُلُّ ذَلِكَ – حَسَبَ ظَنِّهِ – جُزْءٌ مِنْ حِساباتِها. مَعَ التَّوَتُّراتِ الأَخيرَةِ المُتَأَجِّجَةِ في أَنْحاءِ الإمْبِراطُورِيَّةِ، بَدا أَنَّها توقَّعَتْ بَحَنَكَةٍ حَدَثاً كَبِيرًا كَهذا لِتَعْزِيزِ مَكانَتِها بَعْدَ أَنْ نأَتْ بِنَفْسِها عَنْ مُعْظَمِ النُّبَلاءِ. إلى أيِّ مَدًى تَمْتَدُّ مُخَطَّطاتُها، هكذا تَساءَلَ؟
وَرغْمَ تَرَدُّدِ جِيفُورد فِي الاعْتِرافِ بِذَلِكَ، إلّا أنَّ مُبادَراتِ البارُونَةِ كانَتْ عَلى وِشاکَةِ تَقْدِيمِ عَوْنٍ حاسِمٍ لِكَثيرينَ في ساعاتِ العُسْرَةِ. في النِّهايَةِ، النِّيَّاتُ وَراءَ أفْعالِها لَا تُشَكِّلُ فارِقًا كَبيرًا ما دامَتْ تُؤَدِّي لِإِنْقاذِ الأرواحِ اليَوْمَ. مَعَ ذَلِكَ، آذَاهُ التَّفْكيرُ فِي أنَّ لِيفِي — وكَعاتِها مُتَفائِلَةً — سَتَرَى في هذِهِ الحادِثَةِ دَليلاً إضافِيّاً عَلى تَحَوُّلِ صَديقَتِها المَزْعومِ، مِمَّا يَرْفَعُ آمالَها بِدُونِ حاجَةٍ.
عَلى قَدْرِ فِطْنَةِ ابْنَتِهِ المُعْتادَةِ، خَشِيَ جِيفُورد أحْيانًا أنْ تَكونَ مِثالِيَّتُها عَلَى حَفَّةِ السَّذاجَةِ الخَطِرَةِ. هَزَّ رَأْسَهُ، ودافَعَ بِنَفْسِهِ ناهِضًا عَنْ كُرْسِيِّهِ، مُلْقِيًا نَظْرَةً أَخيرةً مُتَمَسِّكَةً عَلى فْرَيْبْرُوك مِنَ النّافِذَةِ قَبْلَ أَنْ يَمْتَدَّ يَدَهُ إلى السَّيْفِ العَظيمِ المَسْنودِ إلى مَكْتَبِهِ. وبَيْنَما خَطا نَحْوَ المَخْرَجِ بِخُطُواتٍ طَوِيلَةٍ ومَقْصودَةٍ، وَطَّدَ نَفْسَهُ لِمواجَهَةِ العَديدِ مِنَ التَّحَدِّياتِ المُقْبِلَةِ.
كانَ هُناكَ الكثيرُ مِمَّا يَنْبَغِي إنجازُهُ، وكانَ عَلَيْهِ تَرْكيزُ انْتِباهِهِ بِكامِلِهِ عَلَى المَهامِ الحاضِرَةِ مِنْ أَجْلِ الخَيْرِ الأعْظَمِ لِشَعْبِهِ وإمْبِراطُورِيَّتِهِ.
قالت: "لقد وصلنا يا سيدتي"، فاخترق صوت السائق أفكار سكارليت وأعادها إلى الواقع.
نظرت من نافذة العربة فأدركت أنهما وصلا بالفعل إلى قصر فريبيلد. مسح نظرها أرجاء المقصورة ملاحظة التوتر الملموس المخيم في المكان. لم يُتبادل سوى القليل من الكلمات منذ وصولهما إلى المدينة وكانت تعلم أن الذنب ذنبها. نهضت صامتة وخطت سكارليت خارجة إلى الأرض المكسوة بالغبار الثلجي. استقبلها غارسيد محاطاً بمجموعة من الخدم باحترام مؤدب.
قال الخادم العجوز: "أهلاً بكِ عودةً يا سيدتي. يسرني رؤيتكِ سالمة".
لمست سكارليت أثراً للتعب في صوتها عكسته تعبيرات الخدم المنهكة.
ظل اهتمامها منصباً على غارسيد وهي تتحدث بنبرة آمرة: "ما وضعنا الحالي؟".
أجاب الرجل: "الوضع مستقر هنا في الإستيت. تجنبت الوحوش هذه المنطقة إلى حد كبير ولم يقترب أحد من القصر مباشرة. على هذا النحو لم تقع إصابات بين طاقم العمل مما سمح لبعض رجالنا بتقديم المساعدة في المدينة حيثما أمكن".
سألت سكارليت: "أأنت من ضمنهم؟".
تردد الخادم لفترة وجيزة.
"حين تأكدت من سلامة الإستيت غامرت بالذهاب إلى المدينة لأتفقد مصالح سعادتكِ هناك وأقدم الدعم عند الحاجة. في أثناء ذلك خضت بعض الصراعات البسيطة".
تفحصته سكارليت عن قرب باحثة عن أي علامات إصابة فلم تجد شيئاً.
قالت في نهاية المطاف بنبرة باردة وهي تلتفت لتتفقد الإستيت: "أرى ذلك".
لم تكن تتوقع أي هجمات على ممتلكاتها. حتى بدون ميثاقها مع الرابطة المقدسة لكانت المواقع قد منعت على الأرجح أي بوابات من الانفتاح وإطلاق الوحوش على أراضيها. ربما أدت دور الرادع ضد التهديدات الأضعف تماماً رغم أنها لم تكن متأكدة تماماً من كامل قدراتها بعد. من خلال ما رأت من المدينة في وقت سابق كان الضرر الذي لحق بفريبيلد ضئيلاً نسبياً. ورغم أن المباني لم تنجُ جميعها فقد كانت حال المدينة أفضل مما ظنت أخريات.
التفتت مجدداً إلى غارسيد والخدم.
أمرت: "تأكدوا من حصول كل من حرس طوال الليل على قسط كافٍ من الراحة".
توتر زوج من الخدم بوضوح بسبب حدة نبرتها لكنها تجاهلت انزعاجهم.
أكد لها غارسيد: "سأهتم بالأمر يا سيدتي".
أضافت: "وأنت ضمنهم".
توقف ثم حنى رأسه إقراراً.
"بالطبع".
"جيد".
ظلت نبرة سكارليت باردة وهي تخطو تجاوزه وقرع حذاؤها بحدة على أحجار ساحة القصر. سارع غارسيد والآخرون لمجاراة خطواتها.
"ما المستجدات الأخرى لديكم؟".
أفاد غارسيد وهما يمشيان: "حسبما جمعتُ نجحت قوات الكونت في تطهير آخر الوحوش بحلول مساء أمس. ما زلنا ننتظر تواصلاً مباشراً من الكونت نفسه مع ذلك. أعداد صغيرة من اللاجئين تصل عبر كيلنستون منذ صباح اليوم وإن كنت أفهم الأمر صحيحاً فإن أتباع إتار يتصدرون جهود الإغاثة المحلية رغم أنني لم ألاحظ عملهم شخصياً. يسود بعض عدم اليقين بين الناس بشأن مصير المستوطنات النائية خلال هذه الهجمات وما زلنا ننتظر تفاصيل إضافية حول الوضع في ستاغموند. في الوقت الحالي يبدو مع ذلك أن الهجمات تركزت على المدن".
ضاقت عيناها وهي تعالج المعلومة.
قالت: "حسنٌ جداً. أريدك أن تبلغ الكبير كينسلي بأنه سيشرف على المبادرات التي كانت إيفيلين تنظمها. قد يكون الأمر مبكراً لكن لا يمكننا تأجيل المسألة. أبلغه بأن يبدأ فوراً".
"سأفعل. ولكن إن سمحتِ لي بسؤال هل من سبب محدد لهذا الاستعجال بخلاف أحداث الأمس؟".
"نعم. طالما أن الإمبراطورية قائمة لم يحقق المسؤولون هدفهم بعد. إلى أن يفعلوا لن تتوقف هذه الهجمات".
سأل غارسيد: "أمتأكدة أنتِ يا سيدتي؟".
"أنا متأكدة".
"هذا مقلق حقاً".
بينما اقتربا من مدخل القصر بدأت سكارليت صعود الدرج هناك.
"ما الذي يمكنك إخباري به أيضاً؟".
تنحنح غارسيد.
"تقيم الليدي ويذرسورث في الإستيت حالياً. لقد وصلت مع الليدي إيفيلين صباح اليوم عبر كيلنستون".
توقف سكارليت أمام أبواب القصر والتفتت لتواجه الرجل.
رددت: "الليدي ويذرسورث؟".
أومأ برأسه بجدية.
"يبدو أنها تعرضت لإصابات عندما هاجمت الوحوش إستيتهم في أوتومويل. وهي تتعافى هنا الآن".
التفتت سكارليت مجدداً نحو المدخل وبدت نبرتها مضبوطة بعناية.
"وإيفيلين؟".
حل صمت ثقيل قبل أن يأتي رد غارسيد.
"—تستريح الليدي إيفيلين في غرفتها حالياً. مع ذلك يا سيدتي يجب أن تعلمي أن—".
قاطعته سكارليت: "سأذهب لرؤيتها بنفسي"، مسدلة الستار على المحادثة عند هذا الحد.
حين خطت إلى ردهة القصر مدت سكارليت حواسها بتخف عبر المواقع مؤكدة مواقع إيفيلين والليدي ويذرسورث. ملاحظة النظرات القلقة من روزا وأعضاء مجموعتها الآخرين رتبت ملامحها بسرعة مستبدلة عبوسها بتعبير حيادي وتقدمة إومأة مطمئنة. بإشارة مقتضبة وجهت غارسيد لتنفيذ تعليماتها السابقة قبل صعود الدرج الكبير وحدها وتردد صدى خطواتها بكآبة عبر ممرات القصر الهادئة. كان عقها يعج بالدوامة من الأفكار واضطراب المشاعر المتضاربة التي بالكاد استطاعت تحديدها.
أكان غضباً؟ أم قلقاً؟ أم خوفاً؟ بدا الوصفان الأخيران غير مرجيين بقدر ما بدا الأول ناقصاً. لم يبرز جواب واضح حين وصلت إلى غرفة إيفيلين متوقفة أمام الباب البلوطي المتين. تفحصت ألواحه للحظة ثم دخلت أخيراً. كانت الغرفة مغلفة بضوء خافت والستائر الثقيلة مسدولة بإحكام على النوافذ. هاجمت رائحة المعقم النفاذة حواسها ممتزجة برائحة الدم الخافتة العالقة في الهواء. بينما اعتادت عيناها على العتمة تركزت على شخص يرقد بلا حركة على السرير مدفوناً تحت كومة من الأغطية.
بجانب السرير حملت طاولة منخفضة دلواً وعدة مناشف معصورة ومجموعة من المستلزمات الطبية مرتبة بدقة على صينية.
همس صوت ضعيف من الظلام: "—غارسيد؟".
شعرت سكارليت بتدفق العنف الفائر الذي كانت تكبته لبعض الوقت يفرض طريقه إلى السطح فصارعت لإبقائه تحت السيطرة. كان نجاحها هشاً في أفضل الأحوال.
قالت ببطء وكل كلمة مدروسة ومتروية: "—ليس غارسيد. أهلاً بكِ يا إيفيلين".