ألقى الكمين المفاجئ الذي نصبه الركب المقدس بظلاله على خططهم. كانوا على مقربة من فرايبروك بنحو ساعة أو نحو ذلك، لذا فلن يستغرق العودة إلى المدينة وطلب العون وقتاً طويلاً، بيد أنه كان عليهم أولاً التعامل مع جثث أفراد الركب الهلكى والعربة المحطمة. شرعت كات في تنظيف أجزاء الطريق التي خربتها المعركة، فضلاً عن نقل الجثث واصطفافها على جانبي الدرب. لم يكن بمقدور سكارليت معاونتها في هذا، ولو لم تكن كتفها مصابة.
لقد بدأت بإدراج بعض التمارين الخفيفة في جدولها اليومي، إلى جانب التدرب على سحرها، غير أن الأمر صار أشد وضوحاً في حاجتها إلى تركيز قدر أكبر من الاهتمام على لياقتها البدنية مستقبلاً. عوضاً عن معاونة كات، طفقت سكارليت تحاول —إلى حد ما— السيطرة على ألسنة اللهب التي التهمت العربة بمؤازرة مهاراتها في [التحكم بالنار] و[التحكم الطفيف بالماء]، لئلا تمتد النيران إلى الأشجار والشجيرات القريبة.
ومع عجزها عن إخماد الحريق، فقد أفلحت في إبقاء وضعه تحت السيطرة على نحو مقبول. في غضون ذلك، لمحت سائق العربة —وهو الشاب ذاته الذي قاد لها العربة في مناسبات عدة من قبل— يتسلل نحوهما عبر الأحراج المحيطة، وتكسو وجهه نظرة مزيج بين الارتياح والهلع وهو يطالع الأخراب والجثث الهامدة. وبدا للوهلة الأولى خائفاً من أن تعاقبه على فراره، غير أن سكارليت أرسلته للبحث عن الحصان الشارد.
استغرق الأمر بعض الوقت، وحين أقبل مقوداً الحصان، أمرته أيضاً بالعدو نحو فرايبروك لإحضار عربة أخرى وبعض الأيدي المعاونة لمعالجة الموقف. وفي غضون انتظار قدوم ذلك العون، اجتمعت وكات أمام جثث أفراد الركب المصطفة لمعاينتها. حمل بعضهم إصابات مروعة، فقد خرقت سحر كات لحومهم وصهرت جلودهم حتى احترقت عن آخرها. ولو كانت تلك سكارليت القديمة من عالمها الغابر، لتقيأت يقيناً لمجرد رؤية المنظر.
لحسن الحظ، كانت للخصال المتبقية من سكارليت الأصلية بعض المزايا، فاكتفت بشعور طفيف بالاشمئزاز حيال ما تراه. ومع ذلك، بدت كات الأكثر تأثراً بالوضع، رغم كونها المتسببة في تلك الإصابات أصلاً. وهي من تولت حمل الجثث أيضاً. شعرت سكارليت بمسحة خفيفة من الشفقة تجاه المرأة. أما عن الجثث نفسها، فقد كفى سكارليت إمعان النظر فيها لتدرك كنه ما ترتديه من عتاد.
[قناع الشرع (ملحمي)]{يُبصر حقيقة العالم عبر نصوص العقيدة} [رداء الأطهار (نادر)]{يقي المخاطر بكلمات الحق} [حذاء الأطهار (نادر)]{يمضي في صمت منساحاً على كلمات الحق} [دراع الأطهار (نادر)]{يستجلي كل الضعف بفضيلة كلمات الحق} [ساقية الأطهار (نادر)]{يخفف كل إعياء مدعوماً بكلمات الحق} [سيف مقوس للأطهار (نادر)]{يقد نسيج العالم حتى الروح بنعمة كلمات الحق} عقدت حاجبيها.
كانت أوصاف القطع بالغة التفخيم، بيد أن آثارها لم تكن بالشيء الاستثنائي حسبما علمت. فالخوذة، على سبيل المثال، تمنح رؤية كاملة في الظلام إلى جانب قدر معتدل من مقاومة السحر. وكان ذلك في حد ذاته نادراً حقاً، إذ إن أغلب أدوات المقاومة في اللعبة كانت مخصصة لنوع بعينها —عوضاً عن منح مقاومة ضد السحر بأسره— غير أنها لا تجزم أبداً بكفاية ذلك لتبرير وصف به رياء كهذا. أما بقية العتاد؛
فإن صدقت ذاكرتها، فالرداء يمنح مقاومة ضد السحر الناري وبضع طوائف سحرية أخرى، والحذاء يخفض قدر الضوضاء القابلة للرصد التي تصدرها، والدراع يزيد ضرر هجماتك من الخلف، بينما تزيد الساقية قدرة التحمل لا غير. لم تكن متأكدة بشأن السيف المقوس إذ لم تستخدمه قط في اللعبة، لكنه ربما حمل أثراً لإلحاق الضرر بمرور الوقت مستهدفاً العقل. إن كان الأمر كذلك، فغالباً هو تعويذة من سحر الظلال.
فتلك هي طائفة السحر التي تتعامل جُلّها مع الأمور المتعلقة بالعقل. كانت كلها مجموعات مقبولة بما يكفي —وأفضل بكثير مما ظفرت به حتى الآن— غير أن هناك سبباً لاجتراء حتى بعض هؤلاء الأعضاء الأدنى رتبة في الركب على ارتدائها. فما كانت لتلك المجموعات أن تكون الأفضل بأي حال. وظلت على ريبها حيال كون تلك الأوصاف هي وصف الأدوات المأخوذة من اللعبة أم لا — وإن لم تكن كذلك، فكان يساورها فضول عارم حيال هوية من صاغ تلك النسخ.
وبالتأكيد، تساءلت أيضاً عمن ابتكر ذلك النظام الذي قيدها وأقحمها في هذا العالم ابتداءً، غير أن أياً من تلك الأسئلة لم يكن مما تنال إجابة عنه في القريب العاجل. ومع ذلك، فلن يفاجئها إن تقاسمت تلك الأمور كلها جانياً واحداً. باستثناء العتاد الذي ارتداه الأفراد، لم يعثرا على أي شيء مميز في معظم الجثث. أجرت كات بحثاً سريعاً ولم تجد سوى [مرآة مناجاة] على جثة متعقب السحر الذي واجهته سكارليت.
وتجنباً لتكرار ما جرى سابقاً، أمرت سكارليت كات بالتقاطها بحذر بواسطة قطعة قماش قبل وضعها في جيب الحفظ. وللحظ مرتين، لم يقتحم أي صوت مروع عقول هذه المرة. وستحتفظ سكارليت بالمرآة في الجيب راهناً. فربما وجدت لها نفعاً في يوم من الأيام. أما عن العتاد نفسه؛ فقد بات بحوزتها الآن ثماني مجموعات من الدروع المعززة بكثافة لتفعل بهن ما تشاء. ولم تكن لها حاجة عملية حقيقية بمجموعة دروع فرد الركب، مع ذلك.
فهي مخصصة للقتلة في نهاية المطاف. كما أنها ليست من النوع الذي يتجول المرء بارتدائه عرضاً. وإن حاولت بيعها فستساوي قدراً محترماً، غير أن ذلك يجر معه مشاكله الخاصة. فللرِكْب عيون وآذان في شتى التجارات، وهي تجهل العواقب التي قد تنجم عن مجرد بيع دروعهم جهاراً. كان بإمكانك فعل ذلك في اللعبة دون وقوع أي طارئ، غير أن هذا بدا كأحد الأمور التي يتباين فيها العالم الواقعي عن اللعبة.
بالتأكيد، لقد جعلت من نفسها هدفاً للركب بالفعل — لكنهم منظمة مشغولة ولديها التزامات طائلة عبر الإمبراطورية بأسرها. ولا شك في أنهم سيغدون أشد انشغالاً في الاعوام القادمة. ولهذا، قد يكون من صالحها ألا تجتذب نحوها مزيداً من الاستهداف فوق ما حظيت به. فهي لا تريد أن يبعثوا حقاً بأحد أعضائهم الأقوى في إثرها. ربما كان ممكناً تفكيك الدروع استخلاصاً لمكوناتها؟ لقد كانت تلك ميزة موجودة في اللعبة، لذا لا بد من وجود نظير لها في هذا العالم.
أو لعل هناك سبيلاً لنقل التعاويذ أو تغيير مظهر العتاد. قطعاَ، قد تفيد القدرة على الإبصار في الظلام مستقبلاً. سيكون عليها التحري عن الأمر مطولاً متى أتيح لها الوقت. تركتا الدروع على الجثث الآن —إذ لم ترغب إحداهما في تعرية كومة من الجثث— وجلستا على حافة الطريق في انتظار بلوغ العون.
قضت كات دقائق عدة في صنع مقعد لسكارليت عبر سحر الأرض، مرددة عبارات مثل «حاضراً يا مولاتي»، و«بالتأكيد يا مولاتي»، بسخرية واضحة، بيد أن سكارليت لم تستطع دفع ذلك عنها.
فما كان بمقدورها بتاتاً أن تجبر نفسها على الجلوس فوق تراب الطريق. وفي غضون انتظارهما، مرت بضع عربات تجرها بغال مفتولة العضلات قاصدة فرايبروك، غير أن سكارليت تجاهلتها جل التجاهل. وبدوا للوهلة الأولى مرعوبين حتى الموت من العربة المقلوبة التي ما زالت تحترق واصطفاف الجثث، لكن كات أفلحت في تهدئتهم بعض الشيء وأمرتهم بمواصلة السير نحو المدينة. وعقب ذلك، طفقت سكارليت تمارس سحرها بشرود بينما ترقب العربة.
ومع إنهاك المعركة لها، فقد تبقي لديها ما يقارب نصف مانا الخاصة بها.
[مانا: 1843/4088]
بالتأكيد، استُنفذت تلك المانا برمتها ضد خصم واحد، غير أنها لم ترَ المقدار مبالغاً فيه للغاية. بل كل ما في الأمر أنها تملك قدراً زهيداً من المانا. وستحتاج إلى خمسة أمثال ذلك المقدار على الأقل في المستقبل. وسيتعين عليها أيضاً مطالبة كات بإعادة تعبئة [طوق العزلة الآثمة] راهناً.
«هيي»، نطقت كات فجأة في إحدى اللحظات، بُعَيْد مرور العربات.
«قلتِ إن هذا 'الركب المقدس' هو من يتولى أمر قبيلة الخطيئة».
التفتت سكارليت لتنظر إليها. وارتسمت على وجه درع الحماية ملامح داكنة.
«ما الذي يفعلونه حقاً؟ وكيف لم أسمع بهم من قبل؟»
أبطلت سكارليت محاولة لتشكيل الماء كانت تضيع وقتها فيها بينما تطفق تفكر فيما ستجيب به عن ذلك السؤال.
«يفعلون الكثير. يتراوح ذلك بين الاغتيالات والعبث السياسي وصولاً إلى الابتزاز المجرّد وتجارة البشر. ورغم تعذّر وصفه بكلمة واحدة، فحسبنا القول إن أفعالهم ليس مما ترغبين بالتورط فيه. أما عن سبب غياب المعرفة الواسعة بهم، فيرجع ببساطة إلى إدارتهم جُلّ أنشطتهم من خلف ما يُسمى بـ'الظلال'. وقبيلة الخطيئة هي الجماعة التي تنفذ مساعيهم الأكثر علانية. ومع ذلك، فوجودهم ليس مجهولاً للجميع. ولا بد من وجود أفراد معينين في نقابة الدروع يعلمون بأمرهم».
تعمقت ملامح كات، وبدَت وكأنها توازن كلمات سكارليت.
«...أي مفعول كان لهم بالأطفال؟ المشتري الأصلي هو ذلك الصوت الذي سمعناه، أليس كذلك؟ زعيم هذا الركب».
ترددت سكارليت.
«أنا... لست متأكدة تماماً».
لم تسمع قط بذلك الموقف تحديداً في اللعبة، لذا جهلت الإجابة الحقيقية. بيد أن الركب لا يستخدم العبيد. فهم لا يحتاجون إليهم حقاً. وبناءً على ذلك، لم تتوسم سوى غاية وحيدة قد يبتغيها الركب من أولئك الأطفال.
«ومع ذلك»، استطردت قائلة.
«لم يعد الأمر ذا صلة. لقد ساعدتِ مسبقاً في درء سيناريو كهذا».
هزت كات رأسها.
«لكن لا بد من وجود حالات أخرى شبيهة. والمزيد في المستقبل. وحد وحده يعلم حجم الأسى الذي سببته قبيلة الخطيئة وحدها طوال الأعوام الماضية».
واكتست نبرتها بمسحة من المرارة. لم ترد سكارليت. فلم تستطع دحض ذلك حقاً. كان الركب أحد الفاعلين الرئيسيين خلف الدمار الذي سيحل بالإمبراطورية في الأوام القادمة، ولم يكن ذلك شيئاً بوسعها التأثير فيه كثيراً. فالعديد من أفعالهم يقع خارج نطاق ما تهتم بالانغماس فيه أصلاً. وبالطبع، لن يتسنى لها الخيار دائماً في تلك الأمور. فلا بد أن تتصادم معهم في نقطة ما مستقبلاً.
«قلتِ إنهم غالباً سيعاودون الكرّة»، استطردت كات.
«برأيكِ، كم من الوقت سيمضي قبل ذلك؟»
مالت سكارليت برأسها قليلاً نحو الجانب.
«لا يمكنني الجزم. من المستبعد أن يُقدموا على أي تحركات بالغة الأهمية ضدي ما دمنا داخل أي مدينة كبرى. كما لا أعتقد امتلاكهم القدرة على إرسال زمرة أخرى شبيهة بهذه قبل عودتنا من رحلتنا الحالية».
ومع علمها بامتلاك الركب شبكة معلومات مهيبة، إلا أنهم ليسوا كليي العلم. فهي لم تفصح لوجهات كثيرة عن مقصدهم، وقد فقد الركب للتو الزمرة التي كانت ترصد تحركاتها. سيستغرقهم الأمر وقتاً لإيفاد زمرة أخرى قادرة حقاً على تشكيل تهديد لها، ووقتاً أطول لتلحق بها تلك الزمرة. لذا فطالما حافظن على إيقاع لائق في رحلتهن الحالية فسيكون كل شيء على ما يرام. مع ضرورة توخي الحذر عند السفر في المناطق الأقل كثافة سكانية مستقبلاً.
«أتقصدين وجوب بقائنا على أهبة الاستعداد إذن؟»
قالت كات. أومأت سكارليت برأسها.
«من الحصافة إظهار الحذر، نعم».
«حقاً».
عاد الصمت ليهيمن مجدداً وحولت سكارليت انتباهها لتدريب سحرها.
«تعلمين»، نطقت كات فجأة مجدداً.
«حين قبلتُ طلب مرافقتكِ في البداية لم أتخيل قط أنه سيقضي بي لاستكشاف أطلال عمرها قرون والاضطرار لقتال ركب سرية قتلة. ورغم هذا، لا يمكنني القول إني أبغض ذلك. لن أضعه ضمن أفضل خمس وظائف لدي، لكني قطعا مررت بما هو أسوأ».
رمقتها سكارليت بطرف عينها. وبدت على وجه المرأة ملامح متأملة وهي ترمق الأشجار في الجانب الآخر من الطريق.
«...يسرني أن الخطر لم يثبط عزيمتك عن مواصلة عملك»، قالت سكارليت بعد هنيهة.
«حسناً، قبلت هذا الطلب يوماً للتخلص من بعض طين القبور حين كنت درع حماية مبتدئة».
كشرت كات.
«فقدتُ نصف درعي تقريباً بسبب تلك المهمة، واضطررت لقص شعري بأكمله تقريباً لمجرد التخلص من الرائحة. وفكرت بجدية حينها في الإقلاع عن هذا العمل».
ابتسمت.
«لكني مسرورة لعدم فعلي ذلك. لقد أفلحت في مساعدة عدد جم من البشر عبر عملي كدرع حماية ولن أتخلى عن ذلك مقابل أي شيء».
منحتها سكارليت نظرة مطولة.
«إنه لأمر جدير بالثناء أن تملكي هذا القدر من الفخر بعملك... رغم أن التجربة تبدو مقيتة».
«أوه، كانت كذلك»، قالت كات.
«لكن ما أريد قوله هو أنني لن أتخلى عنكِ لمجرد اتضاح أن الأمور أشد خطورة مما ظننت في البداية».
عقدت سكارليت حاجبيها. أهذا ما ترمي إليه؟
«بناءً على مجرى الأمور، يبدو أنني سأضعكِ في وضع عسير للغاية إن فعلت ذلك الآن، لذا...»
التفتت كات لتنظر إليها.
«حسناً، كنت سأقول إنه لا داعي للقلق، لكنني لست واثقة صدقاً إن كنتِ تقلقين حيال أي شيء قط. لكن اعلمي فحسب أنه يمكنكِ الاعتماد عليّ، حتى وإن كنتِ بالغة الريبة وما شابه».
«...أُقدر ولاءكِ وإخلاصكِ. أُقدرهما حقاً»، قالت سكارليت وأدارت وجهها بعيداً.
ولو كانت مكان كات لما بقيت على الأرجح، لذا فهي تحترم إخلاص تلك المرأة بصدق. رغم أن...
«أرجو منكِ الكفّ مستقبلاً عن التلميح بأنني 'ريبة' بأي شكل كان».
ربما كانت صريحة أكثر من اللازم في بعض الأحيان. توهجت ضحكة خفيفة من فم كات.
«أيكون وصف 'حاسبة' أفضل؟»
أومأت سكارليت إيماءة طفيفة.
«هذا مقبول».
وغرعتا مجدداً في صمت بينما ترقبان بانتظار قدوم العون عند حافة الطريق.