"احذروا التذبذبات الأثيرية، ولا تفقدوا تركيزكم على بؤر التركيز!"
ترددت تعليمات المعلم الأكبر هارتفورد الحادة بينما شرع فريق من السحرة الكبار في إلقاء تعاويذهم متزامنين. وقف ستة منهم أمام باب حجر ضخم تزيّنه رموز وطلاسم لا تحصى، تتوهج جميعها بطيف من الألوان بينما تتفاعل تعاويذ السحرة مع النقوش. راقبت سكارليت هذا المشهد من قريب، عاقدةً ذراعيها، وتنتظر في صبر أن ينتهوا. وخلف السحرة، كان جاسبار، بملامح صارمة وتركيز شديد وعصا بيده، يشرف عن كثب على الإجراءات بأوامره.
وانطفأت الأختام المتوهجة على الباب واحداً تلو الآخر كلما اقترب الباب من التحرر. مرت عدة دقائق قبل أن يتوقف جاسبار أخيراً عن إشرافه ليلتفت ويقترب من سكارليت، محتفظاً بتلك الملامح الصارمة.
"لن يتأخر الأمر كثيراً الآن".
تأملت سكارليت الباب العظيم لحظة، وهي تتابع السحرة وهم يبددون ختماً آخر.
وقالت: "يبدو عملاً مضنياً لمجرد الوصول إلى غرفة".
"التعاويذ الحارسة للملاذ بالغة التعقيد، أيها البارونة. لقد ظلت صامدة منذ أن شيدها الزوفر في الأصل".
تنفس الرجل العجوز بعمق.
"هذه ليست دفاعات يمكن تخطيها بمجرد الاجتهاد دون تروٍّ. ورغم أن جزيرتنا فكت طلاسم آلياتها منذ زمن بعيد ويمكنها تفكيكها إذا لزم الأمر، فإن القدرات الوقائية التي توفرها لا تُعوض. وقد جرى التقييم دائماً على أنه من الأفضل تركها على حالها".
"أرى ذلك. وكم تبقى بالضبط إذن حتى يمكننا المضي قدماً؟"
"دقائق معدودات فقط، على الأكثر".
التفت جاسبار مجدداً إلى السحرة، وقد خطّ الغضب تجاعيد جبينه.
"قلت لكم انتبهوا للتذبذبات، أيها الحمقى! أهكذا علّمتكم؟"
متمتماً بكلمات غير مفهومة عن السحرة هذه الأيام، غادر سكارليت على عجالة ليعود إلى الإشراف على جهود السحرة المستمرة لفتح الباب. لم يبدو أنه يتخلى عن طباعه حتى مع مرؤوسيه.
"هذا المكان يروق لروسا قليلاً"، نبس فين بجانب سكارليت.
ألقت نظرة خاطفة إلى يسارها، متفحصة الشاب أبيض الشعر.
"...أهذا صحيح؟"
لم يكن ذلك التصريح مفاجئاً لها بشكل خاص. فهو في اسم هذا المكان بالأسفل، بعد كل شيء.
كان «الملاذ النجمي»
لابد أن يشترك في شيء ما مع حجر الروح النجمي الذي استُخدم لصناعة حجر قلب روسا. وبالنظر إلى هذا، ربما كان أمراً جيداً أن الشاعر لم ينضم إليهم اليوم. فلا يدري المرء إن كانت للملاذ ردود فعل غير متوقعة تجاه حجر القلب، ومثل هذه الأمور قد تعقد المسائل إذا علم السحرة بها. وكانت سكارليت تعلم مما أخبرها به العميد غولدوين أن وجود حجر القلب يكاد يكون مستحيل الاكتشاف من قبل أي ساحر عندما لا يُستخدم بفعالية، وأرادت أن يظل الأمر على هذا النحو.
انصرف انتباهها عن فين لتستعرض محيطهم — غرفة واسعة تحت الأرض تكفي لاستضافة جمع من الناس. محفورة مباشرة من الصخر الأساس الذي شُيدت عليه جزيرة الرايض، وتقع الغرفة تحت غرفة التقاطع، التي تمثل قلب جزيرة الرايض بأكثر من طريقة. في وقت سابق من هذا اليوم، توصل مجلس الجزيرة إلى قرار بالموافقة على طلب سكارليت لدخول الملاذ النجمي. لقد ظنت أنه سيكون هناك الكثير من التأخيرات المرتبطة بذلك، ولكن لمفاجأتها، تولى جاسبار زمام الأمور بسرعة، وضماناً لإنجاز الترتيبات اللازمة كافة وجمع السحرة لهذا المسعى.
حاليةً، وجدت سكارليت نفسها وسط ما يقارب عشرين ساحراً من الجزيرة، ولم يكن يرافقها من حزبها سوى فين. وبما أن الملاذ النجمي يلعب دوراً حيوياً في دفاعات جزيرة الرايض، فإن المجلس يفرض إجراءات أمنية صارمة. وشمل ذلك على ما يبدو تقييد الأشخاص الذين تستطيع سكارليت جلبهم ونشر جيش صغير من السحرة المخضرمين لمراقبة كل تحركات لها داخل الملاذ. ورغم أنه بدا مبالغاً فيه قليلاً إحضار هذا العدد الكبير من السحرة لمجرد أخصها، إلا أنها تفهمت مخاوف المجلس.
استقرت نظرتها على ساحر بعينها يقف قرب مدخل الغرفة، يرتدي رداءً زمردياً مع إخفاء وجهه تحت قلنسوة واسعة. لم يكن الزمرد لون رداء فريداً هنا على الجزيرة تماماً. فقد رأت سكارليت عدة سحرة يرتدونه منذ وصولها. وهنا، يشير لون رداء المرء عادةً إلى مجال دراسته بدلاً من أي نوع من الوضع الهرمي أو مدرسة السحر. كان الزمرد يرتبط عادة بمرصد ميسترال، حسب فهم سكارليت، لذا يمكن لهذا الشخص أن يكون أي شخص تقريباً.
مع ذلك، فقد بدا مألوفاً لها حقاً. يكاد يشبه ساحراً معيناً التقت به بالأمس فقط. وليس وكأن عليها تكلف عناء الاعتماد على حكمها الخاص لتتأكد. فقد أكد لها فين بالفعل أن هذا هو نفس الشخص الذي رأوه في المكتبة طبعاً. بالطبع، لم يكن هذا الواقع بحد ذاته بحاجة لأن يكون مهماً. فالصدف تقع، وهذه الغرفة كانت ممتلئة تقريباً عن آخرها بالسحرة الكبار والرئيسيين. كما لم يكن هذا الساحر الوحيد الذي يحب التجوال بقلنسوة مرفوعة.
لكنه كان مريبًا بعض الشيء. أعادت سكارليت توجيه انتباهها مرة أخرى نحو الباب المختوم للتو إذ تلاشى آخر رمز عليه، تلاه صدى تردّد في أرجاء الغرفة. تراجع السحرة من أمام الباب بينما بدأ الحاجز الثقيل ينزلق ببطء ليفتح. التفت جاسبار ليخاطب الغرفة، بصوت حازم وقاطع.
"نحن على وشك دخول الملاذ النجمي. تذكروا، التزموا بالبروتوكول في جميع الأوقات. لا تتفاعلوا مع أي شيء دون إذن مباشر مني".
ووقعت عيناه لفترة وجيزة على سكارليت، مضيفاً: "هذا ينطبق عليك بشكل خاص، أيتها البارونة".
أجابت: "حسناً جداً".
أومأ برأسه قليلاً اعترافاً، ثم تقدم الصفوف عبر الفتحة. وتبعته سكارليت والآخرون بعد فترة قصيرة، ليخطوا إلى داخل الملاذ. وما استقبلهم كان منظراً مثيراً للإعجاب حقاً. كان الملاذ النجمي غرفة دائرية واسعة، وتصطف على جدرانها جداريات مزخرفة منقوشة بكتابة زوفيرية قديمة تهمس بتاريخ هذا المكان. وفي الأعلى، أحاطت سلسلة من اللوحات الجدارية المفصلة بسقف قُبّي، مصورة مناظر طبيعية وعجائب مختلفة.
وفي وسط الغرفة، تحامت كرة طاقة ساحرة، تاركة ضوءً حياً ومتدفقاً يملأ الفضاء. وتحتھا، استقرت دائرة رونیة محفورة بدقة على الأرض، تنبض بتزامن مع الكرة كأنها تبث الحياة في الهواء. وعلت بلورات تتلألأ كضوء النجوم، معلقة بأناقة في باليه خفي بينما تتشابك انعكاساتها عبر الزوايا المعتمة من الغرفة في نسيج من النور والظلال. بخطوات محسوبة، بدأ معظم السحرة يتفرقون في أنحاء الغرفة.
وتشبثت سكارليت بالمدخل لفترة قصيرة، مستقرةً بنظرتها على اللوحات الجدارية بالسقف القبّي متأملة المشاهد المرسومة عليها. بعضها كان مألوفاً بشكل جلي. أظهر أحدها جزيرة الرايض، موضوعةً في خلفية محيط شاسع، مع إبراز تضاريسها الفريدة من الجزر المترابطة والمصاطب المتدرجة بواسطة شلالات متدفقة ومجرى مائي، تلتقي نحو نقطة واحدة في المنتصف. صور آخر الشكل المهيب للعين المستريحة، كتلة ضخمة من الحجر الرمادي ترتفع من الأرض، وتلف قمتها حجاب من الدخان الأسود بينما تحيط بها بحيرة كبيرة.
صور الثالث المدخل الفخم للكهف الممتد إلى الأبد، وهو مغارة مضاءة محفورة في وجه جبل عالٍ ويبدو أنها تمتد للأبد. وهناك أيضاً لوحة جدارية للبرج المنسي — برج مظلم وحيد يبرز من هاوية محيط مظلمة، أسير عاصفة دائمة من سحب الرعد التي تبدو كأنها تلتف حول تاجه. وكان هناك المزيد، كل عرض من العروض يصور نقاط اهتمام لها شكل من أشكال الصلة باللعبة. لاحظت سكارليت بقاء انتباه فين على مشهد يصور قمم جبال ويتداون المغطاة بالثلوج الكثيرة، حيث مسقط رأسه القديم.
أعاد تنحنح أحدهم سكارليت إلى الحاضر، والتفتت لتواجه جاسبار أمامها، والذي بدا أنه يقيمها عن كثب.
سأل: "كيف نمضي قدماً من هنا؟"
"تذكري، سأتعامل مع جميع الإجراءات أو الأفعال اللازمة. حددي بإيجاز ما هو مطلوب فقط".
تأملته سكارليت للحظة، ثم سمحت لنظرتها بالتجوال في الغرفة.
"لقد وصلنا للتو يا معلِّمنا الأكبر. لست علّامة بكل شيء. لو تفضلت بمنحي لحظة لأستكشف الملاذ، فسأشارك ما يمكنني جمعه من رؤى".
"تباً. ليكن ما ترين".
تحركت بعمق أكبر داخل الملاذ، واعية لخطوات جاسبار اللاحقة وعيون السحرة الآخرين اليقظة. وملاقاة لنظرات زوجين منهم، قدمت ابتسامة باردة واحدة، ملاحظة وميض انزعاج في تعابيرهم. وكان عليها أن تعترف أنه بينما كان الحذر المبالغ فيه خانقاً، إلا أنها وجدت أيضاً نوعاً معيناً من المتعة السادية فيه. وتساءلت عما إذا كانت نظراتهم الحذرة تنبع من تأثير جاسبار، أو وضعها كغريبة، أو لمجرد أهمية الملاذ بالنسبة للجزيرة.
ربما كان مزيجاً من كل تلك العوامل. مقتربة من وسط الغرفة حيث تحوم الكرة وحدها، توقفت سكارليت خارج دائرة الرونات على الأرض، مستبقة تحذير جاسبار الذي كان على وشك إطلاقه. لبضع ثوانٍ، وقفت هناك فحسب، متفحصة الكرة. كان سطحها لوحة ساحرة من القوة تعكس صورتها وسط أضواء متغيرة. وكان بإمكانها تكاد تتذوق الطاقة الخام الكامنة في الداخل، والتي تطفو أحياناً في دفعات مضيئة قصيرة.
ورغم عدم وجود عنصر وصف، فقد شككت في أن يكون هذا حجر روح أثيرياً، مشابهاً لذلك الموجود داخل حجر قلب روسا. ومع ذلك، ربما كان هذا أقوى، وهذا يقول الكثير. لربما كان رائعاً لو استطاعت إيجاد شيء كهذا لنفسها، لكن ربما كان ذلك طلباً للكثير. وبينما كانت تمتمات وهامسات هادئة تطفو بين السحرة المتفرقين في الغرفة، انتقلت سكارليت لدراسة البلورات المدارية بالأعلى لفترة وجيزة قبل السير نحو حافة الغرفة لتفحص الجداريات هناك.
لقد تعرفت على بعض الرموز عليها، ولكن أبعد ما يكون عن الكفاية لفهم محتوياتهم بشكل حقيقي، ولم يكن هناك الكثير فيما يخص الرسوم التوضيحية. ربما أمضت وقتاً أطول بقليل في التمشي حول محيط الغرفة، ماسحة المزيد من تلك الجداريات، حيث بدا صبر جاسبار يتلاشى في النهاية.
بدأ بالقول: "حسناً".
"ما هي النتائج الممكنة لديك؟ لا تجرئي على إخباري أنك أتيت إلى هنا دون أدنى فكرة عما كنت تبحثين عنه".
التفتت سكارليت لتنظر إليه. لم تكن متأكدة، لكنها ظنت أنه على الرغم من كلماته الحادة، فقد استشعرت تيارات تحتية من التوقع في صوتها. وكأنه كان يؤمن حقاً بأنها تعرف شيئاً لا تعرفه جزيرة الرايض. كان ذلك مثيراً للفضول. وتساءلت عما كان موقفه من منحها حق الوصول إلى هذا المكان.
بعد وقفة متأملة، أجابت: "الملاذ النجمي هو بالتأكيد منظر يستحق المشاهدة، أليس كذلك؟"
عقد الرجل جبينه بعبوس طفيف.
وقال: "إنه كذلك"، منتظراً منها أن تتابع.
مبتلعة ابتسامة طفيفة، فعلت سكارليت.
"في مكان غني بالألغاز، أين كنت ستسعى لتجد آلية مخفية أو ممرًا سرياً؟ لقرون، استضافت جزيرة الرايض ألمع العقول التي أتيحت للجميع الفرصة للتفكير في هذا السؤال، لذا أنا فضولية بشأن ما ستقوله في هذا الشأن".
ازداد عبوس جاسبار عمقاً.
"نحن لسنا هنا للألغاز، أيتها البارونة".
"سايرني. ليس هناك عجلة، أليس كذلك؟"
صمت للحظة، ثم أشار بعصاه نحو الكرة في المنتصف.
"حتى بعد كل هذا الوقت، يظل حجر الروح الأثيري أحد أعظم ألغازنا. ورغم أننا استخلصنا أسراراً لا نهائية منه، إلا أن تعقيدات آلياته تظل بحيث لا يسعنا إلا التفكير في المدى الكامل للمعرفة التي دخلت في صنعه. إن كان هناك شيء لم نكشفه بعد هنا، فهو بالتأكيد يكمن فيه. لكن هذا بالكاد كان لغزاً".
انتقل انتباه سكارليت إلى الكرة.
"افتراض معقول، أظن. ومع ذلك، فهو افتراض خاطئ".
تحولت عيناها إلى شخص يقف على مسافة قصيرة منهما، متلحفاً بأردية زمردية.
"وما قَوْلُكِ أنتِ؟"
سألت. حل صمت متوتر حولهما. وحتى دون أن تنظر، استطاعت سكارليت أن تقر بأن جاسبار لم يكن مسروراً بفعلتها. ومع ذلك ظل صامتاً بينما استدار الشخص المتشح بالقلنسوة ببطء ليواجهها، مزيلاً قلنسوتها ليكشف عن شلال من الشعر الأرجواني وجه يحيط به زوج من النظارات المستديرة. أمسكت المرأة بنظرة سكارليت لبضع ثوانٍ، وهي وقفة تقييمية ميزت اللحظة قبل أن تضبط نظراتها وتتفقد الغرفة. استقر تركيزها في النهاية على الرسوم التوضيحية للسقف التي تصور جزيرة الرايض وغيرها.
قالت ببالغ العفوية: "طالما وجدت تلك التمثيلات مثيرة للاهتمام بشكل خاص".
التوت شفتا سكارليت قليلاً.
"ملاحظة فطنة".
وبالالتفاف مجدداً نحو جاسبار، غدت تعابيرها أكثر جدية.
"يبدو أننا بحاجة للقيام بمزيد من الاستعدادات. أأثق في إمكانية التعويل على دعمكم الكامل في هذا؟"