كان بيلدون تيندال رجلاً يُصادف دائماً أن يكون على حق. وكانت هذه ميزة يستمتع بها غالباً. لكنّ هناك أوقاتاً تمنّى فيها لو أن الأمور سارت على نحو مغاير. تفحّص المشهد أمامه بنظرة جادّة. كانت قاعة الاحتفالات التي غصّت قبل ساعة بالثرثرة والبهجة، تمتلئ الآن بالنبلاء الجرحى والضيوف أصحاب النفوذ. بدا بعضهم أشعث الشعر قليلاً، بينما استلقى آخرون على الأرض بملابس ملطخة بالدماء بينما يعتني بهم رفقاؤهم.
أثقل الجوَّ عَبَقُ الخشب المحترق والقماش المُفحَم، مختلطاً بالرائحة الخفيفة للنبيذ المسكوب والكبرياء المهشم. وحملت الجداريات، المزيّنة بلوحات جدارية جميلة ونقوش دقيقة كلفها دوقات العصور الغابرة، آثار هجوم قبيلة الخطيئة. مُزِّقت اللوحات النابضة بالحياة، وتناثرت على أرضية الرقص المصقولة سابقاً شظايا الزجاج، والأثاث المحطم، وآثار الحروق. عبر بيلدون الغرفة مسجلاً إصابات الجميع.
ولمح الخوف في عيون من لم تملك سواعدهم طاقة المقاومة وعجزوا عن الهرب حين باغتت القبيلة الجميع بالهجوم. وفي أحد الأركان، تجمّع عدد من الشيوخ والصغار يستردون أنفاسهم من المحنة، بينما استراحت الفصائل التي حماتهم على الأرض لالتقاط الأنفاس. كان مشهداً للدمار والفوضى تمنّى لو أنه لم يششه قط في داره. لعلّ النعمة الوحيدة تكمن في أن أغلب الإصابات وقعت في صفوف القبيلة، وأن معظم غير المقاتلين نجوا من أذى بليغ.
لن توفر الدوقية جَهداً في علاج الحاضرين، لذا رجّح ألا يغادر أحدهم ويندوغروف سوى بندبة. وربما استُيقِظَ المعالجون في أرجاء المدينة للهرع وتقديم العون. لكن، بمعزل عمّا قد يكونون خسروه الليلة، لم يكن متأكداً من مدى عزاء هذه الفكرة. رأى أباه في وسط الغرفة وهو يمشي، صاعداً إلى ما تبقى من منصة هناك. ارتسمت على وجه سانتوس تيندال ملامحه الصارمة المعهودة، لكن الرماد والدماء على ملابسه كشفا عن مدى هشاشته أثناء الهجوم.
ومثلما فعل الغضب الجليديّ المستقرّ في عينيه.
دوّى صوته العميق في أرجاء القاعة ليبلغ الغرف المجاورة على الأرجح: "أيها الضيوف الأكارم. أقف أمامكم اليوم بقلب مثقل، يملؤه الأسف على الهجوم الأعمى الذي استهدفنا جميعاً. لعلّ بعضكم يتذكّر حين حارب إمبراطوريتنا هؤلاء وردّهم على أعقابهم قبل أكثر من عقد، ولكلّ من يجهل الأمر، فقد ارتكب هذا الفعل الدنيء عدونا الأزلي والأكثر حقارة: قبيلة الخطيئة".
علَت همهمات الصدمة أرجاء الغرفة، لكنّ أغلب الضيوف الباقين كانوا يعلمون الأمر سلفاً على الأرجح.
تابع الدوق: "قد لا ندرك الدوافع الكاملة وراء أفعالهم، لكنّ أمراً واحداً يظل جليّاً، تماماً كما كان منذ تأسيس إمبراطوريتنا. لا تمثل قبيلة الخطيئة سوى حفنة من الجبناء الساعين لبثّ الخوف والرعب في صفوفنا. مع ذلك، أقولها لكم: لن يرهبنا فعلهم الخسيس. وكما فعلنا في الماضي، سنقف شامخين مرفوعي الرأس، ولن نرضخ لإرادتهم. لن نسمح لأفعالهم الحقيرة بزعزعة السلام والرخاء اللذين كرسنا نحن وأسلافنا أجيالاً لتشيدهما".
تفرّس في الحشود كنينغ يتفقّد مملكته.
"أما الجرحى منكم، فاعلموا أنني أقف بجانبكم في ساعة الشدة هذه. لا تتخلى دوقيتنا عمّن يطأ أراضينا ضيوفاً مكرمين. سنبذل قُصارى جهدنا لدعمكم ومن تحبون. وأقول لقبيلة الخطيئة: لقد ضربتمونا الليلة، لكنكم لم تكسبوا شيئاً. وكأجدادنا من قبل، سنخرج من المحنة أقوى من أي وقت مضى، وبصفتنا مواطنين أوفياء للإمبراطورية، سنجعلكم تواجهون عواقب أفعالكم".
علقت كلمات الرجل في الهواء لبضع ثوانٍ بينما التفتت الأنظار نحوه. هناك الكثير من الأمور غير المستحبة التي تُقال عن والد بيلدون، لكنّ الرجل امتلك دائماً أسلوباً خاصاً في الحديث. وامتلك كلامه وزناً يصعب تجاهله. ورغم الظروف، بدا كثير ممن أنهكهم الهجوم أو اهتزّوا له، منتعشين بكلماته.
"أعدكم جميعاً، أيها الضيوف الأكارم، بأن تقف ويندوغروف وحلفاؤها في طليعة الجهود الرامية لتقديم هؤلاء المجرمين للعدالة. لن نهدأ حتى تُحقّق العدالة لمن حضروا الليلة، وثاراً لهذا الاعتداء على الإمبراطورية وسلطة جلالة الإمبراطور. عوا كلماتي. لندمْ متّحدين حتى في وجه الشدائد".
تخلل الكلام تصفيق، وبدا أن البعض — وغالبهم من الننبلاء — يردّد صدى مشاعره. وبرغم مظهره الأشعث، بدا الدوق سانتوس تيندال حقاً رجلاً لم يفقد اتزانه جراء الحادثة. غير أن بيلدون عرف أباه حق المعرفة، ولم يغب عن نظره إخفاء الدوق لكلتا يديه خلف ظهره طوال مدة الخطاب. كانت كذبة قولهم إنهم يجهلون دوافع هجوم قبيلة الخطيئة. فقد أدرك أبوه تماماً غاية القبيلة. وكما هو متوقع، نالوها.
رغم أنها تكهنات بحتة، تخيّل بيلدون أن الدوق لو كشف عن يده اليسرى الآن، لرأى الضيوف إصبعاً مفقودة مع الخاتم الذي زيّنها. لقد حذّر أباه من الاحتفاظ بالأثر على جسده بتلك الطريقة. ونهاه عن إبقائه داخل الدوقية، على أرضهم. لقد كان خطراً بلا مبرر. لكنّ أباه رجل عنيد، وقِلّة هم من يثق بهم عمياء. ولم يكن بيلدون سوى فرد هامشي في تلك القائمة، ولن يسلم الدوق غرضاً بمثل هذه الأهمية لجمعية أوستروم أو أيّ من أبراج السحرة.
ولم تكن نقابة الدروع أفضل حالاً برأي الرجل. فلم تكن سوى زمرة مرتزقة صاحبة مبدأ، بلا ولاء للإمبراطورية نفسها. رأى سانتوس تيندال في حماية الخاتم بنفسه جزءاً من واجبه. وما شكّك قط في قدرته على ذلك. أطلق بيلدون شخير خفيفاً وهو يهز رأسه. أثبتت الليلة صواب ظنّ أبوه. فقد نجحت قبيلة الخطيئة — أو لعلّ عليه تسميتها بالعصبة المُقدّسة — في النهاية. باغتتهم جميعاً. أزعجه ذلك. توقع هجوماً من العصبة عاجلاً أم آجلاً، لكنّه ما توقعه الليلة من بين كل الليالي.
ليس حين يجتمع عدد من أقوى أفراد الإمبراطورية في مكان واحد هكذا. فهناك دول صغرى تسقط ببضع أفراد منهم فحسب. وعجز بيلدون عن إحصاء المناسبات الأخرى التي كانت لتلائم الكمين أكثر بكثير. ومع ذلك، حشدت العصبة القوة الكافية لتنفيذ هجوم الليلة، مضحية بالعشرات تلو العشرات من الأرواح حصراً لاستهداف أبيه والأثر الذي يرتديه. لو لم يدرك بيلدون مرعبة قدرة العصبة، لحسبهم حمقى يبددون مواردهم بتهور.
لكنه وجد نفسه يحاول فك رموز منطقهم. بدا التفسير الأرجح هو رغبتهم في إرسال رسالة، لدوقية ويندوغروف وللإمبراطورية قاطبة. غير أن طرقاً أخرى كثيرة كفيلة بتحقيق ذلك بلا تلك المخاطرة. ما الذي دفعهم لاختيار الليلة بالذات؟ هل من شيء دفعهم للتحرك؟ استحضر قراءة تقارير تخص جهود فرسان الشمس المشتركة ضد عدة قواعد معروفة للقبيلة والعصبة في أرجاء الإمبراطورية. قدّم وارلي غودوين وروزانا أدلام استخبارات فاقت غيرهما في هذا الصدد، ولعبت دوراً محورياً في تنظيم تلك الجهود.
وبرغم موارد العصبة التي تبدو بلا نهائية، لا بد وأنّ الأمر ألحق بها ضربة موجعة. اشتهرت روزانا بكرهها للقبيلة، وغالباً ما تُعدّ درع الفئة إس من أبرز الخبراء في قتالهم. أما تورط عميد برج إيليستيد، فبدا مفاجئاً بعض الشيء. لا تزال الأسئلة قائمة حول كيفية حصول الرجل على معلومات تخص تحركات العصبة، سيما وأن تقارير رأت بيلدون يذكر وجوده في فيسيان وممالك غرب فونيا في الأشهر الأخيرة.
شخصياً، اشتبه بيلدون في تورط المستشار الإمبراطوري بلاكوود بطريقة ما. فصعب تتبع تحركات العميد، لكنّ الأحداث الأخيرة أشارت لاجتماع الاثنين مرة واحدة على الأقل. بغض النظر عن السبب الحقيقي وراء أفعال العصبة، استبعد أن تكون مسألة بسيطة. فقد علم بوجود أطراف أخرى تنشط في هذه الصراعات بما يتجاوز الظاهر. أطراف لا ترغب دوماً في الإفصاح عن وجودها. لكنّ أمراً واحداً بدا جليّاً له.
استهلكت العصبة أكثر من مجرد قوى بشرية في هجوم الليلة. جهل الطريقة الدقيقة لخلق البوابات ونقل هذا العدد الهائل من الأفراد في وقت قصير هكذا — فالعصبة المُقدّسة تملك معرفة وسحراً لا يملكه غيرها — لكن ذلك استلزم ثمناً باهظاً. خُفِّفت التعاويذ الواقية حول القلعة لتجنب إزعاج الضيوف — ولعلّ هذا عامل ساهم في اختيارهم الليلة — لكن حتى سيد السحر احتاج لوقت ومقدار كبير من المانا لاختراق تلك الدفاعات.
أرادت العصبة بوضوح الخاتم الذي جاءت من أجله. والمستجد الآن هو ما سيحدث بعد حصولهم عليه. ولمزيد من إحباطه، لم يعلم بيلدون أكثر ممّا علمه أبوه عن الغاية الحقيقية للخاتم. لم يكشف الدوق يوماً عن مكان عثوره على الأثر، لكنّ الاثنين علما بارتباطه بالعصبة بطريقة ما، وبهايج التنانين الذي وقع قبل سبع سنوات. وبدا أبوه معتقداً بارتباطه أيضاً بهجومات القبيلة الأولى حين كشفت عن نفسها مجدداً قبل بضعة أشهر.
وفي حين رأى الجهلة تلك الهجومات أعمال إرهاب بسيطة، أدرك بيلدون أن أموراً كهذه تظل ثانوية بالنسبة للعصبة. أظهرت عمليات مسح مواقع الهجمات بحث القبيلة عن شيء ما تحتها. وعلى الأرجح، وجدوا ذلك الشيء أيضاً. رغم ذلك، لم يقتنص تماماً رابطاً بين تلك الهجومات والخاتم. فقد اشتبه بوجود غاية مختلفة وراء الهجومات السابقة، وإن كره جهل اليقين. والحقيقة المؤلمة تمثلت في معاناة منظمة مثل ميراج حتى في تتبع أخبار العصبة.
وما صحّ هنا لم يسرِ عكسياً. امتلكت العصبة قدرة مزعجة على انتزاع أي معلومة تشاؤها من عملائها الأسرى. وسبب ذلك إحباطاً خاصاً خلال العام المنصرم مع تصاعد أنشطتهم، واعتياد العصبة خطف رجال بيلدون في كل فرصة لحلبهم عما يعرفون. وأجبره ذلك على اتخاذ تداحت صارمة وجذريّة أثرت بشدة على كفاءة عمل ميراج، ورغم ذلك عجز عن تفادي المشكلة تماماً. استبعد قدرة ميراج على كشف الغاية الحقيقية للخاتم بمفردها.
لكنه شعر بقبض في صدره لدن قرب مواجهة تداعيات سرقته.
"بيلدون".
توقف ورفع بصره مع اقتراب أخيه، ليلقي نظرة سريعة على هيئة الرجل ملاحظاً بقع الدماء على ساقيه والقطع الكبير في أحد كميه.
"طلب مني أبي الإشراف على الاستعدادات تحسباً لعودة قبيلة الخطيئة".
قال غيدون: "إنه يريد منك العمل مع رجالنا وتوثيق أسماء المفقودين والجرحى والقتلى بينما يتولى هو بقية التداعيات".
رد بيلدون: "لقد بدأت بالفعل"، متجنباً ذكر حاجة والده لعلاج يده أولاً.
لم يوجد في ويندوغروف سوى قلة من المعالجين القادرين على إعادة نمو الأطراف كلياً، وشرط ذلك التحرك بالسرعة الكافية. وبالطبع، فضّل سانتوس تيندال الحفاظ على سمعته على حساب ذلك. ظهرت على أخيه ومضة دهشة، لكنه ما لبى أن أومأ والتفت ليعطي الأوامر لبعض الحراس المجاورين لاتباعه. أعاد بيلدون تركيزه إلى باقي القاعة، متفحصاً وجوه الضيوف ومقَدّراً حالتهم الراهنة. وأوقف عرضاً خادماً متعباً يحمل أوعية مياه موجهاً إياه بإيصال رسالة لميريا وجلب ورق.
سيطلب أبوه قريباً لائحة شاملة قبل انتهاء الليلة، لكنّ بعض الضيوف لن ينتظروا بصبر حتى ذلك الحين. سيغتنم بعض المتهورين الفرصة لتوبيخ عائلته وعجزها عن منع الهجوم، مطالبين بتعويضات عن أضرار وإصابات قد توجد أو لا توجد. والأفضل العمل مسبقاً في ظروف كهذه، وستعرف ميريا ما ينبغي فعله. واصلت نظرات بيلدون تجوالها في الغرفة، لتستقرّ على أبرز الحاضرين. وقف ألكوت ثاكري من الطليعة وسط مجموعة أنهكها القتال، بقدّه الشبيه بالدب المرتفع فوقهم.
وتلطخ صدره المكشوف بالدماء والحروق جراء مواجهته عضواً رفيعاً بالقبيلة. وكما تقضي سمعته، تحمل ثاكري وزر الهجمات الأكبر، ضامناً نجاة الآخرين بلا أذى يُذكر. وليس بعيداً عنه، تحادث عميد برج إيليستيد مع رودمون أينزورث، سيد السحر الآخر الوحيد الحاضر. وبدا الاثنان بلا خدوش تقريباً، لكن بيلدون شاهد الخصوم الأقوياء الذين واجهوهم خلال المعركة. وحالف الحظّ الجميع لالتزام الجانبين قدراً من التحفظ.
وقف الكونت نوتلي مع عائلته بملامح عبوسة. وإلى جواره على الأرض استقرت فأس ضخمة، بينما ساعدته ابنته الصغيرة في تنظيف الدماء عن وجهه من كسر بدا ظاهراً على أنفه. وجلس الابن الأكبر لآل ديلمون بملامحة المقطبة على ما تبقى من كرسي، بينما اعتنى به خادمان لتنظيف ومعالجة إصابة بالغة في ذراعه اليمنى. ورقد فالديمار هايدن فاقداً وعيه على طاولة، بلا جروح ظاهرة. وسيتعين على بيلدون الاستفسار لاحقاً عن تفاصيل ذلك.
اقتربت الماركيزة ثاكري بخطوات واثقة من ابن عمّها، بشعرها الرمادي المعتاد وقد تدلى مبعثراً بحرية فوق ظهرها. وبخلاف ذلك، بدت سليمة تماماً. أما شيبارد ياردلي، قائد فرسان الكهرمان، فأحاط به عدد من رجاله بينما عكفوا على تنظيف مخلفات الهجوم وتوجهوا لتفتيش بقية الغرف. ودخلت أيانا ويب القاعة أيضاً، عارضة أحد أكثر تعابير الوجه حيوية لرأها بيلدون على السيافة وهي تقترب بعبوس من فرسان آخرين.
لم يرها أثناء المعركة، لذا يُرجّح تعلقها بأمر ما في مكان آخر. وأثناء ملاحظاته، التقطت عيناه كاهناً أصفر الشعر بمعطف أحمر ساطع، يتنقل بين الناس مستخدماً سحراً يلمع بذهبيّة براقة لشفاء المحتاجين. واستعرض بيلدون ذهنياً قائمة الكهنة المحتمل حضورهم الليلة قبل تعرّف الرجل. ابتسامة خفيفة شقت طريقها إلى شفتيه. بدا أنه حتى مع اضطرابات دوائر الأتباع الحالية، اختارت الهيئة عدم تقييد أصغر أعضائها بشدة.
وفي غمرة تفحصه وجوه المحيطين، لاحظ بيلدون أحوال آخرين عرفهم ومرّوا قربه، ناوياً تدوين كل شيء لاحقاً. وأخيراً، استقرت عيناه على شقيقتين. امتلكت الأولى شعراً بلون الكستناء بطول العنق وبدت كأنها ستغرق في النوم بأي لحظة، بينما تميزت الأخرى بشعر أحمر داكن طويل ومظهر متزن وهي تتحدث مع سيدة طاعنة في السن. ولاحظ بيلدون ارتداء البارونة سكارليت هارتفورد لزيّ مختلف تماماً عمّا رآه عليها سابقاً.
هل نجحت في تبديل ملابسها خلال الفوضى العارمة؟ كلا، الأرجح أنها ثمرة أحد تلك الآثار التي تبدو ذخيرتها بلا نهاية. راقبها لفترة وجيزة أخرى. شكّلت سكارليت هارتفورد لغزاً آخر حاول بيلدون فك طلاسمه. حتى أشهر خلت، اتسم رسم خريطة أفعالها بالتوقع والاستقامة. ولم يختلف عما شهده من عشرين نبيلًا آخر، وإن بجرأة مفرطة قليلاً. غير أن شيئاً ما تغيّر، وجهل سبب ذلك. حتى الآن. فهو لم يجزم بعد.
افترض في البداية وجود محرّك خفيّ يقود خيوط النبيلة. نبيل رفيع المستوى يتخذها واجهة لمخططاته. وبدا آل ديلمون المرشح الأبرز. واحتمل الأمر الكونت نوتلي، لكن باحتمال ضعيف نظراً لشخصية الرجل. بيد أن تفاعلات تلت ألقت شكوكاً على تلك الفرضية. سواء لهشاشة طبيعة علاقة سكارليت بمعظم النبلاء المؤثرين، أو لعجز بيلدون عن التخلص من شعور بعدم بساطة الأمر. لم تبد المرأة ممن ينحنين بسهولة لمعظم الناس.
وإن تعاملت مع أحد، فليس كتابعة. بالطبع، احتمل الأمر كون شخصيتها ككل مجرد تمثيلية. وما شكّك يوماً بقدرتها التمثيلية. وما أثار فضوله حقاً تجاوز التغيرات الظاهرة حولها مؤخراً أو الأمواج التي أحدثتها في دوائر معينة عبر الإمبراطورية. بل تمثل في المعرفة التي امتلكتها. فلن تقتصر إفادتها له على تقديم نوع المعلومات التي سعى خلفها بدقة — ملمحة لتعمق إلمامها بميراج وآلياتها — بل أظهرت معرفة عميقة بالآثار القديمة والخراب والآثار المقدسة أيضاً.
وأفاد مخبروه داخل نقابة الدروع بمراقبة قيادتها الحثيثة لها، وينطبق ذات الأمر على الأتباع وبعض الفصائل السحرية. ولم يغب عن بملك تزايد النشاط في بارونية ويذرسورث فور ورود تقارير عن مكوث البارونة هارتفورد في عقار أوتومويل الخاص بهم. وأوحت استفسارات وكلائه اللاحقة بتعاملهم مع اللعنة التي ابتليت بها أراضيهم. ولم يتطلب الأمر عبقريّة لربط الخيوط ببعضها. ولو صحت شكوكه حول تورط البارونة، فوضع ذلك آل ويذرسورث في دينها.
وتأكد الأمر أكثر بقبول الزوجين المسنين دعوة حفل الليلة، رغم غيابهما عن الحضور لسنوات عديدة. وإضافة لحقيقة حديث السيدة ويذرسورث مع المرأة حالياً. بدا الأمر كأن البارونة كانت تجمع الحلفاء. لا حلفاء ذوي نفوذ حقيقي بعد، لكن لآل ويذرسورث صلات شتى. ولا يستهان بالسيد أو السيدة ويذرسورث، حتى بعد ابتداء ابتعادهما عن معظم مجتمع الطبقة الراقية. ومع ذلك، ظلّت غاية البارونة الدقيقة من كل هذا مجهولة.
لكن ليت الأمر اقتصر على ذلك فحسب. فقد لمح بيلدون طيفها خلال القتال المبكر، وأذهلته قدراتها. فلم تتطابق أبداً مع ما عُرف عن عجزها المزعوم كسحرة. رغم افتراضه كون ذلك دليلاً إضافياً على عدم بساطتها كما تبدو. وتأكد له الآن يقيناً أن النبيلة التي ظنّ الكثيرون معرفتهم لها ليست سوى فصل من تمثيلية ما، على أقل تقدير. بدا وكأنه يتشارك معها سمات عدة، إن تفكّر بالأمر. نأمل أن يتمكن من لقائها صباحاً.
فقد يصعب إيجاد وقت عقب الهجوم، ومن المؤكد إلغاء والده للتجمع المزمع عقده غداً، لكنه استبعد مغادرة البارونة قبل ذلك. وإن فعلت، فسيشكل زيارة فريبروك لاحقاً لمجرد لقائها أمراً مزعجاً. وعليه التفكير بحلّ لذلك، تحسّباً.
"أخي"، بلغته من الجانب.
وتوقف عن استغراقه، ملتفتاً نحو أخته المُقبلة.
"ماريل. أراكِ لا تزلين هنا".
تفحص هيئتها. كانت الشابة ذات الشعر الداكن سليمة بلا أذى، بعد أن حماها عدة حراس خلال الفوضى المبكرة.
"صحح لي إن كنت مخخطئاً، لكن ألا يُفترض بغيدون أمرك بالتوجه لغرفتك والراحة؟ يشي وجودك هنا باختيارك عدم الانصياع".
"أرسلت آن بعيداً، لكن الخطر زال. أساعد حالياً في جهود الإنقاذ".
"آه، يا لها من أخت طيبة أمتلكها. تفضلين سلامة المحيطين بك على تفادي أسبوع من الحبس في القلعة لتمرّدك على الأوامر".
ردت قائلة: "أفضل من لا شيء".
وتوقفت إلى جواره، متلفتة حولها.
"ماذا تفعل؟"
"Oh, nothing much. Simply waiting for my trusted subordinates and some writing implements to arrive so that I can get to work."
-> "لا شيء يُذكر. أنتظر وصول مرؤوسي الموثوقين وبعض أدوات الكتابة لأشرع في العمل".
التفتت رأس ماريل بالاتجاه الذي نظر إليه بيلدون قبل قليل، لتستقر عيناها على الشقيقتين هارتفورد للحظة.
"تلك هي المرأة التي تحدثت إليها أول الليلة، أليست كذلك؟ البارونة هارتفورد؟"
"يسعدني تذكرك حتى أوهن مغامراتي، أختي العزيزة".
عبست متسائلة: "ما طبيعة علاقتك بها؟"
ابتسم بيلدون: "مجرد معارف، أؤكد لكِ. أخشى فقدان طرف أو اثنين إن طمحت لما هو أكثر. زد على ذلك، خطيبها صدفةً نائب قائد فرسان الشمس الإمبراطوري".
"أعرف السير ليون. وليس من نوع من يتصرف بدافع الغيرة".
"لم ألمح لذلك".
درسته أخته ملياً، ثم استدارت.
"سأحاول جمع المعالجين فور وصولهم والمساعدة في تنظيم جهودهم. نويت سؤالك عن إمكانية إعانة ميريا أو غيرها، لكنني أظنها منشغلة معك. إياك وقتل نفسك بنسيان الراحة ولو للحظة".
راقب بيلدون رحيلها، وابتسامة خفيفة معلقة على شفتيه حتى ابتعدت كفاية. ثم تلاشت. ألقى نظرة أخيرة باتجاه عائلة هارتفورد قبل إعادة تركيزه على مهمته الحالية. استدعى الأمر الكثير من الاهتمام حالياً، لكن لكل شيء وقته. أما البارونة، فلتنتظر محادثاتهما حتى التقائهما القادم.