تجعد أنف سكارليت باشمئزاز حين انفجرت بعوضة مزعجة الكبر وتحولت إلى ألسنة لهب على بعد سنتيمترات معدودة من وجهها، ووصلها عبق الاحتراق اللاذع بعد لحظات. في الوقت ذاته، غاص قدمها اليسرى في التربة المبللة، مما اضطرها إلى الارتكاز على شجرة مجاورة وهي تسحب ساقها المبتلة. كان هذا أقل مقتاً بكثير في اللعبة. أيّ كراهية ربما كانت تكنها للتجول في الغابات الرطبة والمبللة تلاشت مقارنة بازدرائها السير في مستنقع حرفي، وكل ذلك وسط حيش من الحشرات.
استخدمت تحكمها المائي لطرد بعض الماء الذي تسلل إلى حذائها، فنفضت سكارليت الأوساخ والوحل بعبوس. ثم واصحت التقدم مع بقية أعضاء حزبها، جنباً إلى جنب مع موكب رجال الدوق فالنتين، وكان طريقهم أمامه يضاء بين الحين والآخر بالمصباح المغطى الذي يحمله بعض الفرسان. بعوضة أخرى، في حجم خنصر سكارليت، غامرت بالاقتراب أكثر من اللازم، لتتحول إلى رماد بفضل تحكمها الناري.
لم تكن تبالي إن كانت تُعد «غير ضارة»
أو إن كان ذلك تبذيراً لماناتها. لن تدع أياً من تلك المخلوقات يلمسها. شاع شعور خفي بالحسد وهي تتابع فين وهو ينسل ببراعة وسط الشجيرات المنخفضة في المستنقع على بعد أمتار قليلة. بدا كأن الحشرات التي تتوافد حول الأشجار لا تلحظه البطل، حتى إنه يكاد يمتزج بمحيطه. إن عادت إلى هنا يوماً، فلن تخطو خطوة واحدة في هذا المستنقع اللعين قبل أن تحصل على أثر أو غرض يطرد الحشرات أو ما شابه.
ويفضل أن يكون شيئاً يساعدها على البقاء نظيفة وجافة أيضاً. على الأقل، لم تكن وحدها فيما يبدو في بغضها للبيئة الحالية؛ إذ ارتدت ملامح التكشير على وجوه أليسا والعديد من رجال الدوق الذين لم يكونوا يرتدون دروع صفيحية ثقيلة — وافترضت أنهم سحرة وما شابه — وهم يتحركون قدماً عبر المستنقع، يهشون بأيديهم يمنة ويسرة. كانت البصيص الوحيد من الأمل تتمثل في درجات الحرارة. على الرغم من أنهم في منتصف الليل خلال شهر كانون الأول، لم يكن الجو بارداً للغاية.
قد يكون مستنقع ليفرلاين على حوض فايفايلد فقط، لكنه ما زال يحتفظ ببعض الميزات الخارقة التي يمتلكها الحوض، بما في ذلك الغياب الملحوظ لطقس الشتاء. بينما واصلوا رحلتهم عبر المستنقع، ضاقت عيناها عندما بدأت تتبين شيئاً في الأمام. سمحت لها نظارتها المسحورة بأن يخترق بصرها الظلام وترى مسطحاً مائياً مظلماً يطل عبر الأشجار. بعد دقائق قليلة أخرى من حرق الحشرات وخوض المستنقع، توقفت سكارليت عندما بلغ الموكب ضفة بحيرة صغيرة.
— ما الذي...
— باسم إيتار...
ترددت صيحات مكتومة عبر المجموعة بينما تطلعوا جميعاً إلى المياه. محيطة بغالبيتها بالمستنقع، بدت البحيرة كبقعة على الأرض. حملت مياهها مسحة كئيبة ضاربة للبنفسجي، سميكة كالعسل، مع نباتات سوداء تزحف منها، متوغلة تدريجياً على الشواطئ وفي الأشجار. علقت رائحة كريهة في الهواء، تهاجم حواس سكارليت. وعلى الضفة المقابلة، أشرفت منحدرات عالية على البحيرة، تبرز في واجهتها فتحة كهف وحيدة.
— أيتها البارونة، أتعرفين ما حدث هنا؟
تردد صدى صوت عميق بينما اقترب السير هوم منها، عاقداً حاجبيه بملامح صارمة وهو يدقق النظر في البحيرة الغريبة. لم تكن سكارليت متأكدة إلى أي مدى يمكنه الرؤية بلا أثر مسحور كخاصتها. كان الفرسان حاملو المصابيح يوجهون الضوء بشكل أساسي نحو الضفة، مسلطين الضوء على الأعشاب البحرية السوداء وغيرها من النباتات البارزة من الماء، مع الحرص على ألا يتدفق الضوء بعيداً جداً.
— أظن أن هذا ليس طبيعياً؟
قالت، مستديرة نحو الرجل. هز رأسه.
— لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة دخلت فيها الحوض، لكني لم أرك قط شيئاً كهذا.
— إذن يبدو أننا نتعامل مع أمر يفوق توقعاتنا الأولية.
فأنا لا أعرف أي تنين يترك هذا النوع من الأثر على محيطه، بعد كل شيء. كانت سكارليت على دراية تامة بالسبب الكامن وراء مظهر البحيرة غير الطبيعي، لكنه لم يكن أمراً ستشاركه في هذه اللحظة. علاوة على ذلك، سيجمع الرجل خيوط الأمور بالسرعة الكافية بمجرد أن يواجهوا هدفهم. أشارت نحو الطرف الآخر من البحيرة.
— لا أعرف إن كنتم تستطيعون رؤيته، لكن هناك كهفاً على الضفة المقابلة.
من المرجح أن طريدتنا تقطن هناك. تجعد جبهة السير هوم بينما بدا وكأنه يدرس كلامها قبل أن يستدير نحو فارس مجاور. أمرهم بأخذ بعض عينات الماء للفحص، ثم عاد بنظره إلى سكارليت.
— سنواصل اقترابنا بمجرد أن نتأكد من أن هذا لا يمثل تهديداً فورياً.
في غضون ذلك، أنصحك بالبقاء في الخلف، أيتها البارونة. في الوقت الحالي، اتبعت نصيحته، متراجعاً للوقوف بين الأشجار — والحشرات اللعينة — مع حزبها. راقبت القائد وقومه، اللذين كانا يحافظان على جو هادئ الآن. يُفترض أنهم استخدموا تعاويذ لإخفاء حضورهم، كي لا يلحظهم التنين ما لم يقتربوا كثيراً، لكن الحذر لا يضر. لم تكن سكارليت متأكدة من مدى فاعلية تلك التعاويذ. استخدم أتباع شقيقات الحلف المقدام شيئاً مشابهاً في مهامهم، لكن أسلوبهم لم يكن بلا عيوب.
في نهاية المطاف، بدا السير هوم راضياً وأشار لسكارليت بأنهم مستمرون. هي وبقية حزبها استعدوا بينما راح رجال الدوق يطوقون حافة البحيرة بحذر — مستعدين جميعاً للقتال — واقتربوا من الكهف الواقع على الجانب الآخر. على الرغم من معرفتها بمدى ضآلة الاحتمال في هذه المرحلة، لم تستطع سكارليت منع نفسها من تفقد المستنقع حولهم، متسائلة عما إذا كانت قد تلمح روزا في مكان ما بالقرب.
إن سارت الامور كما حدثت في اللعبة، فستأتي العازفة إلى هذا المكان رفقة مالاكي في وقت قريب ما. لكن مالاكي كان خبيراً في التخفي، لذا فحتى فين سيجد صعوبة في رصدهما من مسافة بعيدة، ناهيك عن سكارليت. كانت تأمل ألا يكونا قد وصلا بعد، على الأقل، إن كانا قادمين إلى هنا بالفعل. كان مالاكي قوياً نسبياً، لكن حتى بمساعدة روزا، ظل الأمر غامضاً عما إذا كان بإمكانهما مواجهة خصم بهذه القوة بمفردهما.
لم تكن سكارليت متأكدة تماماً أيضاً كيف ستتفاعل معهما بطريقة قابلة للتصديق الآن. بينما اقترب الموكب من مدخل الكهف، توقف السير هوم وقومه خارجه، مع سكارليت ومجموعتها المتاخرة قليلاً خلفهم. انصب اهتمام القائد على مجموعة أحجار متمركزة بجوار المدخل، وقد نُحتت سطوحها تقريباً كمذابح، تحمل آثار دماء وعلامات مخالب عميقة. إذ شعرت بأنه آمن بما يكفي في الوقت الحالي، تقدمت سكارليت نحو الرجل، رفقة حزبها.
استدار نحوها، بنظرات غشيتها الجدية.
— هذه صُنعت من قِبل البشر.
ألقت سكارليت نظرة خاطفة على المذابح الحجرية.
— يبدو ذلك.
— أحدهم أو شيء ما كان يتعاون مع التنين بأي سعة كانت.
هذا يشير إلى أن الهجوم ضد صاحب السمو ربما كان مدبراً مسبقاً. أومأت سكارليت برأسها.
— في حين أنني لم أسمع عن الكثير من التنانين التي تتعاون مع البشر، يبدو أن ما نواجهه هو وضع يخرج تماماً عن المألوف.
عبس الرجل وهو يحول اهتمامه مرة أخرى إلى الكهف. بدا الممر ممتداً بعمق داخل المنحدر بانحناءة تدريجية، مما حجب عن سكارليت رؤية ما يكمن وراءه.
— أالتنين في الداخل؟
سأل.
— تلك إجابة لا أعرفها، أجابت سكارليت.
ألقت نظرة خاطفة على فين، الذي تعقدت حاجباه بعبوس.
— ماذا تحس، فين؟
هز الشاب ذو الشعر الأبيض رأسه.
— لا يمكنني الجزم.
هناك الكثير من الروائح، والبحيرة تطغى على كل شيء آخر.
— أرى ذلك.
حولت سكارليت انتباهها إلى السير هوم.
— إذن يبدو أن عليك تحديد الإجابة بنفسك.
منح قائد الفرسان فين نظرة خاطفة لكن منتبهة، ثم توجه إلى رجاله، مطلقاَ أوامر حادة وهم يغيرون تشكيلهم استعداداً لدخول الكهف. عاد تركيز سكارليت إلى فين بينما اقترب منها أكثر، متحدثاً بصوت أخفض.
— أستطيع إحساس حضور هنا، شبيه بروزا وتلك السيدة المعلمة.
البحيرة وهذا الكهف ممتضان به.
— في حين أنني أثني على تذكرك إخباري بهذا أولاً، فهذه المرة، ليس ذلك بمشكلة.
إنه لأمر متوقع، بالنظر إلى ما نتعامل معه. نظر إليها فين.
— ...إن كنتِ تقولين ذلك، قال في النهاية، وقد استرخى عبوسه بينما عاد لإبقاء عين يقظة على محيطهم.
درست سكارليت أمره لبضع ثوانٍ.
— لا يمكنك استشعار أي أثر لروزا، أليس كذلك؟
توقف، مستداراً ليقابل نظرتها، مرتفعاً بحاجبيه قليلاً.
— لا.
لما قد تكون هنا وحدها؟
— لأنها قد تكون حمقاء طائشة ومضحية بنفسها.
اقترب شين والآخرون قليلاً جداً بحيث يتعذر استمرار تلك المحادثة لفترة أطول، لذا طلبت سكارليت ببساطة من فين ترصد الأعين بحثاً عن روزا تحسباً للطوارئ، ثم تراجعوا قليلاً بينما بدأ السير هوم وكتيبته القاضية على التنانين في دخول الكهف أمامهم. اختارت سكارليت البقاء خلفهم بنحو ثلاثين متراً، وهي مسافة تسمح لها بمراقبة الأحداث دون أن تكون قريبة جداً إن حدث شيء ما.
قد يمثل الأمر إشكالية إن كان «التنين»
بعيداً وعاد الآن خصيصاً، لكنها كانت تثق بقدرة فين على الأقل على إدراك إن ظهر حضور جديد كهذا فجأة خلفهم. مرت الفكرة ببالها بأن هكذا افتراضات تشبه اختبار الأقدار، لكنها لم تولِ ذلك النوع من الخرافات الكثير من الثقل. ومع ذلك، لم تستطع مقاومة النظرات الخاطفة العرضية فوق كتفها، تحسباً لأن يكون الكون ناقماً عليها اليوم. لحسن الحظ، لم يبدو أن الأمر كذلك، فبينما توغلوا في أعماق الكهف، تردد صدى زئير أجش في نهاية المطاف في أرجاء المكان، متردداً بصدى ضد الجدران الرطبة.
شد شين قبضته على سيفه ودرعه، ومدت أليسا يدها نحو القوارير في نطاقها، واتخذ فين وضعية القتال. أولت سكارليت اهتماماً بالغاً للسير هوم ورجاله وهم يتلفتون حولهم، متقدمين بحذر وأسلحتهم مرفوعة. الآن لم يعد هناك أدنى شك بشأن ما إذا كانت طريدتها في البيت أم لا. أبقت سكارليت عينها مثبتة على المجموعة في الأمام بينما اختفوا حول زاوية، ودوى زئير بدا وكأنه يهز الكهف بأكمله، متغلغلاً حتى عظامها.
اخترق صوت السير هوم الآمر الضوضاء بينما اندلعت التعاويذ وركض الفرسان إلى المعركة. ظلت سكارليت وحزبها في مكانها، مستمعين إلى أصوات القتال الدائر، ومقدرين الموقف. بدا خصعهم هائلاً بالتأكيد، مع صرخات ألم عرضية تخترق الهواء، لكن رجال الدوق صحبوا معهم معالجين. في الوقت الحالي، لم يبدو أنهم يُذبحون تماماً، على الأقل. وصلتهم صرخة متألّمة، مصحوبة بهزة هزت الكهف، كأن شيئاً ضخماً سحق الحجر.
سقطت عدة قطع حجرية مفككة على الأرض بالقارب من سكارليت. حسناً، انسَ ذلك.
— ألا ينبغي لنا...
مساعدتهم؟ سألتي أليسا، بملامح متضاربة على وجهها. درست سكارليت الفتاة. في السابق، بدت أليسا قلقة بشأن مواجهة تنين، لكنها بدت الآن أكثر قلقاً بشأن عدم فعل ذلك.
— أَتُفضلين لو أن تلك الصرخة صدرت منكِ؟
سالت سكارليت، مقابلة عيني أليسا بحاجب مرفوع.
— لقد كانوا على دراية تامة بالمخاطر المرتبطة بهذه المهمة، وبأن مواجهة هذا الخصم هي واجبهم.
لقد اكتمل دورنا بمجرد قيادتنا لهم إلى هذا المكان. صمتت الدرع الشابة، وخيم الصمت على حزبهم بينما ظلوا في مكانهم، تبلغهم أصوات القتال الشرس القادمة من خلف الزاوية. بلغت آذانهم المزيد من الصرخات، بعضها متشابه بشكل طفيف جداً مع سكرات الموت، مع مرور الدقائق. ومع ذلك، حكماً من زئير الألم المصاحب، بدا أن رجال الدوق لم يكونوا الوحيدين الذين يعانون. في النهاية، بينما خفت الصرخات وبدا أن كلا الجانبين يوشكان على التعب، رأت سكارليت أن الوقت قد حان لتقييم الموقف بنفسها.
تحركت بحذر إلى الأمام، متبعين إياها ببعض المفاجأة الطفيفة، واستدارت حول الزاوية التي تؤدي إلى عرين طريدتهم. امتد أمامها كهف شاسع، تتلألأ جدرانه المسننة بالرطوبة. زُينت الجدران بفطريات ملتوية ومضيئة حيوياً، تاركة توهجاً غريباً ومتغير باستمرا ومصبغة الغرفة بظلال مزعجة من الأزرق المرضي والبنفسجي النذير بالسوء. منخرطين في معركة وحشية، وقف السير هوم والعديد من الشخصيات المدرعة الأخرى بتحدٍّ بسيوفهم ودروعهم في أيديهم أمام مخلوق وحشي، يرتفع بطوله تقريباً حتى سقف الكهف.
لقد تفوق بسهولة على التنين الذي تركته الإمبراطورة في فناء سكارليت، واقفاً بما يقرب من ضعف الحجم. كان شكله الثعباني المهيب مغطى بحراشف بنفسجية وأشواك غير متساوية تلقي بظلال مرعبة وهو يتحرك، مع جناح هائل واحد مطوي نصف طية، تعروه عروق بنقوش غريبة تبدو كأنها تنبض بطاقة شريرة. وعلى الأرض استقر جناح آخر مماثل، مقطوع ومحطم من الهجمات المتواصلة. تفاخرت جمجمته المستطيلة بقرون شريرة منحنية للأمام تؤطر زوجاً من العيون الحمراء الثاقبة التي تبدو كأنها تحفر في أعماق روح المرء، وامتلىء فمه بصفوف من الأسنان الحادة كالشفرات.
للوهلة الأولى والانية، ربما يخطئ معظم الناس في اعتبار هذا الحضور نسيلة فريدة من التنانين. ومع ذلك، تحطم ذلك الوهم بفمه المفتوح. كشف عن فراغ من العدَم، كأنما يتطلع إلى هاوية من الظلام الحي. وخز جلد سكارليت بينما تجمع ضوء داكن لزج ومتموج في أنفاس مميتة أمام ذلك الفراغ، استعد المخلوق لإطلاقها على خصومه. كان هذا دوداً شريراً ساماً من الهاوية. شيطان وُلِد من أعماق الخبث، وميض الظلال المستهلكة.
نبش السير هوم بأمر مقتضب بينما ألقى ثلاثة من السحرة في مؤخرة الكهف طيفاً من التعاويذ، مشيدين شبكة معقدة من الحواجز لحماية رفاقهم. استدعى الرجل نفسه ضوءاً ذهبياً من سيفه شكل فقاعة واقية حوله لفترة وجيزة. تراجعت سكارليت غريزيّاً وراء الجدار الحجري بينما أطلق الدود السام هجومه، بحراً متموجاً من الظلال التي اصطدمت بالكهف. بعد توقف مشحون، ألقت نظرة خاطفة حول الزاوية مرة أخرى.
أكثر من نصف رجال الدوق تمددوا عبر الأرض في حالات مختلفة، بعضهم بلا حركة، والآخرون يتلوون ألماً أو ببساطة غير قادرين على التحرك. قدرت سكارليت أن ربما ثلثهم ربما تجاوز مرحلة الإنقاذ، بينما تعلق مصير الآخرين بنتيجة هذه المعركة. الدود السام، بالمقارنة، فقد بوضوح أحد جناحيه، وحمل شكله الضخم جروحاً بالغة تنزف مادة داكنة سميكة، متفرعة حول الكهف في بقع سوداء. اندلعت بضع انفجارات بينما ضربت المزيد من التعاويذ حراشفه، مصحوبة برماح حجرية أطلقها سحر السحرة.
في الوقت ذاته، اندفع الفرسان قدماً، مركزين هالتهم في سيوفهم ومستهدفين ضرباتهم نحو جسد المخلوق السفلي. رد الدود السام بصفع أحد الفرسان في جدار الكهف بقدم أمامية قوية بينما انقض أيضاً نحو السير هوم بفكيه الفاغرين. صد القائد المخضرم الهجوم بدرعه الكبير — إنجاز قوة مبهر، بالنظر إلى حجم خصمه. ومع ذلك، فإن القوة الهائلة من حجم العمود أرسلته مع ذلك يتدحرج بضع مترات للخلف.
استمرت المواجهة، وكل جانب ينحت ببطء من الآخر. ظلت سكارليت وحزبها على مسافة آمنة، متفرجين على المشهد يتكشف. استطاعت أن ترتئي أن أليسا أرادت المساعدة، لكن سكارليت لم تكن راغبة في تعريض سلامة فريقها للخطر ضد أمر كهذا، لا سيما حين لم تكن روزا حاضرة. قاسية القلب، ربما، لكن سكارليت لم تدع يوماً أنها قديسة. كان لها أولوياتها. ومع ذلك، لم يكن الأمر كأنها تنوي التخلي عن كل رجال الدوق لمصيرهم.
كان ذلك سيكون حماقة، بالنظر إلى أن الدود السام قد يوجه انتباهه إلى مجموعتها تاليًا. حافظت على مراقبة لصيقة للمعركة، مدرّسة حالة الشيطان وقدراته. بينما خضع المزيد من الفرسان لهجومه المتواصل، تمكنوا من قطع جناح الدود السام المتبقي، وإلحاق أضرار بالغة بإحدى عينيه، وجرح ساقه الأمامية اليسرى بوحشية. ومع ذلك، بدا أن سحرة الدوق يوشكون على نفاد ماناهم، وأصبحت تعاويذهم متقطعة بينما شرب بعضهم جرعات المانا.
في هذه النقطة، كان السير هوم يتحمل العبء الأكبر من هجمات الشيطان لحماية رجاله. كان كلاهما يوشكان على بلوغ حدودهما. أخيراً، بينما اتخذ السير هوم سواتراً خلف درعه وقذف الدود السام الرجل في جدار الكهف بإحدى ضرباته — مستعداً للإجهز عليه مرة واحدة وللأبد — رأت سكارليت فرصتها للتصرف.
— فين، نطقت الكلمة.
قفز الشاب للعمل.
— يمكنك مساعدة من يحتاجون إليها، أرشدت أليسا، مشيرة لشين بفعل المثل.
— فقط انتبهي لعدد الجرعات التي تستخدمينها.
في حين أنها لم تكن تعاني من شح المال، لسبب ما جعلتها فكرة تقديم فاتورة للدوق عند عودتها تبتسم من الداخل. ربما بدأ هذا العالم يشوهها أكثر مما ظنت. متجاوزة تلك الفكرة جانباً، تقدمت خطوة ورفعت يدها. ظهر [إكليل التبريك] على جبهتها جنباً إلى جنب مع [سكين حارس النيران] وبقية عتادها. تماماً كما تمكن السير هوم من إجبار نفسه على النهوض عن الأرض ورفع سيفه ودرعه بضعف لمواجهة الدود السام المقترب، اندلعت بحار مشتعلة من اللهب بينهما كحاجز.
زأر الدود السام بألم بينما غُمِر رأسه المصاب بالفعل بالجحيم المفاجئ، مما أجبر جسده الضخم على التوقف بينما تراجع. انفتح فمه وأطلق انفجاراً قصيراً من اللهب المظلم واشتبك مع لهيب سكارليت الأحمر، محدثاً مشهداً فوق بشري بينما التهم كل منهما الآخر حتى لم يتبقَّ شيء. حينها بلغ فين الوحش. كقذيفة بحجم بشري، مدفوعاً برياح غير مرئية، انقض في خاصرة الدود السام بمخالبه الأثيرية البارزة.
على الرغم من صغر حجمه نسبياً، تمايل الشيطان لحظة من الضربة، ومزق فين جرحاً قائماً في حراشفه. تبع هذا الهجوم فوراً هجوم من صنع سكارليت. ألغام مائية، سهام نارية، كرات من النار، وابل من الهجمات تقاطرت على الدود السام دفعة واحدة. لم تبقِ سكارليت شيئاً، مستنفدة إمدادات ماناها بينما أضاء سحرها الكهف بأكمله. لم يكن هذا بشأن حفظ المانا. بل كان حول إلحاق أقصى ضرر بالسرعة الممكنة.
لفترة وجيزة، هاجمت سكارليت وحدها الشيطان بوابل من الهجمات فاق حتى الجهود المشتركة للسحرة. كان جلياً أن الدود السام فوجئ بكل ذلك. وفي حين لم يكن ذكياً كعديد الشياطين الأخرى، أدرك بوضوح الخطر، رغم أن هجمات سكارليت الفردية لم تحمل الكثير من القوة خلفها. كان يعلم أن وضعه المحفوف بالمخاطر بالأصل قد ساء. رد بسلسلة من الزئير الأجش والهدير، محولاً هيكله الضخم لمواجهة تلك التهديدات الجديدة.
خرجت محاجم من السطح الحجري للكهف حيث تقطرت شبيهة دمه، مسعتدة نحو أجساد من سقطوا. تعرفت سكارليت على هذه كآلية متأخرة المرحلة من اللعبة وتصدت للمحاجم بتحكمها الناري، محترقة إياها حتى رماد بينما ساعد شين وأليسا في إنقاذ الساقطين. ثبت الدود السام عينه المتبقية على فين، منقضاً عليه بفكيه الفاغرين. لكن في حالته الموهونة، أثبت أنه أبطأ من أن يدركه فوراً. تفادى الشاب ذو الشعر الأبيض بينما هوى بقدم أمامية هائلة نحوه، ممزقاً في العملية حراشف بعدة أحجام صدرية.
عاد السير هوم للانخراط في المعركة، منضماً إليه زوج من السحرة اللذين استعادتا بعض ماناهم. أطلقوا موجة جديدة من التعاويذ، مضافين إلى وابل سكارليت ضد الشيطان. مع تضاؤل صحته تدريجياً وانحسار قدرته على الرد، بدا أن الدود السام يدرك كيف ستنتهي هذه. فتح فمه مرة أخرى، جامعاَ موجة هائلة من الطاقة المظلمة داخل الهاوية في حلقه. كانت الطاقة هذه المرة قوية لدرجة أنها بدت كأنها تستنزف الحياة من المحيط، بما في ذلك الدود السام نفسه، مشكلة كتلة مركزة من الظلام واصلت التراكم.
أشرقت فكرة في عقل سكارليت. توقفت عن كل هجماتها، ملقية الكهف في ظلام نسبي. ثم استحضرت شمساً نارية صغيرة داخل فم الدود السام المفتوح. دفعتها عبر الظلال الزاحفة وإلى الهاوية الكامنة داخل المخلوق. كانت مفاجأة حين بدت الهاوية كأنها تدفع للخلف. إلى جانب كتلة الظلام المتجمعة التي أكلت نيرانها، هددت الهاوية تقريباً بابتلاع هجومها في تلك اللحظة بالذات. لكن الدود السام كان منهكاً من معركة ضارية.
ولم تكن هي كذلك. صابة كل ذرة من التركيز والقوة في النجمة المصغرة التي استحضرتها، كثفت تألقها. تحول لون اللهب إلى قرمزي حارق، متحدياً قوة الدود السام بشدة حريق غابة هائج مكثف في نقطة واحدة. ثم تحرك شيء ما. اخترق توغلها الناري دفاعات الدود السام، ممزقاً الهاوية بالداخل. وصرخ الشيطان. كان صوتاً ممزقاً للقلب، كأن جوهره ذاته قد تمزق إرباً. تردد صدى الصرخات في الغرفة، مما أجبر سكارليت على تغطية أذنيها حتى وهي تحافظ على هجومها السحري.
أغلق الدود السام فمه، وارتجف هيكله بأكمله، منبعثاً بضوء ساطع من تحت حراشفه المحطمة. وفي تشنج كارثي أخير، انهار على الأرض الحجرية، محترقاً من الداخل. خيم الصمت على الكهف. رجال الدوق الذين ما زالوا واقفين حولوا أنظارهم نحو سكارليت، والسير هوم ضمناً. أبقت عينيها على الدود السام الساقط لفترة أطول قليلاً قبل تحويل انتباهها إلى قائد الفرسان.
— حسناً، تكلمت بصوت حمل عبر أغلب الكهف.
— يبدو وكأننا أنجزنا هدفنا بنجاح.
قد لا تكون التهاني في محلها، بالنظر إلى الإصابات التي تكبدها رجالك، لكنني أعتقد أن الدوق سيكون راضياً تماماً. أليس كذلك؟